قصة ظلال الواحة
يعود عمر إلى مزرعة عائلته بعد حادث غيّر حياته، ليجد خالته نورة تخشى سرًا خطيرًا. وعندما تقع جريمة غامضة خلف باب مغلق، يبدأ البحث عن القاتل وسط أسرار عائلية قديمة وتحويلات مالية مشبوهة. فمن يخفي الحقيقة في الواحة؟
العودة
«حين يعود الإنسان إلى المكان الذي هرب منه، يعود معه كل ما ظن أنه تركه وراءه.»كان القطار يعبر الصحراء ببطء، بينما جلس عمر خلف النافذة يراقب الرمال الممتدة حتى الأفق. كانت ساقه تؤلمه، وكان يضغط بأصابعه على مقبض عكازه بين حين وآخر. لم يكن بحاجة إليه وهو جالس، لكنه كان يشعر ببعض الاطمئنان كلما أمسك به.
منذ الحادث، لم يعد عمر يثق بجسده كما كان من قبل. قبل أشهر قليلة، كان يقود سيارته لساعات، ويصعد السلالم دون تعب، ويعمل حتى منتصف الليل. ثم جاء صباح غيّر حياته كلها. كان يعبر أحد التقاطعات عندما اندفعت سيارة من طريق جانبي. سمع صوت المكابح، ثم تحطم الزجاج، وبعدها فقد وعيه.
عندما استيقظ في المستشفى، أخبره الطبيب بأنه محظوظ لأنه نجا من الحادث. لكن عمر لم يشعر بالحظ. كان عليه أن يتعلم المشي من جديد، وأن يتقبل حياة مختلفة عن تلك التي اعتادها.
أخرج من جيبه صورة قديمة لمزرعة «الواحة». ظهر فيها طفل صغير يقف بين نخيلتين ويبتسم للكاميرا. كان ذلك الطفل هو عمر نفسه، قبل سنوات طويلة، عندما كانت الحياة تبدو أبسط مما أصبحت عليه.
تأمل الصورة وقال بصوت منخفض:
— كنت أظن أن الأشياء تبقى كما هي.
قبل أسبوع، تلقى اتصالًا من خالته نورة. لم تتحدث طويلًا، لكنها طلبت منه العودة إلى المزرعة.
— تعال يا عمر.
سألها عن السبب، فصمتت قليلًا قبل أن تجيب:
— أحتاج أن أراك قبل أن يحدث شيء لا أستطيع إصلاحه.
أقلقته كلماتها. فقد عرف نورة طوال حياته امرأة قوية لا تخاف بسهولة. بعد وفاة والده، تولت إدارة المزرعة، وسددت ديونها، ووسعت أعمالها حتى أصبحت صاحبة القرار في العائلة. اعتادت مواجهة المشكلات بنفسها، ولم تكن تطلب المساعدة إلا عند الضرورة.
لكن صوتها في الهاتف كان مختلفًا. شعر عمر بأنها تخشى أمرًا لا تريد الحديث عنه.
عندما وصل إلى محطة العمارية، وجد سالم ينتظره. كان الرجل المسن يعمل في المزرعة منذ سنوات طويلة، ويعرف تاريخ العائلة وأسرارها أكثر من أي شخص آخر.
أخذ سالم حقيبته، ثم نظر إلى العكاز وقال:
— الحمد لله على السلامة.
— الله يسلمك يا سالم.
تردد سالم قليلًا قبل أن يقول:
— نورة كانت تنتظرك.
— أعرف، لقد اتصلت بي.
— لكنها ليست بخير.
نظر إليه عمر بقلق.
— ماذا حدث؟
أدار سالم وجهه نحو الطريق وقال:
— لا شيء.
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة.
— ما زلت تكذب بالطريقة نفسها يا سالم.
لم يبتسم الرجل، واكتفى بالنظر إلى الطريق أمامه.
عندما ظهرت بوابة المزرعة، شعر عمر بشوق إلى المكان الذي قضى فيه طفولته. كانت أشجار النخيل والليمون تحيط بالبيت، وما زال المصباح الأصفر معلقًا فوق المدخل كما يتذكره.
لكن شعوره بالراحة لم يستمر طويلًا.
كان فاضل، زوج نورة، يقف عند مدخل البيت. استقبل عمر وصافحه، ثم نظر إلى عكازه نظرة سريعة لم يستطع عمر فهمها. لم يسأله عن صحته، واكتفى بالترحيب به قبل أن يدعوه إلى الداخل.
وجد عمر خالته تنتظره في المجلس. نهضت ببطء، ووضعت يدها على وجهه، ثم ابتسمت.
— كبرت يا عمر.
ضحك وقال:
— وأنت لم تتغيري يا خالتي.
نظرت إليه طويلًا قبل أن تجيب:
— بل تغيرت كثيرًا.
جلسا يتحدثان. سألته عن ساقه، وعن فترة علاجه، وعن نومه بعد الحادث. لكنه لاحظ أنها كانت تنظر إلى باب المجلس كلما سمعت حركة في الممر.
انتظر حتى انتهت من أسئلتها، ثم قال:
— خالتي، ماذا يحدث هنا؟
لم تجبه مباشرة. اقتربت منه وخفضت صوتها.
— أريد منك شيئًا واحدًا.
— ما هو؟
— إذا حدث لي شيء، فلا تصدق أول رواية تسمعها.
شعر عمر بالقلق.
— لماذا تقولين هذا؟
ابتسمت نورة ابتسامة متعبة وقالت:
— لأن بعض الناس لا يكذبون عندما يروون ما حدث، لكنهم يخفون الأجزاء التي لا يريدون لأحد أن يعرفها.
العشاء
«في بعض البيوت، يجتمع الناس حول المائدة وهم يحملون أسرارًا لا يعرفها الآخرون.»
اجتمعت العائلة حول مائدة العشاء بعد التاسعة مساءً. جلس سلمان عند طرف الطاولة، وجلس فهد بالقرب من أمه، بينما جاءت ريم تحمل ملفًا سميكًا وضعته إلى جانبها.
كان فاضل هادئًا على غير عادته. تناول قطعة من الخبز، ثم قال:
— يجب أن ننهي موضوع المزرعة هذا الشهر.
رفع عمر رأسه وسأل:
— أي موضوع؟
نظرت نورة إلى زوجها وقالت:
— لم نتفق على شيء يا فاضل.
أجابها:
— اتفقنا على أن الوضع لم يعد يحتمل التأجيل.
تدخلت ريم وقالت:
— المشكلة ليست في المزرعة، بل في التحويلات المالية.
توقفت الأحاديث حول المائدة، والتفت الجميع إليها. نظر إليها فاضل بحدة.
— انتبهي لما تقولينه يا ريم.
فتحت الملف وأجابت:
— أنا أراجع هذه الحسابات منذ ستة أشهر، وأعرف ما أقوله.
أخرجت ورقة ووضعتها أمام الجميع. كانت تحتوي على قائمة بتحويلات مالية متكررة من حساب الشركة إلى شركات صغيرة تحمل أسماء مختلفة. والأغرب أن المستندات كانت تحمل توقيع والد عمر القديم، رغم أن بعضها يعود إلى فترة تالية لوفاته.
قالت ريم:
— هذه التحويلات تحمل توقيع عمي، لكنه لم يكن يستطيع توقيعها.
ساد الصمت. تغير وجه فاضل للحظة، ثم حاول استعادة هدوئه.
— ربما تكون أوراقًا قديمة.
ردت ريم:
— بعضها حديث، وهذا ما يجعل الأمر خطيرًا.
— وماذا تريدين أن تفعلي؟
— أريد معرفة الشخص الذي استفاد من هذه الأموال.
نظر فاضل إليها دون أن يجيب.
في تلك اللحظة، دخل سالم يحمل إبريق الشاي، ووضعه أمام نورة. لاحظ عمر أن سالم كان يتجنب النظر إلى فاضل، وأنه صب الشاي لنورة وحدها قبل أن يغادر.
بعد العشاء، خرج عمر إلى العريش، فوجد ريم جالسة هناك. اقترب منها وسألها:
— ماذا وجدت في الحسابات؟
أخرجت ورقة كانت قد أخفتها أثناء العشاء.
— هناك شخص كان يحصل على نسبة من أرباح المزرعة، لكن اسمه اختفى من السجلات.
— من هو؟
— الاسم ممسوح من النسخة التي وجدتها.
— وهل تعرفه خالتي نورة؟
نظرت إليه ريم وقالت:
— نعم، تعرفه.
— وماذا قالت عنه؟
ترددت قليلًا.
— قالت إن ظهور بعض الأسماء القديمة قد يغير كل ما نعرفه عن العائلة.
فكر عمر في كلامها، ثم سأل:
— هل تظنين أن فاضل وراء التحويلات؟
لم تجبه ريم، لكن نظرتها كانت كافية ليعرف أنها تشك فيه.
في منتصف الليل، استيقظ عمر على صرخة قوية، ثم سمع فهد ينادي:
— أمي!
حاول عمر النهوض بسرعة، لكن ساقه لم تساعده، فسقط عكازه على الأرض. أمسك بطرف السرير، واستعاد توازنه، ثم خرج إلى الممر.
وجد أفراد العائلة مجتمعين أمام جناح نورة. كان الباب مغلقًا، وفهد يحاول فتحه بكتفه، بينما كان سلمان يجرب المفتاح. وقف فاضل خلفهما يراقب ما يحدث.
سأل عمر:
— ماذا حدث؟
صرخ فهد:
— أمي لا ترد علينا!
بعد عدة محاولات، تمكنوا من كسر القفل وفتح الباب. اندفعوا إلى الداخل، فوجدوا نورة ملقاة على الأرض بجوار سريرها.
كان فنجان الشاي على الطاولة، والمبخرة ما زالت مشتعلة، وبالقرب من يد نورة زجاجة دواء مكسورة.
اقترب عمر منها محاولًا مساعدتها، لكن فاضل أمسك بذراعه وقال:
— لا تلمس شيئًا.
نظر عمر إليه باستغراب. كان صوته هادئًا بصورة غير طبيعية، وكأنه توقع ما سيجدونه داخل الغرفة.
لم يستطع عمر التخلص من سؤال واحد: لماذا تصرف فاضل وكأنه يعرف أن ما حدث لم يكن مجرد حادث؟
السم
«قد يكشف تفصيل صغير حقيقة حاول المجرم إخفاءها بعناية.»
وصل الطبيب، ثم حضرت الشرطة إلى المزرعة. امتلأ المكان بأضواء سيارات الطوارئ، وبدأ أفراد العائلة يجيبون عن أسئلة الضباط.
كانت نورة قد فارقت الحياة. وبعد الفحص الأولي، لم يستطع الطبيب تحديد سبب الوفاة، فقرر الضابط انتظار نتائج المختبر.
فحص رجال الشرطة الغرفة. كان الباب مغلقًا من الداخل قبل كسره، والنافذة مقفلة، ولم تظهر آثار اقتحام.
سأل الضابط:
— من كان آخر شخص تحدث مع نورة؟
أجاب فاضل:
— لا أعرف.
ثم أضاف:
— ربما كانت حالتها النفسية سيئة في الأيام الأخيرة.
رفع فهد رأسه بغضب.
— أمي لم تنتحر!
رد فاضل:
— لم أقل إنها انتحرت.
تدخل عمر وقال:
— لكنك تحدثت عن حالتها النفسية قبل أن نعرف سبب وفاتها.
التفت إليه فاضل.
— كنت أحاول أن أكون واقعيًا.
لم يرد عمر، لكنه أصبح أكثر شكًا في تصرفاته.
دخل الضابط الغرفة مرة أخرى. كانت المبخرة ما زالت تطلق دخانًا كثيفًا، ورائحتها أقوى من المعتاد.
لاحظ عمر قطعة سوداء صغيرة تحت طرف السجادة. أشار إليها بعكازه، فطلب الضابط من أحد أفراد فريق الأدلة الجنائية فحصها. كانت قطعة مكسورة تشبه جزءًا من غطاء عبوة.
سأل الضابط:
— هل تعرف ما هذه؟
أجاب عمر:
— لا أعرف، لكنها لا تبدو جزءًا من أثاث الغرفة.
ثم التفت إلى سالم الذي كان واقفًا في الممر.
— سالم، أنت أعددت الشاي الليلة؟
— نعم.
— وهل دخلت غرفة خالتي؟
تردد سالم قبل أن يجيب:
— لا.
لاحظ عمر ارتجاف يده، فسأله:
— هل هناك شيء تخفيه؟
لم يجب سالم في البداية، ثم قال فجأة:
— أنا أعددت الشاي، لكنني لم أضع السم.
توقف عمر عن الكلام، ونظر إليه الضابط باهتمام.
— من أخبرك أن نورة ماتت مسمومة؟
رفع سالم عينيه، لكنه لم يجد جوابًا.
في صباح اليوم التالي، وصلت نتائج الفحوص الأولية. لم يجد المختبر أي أثر للسم في الشاي، لكنه كشف وجود مادة سامة في بقايا الدواء والزجاجة المكسورة.
أما المبخرة، فقد احتوت على مادة عطرية قوية يمكن أن تخفي رائحة بعض المواد الكيميائية لفترة قصيرة.
قال الضابط وهو يراجع التقرير:
— يبدو أن أحدهم أراد توجيه انتباهنا إلى الشاي.
أجابه عمر:
— بينما كان السم في مكان آخر.
أصبح السؤال الأهم هو معرفة الشخص الذي يستطيع الوصول إلى دواء نورة دون أن يثير شكها.
قالت ريم:
— فاضل.
التفت الجميع إليها، فأكملت:
— هو الذي نقل خزانة الأدوية إلى جناح أمي قبل أسابيع، وقال إنه يريد تنظيم الغرفة.
رد فاضل بحدة:
— هذا لا يثبت شيئًا.
قال عمر:
— صحيح، لكنه يجعلنا بحاجة إلى معرفة من استخدم الخزانة.
نظر الضابط إلى القطعة السوداء التي عُثر عليها تحت السجادة.
— وربما تساعدنا هذه القطعة على معرفة ما حدث.
الدفتر
«الماضي لا يختفي دائمًا، فقد تبقى منه ورقة تكشف ما حاول الجميع نسيانه.»
في المساء، دخل عمر غرفة والده القديمة. لم يزرها منذ سنوات، وكانت معظم الأشياء ما زالت في أماكنها. غطى الغبار المكتب، وبقيت الصور العائلية معلقة على الجدار.
بدأ عمر بتفتيش الأدراج ومراجعة الملفات والعقود التي طلبت ريم فحصها. أمضى وقتًا طويلًا يبحث عن أي شيء يفسر التحويلات المالية، لكنه لم يجد ما يفيده.
جلس على الكرسي، وتذكر كلمات نورة: «لا تصدق أول رواية تسمعها».
نظر حوله مرة أخرى. كانت هناك خزانة خشبية قديمة في زاوية الغرفة. اقترب منها ومرر يده على أحد ألواحها، فلاحظ أنه يتحرك قليلًا.
ضغط على اللوح، فانفتح خلفه فراغ ضيق. أدخل يده وأخرج دفترًا أسود قديمًا.
جلس إلى المكتب وبدأ يقلب صفحاته. كان الدفتر يحتوي على أسماء وأرقام وحسابات وتحويلات مالية تعود إلى سنوات طويلة.
وبين الأسماء وجد اسم الشخص الذي تحدثت عنه ريم.
سالم.
لكن المعلومات المكتوبة لم تشر إلى أنه سرق شيئًا. فقد منحه والد عمر نسبة من أرباح المزرعة تقديرًا لما فعله خلال سنوات الجفاف، عندما ساعد في إنقاذ العمال والمواشي ورفض ترك المزرعة.
كان سالم قد رفض الحصول على المال، ولذلك بقيت حصته مسجلة في الحسابات دون أن يتسلمها.
واصل عمر قراءة الدفتر حتى وجد ملاحظة بخط والده:
«التوقيعات الموجودة في بعض التحويلات ليست توقيعاتي. فاضل يعرف أكثر مما يقول. لقد دخل الشركة بحجة مساعدتنا، لكنه بدأ يأخذ من أموالها. إذا وصلت هذه الأوراق إلى نورة، فعليها أن تعرف الحقيقة».
شعر عمر بصدمة شديدة. كان يعرف أن فاضل عمل محاسبًا للشركة قبل زواجه من نورة، لكنه لم يتوقع أن يكون متورطًا في اختلاس أموالها منذ ذلك الوقت.
أظهرت الملاحظات أن التحويلات المشبوهة بدأت قبل الزواج، وأن والد عمر اكتشف بعضها وواجه فاضل بشأنها. وبعد فترة قصيرة، توفي الأب إثر أزمة قلبية.
اعتقدت العائلة يومها أن الوفاة طبيعية. أما عمر، فقد بدأ يتساءل عما إذا كانت هناك أمور لم يعرفها أحد.
لم يجد في الدفتر دليلًا على أن فاضل تسبب في وفاة والده، لكنه أدرك أن نورة ربما عرفت شيئًا عن الاختلاس واختارت الصمت. ربما أرادت حماية العائلة من الفضيحة، أو ظنت أنها تستطيع السيطرة على فاضل إذا أبقته قريبًا منها.
أغلق الدفتر، ثم سمع صوتًا خلفه.
— كان يجب أن تترك الماضي مدفونًا.
استدار عمر، فرأى فاضل واقفًا عند الباب.
كان هادئًا، لكن نظرته لم تكن مطمئنة.
قال عمر:
— أنت قتلت نورة.
ابتسم فاضل ابتسامة ساخرة.
— لديك خيال واسع.
— والدي اكتشف اختلاسك لأموال الشركة.
— هذه أوراق قديمة.
— ونورة اكتشفت أنك ما زلت تفعل الشيء نفسه.
تغيرت ملامح فاضل قليلًا.
— نورة كانت تعرف أن المزرعة ستنهار إذا استمر الوضع كما هو.
— بسببك أنت.
— بسبب الجميع.
اقترب فاضل خطوة من المكتب.
— أنت عشت بعيدًا يا عمر. لا تعرف ماذا حدث هنا طوال هذه السنوات.
أجابه عمر:
— أعرف ما يكفي لأفهم سبب خوف نورة منك.
نظر فاضل إلى العكاز الذي يستند إليه عمر.
— أنت بالكاد تستطيع الوقوف. ماذا تظن أنك ستفعل؟
أمسك عمر بالدفتر وقال:
— أستطيع قراءة ما تركه والدي.
ساد الصمت للحظة، ثم جاء صوت من الممر:
— وأنا أستطيع أن أشهد على ما سمعت.
التفت فاضل نحو الباب. كانت ريم تقف هناك، وخلفها الضابط الذي استدعته بعدما أخبرها عمر بأنه سيبحث في غرفة والده.
تراجع فاضل خطوة، لكنه لم يقل شيئًا.
سالم
«ليس كل من يصمت مجرمًا، لكن الصمت قد يمنح المجرم فرصة لإخفاء الحقيقة.»
لم تكن الأدلة التي جمعها عمر كافية لإثبات أن فاضل قتل نورة. فقد استطاع تفسير بعض التحويلات المالية، كما أن وجود السم في الدواء لم يثبت أنه الشخص الذي وضعه.
كان الضابط يعرف أن القضية تحتاج إلى دليل يربط فاضل مباشرة بما حدث داخل الغرفة.
وكان سالم الشخص الوحيد الذي بدا أنه يعرف أكثر مما قاله.
جلس عمر معه تحت نخلة قديمة في الطرف الشرقي من المزرعة. انتظر قليلًا، ثم سأله:
— أنت تعرف ما حدث لنورة، أليس كذلك؟
ظل سالم ينظر إلى الأرض قبل أن يجيب:
— نعم.
— لماذا لم تخبرنا؟
تنهد الرجل وقال:
— كنت أظن أن حماية العائلة أهم من كشف أسرارها.
— وهل حميتها بصمتك؟
رفع سالم عينيه.
— لا. لقد أخطأت.
سكت قليلًا، ثم تابع:
— قبل يومين من وفاة نورة، طلبت مني مراقبة فاضل.
استغرب عمر.
— لماذا؟
— لأنها عرفت أنه يبحث عن دفتر والدك، وكانت تخشى أن يفعل شيئًا خطيرًا.
— وماذا رأيت؟
— رأيته يدخل الغرفة التي تحفظ فيها الأدوية، ثم رأيته يخرج من جناح نورة في الليلة التي ماتت فيها.
نظر عمر إليه بصدمة.
— ولماذا لم تخبر الشرطة؟
أغمض سالم عينيه وقال:
— نورة طلبت مني ألا أواجهه حتى تتأكد مما يفعله. وبعد وفاتها خفت أن أتهمه دون دليل، وخفت أيضًا أن أكون أنا المتهم بسبب الشاي الذي أعددته.
— هل كانت تعرف أنه قد يحاول قتلها؟
— كانت تشك في ذلك.
شعر عمر بالغضب والحزن.
— ومع ذلك بقيت معه؟
— كانت تريد جمع الأدلة أولًا.
أخرج سالم مفتاحًا صغيرًا من جيبه ومده إلى عمر.
— أعطتني هذا قبل وفاتها.
— ماذا يفتح؟
— درج مكتبها. طلبت مني الاحتفاظ به حتى تحتاج إليه.
أبلغ عمر الضابط بالمفتاح، وفتحا الدرج بحضور أحد أفراد الشرطة.
وجدوا رسالة قصيرة كتبتها نورة بخط يدها:
«عمر،
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فقد حدث ما كنت أخشاه.
فاضل يعرف أنني اكتشفت التحويلات المالية.
إذا أصابني مكروه، فلا تبحث عن السم في الشاي وحده. افحص الدواء الذي أتناوله.
وسالم يعرف بعض ما حدث».
وجدوا أيضًا ظرفًا يحتوي على نسخ من التحويلات المالية، ومستندات من حسابات الشركة، وقطعة سوداء تشبه الجزء الذي عثر عليه عمر تحت السجادة.
لكن أهم ما وجدوه كان مستندًا صادرًا من الصيدلية. أظهر المستند أن عبوة الدواء التي تستخدمها نورة استُبدلت قبل أيام، وأن طلب الاستبدال كان يحمل توقيع فاضل.
قرأ الضابط المستند بعناية، ثم قال:
— الآن لدينا دليل يستحق الفحص.
أرسل المستند والقطعتين السوداوين إلى المختبر، وطلب مراجعة سجلات الصيدلية والتحقق من التوقيع.
الغرفة
«لم يكن الباب المغلق هو سر الجريمة، بل ما حدث داخل الغرفة قبل إغلاقه.»
عاد الضابط إلى غرفة نورة لمراجعة الأدلة من جديد. هذه المرة، لم يركز على الباب المغلق وحده، بل حاول ترتيب الأحداث بحسب ما كشفته التحقيقات.
كان فاضل قد دخل جناح نورة قبل وفاتها. وأظهرت شهادة سالم أنه خرج منه في وقت متأخر من تلك الليلة. أما مستند الصيدلية، فأثبت أنه طلب استبدال عبوة دوائها قبل أيام.
لكن بقي سؤال مهم: كيف أُغلق الباب من الداخل؟
وجد الضابط الإجابة في أقوال أفراد العائلة. فقد اعتادت نورة في أيامها الأخيرة إغلاق جناحها من الداخل كلما دخلت للنوم. كانت تشعر بالخوف، ولذلك لم تكن تترك الباب مفتوحًا ليلًا.
وهذا يعني أن القاتل لم يكن بحاجة إلى البقاء داخل الغرفة حتى تموت. كان يستطيع العبث بالدواء والخروج، ثم تنتظر نورة حتى موعد تناول جرعتها وتغلق الباب بنفسها.
أصبحت هذه الفرضية أكثر قوة بعدما أكد المختبر أن القطعة السوداء التي عُثر عليها تحت السجادة جزء من غطاء عبوة الدواء. كما أظهر الفحص وجود آثار المادة السامة على الغطاء وبقايا الزجاجة.
أما المبخرة، فقد كانت تحتوي على مادة عطرية قوية يمكن أن تخفي رائحة المواد الكيميائية. ورجح المحققون أن فاضل أشعلها خلال وجوده في الغرفة حتى لا تلاحظ نورة أي رائحة غريبة.
وبحسب الأدلة، كان قد عبث بالعبوة، فانكسر جزء صغير من غطائها وسقط على الأرض. دفعه تحت السجادة، ثم غادر الغرفة قبل أن تتناول نورة الدواء.
لم يكن هذا التفسير مؤكدًا في جميع تفاصيله، لكنه انسجم مع نتائج المختبر وشهادة سالم وحالة الباب.
قال الضابط لعمر:
— لم يحتج القاتل إلى وسيلة سرية للخروج من الغرفة. لقد خرج قبل الوفاة، وترك نورة تغلق الباب بنفسها.
أجاب عمر:
— وكان يعرف أن الباب المغلق قد يجعل الجميع يظنون أنها ماتت وحدها.
واصل الضابط مراجعة الأدلة. كانت عبوة الدواء قد استُبدلت بطلب يحمل توقيع فاضل، وكانت المادة السامة موجودة في الغطاء والزجاجة. كما أثبت الفحص أن القطعة الموجودة تحت السجادة تعود إلى الغطاء نفسه.
ثم ظهر دليل جديد.
كانت نورة قد احتفظت بتسجيل صوتي لمحادثة بينها وبين فاضل قبل وفاتها بساعات. عثرت ريم عليه في هاتف والدتها، وسلمته إلى الشرطة.
استمع الضابط إلى التسجيل بحضور عمر.
قال فاضل:
— ستوقعين على بيع المزرعة.
أجابته نورة:
— لن أبيع أرض أبي.
— إذن ستخسرينها بطريقة أخرى.
ساد صمت قصير، ثم قالت نورة:
— أنت من فعلت ذلك بأبي.
جاء صوت فاضل هادئًا:
— كان يجب ألا تبحثي في الماضي.
انتهى التسجيل.
لم يكن اعترافًا صريحًا بالقتل، لكنه كشف وجود خلاف خطير بينهما، وأظهر أن فاضل كان يضغط على نورة لبيع المزرعة.
قال الضابط:
— هذا التسجيل لا يثبت الجريمة وحده، لكنه يساعدنا على فهم الدافع.
نظر عمر إلى صورة خالته على هاتفه. لقد كانت تعرف أنها في خطر، وحاولت ترك ما يساعدهم على كشف الحقيقة.
السقوط
«يسقط المجرم عندما تتجمع الأدلة، فلا يعود قادرًا على إخفاء ما فعله.»
جلس فاضل في غرفة التحقيق محاولًا المحافظة على هدوئه. أنكر جميع الاتهامات، وأصر على أنه لم يفعل شيئًا غير قانوني.
قال إن عبوة الدواء استُبدلت بطلب رسمي، وإن التحويلات المالية تمت بموافقة إدارة الشركة، وإن التسجيل الصوتي لا يثبت أنه قتل زوجته.
كان يعرف أن كل دليل بمفرده قد يحتمل أكثر من تفسير، ولذلك حاول التشكيك فيها جميعًا.
وضع الضابط أمامه صور الأدلة وتقارير المختبر ومستند الصيدلية ودفتر والد عمر.
قال فاضل:
— كل هذه الأوراق يمكن تفسيرها.
أجابه الضابط:
— ربما، ولهذا لم نعتمد عليها وحدها.
ثم أخرج ملفًا آخر ووضعه على الطاولة.
— راجعنا حسابات الشركات التي حُولت إليها الأموال.
تغير وجه فاضل قليلًا.
— وما علاقتي بها؟
قال الضابط:
— لم نذكر اسمك بعد.
صمت فاضل.
فتح الضابط الملف وتابع:
— اكتشفنا أن هذه الشركات مرتبطة بشخص واحد، وأن الأموال كانت تنتقل بينها قبل أن تصل إلى حسابات يسيطر عليها.
سأل فاضل بصوت منخفض:
— من هذا الشخص؟
نظر إليه الضابط مباشرة.
— أنت.
لم يجب فاضل. ظل ينظر إلى الأوراق، ثم حاول إبعادها عنه.
واصل الضابط:
— لدينا أيضًا نتائج فحص التوقيعات، وسجل استبدال الدواء، وشهادة سالم، والتسجيل الذي احتفظت به نورة. وكلها تشير إلى أنك كنت تخشى كشف اختلاسك.
خفض فاضل رأسه، وبقي صامتًا وقتًا طويلًا.
ثم قال:
— لم أكن أريد قتلها.
رفع الضابط عينيه.
— ماذا كنت تريد إذن؟
— أردتها أن توقع على البيع.
— ولماذا؟
— لأنها كانت ستبلغ عني. كنت سأخسر كل شيء.
سأله الضابط:
— ولهذا وضعت السم في دوائها؟
لم يجب فاضل مباشرة. أمسك بكفيه، ثم قال:
— ظننت أنني أستطيع السيطرة على الأمر.
— لكنك لم تستطع.
هز فاضل رأسه، ثم بدأ يروي ما حدث. اعترف بأنه عبث بعبوة الدواء بعدما رفضت نورة توقيع أوراق البيع، وأنه غادر غرفتها قبل أن تتناول الجرعة.
سجل الضابط أقواله، وأحالها إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات.
عندما علم عمر بما حدث، لم يشعر بالفرح. فقد كانت الحقيقة التي بحث عنها مؤلمة أكثر مما توقع.
لقد قتلت نورة لأنها اكتشفت ما كان يحدث لأموال العائلة، ولأنها رفضت أن تترك فاضل يستولي على المزرعة.
تذكر عمر التفاصيل الصغيرة التي ساعدت في كشف الجريمة: الغطاء المكسور، والدواء المستبدل، وارتباك سالم عندما ذكر السم، وكلمات نورة الأخيرة.
أدرك أن الحقيقة لم تكن مخفية في مكان بعيد. كانت موجودة في أشياء رآها الجميع، لكنهم لم يفهموا معناها في البداية.
ما بقي
«تحتاج بعض البيوت إلى أشخاص يملكون الشجاعة لقول الحقيقة قبل فوات الأوان.»
مرت ثلاثة أشهر على وفاة نورة. انتهت الشرطة من التحقيق، وأُحيل فاضل إلى المحاكمة بتهم تتعلق بالقتل والاختلاس والتزوير.
أما المزرعة، فلم تُبع.
تولى فهد إدارتها مؤقتًا، وساعدته ريم في مراجعة الحسابات وإعادة تنظيم أعمال الشركة. استغرق الأمر وقتًا طويلًا، لكنهما تمكنا من استعادة السيطرة على معظم الأمور التي أهملتها العائلة خلال السنوات الماضية.
بقي سالم في المزرعة، لكنه لم يعد الرجل الصامت الذي يخفي ما يعرفه خوفًا من المشكلات. أصبح يتحدث عندما يرى أمرًا يستحق السؤال أو التوضيح، حتى لو كانت الحقيقة مؤلمة.
أما عمر، فلم يعد إلى المدينة.
كان يحتاج إلى وقت ليفهم ما حدث، وليقرر ما يريد فعله بحياته. اعتاد الخروج كل صباح بعكازه والمشي بين أشجار النخيل. كانت ساقه ما زالت تؤلمه، لكنه أصبح أكثر قدرة على الحركة، ولم يعد يشعر بالعجز كما كان بعد الحادث.
تعلم أن يتعامل مع الألم دون أن يسمح له بالسيطرة على حياته. ولم يعد يقارن نفسه في كل يوم بالرجل الذي كان عليه قبل الحادث.
في أحد المساءات، وقف عمر عند البوابة الحجرية وأخرج الصورة القديمة من جيبه.
كانت النخلتان ما زالتا في مكانهما، لكن الطفل الذي ظهر بينهما أصبح رجلًا مختلفًا. تذكر الأيام التي كان يركض فيها داخل المزرعة، ويعود إلى البيت متعبًا دون أن يفكر في الغد.
اقتربت ريم ووقفت بجانبه.
— هل ستعود إلى المدينة؟
نظر عمر إلى البيت قبل أن يجيب:
— لا أعرف بعد.
— وماذا ستفعل هنا؟
ابتسم وقال:
— ربما أتعلم كيف أبدأ من جديد.
نظرت ريم إلى الصورة التي يحملها.
— نورة كانت تعرف أنك ستعود يومًا.
التفت إليها.
— هل قالت لك ذلك؟
— نعم. كانت تقول إنك مهما ابتعدت عن الواحة، ستعود إليها عندما تحتاج إلى مكان تشعر فيه بأنك بين أهلك.
نظر عمر إلى أشجار النخيل. هبت ريح خفيفة، وتحركت ظلالها فوق الأرض.
تذكر والده، وتذكر نورة، وتذكر السنوات التي عاش فيها أفراد العائلة تحت سقف واحد وهم يخفون أسرارًا عن بعضهم. كان كل واحد منهم يظن أن صمته يحمي الآخرين، لكن ما حدث أثبت العكس.
لقد سمح الصمت لفاضل بالاستمرار سنوات طويلة دون أن يواجهه أحد بالحقيقة.
قالت ريم:
— هل تعتقد أن الواحة أصبحت آمنة الآن؟
تأمل عمر البيت قليلًا قبل أن يجيب:
— لا يوجد بيت يخلو من المشكلات يا ريم. لكننا نستطيع أن نحمي هذا البيت إذا توقفنا عن إخفاء الحقيقة عن بعضنا.
ابتسمت ريم، ثم عادت إلى الداخل.
بقي عمر واقفًا عند البوابة للحظات، ثم بدأ يمشي ببطء بين النخيل. كان يستند إلى عكازه، لكنه لم يتوقف حتى وصل إلى المكان الذي التُقطت فيه صورته القديمة.
نظر إلى الأرض، فرأى ظله ممتدًا بجوار ظلال الأشجار.
لم يعد يفكر في نفسه باعتباره الرجل الذي فقد قدرته على المشي كما كان، أو الرجل الذي عاد إلى المزرعة ليجد عائلته تواجه جريمة. أصبح يرى نفسه شخصًا مر بتجربة صعبة، لكنه ما زال قادرًا على مواصلة حياته.
أعاد الصورة إلى جيبه، ثم التفت نحو البيت.
كان المصباح الأصفر يضيء المدخل، وكانت النوافذ مفتوحة، وأصوات أفراد العائلة تصل إليه من المجلس.
شعر عمر بالراحة للمرة الأولى منذ عودته.
لقد تغير المكان، وتغير الأشخاص، ولم تعد الحياة كما كانت في طفولته. لكنه أدرك أن العودة لا تعني أن يجد كل شيء كما تركه، بل أن يتقبل ما تغير ويبدأ من جديد.
مشى نحو البيت، وأغلق البوابة خلفه بهدوء.
تحركت ظلال النخيل مع الريح، ولم يعد يشعر بالخوف منها.
فقد عرف أخيرًا ما حدث في الواحة، ولم يبق أمامه إلا أن يعيش حياته.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك

تعليقات
إرسال تعليق