الماس الذي لا ينسى
الماس الذي لا ينسى
حين وصل الصندوق إلى قصر آل السالم، لم يكن أحد يعرف أن ما بداخله سيختفي قبل أن تشرق شمس اليوم التالي.
كان الصندوق صغيرًا، من خشب داكن، ومغلقًا بثلاثة أقفال نحاسية. حمله سالم بنفسه من محطة القطار إلى القصر، ولم يسمح لأحد من الخدم أن يلمسه.
قالت له أخته نورة وهي تراقبه:
— ما هذا؟
ابتسم سالم ابتسامة لم تصل إلى عينيه.
— هدية لابنة أخينا.
— هدية تحتاج إلى ثلاثة أقفال؟
لم يجب.
كان في السابعة والخمسين، وقد عاد لتوه من الهند بعد سنوات طويلة من العمل هناك. لم يكن يحب الحديث عن تلك السنوات، ولا عن الرجل الذي أرسل إليه الصندوق.
لكن قبل أن ينام في تلك الليلة، استدعى خادم القصر العجوز، حمدان، وقال له:
— أريد منك شيئًا واحدًا.
— أمرك.
— لا تفتح هذا الصندوق. مهما سمعت، ومهما طلبت منك الآنسة ليان، لا تفتحه.
نظر حمدان إلى الصندوق.
— وهل فيه شيء خطير؟
ظل سالم صامتًا لحظة.
ثم قال:
— أخطر ما في الأشياء الثمينة أنها تجعل الناس ينسون الخوف.
في صباح اليوم التالي، كان القصر يستعد لعيد ميلاد ليان، ابنة نورة الوحيدة.
كانت في الخامسة والعشرين، ذكية، عنيدة، وتكره أن يعاملها الناس كفتاة صغيرة. لم تكن تعرف شيئًا عن الهدية التي تنتظرها.
قبل الظهر بقليل، ظهر ثلاثة رجال غرباء عند بوابة القصر.
كانوا يرتدون ثيابًا بيضاء بسيطة، ومعهم صبي نحيل يحمل حقيبة صغيرة.
خرج حمدان لمقابلتهم.
قال أحدهم بلغة عربية متقنة:
— جئنا لنقدم عرضًا بسيطًا للسيدة.
— السيدة غير موجودة.
— نحن نعرف.
رفع حمدان حاجبه.
— ماذا تقصد؟
ابتسم الرجل.
— نعرف أنها ستعود قبل الغروب.
ثم التفت إلى الصبي وأشار إليه.
— أخرج يدك.
تردد الصبي.
— لماذا؟
— فقط افعل.
أخرج الصبي يده.
أخرج الرجل زجاجة صغيرة وصب في كفه سائلًا أسود.
قال:
— انظر.
حدق الصبي في السائل.
مرت ثوانٍ.
ثم قال الرجل:
— هل ترى الرجل القادم من المدينة؟
أجاب الصبي:
— نعم.
— وهل يحمل الشيء؟
سكت الصبي.
— أجب.
رفع الصبي رأسه ببطء.
— نعم.
تغير وجه حمدان.
كان قد سمع الجملة الأخيرة بوضوح.
“هل يحمل الشيء؟”
عاد إلى القصر مسرعًا.
لكنه لم يخبر أحدًا.
وصل سالم قبل موعده بساعات.
وحين رآه حمدان، اقترب منه وهمس:
— ثلاثة رجال كانوا هنا.
تجمد سالم.
— ماذا قالوا؟
— سألوا عنك.
— هل رأيتهم؟
— نعم.
خفض سالم صوته:
— هل قالوا شيئًا عن الصندوق؟
تردد حمدان.
ثم قال:
— قالوا: هل يحمل الرجل الشيء؟
نظر سالم إلى باب القصر.
— إذن وجدونا.
— من؟
لكن سالم لم يجب.
في المساء، اجتمع الجميع في غرفة الطعام.
كانت ليان تضحك، والشموع مضاءة، والموسيقى تأتي خافتة من الحديقة.
بعد العشاء، نهض سالم.
— ليان، لدي شيء لك.
أحضر الصندوق.
فتحت الأقفال الثلاثة.
ظهر داخل الصندوق قماش أسود، وفوقه حجر أصفر كبير.
لم يكن جميلًا بالمعنى المعتاد.
كان غريبًا.
يمتص الضوء بدل أن يعكسه، ثم يطلقه فجأة كوميض ساخن.
اقتربت ليان.
— ما هذا؟
قال سالم:
— حجر قديم.
— هذا ليس جوابًا.
تنهد.
— يسمونه “عين القمر”.
ضحك أحد الحاضرين.
لكن سالم لم يضحك.
— تقول حكاية قديمة إن الحجر كان محفوظًا في معبد منذ قرون. ثم سُرق، وانتقل بين أيدي رجال كثيرين. وكل من امتلكه خسر شيئًا لا يستطيع استعادته.
قالت ليان:
— خرافة.
— أتمنى ذلك.
أغلق الصندوق.
— هذا الحجر كان ملكًا لرجل من عائلتنا. تركه لك في وصيته.
— لماذا أنا؟
رفع سالم عينيه إليها.
— لأنه كان يريد أن يضعه في يد شخص لا يعرف الخوف.
ابتسمت ليان.
— إذن اختار الشخص الخطأ.
ضحك الجميع.
إلا سالم.
في منتصف الليل، انطفأت الأنوار.
صرخت إحدى الخادمات.
ثم عاد الضوء.
كان الصندوق مفتوحًا.
والحجر اختفى.
لم يكن هناك كسر في الباب.
ولا نافذة مفتوحة.
ولا أثر لص.
لكن شيئًا آخر كان قد اختفى أيضًا.
روزانا، إحدى خادمات القصر.
كانت تعمل في المنزل منذ أشهر، هادئة، قليلة الكلام، وتفضل البقاء وحدها.
وجدوا غرفتها خالية.
وعلى سريرها كانت هناك ورقة واحدة.
كتب عليها:
“لم آخذه.”
بدأ التحقيق في الصباح.
كان المفتش فارس رجلًا هادئًا لا يرفع صوته. جلس في غرفة المكتبة، ووضع أمامه صور القصر وقائمة الموجودين ليلة السرقة.
قال:
— لا أبحث عن الشخص الذي يستطيع سرقة الحجر.
ثم نظر إلى الجميع.
— أبحث عن الشخص الذي كان يعرف أنه سيكون هنا أصلًا.
تغير وجه سالم.
سأله المفتش:
— متى وصلت إلى القصر؟
— بعد الظهر.
— هل أخبرت أحدًا أنك تحمل الحجر؟
— لا.
— هل أخبرت أحدًا في المدينة؟
سكت سالم.
— ربما.
— من؟
— رجل قابلته قبل السفر.
— اسمه؟
نظر سالم إلى الأرض.
— لم يعد حيًا.
بعد يومين، عثروا على روزانا عند الخليج الصغير خلف التلال.
كانت جالسة قرب الرمال، تبكي.
حين رأتهـا ليان قالت:
— أين الحجر؟
هزت روزانا رأسها.
— لم آخذه.
— لماذا هربت؟
— لأنني عرفت أنكم ستتهمونني.
اقترب منها المفتش فارس.
— ماذا حدث ليلة السرقة؟
نظرت روزانا إلى البحر.
— سمعت خطوات قرب غرفة الآنسة.
— وماذا رأيت؟
— رجلًا.
— من؟
سكتت.
— روزانا.
أغمضت عينيها.
— السيد سالم.
عاد الجميع إلى القصر.
كانت الصدمة أكبر من السرقة نفسها.
واجهت ليان عمها.
— هل أخذته؟
قال سالم:
— لا.
— هل رأيته ليلة السرقة؟
— نعم.
— إذن ماذا حدث؟
ظل صامتًا.
ثم قال:
— لم يسرقه أحد من الخارج.
نظر إليه المفتش.
— ماذا تقصد؟
أجاب سالم:
— الحجر لم يكن في الصندوق عندما أُغلق.
سادت الغرفة حالة من الصمت.
— ماذا تقول؟
— وضعت الحجر في الصندوق أمامكم جميعًا.
— نعم.
— لكنه لم يكن الحجر الحقيقي.
حدقت ليان فيه.
أخرج سالم قطعة صغيرة من جيبه.
كانت نسخة مطابقة تقريبًا للحجر.
— استبدلته قبل أن أصل.
قال المفتش:
— أين الحجر الحقيقي؟
رفع سالم رأسه.
— مع روزانا.
شهقت ليان.
دخلت روزانا الغرفة.
كانت تحمل شيئًا ملفوفًا بقطعة قماش.
وضعته على الطاولة.
ظهر الحجر الأصفر.
قالت:
— وجدته قبل أن يسرقه الرجل.
سألها المفتش:
— أي رجل؟
أشارت إلى سالم.
ثم قالت:
— الرجل الذي كان الجميع يظن أنه يحاول حمايته.
نظر الجميع إلى سالم.
لم يتحرك.
قالت ليان:
— عمّي؟
ابتسم بحزن.
— لم أرد أن يموت أحد بسببه.
— ماذا فعلت؟
— قبل سنوات، عندما كنت في الهند، رأيت كيف قتل ثلاثة رجال بسبب هذا الحجر.
ثم نظر إلى الحجر.
— لم تكن خرافة. كان هناك رجال يعتقدون أنه مقدس، ورجال آخرون يعتقدون أنه يساوي ثروة. لكن الحقيقة أبسط من ذلك.
— ما هي؟
— البشر هم الذين يمنحون الأشياء قوتها.
قال إن الرجل الذي أرسل الحجر كان آخر أفراد جماعة قديمة تبحث عنه منذ أجيال. وقد عرفوا أنه وصل إلى العائلة.
ولهذا جاءوا إلى القصر.
لكن سالم لم يكن يثق بهم.
فاستبدل الحجر الحقيقي بنسخة قبل وصوله.
ثم طلب من روزانا أن تساعده في إخفائه.
كانت تعرف أنها ستتهم، لذلك تركت الورقة وهربت.
أما الرجال الثلاثة، فقد كانوا ينتظرون خارج القصر.
ولم يعرفوا أنهم أخذوا الحجر الخطأ.
في اليوم التالي، قبضت الشرطة على الرجال عند الميناء.
لكن لم يكن ذلك أهم ما حدث.
دخلت ليان غرفة عمها.
كان الصندوق مفتوحًا فوق الطاولة.
قالت:
— لماذا أعطيتني الحجر أصلًا؟
أجاب سالم:
— لأنني تعبت من الهروب منه.
— وماذا ستفعل الآن؟
نظر إلى الحجر طويلًا.
ثم قال:
— سأعيده إلى المكان الذي خرج منه.
بعد أسبوع، غادر سالم البلاد.
لم يأخذ معه شيئًا سوى حقيبة صغيرة.
أما الحجر، فقد اختفى من جديد.
لم يعرف أحد أين وضعه.
وبعد سنوات، حين مات سالم، وجد حمدان في مكتبه رسالة قصيرة.
لم يكن فيها اسم.
ولا عنوان.
فقط جملة واحدة:
“الأشياء التي نملكها لا تختبر أخلاقنا حين تكون في أيدينا، بل حين نملك الفرصة لتركها.”
طوى حمدان الرسالة.
ثم نظر إلى الصندوق الفارغ.
وللمرة الأولى منذ سنوات، شعر أن القصر أصبح أخف.
كأن شيئًا ظل عالقًا فيه طويلًا…
وأخيرًا غادر.

تعليقات
إرسال تعليق