رواية تشويق بوليسي - نفسي كشف أصل، صندوق بثلاثة أقفال يعيد سالم لمستودع الهند وموت راجيش، صراعها ليس على ألماسة عين القمر بل على وثيقة تثبت تزوير تاريخها وتحويل السرقة لقانون، ورجل دفن الحقيقة عشرين عاما حتى عادت تطرق بابه.
الفصل الأول: صندوق بلا طارق
كان الصندوق في منتصف القاعة. لم يكن هناك عندما غادر سالم القصر في الصباح. وحين عاد، كان أول ما لفت انتباهه أنه لم يكن موضوعًا قرب جدار ولا تحت طاولة، بل في مكان مكشوف، كأن من وضعه أراد له أن يُرى. توقف عند المدخل. كان صندوقًا خشبيًا قديمًا، داكن اللون، تعلوه خدوش باهتة، وثلاثة أقفال معدنية صغيرة امتدت على واجهته. اقترب سالم مترددًا، ومد يده نحو الصندوق، لكنه توقف قبل أن يلمس الخشب. كان أحد الخدوش على الجانب الأيسر يشبه نصف دائرة غير مكتملة.
كان قد رأى العلامة نفسها قبل عشرين عامًا، في الهند، على باب مستودع حجري لم يعد موجودًا الآن. قال حمدان، الذي دخل خلفه: «هل تعرفه؟». لم يجب سالم. ظل ينظر إلى الصندوق، ثم قال: «اتصل بالعمال». سأله حمدان: «لماذا؟». أجاب سالم: «أريد أن أعرف من دخل القصر اليوم». ذهب حمدان، وبقي سالم واقفًا مكانه. وبعد دقائق عاد وقال: «دخل ثلاثة من العمال صباحًا. واحد لإصلاح النافذة الشرقية، واثنان لنقل الأثاث إلى المخزن. خرجوا قبل الظهر». سأله سالم: «هل حمل أحدهم هذا الصندوق؟». أجاب حمدان: «قال العاملان إنهما نقلا صناديق أثاث قديمة إلى المخزن، وإن أحدها كان ثقيلًا فوضعاه في القاعة قبل مغادرتهما. أحدهما لم يدقق في شكله، ولم أستطع الجزم بأنه الصندوق نفسه».
نظر سالم إلى الصندوق، ثم قال: «أغلق القصر». رفع حمدان حاجبيه وسأل: «بالكامل؟». أجاب سالم: «بالكامل». تردد حمدان لحظة، ثم مضى ليغلق الأبواب الخارجية، وعاد إلى المدخل. طلب منه سالم أن ينقل الصندوق إلى الغرفة الصغيرة المجاورة للمكتب، وهي غرفة كانت تُستخدم قديمًا لحفظ السجلات والأشياء التي لا يريد أحد رؤيتها. قال حمدان: «هل تريدني أن أفتحه؟». أجاب سالم: «لا». سأل حمدان: «هل أستدعي الشرطة؟». نظر سالم إليه وقال: «ليس بعد». وضع حمدان الصندوق في الغرفة وأغلق بابها.
دخل سالم مكتبه وأغلق الباب خلفه. ظل واقفًا لحظات، ثم فتح الخزانة القديمة وأخرج علبة جلدية صغيرة. وحين فتحها، ظهرت الألماسة: كبيرة، صافية، وفي عمقها انعكاس أزرق خافت. عين القمر. ظل ينظر إليها. مضت عشرون سنة منذ أن غادر الهند حاملًا إياها، ولم يعد إليها. لم يكن قد أخبر أحدًا بالحقيقة كاملة، حتى نورة، أقرب الناس إليه. أعاد الألماسة إلى العلبة، لكنه لم يُعدها إلى الخزانة. وضعها في درج مكتبه وأغلقه.
بعد ساعة، دخلت نورة. تأملت وجهه وسألته: «ماذا حدث؟». أجاب سالم: «لا شيء». سألته: «والصندوق؟». رفع عينيه إليها: «مجرد شيء قديم». ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: «أنت لا تنظر إلى الأشياء القديمة بهذه الطريقة». لم يجب. وقبل أن تغادر، توقفت عند الباب: «سالم». قال: «نعم؟». قالت: «إذا كان هذا الصندوق سيعيد إليك وجعًا قديمًا، فلا تواجهه وحدك. أنا هنا». نظر إليها، لكنها خرجت قبل أن يرد.
في المساء، مر سالم بالغرفة الصغيرة. كان الصندوق في مكانه، وأقفاله الثلاثة مغلقة. وقف أمامه لحظة دون أن يلمسه، ثم عاد إلى مكتبه. فتح درج المكتب ليضع فيه مفكرة صغيرة، فوجد الألماسة في مكانها. وعندما دفع المفكرة إلى الخلف، انزاحت الورقة السميكة التي تبطن قاع الدرج قليلًا، وظهر تحتها طرف ورقة صغيرة مطوية. لم يكن قد لاحظها من قبل. سحب الورقة وفتحها، فوجد سطرًا واحدًا: «أنت تعرف لماذا عاد». رفع رأسه ببطء. نظر إلى الباب المغلق، ثم إلى النافذة. لم يعرف من ترك الورقة، لكنه فهم أن ظهور الصندوق لم يكن مصادفة. أعاد الورقة إلى الدرج، وأطفأ المصباح. وللمرة الأولى منذ عشرين عامًا، أدرك أن شخصًا ما يعرف أن الماضي لم يمت.
الفصل الثاني: رقم قديم
في الصباح، لم يفتح سالم الصندوق. تركه في الغرفة الصغيرة، وطلب من حمدان ألا يسمح لأحد بالاقتراب منه. أما الورقة التي وجدها في الدرج، فقد أحرقها في موقد صغير داخل مكتبه، وظل يراقبها حتى تحولت إلى رماد.
ثم فعل ما كان يؤجله منذ سنوات. فتح خزانة الملفات القديمة، وأخرج منها صناديق لم يلمسها منذ عودته من الهند، وراح يقلب أوراقها واحدة واحدة. لم يكن يبحث عن شيء محدد، لكن ظهور الصندوق جعله يشعر بأن ماضيه لم يبقَ حيث تركه. وبين أوراق معاملات قديمة، وجد قصاصة ممزقة من تقرير باللغة الإنجليزية، بقيت في منتصف أحد سطورها كلمة واحدة واضحة: Moon. القمر. لم يتذكر متى احتفظ بهذه القصاصة، لكنه عرف أنها تتصل بالألماسة التي أحضرها من الهند.
جلس سالم، وعاد إليه وجه راجيش مالك. كان راجيش يعمل في توثيق القطع الأثرية، ولم يكن أكبر منه بكثير. وكان يضحك بصوت مرتفع حتى في الأماكن التي يفرض فيها العمل الصمت. ذات مساء في الهند قال له: «المشكلة ليست في القطع المسروقة يا سالم، بل في الأوراق التي تجعل السرقة تبدو قانونية». لم يفهم سالم وقتها كل ما قصده، لكنه فهم لاحقًا، حين صار الفهم متأخرًا. وطوال عشرين عامًا تجنب استعادة تفاصيل تلك الأيام، حتى جاءت الورقة التي وجدها في الدرج، فأعادت إلى ذاكرته ما حاول نسيانه.
عند الخامسة مساءً، جاء حمدان وقال: «هناك ثلاثة رجال عند البوابة، ومعهم ورقة يريدون تسليمها لك». رفع سالم رأسه وسأل: «هل قالوا ماذا يريدون؟». أجاب حمدان: «لم يشرحوا، لكن أحدهم قال إن الأمر يخصك وحدك، وإن الورقة تشرح نفسها». وقف سالم واقترب من النافذة، دون أن يكشف نفسه. رأى الرجال الثلاثة، لكنه لم يستطع تمييز وجوههم. بعد دقائق، عاد حمدان يحمل ورقة صغيرة وقال: «أعطاني أحدهم هذه، وأصر على أن أسلمها لك دون أن يقرأها أحد غيرك».
أخذها سالم. كان في أعلاها عنوان القصر، وتحته رقم هاتف. قرأه مرة، ثم جلس دون أن يتحرك. قال حمدان: «سالم؟». رفع سالم عينيه وقال: «هذا رقم راجيش». سأل حمدان: «راجيش؟». أجاب سالم: «كان رقمه في الهند، وقد مات». ظل ينظر إلى الورقة، وعادت إلى ذهنه صورة مستودع في ليلة ممطرة، يضيئه مصباح أصفر ضعيف. رأى راجيش واقفًا عند الباب، ثم تذكر صوت ارتطام وصرخة قصيرة أعقبها صمت. طوى سالم الورقة ووضعها في جيبه. سأل حمدان: «ماذا ستفعل؟». أجاب سالم: «لا أعرف بعد».
في الخارج، بدأ الرجال الثلاثة بالمغادرة. وقف سالم خلف الستارة، ورأى الرجل النحيف يلتفت إلى رفيقيه قبل أن يعبر الطريق نحو سيارة سوداء. جلس الرجل النحيف في المقعد الخلفي وأغلق الباب، ثم أجرى اتصالًا. سأله صوت من الهاتف: «هل سلّمته الرسالة؟». أجاب: «نعم». سكت الصوت لحظة، ثم قال: «إذن سيبدأ بالبحث». أنهى الرجل المكالمة. كان اسمه نادر، ولم يكن يعرف كل شيء عن سالم، لكنه كان واثقًا من أن الرقم سيعيده إلى الماضي. وهذا بالضبط ما كانوا يريدونه.
الفصل الثالث: خاتم فضي
في صباح اليوم التالي، طلب سالم من حمدان فتح غرفة المراقبة. أراد مراجعة تسجيلات الأمس بدلًا من الاعتماد على ذاكرته. جلسا أمام الشاشات، وأعاد حمدان المقطع الذي ظهر فيه الرجال الثلاثة عند البوابة. كانت الصورة بعيدة، لكن أحدهم توقف قرب الكاميرا ورفع يده إلى أذنه وهو يتحدث في هاتفه، فلمع شيء في إصبعه. قال سالم: «توقف هنا». أوقف حمدان التسجيل، ثم كبّر الصورة. ظهر خاتم فضي عريض، وعلى سطحه نقش داكن لم تتضح تفاصيله تمامًا. سأل حمدان: «هل تعرفه؟». اقترب سالم من الشاشة. لم تكن الصورة واضحة بما يكفي لتمييز الخطوط الدقيقة، لكنه رأى دائرة صغيرة يتقاطع داخلها ما يشبه ثلاثة خطوط. طلب إعادة المقطع، ثم بقي صامتًا لحظات. قال سالم: «رأيت هذا الرمز من قبل». سأله حمدان: «أين؟». أجاب سالم: «على باب مستودع في الهند». تردد قبل أن يضيف: «في الليلة التي مات فيها راجيش». نظر حمدان إلى الصورة وقال: «هل كان صاحب الخاتم هناك؟». أجاب سالم: «لا أعرف. مضت عشرون سنة، ولا أستطيع الجزم بأنه الرجل نفسه».
لم يكن سالم متأكدًا من تطابق النقشين. أما خدش نصف الدائرة الموجود على الصندوق الخشبي، فكان علامة مختلفة. ومع ذلك، ظل كلاهما يعيده إلى المستودع القديم. طلب سالم من حمدان نسخ المقطع إلى وحدة تخزين منفصلة. سأله حمدان: «ألا نحتفظ به في النظام؟». أجاب سالم: «احتفظ بالأصل، لكنني أريد نسخة محفوظة في مكان آخر». نفذ حمدان طلبه، ثم قال: «هل تريد أن أراجع بقية التسجيلات؟». قال سالم: «نعم. أريد أن أعرف متى وصلوا، وأين توقفوا، وهل سبق أن ظهر أحدهم قرب القصر». أمضى حمدان بقية الصباح يراجع التسجيلات، بينما عاد سالم إلى مكتبه دون أن يجد ما يطمئنه.
بعد الظهر، جاء أحد الرجال الثلاثة إلى البوابة مرة أخرى. تعرف حمدان إلى وجهه من التسجيل، لكنه لم يفتح إلا الباب الصغير. قال الرجل: «أريد مقابلة سالم». أجابه حمدان: «لا يستقبل أحدًا الآن». نظر الرجل إلى نوافذ القصر وقال: «أخبره أن قاسم جاء بنفسه». سأله حمدان: «وما الرسالة؟». قال قاسم: «قل له إن الوقت ليس في صالحه». أغلق حمدان الباب الصغير بعد أن ابتعد الرجل، ثم ذهب إلى سالم وأخبره بما حدث. كان سالم قد شاهد جزءًا من اللقاء من نافذة مكتبه. قال حمدان: «هل نبلغ الشرطة؟». نظر سالم إلى وحدة التخزين التي وضعها على مكتبه، ثم أجاب: «احتفظ بالتسجيلات أولًا. لا أريد أن نفقد شيئًا». قال حمدان: «وجودهم عند البوابة للمرة الثانية ليس مصادفة». أجابه سالم: «أعرف. لكنني لا أعرف بعد ما الذي يريدونه».
عاد سالم إلى مكتبه وأخرج الألماسة من الدرج. لم يعد مطمئنًا إلى بقائها في مكان اعتاد فتحه أمام الآخرين. أعاد «عين القمر» إلى علبتها الصغيرة، وحملها إلى الجناح الشرقي. في نهاية الممر، خلف لوح خشبي قديم، كان هناك تجويف ضيق يعرفه منذ سنوات. رفع اللوح بحذر ووضع العلبة في الداخل، ثم أعاده إلى موضعه. وحين ضغط على حافته ليتأكد من ثباته، سمع صوتًا خافتًا خلفه. التفت بسرعة، فلم يجد أحدًا. بقي يستمع قليلًا، ثم نظر إلى الممر الخالي. لم يعرف إن كان الصوت صادرًا من إحدى الغرف أم من حركة الخشب القديم.
عاد إلى اللوح، ولاحظ خدشًا رفيعًا قرب حافته. لم يتذكر أنه رآه حين فتح المخبأ قبل لحظات، لكنه لم يكن متأكدًا من أنه حديث. مرر إصبعه فوق الأثر، ثم أعاد الضغط على اللوح ببطء، متأكدًا من ثباته. لم يكن الخدش مطابقًا لنقش الخاتم، ولم يثبت أن أحدًا اكتشف المخبأ. ومع ذلك، عاد سالم يتفحص الممر قبل أن يبتعد. اجتمعت في ذهنه صورة الصندوق والرسائل والرجال الذين صاروا يعرفون طريق القصر. توقف عند نهاية الممر وفكر في العودة لإخراج الألماسة، ثم عدل عن ذلك. لم يكن يملك مخبأ آخر يثق به أكثر، وكان نقلها مرة ثانية قد يزيد احتمال أن يراه أحد.
في الخارج، ابتعد قاسم عن القصر، وأخرج هاتفه. كتب إلى سامر: «وصلت إلى الباب، وذكرت اسمي». جاءه الرد: «هل رأيته؟». كتب قاسم: «لا». بعد لحظات، ظهرت رسالة أخرى: «إذن ننتظر الصورة». أعاد قاسم الهاتف إلى جيبه، ومضى دون أن يلتفت إلى القصر.
الفصل الرابع: صورة من الداخل
في الرابعة فجرًا، استيقظ سالم على وقع خطوات خافتة في الممر، أعقبها صمت طويل. جلس في سريره يستمع، ولم يسمع سوى نقر المطر على النوافذ. نهض وألقى معطفه على كتفيه، ثم خرج إلى الممر. لم يجد أحدًا، لكنه حين وصل إلى الجناح الشرقي رأى الباب الخلفي مواربًا، يتحرك قليلًا مع الهواء. توقف عند العتبة، ولاحظ آثار أقدام موحلة على البلاط. كانت هناك بصمتان واضحتان وأثران أقل وضوحًا، ثم انقطعت الآثار قرب الممر الداخلي.
نادى حمدان، فجاء مسرعًا وهو يلف معطفه حول كتفيه. قال حمدان: «كنت متأكدًا أنني أغلقته قبل أن أنام». أجاب سالم وهو ينظر إلى القفل: «القفل سليم. تفقد ما حول الباب، ولا تلمس الآثار». اقترب حمدان من النافذة، بينما دخل سالم الجناح بحذر. كانت الخزانة القديمة في موضعها، ولم يلاحظ شيئًا مختلفًا في الأثاث. وصل إلى اللوح الخشبي في نهاية الممر، وتوقف أمامه لحظة. ثم أزاحه قليلًا، فرأى العلبة الصغيرة في التجويف. فتحها ليتأكد من وجود «عين القمر»، ثم أعادها وأغلق اللوح. لم يكن يعرف إن كان صاحب الآثار قد وصل إلى هذا الموضع، ولا لماذا دخل القصر دون أن يظهر نقص في شيء. عاد إلى حمدان، فوجده يتفحص إطار الباب.
قال حمدان: «لا أرى أثرًا لكسر القفل. ربما فُتح بمفتاح». قال سالم: «وربما تُرك مفتوحًا. لا نستطيع الجزم». سأله حمدان: «هل أبلغ الشرطة؟». تردد سالم. كانت هناك أشياء في القصر لا يريد أن يشرحها لأحد، لكن الباب المفتوح وآثار الأقدام لم يعودا شأنًا يخصه وحده. قال: «اتصل بهم. أخبرهم بما وجدناه دون تخمين، واطلب منهم معاينة الباب والآثار. وأبقِ الجميع بعيدًا عن الممر حتى يصلوا». أومأ حمدان، وأجرى الاتصال. طلب سالم أيضًا الاحتفاظ بتسجيلات الكاميرات، وألا يُمسح منها شيء. وقبل وصول الشرطة، التقط حمدان صورًا للآثار من مسافة، دون الاقتراب منها.
في الضحى، كانت ليان تجلس قرب نافذة الشرفة ترسم في دفترها. كانت ابنة شقيق سالم، وتقضي بضعة أيام في القصر مع أسرتها. حين مر عمها، رفعت الدفتر نحوه. قالت: «عمي، رسمت الرجل الذي كان يحمل هاتفًا». توقف سالم ونظر إلى الصفحة. ظهرت ثلاثة أشكال بشرية قرب سيارة وبوابة، وكان أحدها منفصلًا عن الآخرين. سألها: «متى رأيتهم؟». قالت: «أمس، قبل أن نعود من الحديقة. كنت عند النافذة». أشارت إلى أحد الأشكال وأضافت: «هذا ابتعد عن الاثنين، وكان يمسك هاتفه هكذا». رفعت يدها قرب وجهها لتقلد الحركة. سأل سالم: «هل رأيته يدخل القصر؟». هزت رأسها: «لا. رأيته يمشي بعيدًا عنهما، ثم لم أعد أراه». نظر سالم إلى الرسم مرة أخرى. لم يكن كافيًا للتعرف إلى الرجل أو تحديد المكان الذي اتجه إليه، لكنه أعاد إلى ذهنه الشخص الذي ظهر خاتمه في تسجيل المراقبة. قال لليان: «شكرًا لأنك أخبرتني. هل تسمحين لي بالاحتفاظ بالرسم قليلًا؟». وافقت، فأخذ الصفحة بعد أن فصلتها من الدفتر، ثم عاد إلى مكتبه ووضعها مع نسخة التسجيل.
عند المساء، وصل إلى هاتف سالم إشعار برسالة من رقم مجهول. لم تتضمن الرسالة أي كلمات، بل صورة واحدة. فتحها، فرأى جزءًا من الجناح الشرقي. كانت الصورة ملتقطة من الداخل، قرب الجدار الذي يخفي خلفه الألماسة. ظهر طرف اللوح الخشبي وحافته، بينما بقي التجويف نفسه خارج إطار الصورة. رفع سالم عينيه عن الهاتف. تذكر المكان الذي وقف فيه صباحًا، ثم حاول أن يحدد الزاوية التي التقطت منها الصورة. لم يستطع معرفة متى التُقطت، أو ما إذا كان صاحبها هو نفسه الذي ترك آثار الأقدام. حاول الاتصال بالرقم، لكن المكالمة لم تكتمل. دخلت نورة، فوجدته يعيد النظر إلى الصورة. سألته: «ماذا حدث؟». ناولها الهاتف. نظرت إلى الصورة، ثم رفعت عينيها نحوه. قالت: «هذه من داخل القصر». أجاب سالم: «من الجناح الشرقي». سألته: «هل يعرفون ما تخفيه هناك؟». لم يجب فورًا. لم يكن قد أخبرها بموضع الألماسة، ولم يظهر في الصورة ما يكشف التجويف. قال أخيرًا: «لا أعرف ماذا رأى صاحب الصورة». وضعت نورة الهاتف على الطاولة. قالت: «الباب المفتوح أقلقني، والآن تصل إليك صورة من الداخل. إلى متى ستظل تتعامل مع كل شيء وحدك؟». نظر سالم نحو النافذة، ثم قال: «هناك أمور قديمة عادت إلى الظهور». سألته: «أمور من الهند؟». التفت إليها. كانت تعرف أنه عاد من تلك الرحلة مختلفًا، لكنها لم تعرف يومًا ما الذي حدث في المستودع. قال: «نعم». اقتربت منه وقالت: «لا أطلب منك أن تحكي كل شيء الآن. لكننا نعيش هنا معك، ولا يصح أن ننتظر حتى يصل الخطر إلى أحدنا قبل أن نفهمه». أطرق سالم، ثم قال: «أنت محقة». انتظرت أن يضيف شيئًا، لكنه ظل صامتًا. قالت نورة: «إذن ابدأ بما تستطيع قوله. لا تنتظر حتى يفوت الأوان».
بعد خروجها، اتصل سالم بحمدان وطلب منه حفظ الصورة مع التسجيلات، وتزويد الشرطة بها بوصفها واقعة جديدة. ثم سأله عن نتيجة المعاينة الصباحية. قال حمدان: «فحصوا الباب وصوروا الآثار، ولم يحددوا بعد كيف فُتح. طلبوا منا ألا نغيّر شيئًا قرب المدخل حتى تنتهي الإجراءات». قال سالم: «أخبرهم أن الصورة وصلت هذا المساء، وأننا لا نعرف وقت التقاطها». سأله حمدان: «هل تظن أن صاحب الخاتم دخل الجناح؟». أجاب سالم: «ربما. لكن الرسم والتسجيل والصورة لا تكفي لإثبات أنه الشخص نفسه». أنهى المكالمة، ثم فتح الصورة مرة أخرى. كان الجدار ظاهرًا فيها بوضوح، وكذلك حافة اللوح. وضع الهاتف أمامه، وبقي ينظر إلى المسافة الصغيرة بينهما.
في الجهة الأخرى من المدينة، كان سامر يعرض الصورة على نادر وقاسم. وقف الثلاثة حول طاولة صغيرة، يضيء الهاتف وجوههم في الغرفة المعتمة. سأل نادر: «هل يظهر اللوح؟». أجاب سامر: «طرفه فقط». قال قاسم: «وهل رأى سالم الصورة؟». قال سامر: «وصلت إلى هاتفه. هذا ما نعرفه». ظل نادر يتأملها لحظة، ثم سأل: «هل التقطها الرجل قبل الفجر أم بعده؟». أجاب سامر: «لم يخبرني بالتوقيت». نظر قاسم إليه وقال: «أتريد أن نعود؟». أغلق نادر الصورة وأعاد الهاتف إلى سامر. قال: «ليس الآن. لقد عرف سالم أن أحدًا وصل إلى الداخل. دعنا نرى ماذا سيفعل». لم يسأله قاسم عن الخطوة التالية. كان يعرف أن نادر لا يجيب قبل أن يقرر. أما سامر، فظل ينظر إلى الشاشة المظلمة، منتظرًا خبرًا لم يصل بعد.
الفصل الخامس: ملف بني
في صباح اليوم التالي، قالت نورة وهي تقف عند باب المكتب: «هذه المرة يجب أن تتصل بأحد». كان سالم واقفًا أمام النافذة، فأجاب دون أن يستدير: «أعرف». سألته: «بمن؟». أخرج هاتفه وفتح قائمة الأسماء، ثم توقف عند اسم لم يتصل بصاحبه منذ عشرين عامًا: فارس العتيبي. كان فارس من آخر الرجال الذين وثق بهم سالم في الهند، ومن القلائل الذين تحدث إليهم بعد موت راجيش. افترقا بعدها لا بسبب خلاف، بل لأن سالم لم يستطع أن يخبره بالحقيقة كاملة. ظل إصبعه فوق الاسم لحظات، ثم أغلق القائمة وقال لنورة: «قبل أن أتصل به، أريد أن أراجع الأرشيف». سألته: «ستبحث وحدك؟». قال: «سيكون حمدان معي».
في تلك الليلة، دخل سالم مع حمدان غرفة السجلات المجاورة للمكتب. امتدت الرفوف المعدنية حتى السقف، وازدحمت بالصناديق الورقية والملفات التي تحمل أرقامًا قديمة. كان الصندوق الخشبي في زاوية الغرفة، بأقفاله الثلاثة المغلقة. مر سالم بجواره دون أن يتوقف، واتجه إلى السجلات الخاصة برحلاته إلى الهند.
سأل حمدان: «ما الذي نبحث عنه؟». أجاب سالم: «أي ورقة تذكر راجيش أو تتصل بمصدر الألماسة».
بدأ حمدان بالرفوف السفلى، بينما فتح سالم الملفات المحفوظة بحسب السنوات. مرت ساعة قبل أن يجد حمدان صندوقًا ورقيًا عريضًا، التصق غطاؤه بشريط لاصق اصفرّ مع الزمن. كان على جانبه رقم يطابق إحدى رحلات سالم القديمة، وبالقرب من زاويته أثر احتراق، كأن نارًا صغيرة مست الورق ذات يوم.
قال حمدان: «هذا الرقم موجود في سجل الرحلة».
اقترب سالم ونظر إليه، ثم قال: «افتحه بحذر».
وجد حمدان داخله أوراق شحن قديمة وملفًا بنيًا محترق الطرف. كانت بعض صفحاته متلاصقة، وقد بهت الحبر عند الحواف. وضعه سالم على الطاولة وفتح غلافه، فظهر اسم مطبوع باللغة الإنجليزية: Rajesh Malik.
توقف عند الاسم. لم يكن يتوقع أن يراه بين أوراقه بعد كل هذه السنوات.
قلب الصفحة الأولى، فعثر على صورة لمستودع حجري يقف أمامه ثلاثة رجال. وفي طرف الصورة ظهر شكل داكن يشبه ظل شخص رابع، من غير أن تتضح ملامحه. تعرف سالم إلى بناء المستودع، أو ظن أنه تعرف إليه؛ كانت الصورة باهتة، لكنه تذكر بابًا حجري الإطار وليلة ممطرة في الهند.
قلب الصورة فوجد على ظهرها ملاحظة بخط قديم: «غادر الموقع قبل وصول الشرطة. لم يُعثر عليه بعد ذلك».
قرأ الجملة مرتين.
سأل حمدان: «من المقصود؟»
قال سالم: «لا أعرف».
أشار حمدان إلى الشكل الداكن: «أيمكن أن يكون هذا الرجل؟»
أجاب سالم: «ربما. لكن الصورة لا تكفي».
أعاد الصورة إلى موضعها، ثم تفحص أطراف الملف. كانت الصفحات الأخيرة مفقودة، وظهرت عند موضع تثبيتها بقايا ورق ممزق.
قال حمدان: «يبدو أن أحدًا نزعها».
أمسك سالم بالغلاف عند موضع التمزق. قال: «لا نعرف متى حدث ذلك».
سأل حمدان: «ولماذا بقي الملف هنا كل هذه السنوات؟»
نظر سالم إلى رقم الرحلة على الصندوق الورقي. كان قد أمر بنقل أوراق كثيرة إلى الأرشيف بعد عودته من الهند، ولم يراجع معظمها منذ ذلك الوقت. قال: «ربما نُقل مع بقية أوراق الشحن. لا أتذكر أنني رأيته من قبل».
أخرج حمدان هاتفه، فطلب منه سالم تصوير موضع العثور على الصندوق أولًا، ثم تصوير الملف وصفحاته دون فصل الأوراق الملتصقة. دوّن حمدان رقم الرف وتاريخ العثور عليه، وأعاد الأوراق التي لا تخص الملف إلى مكانها.
وقبل أن يغادرا، التفت سالم نحو الصندوق الخشبي ذي الأقفال الثلاثة. كان بعيدًا عن الرف الذي عثرا فيه على الملف البني، ولم يجد في الأوراق ما يربط بينهما. اقترب منه خطوة، ثم عدل عن ذلك وأطفأ مصباح الغرفة.
في صباح اليوم التالي، اتصل سالم بفارس.
جاءه الصوت بعد لحظات: «سالم؟»
قال سالم: «أحتاج إلى الحديث معك عن راجيش».
ساد الصمت قليلًا، ثم قال فارس: «ظننت أنك لن تذكر اسمه مرة أخرى».
جلس سالم إلى مكتبه. قال: «وجدت ملفًا قديمًا. وأريد أن أريك شيئًا آخر».
أرسل إليه لقطة من تسجيل المراقبة يظهر فيها الخاتم الفضي. كانت الدائرة والخطوط الثلاثة أوضح من وجه الرجل الذي يرتديه.
سأل فارس: «أين رأيت هذا؟»
قال سالم: «على يد رجل جاء إلى القصر».
قال فارس: «رأيت هذا الرمز من قبل».
اعتدل سالم في جلسته. «أين؟»
أجاب فارس: «في أوراق مرتبطة بتلك الفترة. لكنني لا أعرف من يرتدي الخاتم الآن».
قال سالم: «إذن يجب أن نلتقي».
أجاب فارس: «غدًا أستطيع الحضور».
قال سالم: «غدًا. ولا أريد أن نؤجل أكثر».
وافق فارس، فسأله سالم إن كان يحتفظ بشيء من الأوراق القديمة المتعلقة بمسار الألماسة. أجابه بأنه سيبحث فيما بقي لديه، ثم انتهت المكالمة.
ظل سالم ينظر إلى اسم فارس على الشاشة. لم يسأله عن ليلة وفاة راجيش، ولم يخبره بما تذكره حين رأى المستودع في الصورة. كانت بينهما أسئلة قديمة، ولم يكن مستعدًا بعد لسماع أجوبتها.
في المساء، عاد حمدان إلى المكتب يحمل الملف البني والصندوق الورقي الذي عُثر فيه عليه.
قال: «عندما رفعت الأوراق الباقية، وجدت هذه ملتصقة بالقاع».
أشار إلى قصاصة صغيرة لم يلحظاها في الليلة السابقة. كانت حافتها ممزقة، وعليها كتابة تشبه خط راجيش الذي عرفه سالم من المراسلات القديمة، لكن القصاصة لم تحمل توقيعًا.
قرأ سالم: «ما لم يكتمل هنا، قد يكون في المكان الذي لا يظن أحد أنه يخفي شيئًا».
أعاد قراءتها بصوت منخفض. لم يذكر النص اسم مكان أو وصفًا يمكن التحقق منه.
سأل حمدان: «هل تعني لك شيئًا؟»
قال سالم: «ليس بعد».
صور حمدان القصاصة في موضعها، ثم رفعها بحذر ووضعها في غلاف ورقي منفصل داخل الملف، مع تدوين مكان العثور عليها. راجع سالم الصور المحفوظة، وأمر بعمل نسخة إضافية منها.
قال حمدان: «هل نضيف هذا إلى الأوراق التي أبلغنا عنها الشرطة؟»
أجاب سالم: «أخبرهم أننا عثرنا على ملف قديم قد تكون له صلة بما يحدث. لا نعرف بعد مدى أهميته».
في اليوم التالي، وصل فارس إلى القصر.
كان شعره قد شاب عند الصدغين، لكن سالم عرف مشيته قبل أن يقترب من باب المكتب. تصافحا طويلًا دون أن يتبادلا سوى كلمات قليلة، ثم جلس فارس أمام الطاولة.
وضع سالم الملف البني بينهما.
فتحه فارس، وتفحص الصفحة الأولى والصورة القديمة، ثم رفع إحدى الأوراق نحو الضوء. توقف عند موضع الصفحات الممزقة.
قال: «هذا الملف ناقص».
أجاب سالم: «وجدناه هكذا».
قلب فارس الصورة ونظر إلى الملاحظة المكتوبة خلفها.
سأله سالم: «هل تعرف صاحب الظل؟»
قال فارس: «لا أستطيع التعرف إلى أحد من هذا الجزء».
قال سالم: «لكن المستودع مألوف».
رفع فارس عينيه إليه. «هو المستودع الذي تحدثنا عنه بعد موت راجيش».
أطرق سالم قليلًا. كان فارس يعرف أنه رأى رجالًا قرب المستودع في تلك الليلة، لكنه لم يعرف كل ما حدث قبل الصرخة التي ظل سالم يسمع صداها في ذاكرته.
قال فارس: «أخبرتني وقتها أنك رأيت شخصًا يتحرك قرب الباب».
أجاب سالم: «ولم أرَ وجهه».
أعاد فارس الصورة إلى الملف، ثم سأل: «ماذا تريد أن تعرف الآن؟»
قال سالم: «ماذا كان راجيش يوثق؟»
صمت فارس لحظة. «مسار الألماسة قبل أن تصل إليك. كانت هناك أوراق لا تتفق تواريخها وأسماء أصحابها».
سأل سالم: «هل كان لديه ما يثبت التزوير؟»
قال فارس: «كان يبحث عن وثيقة أصلية تحمل اسمًا وتوقيعًا وختمًا. رأيت إشارات إليها، لكنني لم أرَ الوثيقة نفسها».
قال سالم: «أين هي؟»
أجاب فارس: «لا أعرف».
فتح سالم الملف عند الصفحات المفقودة. «هل يمكن أن تكون هنا؟»
قال فارس: «قد تكون بعض الإشارات إليها ضمن الصفحات الناقصة. أما الوثيقة نفسها فلا دليل عندنا على أنها كانت في هذا الملف».
نظر سالم إلى الخاتم في الصورة المحفوظة على هاتفه، ثم ناوله لفارس.
قال: «وهذا الرمز؟»
تفحص فارس الصورة مرة أخرى. «أتذكره في أوراق قديمة، وربما على باب المستودع. لكن ذلك لا يخبرنا من يكون الرجل الذي يرتديه».
سأل سالم: «هل لديك نسخة من تلك الأوراق؟»
أجاب فارس: «سأراجع ما بقي عندي».
لم يسأله سالم لماذا لم يفعل ذلك منذ سنوات. كان يعرف أن العودة إلى أوراق راجيش تعني العودة إلى الليلة التي حاول الاثنان تركها وراءهما.
أخرج حمدان القصاصة الصغيرة من غلافها ووضعها أمام فارس. قرأها، ثم قال: «كان راجيش يحب أن يترك ملاحظات لا يفهمها إلا من يعرف عاداته».
سأل سالم: «وهل تعرف ما يقصده هنا؟»
أعاد فارس القصاصة إلى الغلاف. «لا. لكنني أذكر أنه لم يكن يثق بالأماكن التي يفتشها الناس أولًا».
نظر سالم إلى الرفوف المحيطة بالمكتب، ثم قال: «المكتبة ربما».
سأله فارس: «لماذا المكتبة؟»
قال سالم: «في القصر غرفة كتب مفتوحة للضيوف وأهل البيت. تمر بها الأقدام كل يوم، ونادرًا ما يفتش أحد ما وراء الكتب القديمة».
قال فارس: «قد تكون. لكن راجيش لم يزر هذا القصر، فلا بد من صلة واضحة بين ما كتبه وبين المكان قبل أن نبحث فيه».
لم يجد سالم جوابًا. كان احتمال المكتبة قائمًا على عادته في فهم كلام راجيش، لا على دليل يربط الرجل بتلك الغرفة.
في تلك اللحظة، أضاء هاتف سالم بتنبيه من نظام أمن القصر. أظهر سجل الحساس أن الباب الخلفي للجناح الشرقي فُتح ثم أُغلق قبل دقائق.
قرأ سالم التنبيه مرة أخرى، ثم اتصل بحمدان.
قال: «تحقق من الباب الخلفي، وراجع التسجيلات في وقت التنبيه. لا تقترب من أحد إذا وجدت شخصًا لا تعرفه».
سأل حمدان: «هل أتصل بالشرطة؟»
قال سالم: «إذا وجدت أثر دخول غير مصرح به، فاتصل بهم فورًا، وأضف الواقعة إلى البلاغ السابق».
أنهى المكالمة، فوجد فارس ينظر إليه.
سأله فارس: «هل تكرر الأمر؟»
أجابه سالم: «هذه المرة سجل الحساس حركة عند الباب. لم نعرف بعد سببها».
قال فارس: «لا تستبق النتيجة. من يريد إخافتك قد ينجح إذا جعل كل حركة في القصر تبدو تهديدًا».
جلس سالم ووضع هاتفه على الطاولة. قال: «وماذا لو كان هناك من دخل فعلًا؟»
أجاب فارس: «لهذا طلبت من حمدان أن يتحقق. انتظر ما يجده».
لم تمض دقائق حتى اتصل حمدان. أخبر سالم أن الباب مغلق، وأنه لم يرَ آثار عبث جديدة حول القفل. أما التسجيل، فاحتاج إلى مراجعة أدق لأن الكاميرا لم تُظهر وجه من اقترب من الممر. طلب منه سالم الاحتفاظ بالمقطع كاملًا وعدم حذف أي تسجيل من الفترة نفسها.
حين نهض فارس للمغادرة، رافقه سالم حتى باب المكتب.
قال سالم: «أريد منك أمرًا».
توقف فارس.
تابع سالم: «سأتصل بك قبل منتصف ليل الغد. إذا لم أفعل، تعال إلى القصر، وحاول الوصول إلى نورة وحمدان. وإذا لم تستطع الاطمئنان علينا، أبلغ الشرطة».
نظر فارس إليه طويلًا. «هل تتوقع أن يحدث شيء؟»
قال سالم: «لا أعرف. لكنني لم أعد أريد أن يظل كل شيء معلقًا بقراري وحدي».
أومأ فارس. «سأنتظر اتصالك».
خرج من المكتب، وبقي سالم واقفًا حتى ابتعد صوت خطواته.
عاد إلى الطاولة، فأغلق الملف البني ووضع القصاصة في غلافها داخله. كانت الصورة القديمة لا تزال بين الصفحات، والملاحظة المكتوبة على ظهرها لا تجيب عن السؤال الذي أثارته.
فتح سالم سجل رحلته إلى الهند، ووضعه إلى جوار صورة المستودع. لم يكن يبحث هذه المرة عن اسم رجل أو رقم هاتف، بل عن صلة بين ورقة ناقصة ومكان مر به أحدهم قبل عشرين عامًا.
وحين رفع عينيه عن السجل، وقع بصره على مفتاح صغير معلق في لوحة المفاتيح القديمة قرب باب المكتب. كان يعرف أنه موجود هناك منذ سنوات، لكنه لم يتذكر متى استخدمه آخر مرة.
مد يده نحوه، ثم توقف قبل أن يلمسه.
الفصل السادس: المفتاح القديم
بقي سالم واقفًا أمام لوحة تعليق المفاتيح القديمة، ويده معلقة في الهواء قرب مفتاح صغير داكن المعدن، معلق بخيط جلدي رقيق اصفرّ من طول الزمن. لم يتذكر متى عُلق هناك. كان من الأشياء التي تمر أمام العين كل يوم فتصير جزءًا من الجدار. أنزل يده ببطء ثم نادى حمدان. جاء حمدان وعلى وجهه أثر سهر طويل. قال سالم وهو يشير إلى اللوحة: «هذا المفتاح. هل تعرف لماذا هو هنا؟». اقترب حمدان وفحصه دون أن يلمسه ثم قال: «هذا ليس من مفاتيح القصر. مفاتيح القصر نحاسية، وهذا معدنه مختلف». سأله سالم: «هل تعرف أي باب يفتح؟». قال حمدان: «أظنه من مفاتيح خزانة البريد والنقل القديمة. كنا نحفظ فيها إيصالات الشحن قبل أن تُنقل إلى الأرشيف، ثم أهملناها بعد أن صار البريد يُسجل في مكتب الاستقبال». قال سالم: «إذن لنأخذه ونجرب».
في غرفة السجلات، وقف سالم أمام خزانة معدنية قديمة في زاوية الغرفة، تكسوها طبقة رقيقة من الغبار ويدل موقعها المنزوي على أنها لم تُفتح منذ زمن. كان المفتاح المعلق يدخل في ثقبها بسهولة، فدار القفل وانفتح الباب بصوت معدني قصير. كان داخلها ملفات نقل وإيصالات مرتبة بحسب السنوات. أخرج حمدان ملفًا رفيعًا وقال: «هذا إيصال استلام من شركة نقل، يذكر أن شحنة وصلت قبل أيام مرسلة من فارس العتيبي، وأنها سُلمت إلى القصر». أخذ سالم الإيصال وقرأه مرتين. كان اسم فارس مكتوبًا بوضوح، وكان تاريخ الوصول مطابقًا لليوم الذي وجد فيه الصندوق في القاعة. قال سالم: «إذن هذا المفتاح يفتح خزانة الإيصالات، لا الصندوق». قال حمدان: «هذا ما يبدو». قال سالم: «جيد. الآن أعرف من أين جاء الصندوق، ومتى. أما مفاتيحه، فليست هنا».
في المساء اتصل سالم بفارس قبل منتصف الليل كما اتفقا. قال فارس: «كنت أنتظر». قال سالم: «وجدنا إيصال النقل. أنت أرسلت الصندوق قبل أيام». قال فارس: «نعم. احتفظت به منذ وفاة راجيش في الهند. ثم رأيت أن الوقت قد حان». سأله سالم: «ولماذا الآن؟». قال فارس: «لأنني رأيت أنك بدأت تبحث، أو لأن أحدًا بدأ يبحث عنك. لم أكن متأكدًا من أيهما». قال سالم: «والمفاتيح؟». سكت فارس هنيهة ثم قال: «فصلت المفاتيح عن الصندوق حين أرسلته. لم أرد أن تصل كلها في شحنة واحدة. مفتاحان احتفظت بهما في حافظة، والثالث أرسلته في مظروف بريدي مستقل إلى القصر قبل الشحنة بأيام». قال سالم: «حمدان لم يستلم أي مظروف بريدي». قال فارس: «أرسلته بالبريد العادي. ربما وصل إلى مكتب البريد في القصر ولم يُسجل». قال سالم: «سأتحقق. لكن الحافظة معك؟». قال فارس: «نعم. سأحضرها غدًا». أنهى سالم المكالمة ثم نظر إلى حمدان: «ابحث في سجل استلام البريد عن مظروف باسمك أو باسم القصر قبل الشحنة بيومين».
في صباح اليوم التالي عاد حمدان ومعه سجل البريد مفتوحًا. قال: «وجدت قيدًا يذكر مظروفًا وصل قبل الشحنة بيومين، لكنه لم يُسجل باسم أحد. كتبوا فقط أنه سُلم إلى مكتب القصر. ويبدو أن الموظف الذي استلمه وضعه في صندوق البريد القديم خلف مكتب الاستقبال، وهو صندوق لم يعد يُستخدم بعد نقل البريد إلى المكتب الجديد، فبقي المظروف هناك دون أن يفتحه أحد». قال سالم: «أرني الصندوق». ذهبا إلى الصندوق القديم، فوجد سالم مظروفًا صغيرًا مطوي الأطراف. فتحه فوجد داخله مفتاحًا صغيرًا داكن المعدن. قال: «هذا المفتاح الثالث». قال حمدان: «لكن أي الأقفال يفتح؟». قال سالم: «سنتحقق حين تصل الحافظة».
بعد الظهر وصل فارس إلى القصر. كان يحمل حافظة جلدية صغيرة سوداء. وضعها على الطاولة وقال: «هذه الحافظة. فيها مفتاحان». فتحها سالم فوجد داخلها مفتاحين صغيرين داكني المعدن، وورقة صغيرة مكتوبة بخط قديم. قرأ الورقة: «إذا وصلت هذه الحافظة، فاعلم أن الصندوق لا يُفتح إلا بثلاثة مفاتيح. لا تفتحه وحدك». نظر سالم إلى فارس: «هل تعرف من كتب هذا؟». قال فارس: «لا. لكنني أعرف أن راجيش كان يخاف أن يصل إلى أحد». قال سالم: «وهل تعرف ما في الصندوق؟». قال فارس: «لا. لم أفتحه». سأله سالم: «ولماذا لم تفتحه كل هذه السنوات؟». قال فارس: «لأنه لم يكن لي». سكت سالم ثم قال: «شكرًا لأنك أحضرتها». قال فارس: «هذه المرة لن تكون وحدك».
جمع سالم المفاتيح الثلاثة أمام الصندوق الخشبي في غرفة السجلات: المفتاح الذي وصل في المظروف البريدي، والمفتاحان في الحافظة. أدخل الأول في القفل الأول فدارت آلية القفل، ثم الثاني في القفل الثاني فدارت آلية القفل، ثم الثالث في القفل الثالث فدارت آلية القفل. كانت الأقفال الثلاثة تستجيب لمفاتيحها، فأعاد سالم كل آلية إلى وضع الإغلاق، وتأكد من ثبات الأقفال الثلاثة، ولم يرفع غطاء الصندوق. قال حمدان: «الأقفال تعمل، لكننا لم نفتحه». قال سالم: «ولا نفتحه الآن». نظر إلى الورقة الصغيرة التي كانت في الحافظة: «لا تفتحه وحدك». ثم نظر إلى فارس: «سأطلب منك أن تبقى في القصر الليلة». قال فارس: «سأبقى».
في تلك الليلة وصل إلى هاتف سالم تنبيه من نظام الأمن: حركة عند البوابة الخارجية ثم انقطاع قصير في إشارة إحدى الكاميرات. اتصل سالم بحمدان وطلب منه مراجعة التسجيلات وإبلاغ الشرطة إذا تأكد من أي نشاط غير مصرح به واستكمال البلاغ السابق. بعد قليل عاد حمدان ليقول إن التسجيلات أظهرت سيارة توقفت قرب البوابة لثوانٍ ثم ابتعدت، وإن الكاميرا لم تلتقط رقم اللوحة. قال سالم: «أبلغ الشرطة بذلك، وأضف الواقعة إلى البلاغ السابق. السيارة وحدها لا تثبت شيئًا، لكنها تستدعي المراقبة».
في صباح اليوم التالي دخلت نورة المكتب فوجدت سالم ينظر إلى المفاتيح الثلاثة على الطاولة. قالت: «أنت لم تنم منذ عدة ليال». قال: «لم أستطع». جلست أمامه وقالت: «أنا لا أفهم كل ما تفعله، لكنني أرى الخوف في وجه حمدان وأسمع ليان تسأل لماذا لا نخرج من القصر كما اعتدنا». نظر إليها سالم. قالت: «إذا كان هناك شيء يهددنا فأخبرني بقدر ما تستطيع». سكت سالم ثم قال: «هناك صندوق قديم، ومفاتيح، وأشخاص يبحثون عن طريق لا أعرف إلى ماذا يؤدي». قالت: «وهل سيصلون إليه؟». قال: «لا أعرف». قالت: «إذن لا تبقَ وحدك في هذه الغرفة كل ليلة». خرجت وبقي سالم ينظر إلى الباب.
بعد خروجها، عاد حمدان إلى المكتب ومعه ورقة من الشرطة. قال: «أرسلوا تقريرًا أوليًا عن البلاغ السابق. يقولون إنهم ما زالوا يفحصون آثار الأقدام التي وُجدت في الجناح الشرقي، وإن النتيجة لم تحسم بعد هوية من دخل، وإنهم يطلبون إلينا التحفظ على أي بصمات أو آثار جديدة». نظر سالم إلى الورقة طويلًا، ثم نظر إلى الصندوق المغلق في غرفة السجلات، ثم إلى المفاتيح الثلاثة على الطاولة. قال حمدان: «هذا يعني أنهم لم يستبعدوا أن يكون أحد قد دخل الجناح، لكنهم لا يملكون بعد ما يثبت ذلك». قال سالم: «ويبدو أنهم ما زالوا يبحثون عن شيء لم يجدوه». سكت ثم نظر إلى فارس، وقال: «لن أفتحه وحدي. أريدك معنا، وسنوثق ما نجده قبل أن نمسّه». نظر فارس إليه لحظة، ثم أومأ. أما سالم، فظل ينظر إلى الأقفال الثلاثة، وكأنه يسمع فيها صوتًا قديمًا يعرف أنه لن يصمت بعد اليوم.
الفصل السابع: عين القمر
## الفصل السابع: عين القمر
في صباح اليوم التالي، اجتمع سالم وفارس وحمدان في غرفة السجلات. كان الصندوق الخشبي في وسط الغرفة، بأقفاله الثلاثة المغلقة، وعلى طاولة صغيرة إلى جانبه وُضعت المفاتيح الثلاثة. لم يكن سالم قد نام إلا قليلًا، لكنه لم يشعر بالتعب الذي توقعه. كان يعرف أن ما سيجده داخل الصندوق قد يعيد إليه تفاصيل ليلة حاول نسيانها عشرين عامًا.
قال فارس: «هل أنت مستعد؟». نظر سالم إلى الصندوق، ثم إلى المفاتيح، ثم إلى حمدان الواقف عند الباب، وقال: «لن أفتحه وحدي. وقبل أن نفتحه، أريد أن نتذكر ما نعرفه، وألا نستنتج أكثر مما تسمح به الأدلة». أخرج الورقة الصغيرة من جيب معطفه، وقرأ العبارة المكتوبة عليها بصوت منخفض: «لا تفتحه وحدك». ثم أضاف: «راجيش ترك تحذيرًا، لكننا لا نعرف سبب هذا التحذير. لا أريد أن نفتحه لمجرد الفضول».
اقترب سالم من الصندوق. أدخل المفتاح الأول في قفله، فاستجابت الآلية بصوت خافت. ثم استخدم المفتاح الثاني، وبعده الثالث. وحين تحرر القفل الأخير، بقي واقفًا لحظة ويده على الغطاء. رفع الغطاء ببطء. بدا الصندوق فارغًا في البداية، إلا من قطعة قماش باهتة تغطي قاعه. أزاح سالم القماش، فظهرت تحته حافظة جلدية رقيقة بحجم كتاب صغير. رفعها بحذر ووضعها على الطاولة. كانت الحافظة مغلقة بخيط جلدي قديم. فكّه سالم، فوجد داخلها ورقة واحدة مطوية بعناية، وقطعة معدنية صغيرة تحمل نقش نصف دائرة غير مكتملة.
أمسك القطعة بين أصابعه. كانت العلامة هي نفسها التي رآها على الصندوق، وتذكر أنه شاهد ما يشبهها على باب المستودع في الهند. أما رمز الخاتم الفضي، الدائرة التي تتقاطع داخلها ثلاثة خطوط، فكان مختلفًا عنها. وضع القطعة جانبًا وفتح الورقة. تعرف سالم إلى خط راجيش من الرسائل القديمة التي تبادلاها في الهند. كان الحبر قد بهت في بعض المواضع، واصفر الورق، لكن الكلمات بقيت مقروءة. بدأ يقرأ بصوت منخفض.
كتب راجيش أنه اكتشف، خلال الأيام التي سبقت الحادثة، اختلافات في تواريخ الأوراق المتعلقة بألماسة «عين القمر»، وتناقضات في أسماء الأشخاص الذين نُسبت إليهم ملكيتها. وكانت تلك الاختلافات، في نظره، تشير إلى احتمال تزوير مسار انتقال الألماسة بين أصحابها. وأشار إلى وثيقة أصلية تحمل اسمًا وتوقيعًا وختمًا، يمكن أن تغيّر فهم القضية كلها. لكنه أوضح أنه لم يكن يحتفظ بتلك الوثيقة، ولم يكن يعرف على وجه اليقين من يحتفظ بها. كان يعرف أن أشخاصًا يراقبون المستودع، وأن هناك من يريد إخفاء الأوراق التي قد تكشف حقيقة الألماسة.
وفي ليلة الحادثة، كان راجيش داخل المستودع ينتظر سالمًا. سمع صوتًا قرب الباب، ثم رأى ظل شخص يبتعد. لم يستطع تحديد هويته، ولم يعرف إن كان سالم قد وصل إلى المكان أم لا. كتب أنه بدأ يفقد ثقته في حضور سالم، وأنه لم يعد يريد الانتظار. ثم قرر أن يخرج لمواجهة ما يحدث. وقبل مغادرته المستودع، وضع الورقة داخل الحافظة مع القطعة المعدنية، وأعاد الحافظة إلى الصندوق، ثم أغلق الأقفال الثلاثة. لم يذكر في شهادته اسم الشخص الذي كان قرب الباب، ولم يكتب ما حدث بعد خروجه. انتهت الورقة عند ذلك الحد.
ظل سالم ينظر إلى السطر الأخير. أعاد قراءته، ثم طوى الورقة برفق ووضعها أمامه. قال فارس: «راجيش لم يكتب هذه الشهادة ليدينك. كتب ما كان يعرفه قبل أن يخرج». سأل حمدان: «لكن من قتله؟». أجاب سالم: «لا نعرف. لم يرَ راجيش وجه صاحب الظل، ولم يذكر اسمًا. هذه الورقة لا تثبت من قتله». سكت قليلًا، ثم تابع: «لكنها أعادت إليّ شيئًا أعرفه منذ عشرين عامًا. كنت قريبًا من المستودع تلك الليلة. سمعت ما حدث، وخفت، ثم غادرت. لم أعد لأعرف مصير راجيش، ولم أبلغ عما رأيته وسمعته».
نظر فارس إليه، لكنه لم يقاطعه. قال سالم: «كنت أقول لنفسي إنني لم أعرف الحقيقة كاملة، وإن شهادتي لن تغيّر شيئًا. لكنني لم أحاول حتى أن أقول ما أعرفه. كان خوفي هو الذي اتخذ القرار». أطرق حمدان، وبقي فارس ينظر إلى الورقة الموضوعة على الطاولة.
بعد لحظات، قال فارس: «هناك أمر يجب أن أوضحه. لم أخبرك بكل ما أعرفه عن الصندوق والمفاتيح». رفع سالم عينيه إليه. تابع فارس: «بعد مقتل راجيش، وجدت الصندوق مغلقًا بين أغراضه. لم أفتحه، ولم تكن مفاتيحه معي. احتفظت به لأنني خشيت أن تضيع الأشياء التي تركها قبل أن نعرف أهميتها». توقف قليلًا، ثم قال: «بعد ذلك، عثرت بين أغراضه على الحافظة السوداء، وكان بداخلها مفتاحان والورقة التي تحذر من فتح الصندوق منفردًا. أما المفتاح الثالث، فقد وجدته لاحقًا في مظروف منفصل بين أوراقه القديمة. لم يكن مكتوبًا عليه ما يوضح القفل الذي يخصه، لكن شكله كان مماثلًا للمفتاحين الآخرين».
سأله سالم: «ولماذا احتفظت بكل ذلك هذه السنوات؟». قال فارس: «لم أكن أعرف ما في الصندوق. وكنت أخشى أن أفتحه فأجد شيئًا يتعلق بموت راجيش أو بما حدث بينكما. ثم مضت السنوات، وصار التأجيل أسهل من اتخاذ القرار». نظر إلى الصندوق المفتوح وأضاف: «وحين علمت أن أشخاصًا عادوا يبحثون عن الألماسة، قررت إرساله إليك. أرسلت المفتاح الثالث أولًا في مظروف مستقل، ثم أرسلت الصندوق، واحتفظت بالمفتاحين الآخرين حتى أحضرهما بنفسي». قال سالم: «كان يمكنك أن تخبرني قبل ذلك». أجابه فارس: «أعرف. لكنني خفت أن تظن أنني أحمّلك مسؤولية موت راجيش». سكت سالم لحظة، ثم قال: «لم يكن لك أن تقرر عني. كما لم يكن لي أن أترك راجيش وحده وأقرر أن الصمت أفضل». لم يجد فارس ما يقوله.
في تلك اللحظة، رن هاتف حمدان. استأذن وخرج من الغرفة، ثم عاد بعد دقائق يحمل ورقة دوّن عليها بعض المعلومات. قال: «اتصلت الشرطة. تمكنوا من تحديد السيارة التي توقفت قرب البوابة، ويريد الضابط الحضور لمراجعة ما لدينا». نظر سالم إلى فارس، ثم قال: «أخبرهم أن يأتوا. سنعرض عليهم الصندوق وما وجدناه داخله، وكل الأوراق والتسجيلات».
بعد أقل من ساعة، وصل ضابط برتبة نقيب يرافقه رجلا أمن. اجتمعوا في المكتب، ووضع سالم أمامهم الملف البني، والصور القديمة، وتسجيلات المراقبة، والورقة التي عُثر عليها داخل الصندوق، والقطعة المعدنية الصغيرة. شرح ما يعرفه عن راجيش والمستودع، وأخبرهم بما تذكره من ليلة الحادثة، دون أن يضيف إلى شهادته ما لم يره أو يسمعه. تفحص الضابط الأوراق، ثم نظر إلى صورة الخاتم الفضي. قال: «قد تكون هذه الوقائع مرتبطة بنشاط لتهريب الآثار أو بتزوير وثائق ملكيتها. لكننا لا نستطيع الجزم بذلك الآن. علينا التحقق من صلة قاسم بالرجال الآخرين، ومن معنى الرمز الموجود على الخاتم والأوراق». قال سالم: «هذا ما أريده. لا أريد أن يتحول خوفي أو ظني إلى اتهام لا يستند إلى دليل». أجاب الضابط: «سنفحص ما قدمته، ونضم الوقائع الجديدة إلى التحقيق».
وفي تلك الليلة، عادت السيارة السوداء إلى البوابة الخارجية للقصر. كان قاسم يقودها، وإلى جانبه نادر وسامر. توقفت السيارة قرب المدخل، وترجل قاسم حاملًا حقيبة صغيرة. لم يكن يعلم أن رجال الأمن يراقبون المكان، وأن الضابط يتابع الصور من غرفة المراقبة. وقف فارس وحمدان قرب المدخل، بينما بقي رجال الأمن في مواقعهم. قال فارس حين اقترب قاسم: «توقف مكانك». تجمد قاسم لحظة، ثم التفت إلى السيارة. كان نادر قد بدأ يتحرك مبتعدًا عن الباب. قال نادر: «لا تقتربوا منا». أخرج سامر هاتفه، لكن رجال الأمن تقدموا بعد أن أعطاهم الضابط الإشارة. قال قاسم: «أنتم لا تفهمون ما تفعلون». أجابه فارس: «نعرف أنكم عدتم إلى القصر، وأن هناك وقائع سابقة يجري التحقيق فيها». حاول نادر الابتعاد، لكن أحد رجال الأمن أوقفه. قال سامر: «لم نفعل شيئًا. دعونا نذهب». اقترب الضابط وقال: «هناك بلاغات وتسجيلات وقرائن تستدعي التحقيق معكم. سترافقوننا لاستكمال الإجراءات».
ضُبط الرجال الثلاثة، وفُحصت الحقيبة التي كانت مع قاسم وفق الإجراءات المتبعة. وُجدت بداخلها أدوات يمكن استخدامها في فتح الأبواب، وأوراق تحمل رمز الدائرة والخطوط الثلاثة، وهو الرمز نفسه الذي ظهر على الخاتم الفضي. لم تكن تلك المضبوطات وحدها كافية لإثبات جميع الاتهامات، لكنها أضيفت إلى الأدلة التي يجري فحصها.
في مركز الشرطة، أنكر قاسم في البداية دخوله القصر، وقال إنه كان يبحث عن عمل. وحين واجهه المحقق بالتسجيلات والوقائع التي جُمعت، أقر بأنه كان يعمل بتوجيهات رجل يقيم في الهند. قال: «لم أره من قبل. كان يتصل بنا، ويطلب منا البحث عن الألماسة والوثيقة». سأله المحقق: «هل تعرف من قتل راجيش مالك؟». أجاب قاسم: «لا. لم أكن هناك». قال المحقق: «وماذا تعرف عنه؟». قال قاسم: «سمعت باسمه من أشخاص كنت أتعامل معهم. قالوا إنه كان يعرف شيئًا عن الألماسة، وإنه مات قبل سنوات». لم يقدم قاسم معلومات كافية لتحديد هوية الرجل الذي كان يوجههم من الهند، ولم تظهر أدلة تثبت صلته المباشرة بمقتل راجيش. استمر التحقيق، وأُحيلت الوقائع والأدلة المتاحة إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات. بقيت مسؤولية كل شخص قيد التحقق، ولم يكن مقتل راجيش قد حُسم بعد.
أما الوثيقة الأصلية، فلم تكن داخل الصندوق. عاد فارس إلى الأوراق التي احتفظ بها من متعلقات راجيش، وعثر بينها على إشارة إلى رجل كان يعمل في مؤسسة معنية بالآثار في الهند. ذكرت الأوراق أن الوثيقة سُلّمت إلى ذلك الرجل، وأنه أودعها في خزانة أمان بإحدى المدن الهندية تحت رقم إيداع محدد. لم يكن هناك ما يشير إلى نقل الوثيقة من مكانها بعد الإيداع. وكان اسم المؤسسة وختمها، الظاهران على ورقة قديمة ضمن الملف البني، نقطة البداية للتحقق من تلك المعلومات. قارن فارس الختم بنماذج احتفظ بها في أرشيفه، ثم قدم سالم ما لديه من أوراق إلى الشرطة. وأُرسلت المعلومات عبر القنوات الرسمية للتحقق من وجود الإيداع ومن الجهة المخولة بالاطلاع على محتوياته. استغرقت الإجراءات وقتًا، ولم يكن العثور على رقم الإيداع كافيًا وحده لاستخراج الوثيقة. وبعد استكمال التحقق والإجراءات القانونية اللازمة بالتنسيق مع الجهات المختصة في الهند، جرى الحصول على الوثيقة الأصلية وتسليمها إلى جهة التحقيق، مع توثيق الاستلام وحفظ بياناتها.
وعندما أُبلغ سالم بوصولها، حضر إلى مركز الشرطة برفقة فارس. قال الضابط وهو يشير إلى الملف: «الوثيقة أصبحت ضمن أدلة القضية. سنفحص صحتها وما تثبته، لكننا لم نحدد بعد صاحب الحق في الألماسة، ولا نستطيع إصدار حكم قبل اكتمال التحقيق». أومأ سالم. لم يكن ينتظر أن تعيد الوثيقة السنوات التي مضت، لكنه شعر أن الحقيقة التي أخفاها طويلًا بدأت تأخذ طريقًا لا يتحكم فيه وحده.
كانت ألماسة «عين القمر» لا تزال في مخبئها خلف اللوح الخشبي في الجناح الشرقي. في اليوم التالي لإبلاغه بوصول الوثيقة، عاد سالم إلى ذلك المكان برفقة فارس وحمدان، بعد التنسيق مع الشرطة لتوثيق تسليم الألماسة. وقف أمام اللوح لحظة، ثم رفعه وأخرج العلبة الجلدية الصغيرة. فتحها. كانت الألماسة كما تركها، كبيرة وصافية، وفي عمقها انعكاس أزرق خافت. تأملها طويلًا. طوال عشرين عامًا، ظن أن الاحتفاظ بها يحفظ شيئًا من الماضي، لكنه أدرك الآن أنه كان يحتفظ معها بالخوف نفسه.
قال فارس: «وماذا ستفعل بها؟». أجاب سالم: «سأسلمها إلى الجهات المختصة. لا أستطيع الاستمرار في إخفائها، ولا أملك أن أحدد وحدي صاحب الحق فيها». أغلق العلبة، ثم أضاف: «كنت أظن أن المشكلة فيمن يريد أخذها. لكن المشكلة بدأت يوم قررت أن أخفي ما أعرفه». سُلّمت الألماسة إلى الضابط بموجب محضر وإيصال استلام موثق. صُورت الألماسة وعلبتها، وسُجل وصفهما قبل إيداعهما في المكان المخصص لحفظ المضبوطات. لم يطلب سالم إعادتها، ولم يحاول التأثير في قرار ملكيتها. كان يعرف أن ما سيحدث بعد ذلك شأن الجهات التي تتولى التحقيق.
في المساء، جلس في الشرفة مع نورة وليان. كانت ليان ترسم في دفترها، بينما تنظر نورة إلى الطاولة الصغيرة التي اعتاد سالم أن يضع عليها العلبة الجلدية. كان موضعها فارغًا. سألته نورة: «هل انتهى كل شيء؟». نظر سالم إلى الحديقة، ثم قال: «انتهى الجزء الذي كنت أخفيه. أما القضية، فلم تنتهِ بعد». قالت: «وهل أنت مستعد لما سيأتي؟». أجاب بعد لحظة: «لا أعرف. لكنني لن أواجهه بالصمت مرة أخرى». رفعت ليان رأسها عن دفترها وسألته: «عمي، هل كانت الألماسة تستحق كل هذا الخوف؟». نظر سالم إلى المكان الفارغ على الطاولة. قال: «لا. الحقيقة كانت تستحق أن تُقال». عادت ليان إلى رسمها، ثم أغلقت دفترها حين بدأت الشمس تغيب.
لم يكن سالم يعرف من قتل راجيش، ولا إلى أين ستصل التحقيقات، ولا لمن ستعود ألماسة «عين القمر». كانت هناك أسئلة كثيرة لم تجد أجوبتها بعد. لكنه لم يعد مضطرًا إلى اختراع الأعذار كي يتجنب السؤال الذي ظل يطارده عشرين عامًا. وخارج القصر، كانت الشمس تغرب ببطء. أما داخله، فلم يعد سالم يخفي الألماسة أو الأوراق أو ما يعرفه عن تلك الليلة. كان ثمن صمته قد مضى من عمره، ولم يكن في استطاعته استرداده. لكنه، للمرة الأولى منذ عشرين عامًا، اختار أن يقول الحقيقة.
تعليقات
إرسال تعليق