رواية مدينة الرماد
رواية فانتازيا مظلمة ورعب نفسي ودراما وجودية عن يونس، بعد ليلة انطفأ فيها القمر يعبر بوابة إلى المدينة الأخيرة، مدينة رمادية بلا بشر تطارده نسخ من ذاته، ليواجه ذنبه وخوفه تجاه أمه ويتصالح مع نفسه قبل أن يبتلعه الرماد للأبد
الفصل الأول: الليلة التي انطفأ فيها القمر
«ليس كل ظلام غيابَ ضوء... بعضه حضورُ شيءٍ آخر.»
في الليلة التي اختفى فيها القمر، لم يمت أحد. وهذا، على نحو غريب، كان أسوأ ما في الأمر. فالموت، مهما كان مفاجئًا، يترك وراءه تفسيرًا؛ جثة، ووقتًا، وسببًا يمكن أن يُكتب في تقرير رسمي، ثم يُغلق الملف. أما ما حدث تلك الليلة، فلم يشبه شيئًا مألوفًا.
عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، انطفأت السماء. لم يختفِ القمر وحده، بل اختفت النجوم، واختفت السحب، وحتى ذلك الوهج الخافت الذي يظل عالقًا فوق المدن ليلًا اختفى، كأن السماء نفسها سُحبت من فوق العالم وتركت خلفها فراغًا أسود لا نهاية له.
بعدها بدأ الضباب. خرج من الأزقة ومن مداخل الأنفاق ومن بين المباني، أو هكذا بدا للناس. كان أسود كثيفًا يلتصق بالجلد كرماد بارد ويبتلع أعمدة الإنارة على مسافة أمتار قليلة. توقفت السيارات عند الإشارات، انطفأت الهواتف، وتجمدت شاشات المستشفيات والمطارات ومحطات القطار في اللحظة نفسها. ولم يصرخ أحد. وقف الناس فقط، كأن المدينة كلها كانت تستمع إلى شيء لا يعرف أحد اسمه.
ثم جاء الجرس. دقة واحدة. لم تكن عالية، لكنها وصلت إلى كل مكان في اللحظة نفسها: إلى الشقق المغلقة، إلى الأنفاق تحت الأرض، إلى غرف العناية المركزة، وإلى الآبار القديمة التي نسيها الناس منذ عقود. حتى الماء الراكد في قاعها ارتجف.
ثم ظهرت الكلمات على الشاشات بخط أبيض على خلفية سوداء: «استيقظت البوابة الأولى». بقيت الكلمات ثلاث ثوانٍ ثم اختفت، وعادت الشاشات إلى سوادها.
كان يونس نائمًا عندما سمع الجرس. فتح عينيه، فلم تكن غرفته مظلمة. كان هناك ضوء رمادي بارد يملأ المكان بلا مصدر واضح. جلس على السرير، وكان آخر ما يتذكره قبل النوم وجه أمه في المستشفى. وعلى الطاولة بجانب سريره بقيت ورقة صغيرة كُتب عليها موعد زيارته التالية، وبجانبها إيصال قهوة من المقهى الذي يمر به كل صباح في طريقه إلى العمل. أشياء صغيرة، حياة عادية، حياة لم يكن يتخيل أنها ستتغير في تلك الليلة.
مد يده إلى الهاتف. لا شبكة، لا إنترنت، لا رسائل. ثم اهتز الهاتف وظهرت رسالة واحدة: هل تستطيع سماعي؟ ظل يونس يحدق فيها وكتب: من أنت؟ فجاء الرد فورًا: لا تسأل. استمع إليّ.
رفع يونس رأسه، فقد كان هناك صوت خلف الباب. نَفَس بطيء ثقيل، ثم خدش طويل على الخشب من أعلى الباب إلى أسفله. اهتز الهاتف مرة أخرى: ماذا يوجد خلف الباب؟ كتبها دون أن يعرف لماذا، فجاء الرد: ليس المهم ما يوجد خلف الباب. المهم ألا يعرف أنك مستيقظ.
تجمد يونس. ثم طرق الشيء خلف الباب طرقة واحدة هادئة متأنية، وجاء صوت أمه: «يونس؟» أغمض عينيه. كانت أمه في المستشفى منذ أربعة أيام، كان يعرف رقم غرفتها وموعد أدويتها وحتى العادة الصغيرة التي تفعلها قبل النوم؛ تطوي طرف الغطاء مرتين وتضعه تحت ذراعها. لم تكن في المنزل، ومع ذلك كان الصوت صوتها تمامًا: «يونس... افتح الباب يا بني». اقترب دون أن يشعر، خطوة ثم أخرى، فقالت: «أنا خائفة».
توقف. أمه لم تكن تقول هذه الجملة. في طفولته، عندما كان يخاف من الظلام، كانت تضحك وتقول له: «إذا كنت خائفًا، أمسك يدي. لا تقل لي إنك لست خائفًا». أما هي فلم تكن تعترف بخوفها حتى عندما كان المرض يرهقها.
اهتز الهاتف: لا تفتح. ثم: ولا تجب. وضع يونس يده على المقبض، فتحرك المقبض من الجهة الأخرى إلى الأسفل ثم عاد، ثم تحرك ثانية ولم يفتح. عاد الصوت: «يونس؟» هذه المرة لم يكن صوت أمه، كان صوته هو. ابتعد عن الباب، وفي اللحظة نفسها اختفت الرسائل من الهاتف وانطفأ الضوء.
سمع الجرس مرة ثانية ثم ثالثة. كان الصوت هذه المرة قريبًا جدًا، وشعر ببرودة تمتد من أطراف أصابعه إلى كتفيه. لم يسقط ولم يتحرك، فقط أغمض عينيه. وحين فتحهما، لم يعد في الغرفة. كانت قدماه تلامسان حجارة باردة مبللة، وشم رائحة تراب محترق، وسمع صدى الجرس يبتعد داخل مكان واسع. رفع يده فكان الرماد يلتصق بأصابعه.
ثم عاد الضوء، ليس ضوء غرفته، بل ضوء رمادي باهت يخرج من السماء نفسها. كان واقفًا في شارع لم يره من قبل، وعرف دون أن يخبره أحد أنه عبر شيئًا: بوابة. المباني حوله شاهقة مبنية من الرماد الأسود المتصلب، لا سيارات ولا بشر ولا ريح.
رفع رأسه فرأى القمر. كان ضخمًا أحمر كالجمر متشققًا، وفي قلبه شيء يشبه عينًا عملاقة، عين لا تطرف وتنظر إليه. ثم سمع صوت امرأة داخل رأسه: «أهلًا بك في المدينة الأخيرة». استدار فلم يكن هناك أحد: «أمامك سبعة أيام قبل أن تبدأ المطاردة».
دق الجرس مرة ثم ثانية ثم ثالثة، وعند الدقة الرابعة بدأت النوافذ تُفتح واحدة تلو الأخرى. ظهر في كل نافذة وجه، وجه يونس، العينان والشعر والندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر التي حصل عليها عندما سقط عن دراجته وهو طفل. عشرات الوجوه ثم مئات، كلها تنظر إليه ثم ابتسمت في اللحظة نفسها.
تراجع يونس وفهم شيئًا واحدًا: لم تأتِ المدينة لتطارده، كانت تنتظره فقط.
الفصل الثاني: قوانين المدينة الرمادية
لم يركض. كان يريد ذلك، لكن شيئًا داخله قال: إذا ركضت، ستمنحهم ما يريدون. بدأت الوجوه تنسحب وأُغلقت النوافذ واحدة تلو الأخرى، حتى بقيت نافذة واحدة مفتوحة في الطابق الأرضي. وقف خلفها صبي في الخامسة عشرة تقريبًا، نحيل شاحب، يرتدي معطفًا قديمًا لا يشبه ملابس هذا الزمن، وكانت إحدى يديه مغطاة بضماد قديم. أشار إلى يونس: «إذا أردت أن تعرف لماذا أنت هنا، ادخل». فسأله يونس: «من أنت؟» فنظر الصبي إلى الشارع خلف يونس وقال: «شخص تأخر كثيرًا».
دخل يونس، وكان المبنى من الداخل يشبه محطة قطار مهجورة بمقاعد خشبية وساعات متوقفة ورماد يتساقط من السقف، لكن ساعة واحدة فقط كانت تعمل، ولم تكن تشير إلى الوقت بل كانت تشير إلى الرقم سبعة. جلس الصبي وأخرج هاتفًا قديمًا من جيبه ورفع الشاشة أمام يونس، فكانت آخر رسالة على الشاشة: لا تفتح. رفع يونس رأسه: «أنت؟» فأومأ الصبي. سأله يونس: «كيف وصلت رسائلك إلى هاتفي؟» فنظر الصبي إلى الجهاز وقال: «هنا لا تحتاج الهواتف إلى شبكة». فسأله: «إذن إلى ماذا تحتاج؟» فأجاب: «إلى أن يكون هناك من يستمع».
لم يقتنع يونس وسأله: «ما هذا المكان؟» فصمت الصبي لحظة ثم قال: «أنت تعرف أكثر مما تظن». قال يونس: «لا أعرف شيئًا». فرد الصبي: «تعرف أنك خائف». سكت يونس، فنظر الصبي إلى النافذة حيث كانت إحدى النسخ تقف خلف الزجاج، نسخة من يونس، وقال: «هناك أشياء تركتها خلفك». اقترب يونس من النافذة، فكان الوجه هناك وجهه لكن عينيه كانتا أكثر تعبًا. سأله: «والآخرون؟» فأجاب: «لكل شخص ما يراه هنا، قد يمر ألف شخص من هذا المكان ولا يرى اثنان منهم الشيء نفسه». لم يقل أكثر، ولم يسأل يونس مرة أخرى.
اليوم الثاني
وجد نفسه في غرفة المستشفى، غرفة أمه. كل شيء كان مطابقًا: السرير والستارة ورائحة المطهر والكوب الأبيض الصغير الذي اعتادت أن تشرب فيه الماء. دخلت أمه وجلست ونظرت إليه: «لماذا لم تعد؟» لم يجب. ثم تغير المشهد، فرأى نفسه قبل أسبوعين واقفًا أمامها متعبًا غاضبًا وفي يده هاتف يرن للمرة الثالثة. قالت له يومها: «ابقَ قليلًا». فرد: «لا أستطيع». ثم خرجت الجملة التي ظل يونس يتجنب تذكرها: «أنتِ تثقلين عليّ». رأى وجهها، لم تبكِ وهذا كان أسوأ، فقط أغلقت عينيها للحظة ثم قالت: «أعرف أنك متعب». اقترب يونس من الصورة: «أمي...» لم تسمعه، مد يده فمرت خلال المشهد، اختفت الغرفة وعاد إلى الشارع، وبقي واقفًا طويلًا ينظر إلى المكان الذي كانت فيه. لم تستطع المدينة أن تعيد اللحظة، ولم تسمح له بأن يدفنها أيضًا.
اليوم الثالث
في اليوم الثالث سار يونس في شارع طويل، وكانت النوافذ مفتوحة على امتداد الطريق، لكن شيئًا تغير، لم تعد الوجوه تظهر كلها في وقت واحد؛ نافذة ثم وجه ثم تختفي النافذة، ونافذة أخرى ثم وجه آخر. اقترب من إحداها فرأى طفلًا يشبهه يضم ركبتيه إلى صدره، وفي النافذة التالية رأى يونس آخر أكبر سنًا يضحك بينما عيناه لا تبتسمان، ثم رأى نفسه غاضبًا، وفي نافذة أخرى نسخة منه تنظر إلى يديها وكأنها لا تعرف ماذا تفعل بهما. توقف، فلم تكن الوجوه أشخاصًا بل كانت لحظات، أجزاء منه لم تنتهِ عندما انتهت اللحظة نفسها. مد يده نحو الزجاج ففُتحت نافذة خلفه، استدار فلم يكن هناك أحد، لكن حين عاد بنظره إلى الأمام كانت النسخة التي رآها قبل قليل قد اختفت. وفي آخر الشارع ظهرت نافذة جديدة خلفها يونس آخر، هذه المرة لم يكن يبكي بل كان يحدق فيه فقط ثم أدار وجهه كأنه يخجل من أن يُرى. تابع يونس السير، ولأول مرة بدأ يفهم أن المدينة لا تبحث عن شيء يختبئ فيها، بل كانت تعيد إليه الأشياء التي تركها في نفسه.
اليوم الرابع
قرر يونس أن يخالف القاعدة. لم يركض مباشرة، بل عاد إلى محطة القطار ووقف أمام إحدى النوافذ حيث كان هناك وجه يونس في الداخل. قال: «ساعدني». فابتسم الوجه: «في ماذا؟» قال: «أريد الخروج». قال: «أنا أيضًا». قال: «إذن افتح النافذة». رفع الوجه يده ووضعها على الزجاج، ففعل يونس الشيء نفسه، وكان الزجاج باردًا كحجارة الشارع. ثم قال الوجه: «أنت لا تريد الخروج». قال يونس: «ماذا؟» قال: «أنت تريد أن تعود قبل أن تقول ما يجب أن تقوله». سحب يونس يده وضرب الزجاج فلم ينكسر، ضربه ثانية فارتجفت النافذة لكن الوجه لم يتحرك، وقال: «لو كنت تريد الهرب فقط لكان الباب مفتوحًا»، ثم اختفى.
ركض يونس هذه المرة دون تفكير، دخل أول زقاق ثم ثانيًا ثم ثالثًا، انعطف وعاد وانعطف مرة أخرى فوجد محطة القطار، ركض في الاتجاه المعاكس فعاد إلى المحطة. تغيرت الجدران وضاقت الأزقة واختفت النوافذ وبدأ الرماد يدخل فمه. توقف ليلتقط أنفاسه وكان قلبه يضرب صدره بعنف، وفي نهاية الزقاق رأى بابًا، باب غرفته. اندفع نحوه وفتح المقبض فوجد نفسه أمام الباب نفسه الذي رفض فتحه في الليلة الأولى، ومن خلفه جاء صوت أمه: «يونس؟» تراجع، ثم جاء صوت آخر، صوته هو: «افتح»، ثم صوت ثالث أصغر، صوت طفل: «أمي تنتظرك». أغلق عينيه، وعندما فتحهما كان واقفًا في المحطة مرة أخرى، لكن هذه المرة كان هناك وجه جديد في النافذة، وجهه أشد شحوبًا وأكثر يأسًا. فهم، لم يكن الوجه الجديد شخصًا آخر بل كان شيئًا جديدًا صنعه هو نفسه، نسخة من يونس بعد أن اختار الهرب مرة أخرى. رفع يونس يده ولم يلمس الزجاج وقال: «فهمت». لم يجب الوجه، لكن النوافذ كلها أُغلقت.
اليوم الخامس
لم يحاول يونس الهرب، بل جلس في منتصف الشارع. في البداية ظل صامتًا ثم بدأ يتذكر، ليس الأحداث الكبيرة بل الأشياء الصغيرة: يد أمه وهي تعدل ياقة قميصه قبل المدرسة، والأغنية التي كانت تدندنها له عندما كان طفلًا، وطريقتها في طرق الباب ثلاث طرقات خفيفة قبل أن تدخل غرفته. وفي إحدى المرات عندما عاد متأخرًا كانت قد تركت له طبق الطعام مغطى على الطاولة وبجانبه ورقة صغيرة: إذا برد الطعام سخّنه، أنت دائمًا تتذكر أن تأكل متأخرًا. ضحك يونس رغم دموعه، ثم تذكر الزيارة الأخيرة وتذكر وجهها عندما قال الجملة. لم يقلها لأنه يكرهها، قالها لأنه كان خائفًا؛ خائفًا من أن يمرض جسدها أكثر، ومن أن يصبح عاجزًا أمامها، ومن أن تأتي لحظة لا يستطيع فيها إنقاذها. وبقي صامتًا ثم أدرك شيئًا لم يعترف به لنفسه من قبل: لم يكن غاضبًا من أمه بل كان غاضبًا من نفسه لأنه لم يستطع فعل شيء، وحين عجز عن مواجهة ذلك الشعور وضعه على كتفيها. بقي جالسًا حتى غابت الإضاءة الرمادية، وحين رفع رأسه كانت الوجوه في النوافذ أقل عددًا.
اليوم السادس
عاد الصبي وجلس بجانبه، وكانت يده الملفوفة بالضماد مكشوفة هذه المرة وتحت القماش ظهرت ندبة طويلة على معصمه. لاحظها يونس: «ماذا حدث لك؟» فنظر الصبي إلى يده وقال: «حاولت كسر نافذة». قال: «لماذا؟» قال: «لأنني كنت أظن أن المشكلة في المكان». وابتسم ابتسامة قصيرة: «لم تكن». ظل يونس صامتًا، فقال الصبي: «غدًا ستفتح المدينة كل الأبواب». فسأله: «وماذا سأجد خلفها؟» قال: «ما تبقى منك بعد كل محاولات الهرب». قال يونس: «وهل نجوت أنت؟» فنظر الصبي إليه وقال: «لا». كانت الإجابة أبسط من أن تكون كذبة. قال يونس: «لماذا بقيت هنا؟» قال: «لأنني قلت لنفسي كل يوم إنني سأواجه غدًا، ثم صار الغد جزءًا من العقوبة». نظر يونس إلى الساعة المتوقفة وسأله: «وإذا نجحت أنا؟» قال: «سيتغير شيء». قال: «ماذا؟» فهز الصبي رأسه: «لا أعرف، لكنك قلت إنك تنتظر من ينجح». قال: «لم أقل إنني أعرف ماذا سيحدث، ربما لا يكون النجاح خلاصًا لي، ربما يكفي أن يثبت أن أحدًا استطاع أن يفعل ما لم أستطع فعله». ابتعد خطوتين ثم توقف: «وهناك شيء آخر، لا تبحث غدًا عن الوحش، ابحث عن اللحظة التي صنعت الوحش». ثم بدأ جسده يتلاشى، فقال يونس: «وما اسمك؟» فابتسم الصبي: «كنت أعرفه ذات يوم»، ثم اختفى. بقي يونس وحده، وللمرة الأولى لم يشعر أن الوحدة عقاب، كانت استعدادًا.
الفصل الثالث: اليوم السابع
دق الجرس للمرة السابعة. فتح يونس عينيه، كان الشارع فارغًا، القمر الأحمر فوقه، والمدينة صامتة. ثم انفتحت النوافذ كلها وخرجت الوجوه. هذه المرة لم تكن عشرات النسخ فقط، كانت كل نسخة تمثل لحظة: طفلًا خائفًا، رجلًا غاضبًا، ابنًا متعبًا، شخصًا يبتسم كي لا يسأل أحد عن ألمه، وشخصًا آخر لم يعد يشعر بشيء. اقتربت منه والدائرة تضيق، خطوة ثم أخرى. كان يستطيع الركض، عرف ذلك، وكان يعرف إلى أين سيصل: إلى البداية، إلى الباب، إلى الصوت، إلى نفسه.
قال أحد الوجوه: «اركض»، وقال آخر: «هذه المرة ستصل». ثم جاء صوت أمه: «يونس؟» توقف ورفع عينيه، فكانت تقف أمامه، ليست نسخة مرعبة ولا وحشًا، كانت أمه كما يتذكرها ضعيفة هادئة ويداها فوق بعضهما. قالت: «هل ما زلت خائفًا؟» لم يجب. قال الوجه: «قل إنك لم تكن تقصد». نظر إليها ثم إلى نفسه وأدرك أن هذه كانت آخر محاولة للهرب، أن يقول إن الغضب كان عذرًا، وأن التعب كان عذرًا، وأن المرض كان السبب، لكن الحقيقة كانت أبسط.
قال: «أنا خفت». توقفت الوجوه. «خفت أن أفقدك». تشقق وجه. «وخفت أن أعجز عن مساعدتك». سقطت منه ذرة رماد. «وخفت أن أراك تتألمين ولا أستطيع أن أفعل شيئًا». توقفت الدائرة. «ولذلك غضبت». تشققت نافذة خلفه. «غضبت منك، مع أنني كنت غاضبًا من نفسي». اختفى وجه. «وقلت لك إنك تثقلين عليّ». لم يتحرك أحد. «وهذا كان ظلمًا».
بدأت الوجوه تقترب من جديد لكن يونس لم يتراجع، وقال: «لا أملك طريقة لتغيير تلك اللحظة، ولا أريد أن أكذب وأقول إنني كنت شخصًا آخر». اقتربت الوجوه حتى لم يعد بينه وبينها سوى خطوات، فقال: «كنت أنا»، وصمت: «وأنا آسف». لم يحدث شيء. انتظر لثانية وثانيتين وثلاث، ثم سقط أول وجه، ليس انفجارًا بل كما تسقط قشرة جافة عن جدار قديم، تلاه وجه آخر ثم آخر، لكن بعضها بقي وكانت الوجوه تقترب من جديد.
رفع يونس صوته: «وأنا آسف أيضًا على كل مرة قلت فيها أنا بخير وأنا لم أكن كذلك». توقف وجه. «وعلى كل مرة أبعدت فيها يدًا كانت تريد مساعدتي لأنني كنت أخجل من خوفي». توقف آخر. «وعلى كل مرة ظننت أن الاعتراف بضعفي سيجعلني أقل قيمة». بدأت الدائرة تتراجع، فقال يونس: «أنا لا أريد أن أكون بلا خوف، أريد فقط ألا أختبئ خلفه». سقط الوجه الأخير.
رفع يونس رأسه، كان القمر يتشقق، لكن هذه المرة لم يرَ عينًا مخيفة، رأى الضوء خلفها أبيض دافئًا كأن القمر لم يكن ينكسر بل يتخلص من قشرته. أغلقت العين للمرة الأولى. دق الجرس، لكن الدقة لم تكن مرعبة بل كانت هادئة بعيدة كأنها تأتي من مكان لا يحتاج إلى أبواب. لم يقل الصوت شيئًا ولم ينتظر يونس سؤالًا، نظر إلى يديه فلم تعودا ترتجفان، ثم انطفأت المدينة.
### الصباح
فتح يونس عينيه في غرفته، كان ضوء الشمس يدخل من النافذة، بقي ساكنًا للحظات ثم نظر إلى هاتفه. الشبكة عادت، ووصل إشعار من المستشفى: والدتك استيقظت هذا الصباح، حالتها مستقرة، يمكنك زيارتها. جلس ولم يعرف إن كان ما حدث حلمًا، لكنه حين مد يده إلى الهاتف وجد تحت ظفر إصبعه غبارًا أسود ناعمًا، نظر إليه طويلًا ثم مسحه.
في المستشفى كانت أمه مستلقية على السرير، وعندما رأته ابتسمت: «تأخرت». فضحك: «أعرف». جلس بجانبها وأمسك يدها، ولاحظ أنها كانت تدندن الأغنية نفسها التي كانت تغنيها له عندما كان طفلًا. قال: «ما زلتِ تتذكرينها؟» فنظرت إليه: «بعض الأشياء لا تُنسى». سكت ثم قال: «أمي...» توقفت عن الدندنة: «نعم؟» قال: «أنا آسف». لم تسأله عن ماذا، فقط ضغطت على يده وبقيت صامتة، وكان ذلك الصمت أرحم من أي جواب.
مرت الأيام وتحسنت حالتها وعاد يونس إلى عمله، إلى المقهى نفسه وإلى الشوارع نفسها، إلى رائحة القهوة في الصباح وضجيج السيارات والأحاديث العابرة التي كان يمر بها دون أن ينتبه. لكن شيئًا تغير، صار عندما يخاف يعرف أنه خائف، وعندما يحتاج إلى أحد يطلبه، وعندما يريد أن يقول شيئًا لا يؤجله طويلًا.
وفي بعض الليالي كان يقف عند النافذة ينظر إلى القمر، القمر الحقيقي الهادئ المعلق في السماء، وكان يشعر بقشعريرة خفيفة لا خوفًا بل تذكّرًا. ثم بعد أسابيع من عودته استيقظ ذات ليلة على صوت واحد، جرس، دقة واحدة. فتح عينيه ولم يتحرك، جاءت الدقة الثانية ثم الثالثة، وساد الصمت. نظر إلى الباب، كان مغلقًا، لم يقترب منه ولم يسأل من خلفه، فقط ابتسم لأنه عرف أن الصوت لم يعد يناديه، كان ينادي شخصًا آخر.
وفي مكان ما في شقة أخرى من المدينة فتح شخص عينيه على ضوء رمادي بارد، نظر إلى هاتفه، لا شبكة ولا إنترنت، ثم اهتز الهاتف وظهرت رسالة واحدة: هل تستطيع سماعي؟ وفي مكان لا يعرفه أحد داخل المدينة التي لا تظهر على أي خريطة كانت نافذة تُفتح ثم أخرى ثم ثالثة، وكان الجرس يستعد للدقة الأولى.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك
جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات
إرسال تعليق