مدينة الرماد
مدينة الرماد
الفصل الأول: الليلة التي انطفأ فيها القمر
في الليلة التي اختفى فيها القمر، لم يمت أحد.
وهذا، على نحو غريب، كان أسوأ ما في الأمر.
ظلّت المدينة مستيقظة حتى الفجر، بينما كانت الشوارع غارقة في ضباب أسود لم يعرف أحد مصدره. توقفت السيارات عند الإشارات، تعطلت الهواتف، وانطفأت الشاشات في المستشفيات والمطارات ومحطات القطار في اللحظة نفسها.
ثم، عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، سمع الجميع الجرس.
دقّة واحدة.
لم تكن عالية، لكنها وصلت إلى كل مكان.
إلى الشقق المغلقة.
إلى الأنفاق.
إلى غرف العناية المركزة.
حتى إلى الآبار القديمة تحت المدينة.
وبعدها ظهرت الكلمات على جميع الشاشات:
«استيقظت البوابة الأولى.»
كان يونس نائمًا حين سمعها.
فتح عينيه ببطء.
لم تكن غرفته مظلمة.
كانت مضيئة بضوء رمادي بارد.
جلس على فراشه، وحدّق في النافذة.
المدينة في الخارج لم تكن كما تركها قبل النوم.
المباني نفسها، نعم.
الشارع نفسه.
لكن السماء...
كانت خالية.
لا قمر، ولا نجوم، ولا حتى غيوم.
مجرد مساحة سوداء عميقة، كأن شخصًا اقتطع السماء ووضع خلفها فراغًا لا نهاية له.
مدّ يونس يده نحو هاتفه.
لا شبكة.
لا إنترنت.
لا رسائل.
ثم اهتز الهاتف في يده.
ظهرت رسالة واحدة.
هل تستطيع سماعي؟
تجمّد.
كانت الرسالة من رقم بلا اسم.
كتب:
من أنت؟
جاء الرد فورًا.
لا تسأل. استمع إليّ جيدًا.
نظر يونس إلى باب غرفته.
كان مغلقًا.
لكن شيئًا ما كان يقف خلفه.
سمع نفسًا.
بطيئًا.
ثقيلاً.
ثم جاء صوت خدش خافت على الخشب.
تراجع يونس.
الخدش تكرر.
هذه المرة من أعلى الباب إلى أسفله.
ببطء.
وكأن أظافر طويلة كانت تمر فوقه.
كتب الرقم مجددًا:
ماذا يوجد خلف الباب؟
تأخر الرد.
ثانيتين.
ثلاثًا.
ثم ظهرت الكلمات:
ليس المهم ما يوجد خلف الباب.
المهم ألا تدعه يعرف أنك مستيقظ.
توقّف قلب يونس للحظة.
وفي اللحظة نفسها...
طرق الشيء خلف الباب.
طرقة واحدة.
ثم جاء صوت أمه.
— يونس؟
شهق.
أمه.
عرف صوتها فورًا.
قالت:
— افتح الباب يا بني.
ارتجفت أصابعه.
أمه كانت في المستشفى منذ أربعة أيام.
لم تكن في المنزل.
كان يعرف ذلك.
لكنه مع ذلك اقترب من الباب.
خطوة.
ثم أخرى.
— يونس؟
كان صوتها هذه المرة أضعف.
كأنه صادر من شخص يبكي.
وضع يده على المقبض.
اهتز الهاتف.
لا تفتح.
توقف.
ثم جاءت الرسالة الثانية:
وأيًا كان ما تسمعه... لا تجب.
رفع يونس عينيه نحو الباب.
قال الصوت من الخارج:
— أنا خائفة.
أغمض عينيه.
أمه لم تكن تقول "أنا خائفة".
أبدًا.
حتى عندما كانت خائفة فعلًا.
كان لديها عناد غريب يجعلها تبتسم في وجه الخطر.
ابتعد عن الباب.
وفجأة...
سكت الصوت.
ساد الصمت.
ثم انحنى مقبض الباب إلى الأسفل.
ببطء.
لم يفتح.
استمر المقبض في الحركة.
مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
ثم توقف.
ظهر على شاشة الهاتف سطر جديد.
جيد.
لقد نجحت في الاختبار الأول.
حدّق يونس في الكلمات.
كتب:
أي اختبار؟
جاء الرد:
اختبار البقاء.
ثم اختفت الرسائل كلها.
وفي اللحظة نفسها انطفأ الضوء.
صرخ يونس دون أن يشعر.
لكن الظلام لم يدم إلا لحظة.
حين عاد الضوء، لم يكن في غرفته.
كان واقفًا في شارع لم يره من قبل.
تحت قدميه حجارة مبللة.
وعلى جانبيه مبانٍ شاهقة من الرماد الأسود.
لا سيارات.
لا بشر.
لا أصوات.
رفع رأسه.
فرأى القمر.
كان ضخمًا بصورة غير طبيعية.
أحمر.
ومتشققًا.
ومن وسطه كان يتدلى شيء يشبه عينًا عملاقة.
تراجع يونس خطوة.
ظهر صوت في رأسه، لا من الهاتف هذه المرة.
صوت امرأة مجهولة.
هادئ.
بارد.
قال:
— مرحبًا بك في المدينة الأخيرة.
ثم أضيفت جملة واحدة:
— أمامك سبعة أيام قبل أن تبدأ المطاردة.
وفي مكان بعيد، خلف الأبنية الرمادية، دوّى الجرس.
دقّة واحدة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
وعندما دقّت الرابعة...
بدأت المدينة تتحرك.
كانت النوافذ تُفتح واحدة تلو الأخرى.
وفي كل نافذة ظهر شخص.
لكن جميعهم كانوا يملكون الوجه نفسه.
وجه يونس.
تراجع وهو يشعر ببرودة تسري في ظهره.
ثم ابتسمت الوجوه كلها في اللحظة ذاتها.
وعرف يونس شيئًا واحدًا فقط:
أن أسوأ قرار يمكن أن يتخذه الآن...
هو أن يبدأ بالهرب.
لأن الشيء الذي يطارده لم يكن خلفه.
كان داخله.

تعليقات
إرسال تعليق