مدينةٌ لا تُرى مرتين

📅 سبتمبر 07, 2026

مدينةٌ لا تُرى مرتين

في الليلة التي اختفت فيها مدينة السُّرّة من الخرائط، كان يوسف النجار آخر رجل رآها.

لم يكن يعرف أنها ستختفي.

كل ما كان يعرفه أن جهاز الملاحة في سيارته ظل يعيد الجملة نفسها:

أعد الحساب.

ثم:

أعد الحساب.

ثم انطفأت الشاشة.

رفع يوسف عينيه عن الطريق.

كان الطريق الصحراوي يمتد أمامه مستقيمًا تحت سماء بلا قمر. وعلى يمينه سلسلة جبال سوداء تشبه أسنانًا مكسورة. وعلى يساره لا شيء سوى الرمل، يقطعه بين حين وآخر عود يابس أو حجر أبيض.

كان عائدًا من قرية بعيدة، يحمل في حقيبة المقعد الخلفي صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

لم يكن الصندوق ملكه.

ولم يكن يعرف لماذا طلب منه الشيخ منصور أن يأخذه إلى الرياض.

قال له قبل أن يغادر:

— لا تفتحه.

ضحك يوسف يومها.

— وهل تتوقع أن أحمل صندوقًا عبر الصحراء ولا أسأل عما فيه؟

نظر إليه الشيخ طويلًا.

— أتوقع منك شيئًا أبسط.

— ماذا؟

— أن تصدقني.

تذكر يوسف ذلك الآن، وشعر بانقباض غريب في صدره.

فأوقف السيارة.

كان هناك ضوء أمامه.

ليس ضوء مدينة.

ولا محطة وقود.

ولا سيارة.

كان ضوءًا ذهبيًا ثابتًا يخرج من قلب الصحراء.

فتح الباب ونزل.

الهواء كان باردًا بصورة غير طبيعية.

ثم سمع شيئًا.

جرسًا.

ضربة واحدة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

وفي اللحظة الرابعة، ظهر الطريق الذي لم يكن موجودًا قبل دقائق.

طريق حجري قديم، تحفّه أعمدة قصيرة، يمتد إلى مكان لا يظهر على أي خريطة.

تردد يوسف.

ثم أخذ الصندوق.

ومشى.


بعد عشر دقائق رأى المدينة.

كانت هناك وراء منخفض رملي، مبنية من حجر بلون العسل، تتوسطها قبة زرقاء ضخمة، وفوق أسطحها مصابيح معلقة بلا أسلاك.

والأغرب من ذلك كله:

لم تكن هناك سيارات.

ولا أعمدة كهرباء.

ولا أبراج اتصالات.

لكن المدينة كانت مأهولة.

سمع أصواتًا.

ضحكات.

بكاء طفل.

صوت بائع ينادي.

ورأى رجلًا يعبر أحد الأزقة مرتديًا ثوبًا أبيض.

كان كل شيء طبيعيًا.

إلا شيئًا واحدًا.

لا أحد كان له ظل.

توقف يوسف.

نظر إلى قدميه.

كان له ظل.

رفع رأسه.

كل شخص في الشارع كان يتحرك بلا ظل.

وعندما رفع الرجل الذي أمامه رأسه ورآه، صرخ.

لم يصرخ خوفًا.

بل صرخ كما يصرخ شخص رأى ميتًا عاد إلى الحياة.

وفي ثانية واحدة أُغلقت النوافذ.

أُغلقت الأبواب.

اختفى الباعة.

انطفأت المصابيح.

وبقي يوسف وحده في الشارع.

إلا امرأة كانت واقفة في نهاية الزقاق.

كانت في الثلاثين تقريبًا.

تلف كتفيها بعباءة سوداء، وفي يدها مصباح صغير.

قالت:

— تأخرت.

لم يعرف ماذا يقول.

— عن ماذا؟

اقتربت.

كانت عيناها غريبتين.

إحداهما بنية.

والأخرى رمادية.

قالت:

— عن موتك.

ابتلع يوسف ريقه.

— أظن أنك أخطأتِ الشخص.

هزت رأسها.

— لا.

ثم نظرت إلى الصندوق.

— أنت تحمل اسم الرجل الذي مات قبل مئة وثلاثة عشر عامًا.

تجمد يوسف.

— ما اسمه؟

قالت:

— يوسف النجار.

فتح فمه.

— هذا اسمي.

ابتسمت ابتسامة حزينة.

— أعرف.

ثم مدت يدها.

— أعطني الصندوق.

ضم يوسف الصندوق إلى صدره.

— أولًا أخبريني ما الذي يحدث.

نظرت إلى السماء.

للمرة الأولى لاحظ يوسف شيئًا آخر.

لم تكن هناك نجوم.

بل كانت السماء سوداء تمامًا، كأن المدينة محاطة من كل جانب بجدار هائل.

قالت المرأة:

— هذه المدينة لا تظهر إلا لمن يبحث عن شخص مفقود.

— وأنا لا أبحث عن أحد.

— بل تبحث.

— عمّن؟

اقتربت حتى صارت أمامه مباشرة.

— عن أبيك.

سقط الصندوق من يد يوسف.

ارتطم بالحجر.

وانفتح.

لم يكن بداخله ذهب.

ولا مخطوطات.

ولا أثر أثري.

كان بداخله مرآة صغيرة.

مرآة سوداء، لا تعكس وجه من ينظر إليها.

نظر يوسف إليها.

فرأى شيئًا جعل الدم ينسحب من وجهه.

رأى نفسه.

لكن أكبر سنًا.

كان الرجل في المرآة جالسًا في غرفة بيضاء، يكتب شيئًا على ورقة.

ثم رفع رأسه.

ونظر مباشرة إلى يوسف.

وقال:

— إذا وصلتَ إلى المدينة، فلا تثق بالمرأة ذات العينين المختلفتين.

شهقت المرأة.

وتراجعت خطوة.

أما يوسف فلم يستطع الحركة.

لأن الرجل في المرآة كان أباه.

أباه الذي مات منذ سبع سنوات.


قالت المرأة:

— أعطني المرآة.

— لماذا؟

— لأنك لا تفهم ما تراه.

— إذًا اشرحي.

صمتت.

ثم قالت:

— أبوك لم يمت.

كان يمكن للجملة أن تكون صاعقة.

لكن يوسف شعر بشيء أسوأ.

شعر أنها الحقيقة التي كان يعرفها طوال سبع سنوات، لكنه اختار أن ينساها.

قال:

— كان قبره أمامي.

— القبر كان له.

— ماذا يعني ذلك؟

— يعني أن الرجل الذي دُفن فيه لم يكن أباك.

قبل أن يسأل، سمع الجرس.

ضربة واحدة.

تغير وجه المرأة.

— يجب أن نخرج الآن.

— إلى أين؟

— إلى المكان الذي لا يصل إليه الموتى.

نظر يوسف إلى سكان المدينة المختبئين خلف النوافذ.

ثم إلى المرآة.

كان أبوه لا يزال هناك.

يكتب.

هذه المرة ظهرت على الورقة جملة واحدة:

لا تجعلها تعبر الباب معك.

رفع يوسف رأسه ببطء.

المرأة كانت تنظر إليه.

— ماذا رأيت؟

لم يجب.

اقتربت منه.

— يوسف؟

تراجع خطوة.

— لماذا لا تملكين ظلًا؟

تغير وجهها.

وفي اللحظة نفسها، انطفأت كل مصابيح المدينة.

ثم بدأ الناس يخرجون من بيوتهم.

مئات.

آلاف.

كلهم بلا ظلال.

وكلهم ينظرون إلى يوسف.

ومن بينهم ظهر رجل مسن.

كان يمشي بصعوبة، حتى وصل إليه.

قال:

— لقد عاد.

سأل يوسف:

— من؟

رفع الرجل إصبعه نحوه.

الذي بنى المدينة.

ثم انحنى.

وكشف عن عنقه.

كانت هناك علامة سوداء تشبه بابًا صغيرًا.

وقال:

— وأنت ابنه.

نظر يوسف إلى المرأة.

كانت تبكي الآن.

ولأول مرة ظهر لها ظل.

لكنه لم يكن ظلها.

كان ظل رجل يقف خلفها.

رجل طويل.

يشبه يوسف.

تمامًا.

ثم سمع يوسف صوت أبيه من داخل المرآة:

— الآن فقط تذكرتَ.

وتحطمت المرآة.


عندما استيقظ يوسف، كان في سيارته.

الشمس تشرق.

الطريق الصحراوي خالٍ.

والصندوق الخشبي بجانبه.

فتح الصندوق.

كان فارغًا.

أخرج هاتفه.

وجد عشرات المكالمات الفائتة.

كلها من رقم واحد.

رقم والده.

ظل ينظر إليه طويلًا.

ثم رن الهاتف.

تردد قبل أن يجيب.

جاءه صوت أبيه.

واضحًا.

هادئًا.

قديمًا كما يتذكره.

— يوسف.

لم يستطع الكلام.

قال الصوت:

— لا تعد إلى المدينة.

ثم صمت.

وسأل يوسف:

— أين أنت؟

جاءه الجواب:

خلفك.

رفع يوسف عينيه إلى المرآة الأمامية.

كان المقعد الخلفي فارغًا.

لكن المرآة أظهرت رجلًا جالسًا هناك.

رجلًا يشبه والده.

ورجلًا يشبهه هو.

وكان كلاهما ينظران إليه.

ثم انطفأت السيارة.

وفي الظلام، سمع الجرس.

ضربة واحدة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

وعندما جاءت الرابعة…

لم يعد يوسف يرى الصحراء.

كان يرى المدينة.

مرة أخرى.

لكن هذه المرة، كان لها ظل.

ظله هو.

وكان الظل يتحرك وحده.


تعليقات