رواية وارث النور

رواية 📅 سبتمبر 05, 2026

رواية فانتازيا فلسفية تمزج الموت بإعادة الولادة، تتبع آدم الذي يموت في المستشفى ليولد كآرين في أورين مدينة الأبراج السبعة، حيث يتلاشى صوت نور من ذاكرته تدريجياً بينما يكتشف سر النبض الأزرق والطريق المنسي وقدره كوريث للنور.

الفصل الأول: حين انطفأت الحياة

أحيانًا لا يكون الموت بابًا يُغلق، بل غرفةً تتغير جدرانها من حولك. كان آدم يعرف صوت أجهزة الإنذار، عشر سنوات قضاها في صيانة أنظمة الطوارئ جعلته يميز بينها كما يميز الناس أصوات من يحبون. كان يعرف الفرق بين صفير عابر يدل على عطل صغير، وصفير آخر يعني أن نظامًا كاملًا بدأ يفقد توازنه، والصوت الذي سمعه الآن لم يكن عابرًا.

صفير، ثم آخر أبطأ وأطول. فتح عينيه بصعوبة، كان السقف الأبيض فوقه ثابتًا لكن الوجوه تحركت بسرعة تحت الضوء القاسي. تحرك الأطباء حول السرير، أحدهم طلب دواء وآخر انحنى فوق جهاز المراقبة. حاول آدم أن يأخذ نفسًا ولم يستطع، كان صدره كأن شيئًا ثقيلًا يضغط عليه من الداخل.

التفت بعينيه نحو الباب الزجاجي، كانت نور هناك. لم تكن تبكي، كانت تحاول أن تفي بوعدها. قبل أسبوعين قالت له في المطبخ وهي تحرك ملعقة السكر في كوبها: لن أبكي أمامك مهما حدث. نظر إليها آدم وقال: ومن قال إن شيئًا سيحدث؟ رفعت عينيها إليه وقالت: أنت دائمًا تقول ذلك عندما تعرف أن شيئًا سيحدث. ابتسم يومها، أما الآن فلم يستطع الابتسام.

عاد الألم وحاول أن يرفع يده فلم تتحرك. ركز عينيه على نور وفكر فقط في أن يصل إليها، أن يقول لها شيئًا، أي شيء، لكن المسافة بينهما بدت أطول من أن تقطعها يد. اقترب أحد الأطباء وسمع كلمات متقطعة: ضغط، أكسجين، نبض، ثم صار كل شيء أسرع. حاول آدم أن ينطق باسمها فخرج صوت ضعيف لم يكمل الكلمة: نو... ثم انقطع.

رأى نور تضع يدها على فمها ثم بدأت تبكي. وفي اللحظة التي أدرك فيها أنه لن يستطيع الوصول إليها، لم يفكر في الموت، فكر في الشيء الذي تركه خلفه، الجهاز الذي وعدها بإصلاحه. قال في نفسه: لم أصلحه. ثم انطفأ الصوت، لم يكن هناك ألم بعد ذلك ولا جسد ولا سقف ولا وجوه، فقط ظلام.

في البداية ظن آدم أن الظلام يعني النهاية، ثم سمع شيئًا، نبضًا ليس نبض قلبه، نبضًا آخر بعيدًا ومنتظمًا. ثم اختل الإيقاع مرة ومرتين وثلاثًا، وفي المسافة بين النبضات رأى شيئًا لم يعرف هل كان ضوءًا أم ذكرى. خيطًا أزرق رفيعًا في الظلام اختفى ثم ظهر من جديد ثم اتسع. لم يكن ضوءًا خارجيًا، كان كأن شيئًا في داخله استجاب له، وللحظة شعر أن الخيط لا يضيء أمامه بل يمر خلاله.

ثم جاء الضغط، ضيق وقاسٍ كأن الظلام نفسه ينكمش حوله. حاول أن يتحرك لكن شيئًا كان يدفعه من كل جانب، لم يعرف كم مضى من الوقت، ربما لحظة وربما عمرًا كاملًا. ثم شعر بشيء يسحبه بعيدًا عن الظلام نحو الضوء، وكانت أول صرخة يسمعها صرخته هو.

فتح عينيه فرأى سقفًا من ألواح خشبية داكنة وضوءًا خافتًا وحجارة صغيرة مثبتة في الجدار تشع نورًا ضعيفًا لا يشبه ضوء المصابيح التي عرفها. حاول أن يتحرك فخرجت من جسده صرخة أخرى، توقف، الجسد لم يكن جسده، كان صغيرًا ضعيفًا لا يملك القوة التي اعتادها. حاول أن يرفع يده فرأى أصابع قصيرة ترتجف أمام وجهه، لم يفهم وحاول أن يتكلم فخرج صوت لا يشبه صوته.

أصغى إلى المكان فسمع أصواتًا لم يعرفها، أنفاسًا متعبة وحركة قماش واحتكاك خشب، ثم امرأة تلهث. التفت بعينيه فكانت المرأة مستلقية على سرير بسيط، شاحبة الوجه وشعرها الأسود ملتصق بجبينها. حملته إحدى القابلات ووضعته فوق صدرها، فشعر بالدفء وهدأ بكاؤه دون أن يعرف لماذا. لاحظ حركة غريبة في يدها، كانت تمرر إبهامها ببطء على ظهره ثلاث مرات ثم تتوقف ثم تعود، كأنها تطمئنه بالطريقة نفسها في كل مرة، وهمست: لقد نجوت.

بقي آدم ساكنًا، كانت الكلمة بسيطة لكنها بدت غريبة في أذنه كأنها تخص شخصًا آخر. شعر بشيء يتحرك في داخله، ليس ذكرى وليس خوفًا بل شيء أعمق. حاول أن يتذكر نور فنجح، كانت عيناها واضحتين وشعرها وطريقة ابتسامتها حين تحاول ألا تبكي. لكن شيئًا غريبًا حدث، حين حاول أن يتذكر صوتها احتاج إلى لحظة أطول، ظل الصوت موجودًا لكنه لم يكن قريبًا كما كان قبل قليل.

فتح عينيه وحاول أن يمسك بالذكرى ففلتت منه قليلًا ثم عادت، لم يعرف لماذا ولم يعرف كم ستبقى. حاول أن يستعيد وجهها مرة أخرى فكان هناك واضحًا أوضح من كل شيء آخر، لكن إحساسًا خفيًا أخبره أن الوضوح لا يعني الأمان. رفع عينيه نحو المرأة فكانت لا تزال تحرك إبهامها على ظهره ثلاث مرات ثم توقفت، شعر أنها تحميه لكنه لم يعرف من ماذا.

سمع خطوات ثقيلة منتظمة خارج الغرفة، عرف الرجل قبل أن يراه. دخل رجل طويل عريض الكتفين يرتدي ثوبًا رماديًا وعلى حزامه قطعة معدنية تحمل رمزًا دائريًا، توقف عند الباب ونظر إلى الطفل ثم إلى المرأة ولم يتكلم. كانت هناك لحظة صمت طويلة ثم قال: هل هو بخير؟ أومأت المرأة، فاقترب الرجل ومد يده لكنه لم يلمس الطفل، ظل ينظر إليه كما لو كان يحاول أن يرى شيئًا خلف وجهه الصغير ثم قال: إذن أصبح لدينا ابن.

لم يفهم آدم الجملة كاملة لكن شيئًا فيها جعله يشعر بأن الاسم الذي سيُعطى لهذا الجسد لا يخص حياته السابقة، حياته السابقة انتهت أما هذا الطفل فكان يبدأ الآن. حاول أن يتذكر اسمه، آدم، الكلمة بقيت لكنها بدت بعيدة كأنها صوت جاء من غرفة أخرى. اقترب الرجل أكثر وفجأة اهتزت الجدران اهتزازًا خفيفًا قصيرًا ثم سكون، رفع الرجل رأسه وتبادلت المرأة والرجل نظرة سريعة.

عاد الاهتزاز وهذه المرة شعر به آدم في جسده، لم يكن قادمًا من الجدار وحده بل كان هناك شيء يتحرك داخله، شيء يعرفه دون أن يعرف اسمه. شدت المرأة الطفل إلى صدرها وقال الرجل بصوت منخفض: يجب ألا يعرف أحد. لم تجبه وظلت تنظر إلى الطفل ثم حركت إبهامها على ظهره مرة ومرتين وثلاثًا. رفع الرجل عينيه إليها وقال: ليارا. رفعت عينيها إليه وساد الصمت، بقيت تحدق في الطفل لحظة أطول ثم قالت: حتى هو؟ لم يجب ريان مباشرة، نظر إلى الجدار وإلى الحجارة المضيئة ثم عاد ببصره إلى الطفل وقال: خصوصًا هو.

لم يفهم آدم الكلمات لكن شيئًا في داخله استجاب لها، اهتز الجسد الصغير مرة أخرى وفي مكان بعيد خلف الجدران جاء نبض أبطأ ثم اختفى. في تلك الليلة مات آدم وفي الليلة نفسها وُلد طفل، ولم يكن أحد منهم يعرف أن شيئًا ما في مكان أعمق من الموت والولادة قد فتح عينيه معه.

الفصل الثاني: الاسم الذي بقي

كانت الأيام الأولى تمر فوقه دون أن يعرف كيف، كان جسده صغيرًا ضعيفًا ومشغولًا بأشياء لم يكن آدم قد اضطر إلى التفكير فيها طوال حياته، كيف يرفع يده وكيف يدير رأسه وكيف يفتح عينيه دون أن يؤلمه الضوء. كانت ليارا تضحك حين يبكي، في البداية لم يعرف لماذا.

كان جسده لا يزال غريبًا عنه، يرفع يده فتتحرك ببطء ويحاول أن يلتفت فيفشل ويريد أن يجلس فلا يجد في جسده القوة الكافية، وكان هذا أكثر ما يثير غضبه، غضب رجل محبوس داخل جسد لا يستطيع حتى أن يقلبه على جانبه. لكن ليارا كانت تعرف كيف تهدئه، كانت تحمله وتضمه إلى صدرها فيهدأ دون أن يعرف السبب، لم يكن صوتها وحده هو ما يطمئنه ولا دفء جسدها، كان هناك شيء في طريقتها وهي تحمله، شيء يجعل جسده يستسلم قبل أن يجد عقله تفسيرًا.

مرّت أسابيع وبدأ يميز الأصوات قبل الوجوه، خطوات ريان الثقيلة وصوت الباب الخشبي حين يُفتح وحفيف ثوب ليارا عندما تتحرك قربه. ثم بدأ يسمع شيئًا آخر، نبضًا. في إحدى الليالي استيقظ على ذلك الصوت، فتح عينيه فلم يكن هناك شيء في الغرفة سوى ليارا نائمة قربه والضوء الخافت للحجارة في الجدران.

نبضة ثم سكون، رفع رأسه بصعوبة وجاءت نبضة ثانية من الجدار المقابل، هذه المرة لم يبكِ وظل ينظر، كان هناك شيء في ذلك الصوت يذكره بأنظمة قديمة عرفها في حياته السابقة، شيء لا يعمل بالطريقة التي ينبغي أن يعمل بها. لكن قبل أن يفكر أكثر اختفى الصوت.

بعد أيام حمله ريان إلى غرفة لم يدخلاها من قبل، كانت الغرفة أضيق من بقية الغرف وأكثر برودة، وفي الجدار المقابل كانت هناك حجارة صغيرة مضاءة من الداخل، لم تكن قوية بما يكفي لإنارة الغرفة كاملة لكنها كانت تمنح الأشياء حولها حدودًا زرقاء خافتة. بقي آرين في حضن أبيه ونظر إلى الحجارة طويلًا، لم يكن يعرف ما الذي يجذبه إليها، لم تكن مجرد رغبة في لمسها بل كان شيئًا أعمق، كأن جزءًا منه عرفها قبل أن تراها عيناه.

قال ريان: لا تلمسها. نظر آرين إليه ثم عاد ببصره إلى الحجر، اقترب الضوء من أصابعه قبل أن تقترب أصابعه منه، لم يفكر ولم يتخذ قرارًا، امتدت يده الصغيرة وحدها كما لو أن جسده استجاب لنداء لم يسمعه عقله. مد آرين يده فأمسك ريان معصمه قبل أن يصل إليها، كانت قبضته أقوى مما توقع آرين، نظر إلى يده الصغيرة داخل يد الرجل ثم إلى الحجر، أراد أن ينتزعها وأن يري الرجل أنه ليس طفلًا عاجزًا لكن الجسد لم يستجب وبقي في حضن ريان وساعده الصغير ممدودًا بينهما.

قال ريان: ليس الآن. ظل آرين ينظر إلى الحجر، وفي اللحظة نفسها حدث شيء لم يتوقعه أحد، تحرك الضوء داخله، لم يزد سطوعًا بل انسحب، تراجع إلى طرف صغير من الحجر كأنه ابتعد عن يد آرين. تجمد ريان ثم ترك معصمه ببطء لكنه لم يبتعد عنه، أبقى ذراعه حول جسده وأبقى آرين قريبًا من صدره بينما اقترب بعينيه من الحجر، ظل الضوء في طرفه ولم يتحرك.

قال ريان بصوت منخفض: لا... لم يعرف آرين إن كان الرجل يخاطب الحجر أم نفسه. حمله ريان وخرج من الغرفة، وفي المساء كانت ليارا تجلس قرب النافذة حين دخل ريان ورفعت عينيها إليه وقالت: رأيته؟ ظل واقفًا قرب الباب ثم أومأ، قالت: ماذا حدث؟ نظر إلى الطفل قبل أن يجيب وقال: الضوء تحرك. اقتربت ليارا منه وقالت: كيف؟ تردد ريان لحظة ثم قال: انسحب إلى طرف الحجر. صمتت وقالت: وحده؟ قال: لم ألمسه.

نظرت ليارا إلى آرين وكانت يدها ساكنة فوق الغطاء وقالت: ربما شعر به. شد ريان فكه وقال: لا تقولي ذلك. قالت: لأنه لا ينبغي أن يشعر بشيء؟ لم يجب، قالت: إنه ابني. ظل ريان صامتًا ثم قال: ولهذا بالضبط. كانت يده قد وصلت إلى مقبض الباب، قبض عليه للحظة لكنه لم يفتحه، نظر إلى ليارا ثم إلى الطفل ولم يقل شيئًا آخر.

كان الصباح قد دخل من النافذة قبل أن يستيقظ آرين، بدت الحجارة أقل سطوعًا مما كانت عليه في الليل، وحين حملته ليارا إلى الخارج أغمض عينيه أولًا من شدة الضوء ثم فتحهما. كانت أورين أمامه، لم تكن المدينة تشبه أي مكان عرفه، بيوت من الحجر والخشب وأسقف مائلة وممرات ضيقة تتخللها أحجار صغيرة في الجدران وبعضها ينبعث منه ضوء خافت حتى في النهار.

لم تكن هناك سيارات ولا إشارات ولا أصوات المحركات التي اعتادها، كان هناك فقط وقع الأقدام وصرير العربات وأصوات الناس وهي تتداخل في الهواء. لكن شيئًا واحدًا جذب انتباهه أكثر من كل شيء، برج كان بعيدًا مرتفعًا فوق البيوت وينتهي بحلقة حجرية كبيرة في أعلاه. توقف نظره عليه ثم أضاءت الحلقة ومضة زرقاء قصيرة، وفي اللحظة نفسها شعر آرين بحركة صغيرة تحت ثوب ليارا.

خفض عينيه، كان هناك شيء معلق قرب صدرها، حجرة صغيرة بالكاد يمكن رؤيتها من خلال القماش أضاءت، لكن الضوء الأبيض لم يكن ساطعًا بل كان خافتًا جدًا مثل انعكاس شاحب ظهر للحظة تحت الثوب ثم كاد يختفي. توقفت ليارا ولم تنظر إلى البرج، نظرت إلى آرين ثم قالت: لا. كانت الكلمة موجهة إلى شيء لم يستطع رؤيته، ظل يراقبها وللمرة الأولى شعر أن فضوله ليس مجرد رغبة في الفهم، كان هناك شيء يتعلق به، شيء لم يعرف كيف يصل إليه.

في تلك الليلة كانت ليارا تجلس إلى جواره ولم تتحدث، ظل آرين يراقب وجهها، كانت تنظر إليه بطريقة مختلفة، لم تكن نظرة أم تطمئن طفلًا بل كأنها تحاول أن ترى شيئًا خلف وجهه، شيئًا تعرفه وشيئًا تخشاه. قالت أخيرًا: ماذا فعلوا بك؟ لم يجد معنى للسؤال وظل ينظر إليها، كانت يدها تتحرك على ظهره ببطء ثم توقفت.

حاول أن يتذكر، من وماذا فعلوا ولماذا كانت تسأله وكأنها تعرف الإجابة مسبقًا؟ ثم جاءت صورة، وجه وغرفة ويد صغيرة تمسك جهازًا ونور. أراد أن يسمع صوتها، في البداية كان هناك بعيدًا ضعيفًا، حاول أن يمسك به وأغمض عينيه لكن الصوت ابتعد أكثر ثم اختفى ولم يعد، بقي فراغ صغير حيث كان.

فتح عينيه وحاول أن ينطق: نو... توقفت الكلمة في حلقه، نظر إلى ليارا وظنت أنه يبكي فضمته إليها ومرت إبهامها ببطء على ظهره ثلاث مرات ثم أبقت يدها ساكنة. لم يعرف لماذا شعر بالحزن، كان يعرف فقط أن اسمًا ما كان مهمًا له، اسمًا بدأ يصبح أثقل كلما حاول الوصول إليه، نور. في مكان آخر من أورين كان برج بعيد يقف تحت السماء، داخل أحد أحجاره الزرقاء تحرك الضوء وانسحب إلى طرفه ثم توقف، لم يكن هناك أحد يلمسه.

الفصل الثالث: البرج الذي لا يضيء بانتظام

كبر جسده أسرع مما استطاع أن يعتاد عليه، وتعلّم المشي قبل أن يتعلم لماذا كان أحيانًا يشعر بأن المكان من حوله مألوف رغم أنه لم يره من قبل. وفي الخامسة كان لا يزال يتذكر اسمًا واحدًا بوضوح، نور، أما صوتها فلم يعد يأتيه.

منذ تلك الليلة في طفولته الأولى حاول مرات كثيرة أن يستعيده لكنه لم يجد سوى أثر بعيد لشيء يعرف أنه كان موجودًا، كان يتذكر أنها كانت تضحك لكنه لم يعد يسمع ضحكتها، ولم يكن يعرف لماذا يؤلمه ذلك كلما حاول. كان يعرف فقط أن الاسم بقي.

في أورين كانت الأبراج جزءًا من السماء، سبعة فقط، لم يشرح له ريان لماذا كانت سبعة ولا ماذا تفعل، ومنذ ذلك اليوم صار آرين يبحث عنها بعينيه كلما صعد إلى سطح البيت. كان البرج الشمالي أول ما لفت انتباهه، لم يكن أعلى الأبراج ولا أقربها لكنه كان يضيء بطريقة مختلفة.

جلس آرين على حافة السطح، كانت الحجارة تحت قدميه باردة وخشنة قليلًا، مرر أصابع قدمه فوقها دون أن ينظر إليها وبقيت عيناه معلقتين بالبرج. أضاء ثم خفت، انتظر ثم أضاء مرة أخرى، هذه المرة تأخر الضوء قليلًا. راقبه آرين دون أن يتحرك، الأول والثاني والثالث، الفواصل بينها لم تكن متساوية. عاد الضوء أبطأ ثم أسرع، رفع آرين رأسه قليلًا، لم يكن الضوء وحده هو المشكلة، كان هناك نمط والنمط لا يستقيم.

كانت ليارا تجلس غير بعيد عنه تنشر بعض الملابس التي جفّت تحت شمس المساء، لم تتكلم في البداية وبعد وقت قالت: ماذا تفعل؟ لم يلتفت إليها وقال: أراقبه. نظرت إلى البرج ثم إليه وقالت: لماذا؟ ظل صامتًا لحظة ثم قال: لأنه يتغير. توقفت يدها ونظرت إلى البرج مرة أخرى ثم قالت: لا تراقبه كثيرًا. التفت إليها آرين وقال: لماذا؟ ترددت ولم تجب فورًا، كانت عيناها على البرج لكن يدها تحركت دون أن تشعر حتى توقفت فوق صدرها ثم سحبتها، قالت: لأن بعض الأشياء لا تحب أن تُراقب. نظر إليها آرين، كانت نظرتها أكثر جدية مما ينبغي أن تكون عليه امرأة تتحدث إلى طفل في الخامسة، لم يسألها مرة أخرى.

في الأيام التالية عاد إلى السطح، لم يحتج إلى أن يراه طويلًا وكان يكفي أن ينتظر، أضاء ثم خفت ثم تأخر. بدأ يبحث عن طريقة ليتأكد مما يراه، في أحد الأيام وجد لوحًا خشبيًا قديمًا خلف الصندوق الصغير قرب المخزن، أخذ قطعة فحم وجلس في زاوية من السطح. رسم خطًا ثم آخر ثم مجموعة متقاربة، وفي اليوم التالي أعاد الأمر، وفي اليوم الثالث نظر إلى العلامات التي ملأت اللوح، لم يكن الضوء عشوائيًا، كان هناك نمط لكن شيئًا في الإيقاع لا يستقيم.

بقي ينظر إلى اللوح وحاول أن يجد تفسيرًا آخر، ربما كانت المسافة وربما الريح وربما عيناه، لكن الفواصل بقيت مختلفة. رفع عينيه إلى البرج، أضاء ثم خفت وقال بصوت منخفض: لماذا؟ في ذلك المساء كانت ليارا تجمع الثياب حين وجدت اللوح الخشبي، توقفت ورفعته وكانت عليه العلامات السوداء غير المنتظمة وقالت: ما هذا؟ أخذ آرين اللوح منها وقال: البرج. نظرت إلى العلامات وقالت: لماذا تكتبها؟ قال: حتى لا أنساها. تأملته لحظة وقالت: ماذا تريد أن تعرف؟ نظر إلى اللوح ثم إلى البرج البعيد وقال: أين يتغير. لم تجب.

بعد أن نام ريان خرج آرين إلى الفناء، كانت الأرض باردة تحت قدميه ومرّت نسمة بين الأشجار وحملت معها رائحة التراب الرطب من جهة القنوات، رفع رأسه وكان البرج الشمالي ظاهرًا بين أسطح البيوت وراقبه، أضاء ثم خفت، كان يعرف الآن أن المشكلة ليست في البرج وحده، كان هناك شيء يمر خلاله. رفع عينيه أكثر، أضاء البرج مرة أخرى ثم تأخر الضوء، قال آرين: هل هو معطل؟ كان ريان قد خرج إلى الفناء دون أن يشعر به، رفع رأسه ببطء ونظر إلى آرين ثم إلى البرج وقال: لا أعرف. سكت لحظة ثم أضاف: لماذا قلت هذه الكلمة؟ لم يفهم آرين السؤال وقال: أي كلمة؟ قال: معطل. هز آرين كتفيه وقال: لا أعرف. نظر ريان إليه طويلًا ثم تبادل نظرة سريعة مع ليارا التي كانت تقف عند باب البيت، كانت يدها قد ارتفعت نحو صدرها مرة أخرى لكنها لم تلمسه، قال ريان: لا تذهب إلى هناك. نظر آرين إلى البرج ولم يقل شيئًا.

في تلك الليلة بقي في الفناء وحده، حاول أن يفسر ما يحدث دون أن يفترض وجود خلل، ربما كان الضوء يتأخر بسبب المسافة وربما كانت هناك حركة في الهواء لا يراها وربما كان ما يراه مجرد اختلاف في زاوية النظر، لكنه أعاد العد ثم أعاده مرة أخرى ولم تتغير النتيجة، الفواصل لم تكن متساوية والتأخر لم يكن عشوائيًا. خفض آرين رأسه وقال: هناك خلل.

في اللحظة نفسها جاءه النبض، لم يأتِ من الجدار هذه المرة بل كان في جسده، نبضة واحدة ثم سكون. وضع يده على صدره وانتظر فجاءت نبضة ثانية أبطأ، رفع رأسه نحو البرج وكان الضوء الأزرق قد أضاء من جديد، شعر أن المسافة بينهما صارت أقل مما ينبغي، وللحظة قصيرة شعر ببرودة خفيفة تحت كفه تشبه البرودة التي شعر بها ذات مرة قرب الحجر في غرفة ريان. لم يعرف ما الذي يعنيه ذلك لكنه لم يبعد يده، ظل واقفًا في الظلام منتظرًا النبضة التالية.

الفصل الرابع: الحجر الأبيض

في صباح بارد كان آرين يعبر الممر الخلفي للبيت حين سمع صوت ماء، توقف، لم يكن هناك مطر ولا كان أحد يملأ الحوض، جاء الصوت من مكان منخفض تحت الأرض كأن مجرى ضيقًا يتحرك خلف الجدران. اقترب آرين من الحوض وكانت ميرا هناك، رفعت دلوًا صغيرًا ثم سكبته في الحوض لكن الماء لم يسقط كما توقع، تجمع في منتصف الهواء لحظة قصيرة ثم انساب إلى الحوض.

نظر إليها آرين ونظرت إليه وقالت: ماذا تنظر؟ قال: الماء. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: الماء لا يحب أن يظل في مكان واحد. ظل آرين ينظر إلى سطح الحوض وكان الماء يتحرك قليلًا رغم سكون الهواء ثم قال: أنت تفعلين ذلك؟ هزت كتفيها وقالت: أحيانًا. صمتت لحظة ثم اقتربت منه وقالت: أنت سمعت القناة، أليس كذلك؟ رفع آرين رأسه وقال: كيف عرفتِ؟ نظرت إلى الأرض وقالت: لأنها لا تصدر الصوت نفسه للجميع. ثم عادت إلى الحوض.

قال آرين: ماذا تقصدين؟ لم تجب مباشرة، رفعت يدها فتحرك الماء مرة أخرى ثم قالت: إذا سمعت الماء تحت الأرض لا تتبعه. ظل آرين ساكتًا وقال: لماذا؟ نظرت إليه وقالت: لأن بعض الأشياء لا تحب أن تُراقب.

في المساء كان آرين جالسًا قرب النافذة حين سمع صوت ريان وليارا في الغرفة المجاورة، لم يكن الصوت مرتفعًا لكنه كان مختلفًا عن حديثهما المعتاد. قال ريان: بدأ يشعر به. رفعت ليارا عينيها إليه وقالت: أعرف. ساد الصمت ثم قالت: لكنه ما يزال صغيرًا. قال: أعرف. ترددت ليارا وقالت: أشياء لا نعرف إلى أين تقود. لم يرد ريان، اقترب آرين من الباب وتوقف حين سمع اسمه، قال ريان: لا ينبغي أن يعرف الآن. قالت ليارا: ومتى سيعرف؟ لم يجبها، فتح آرين الباب فالتفتا إليه ونظر إلى الاثنين ولم يعرف ماذا يعنيان لكنه عرف شيئًا واحدًا، كانا خائفين.

في تلك الليلة استيقظ آرين على صوت خافت، لم يكن نبضًا بل كان شيئًا بين الاحتكاك والهمس يأتي من مكان بعيد في البيت، جلس في فراشه وظل الصوت موجودًا ثم توقف، بعد لحظات سمع حركة خلف الباب، فتح عينيه وكانت ليارا تمر في الممر، تبعها دون أن تصدر قدماه صوتًا ولم تلتفت إليه، دخلت الغرفة الخلفية وتبعها آرين حتى الباب وكان ريان هناك وفي يد ليارا حجر صغير أبيض.

لم يكن أبيض كالحجر العادي، كان الضوء يخرج منه بهدوء لا يضيء الغرفة بقدر ما يجعل الأشياء الموجودة فيها تبدو أبعد، ثبت آرين عينيه عليه وشعر بشيء بارد في صدره، لم يكن ألمًا بل كان إحساسًا خفيفًا كأن شيئًا بعيدًا لمس جسده من الجهة الأخرى لجدار لا يستطيع رؤيته. قال ريان: لا تفعليها. نظرت إليه ليارا وقالت: لم يعد لدينا وقت، ترددت لحظة ثم وضعت الحجر على صدرها.

ارتجفت ودخل الضوء تحت جلدها وحبست أنفاسها ثم اختفى الحجر كله، بقي الضوء للحظة تحت جلدها ثم خفت حتى لم يبقَ منه شيء، انقبضت أصابع آرين وجاءته نبضة باردة واحدة ثم أخرى. وضعت ليارا يدها على صدرها وفي اللحظة نفسها رفع آرين يده إلى صدره، نظر ريان إليه ثم إلى ليارا ولم يقل شيئًا، قالت ليارا بصوت منخفض: هو شعر به أيضًا، لم يجب ريان.

ظل آرين واقفًا عند الباب وحاول أن يتذكر شيئًا، ظهر وجه نور في ذهنه واضحًا، عرف عينيها وعرف ابتسامتها وعرف أنها كانت تضحك كثيرًا، لكنه حاول أن يسمع صوتها فلم يأتِ، انتظر وحاول مرة أخرى وبقي الاسم وحده، نور، كان يعرف أن صوتها كان موجودًا في ذاكرته يومًا ما لكنه لم يعد قادرًا على الوصول إليه وشعر بفراغ صغير حيث كان ذلك الصوت. ثم عاد ينظر إلى ليارا وقالت: ماذا؟ لم يفهم السؤال، نظر ريان إلى ليارا وقالت: لقد بدأ. رفع آرين عينيه وقال: ماذا؟ سكت ريان طويلًا ونظر إلى الحجر الذي اختفى ثم إلى ليارا وقال أخيرًا: لا أعرف. كان جوابه هادئًا لكن آرين لم يكن متأكدًا أنه صادق، كان جوابها صادقًا وهذا أخافه أكثر من أي إجابة أخرى.

في تلك اللحظة سمع آرين الصوت مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يأتِ من الجدار بل جاء من داخله، شيء يشبه أن بابًا بعيدًا فتح للحظة ثم أغلق. في صباح اليوم التالي عاد آرين إلى الحوض وكانت ميرا هناك وكان الماء أبرد، رفعت رأسها عندما اقترب ونظرت إلى صدره وطالت نظرتها قليلًا وقالت: أنت تغيّرت. خفض آرين عينيه إلى يديه وقال: كيف؟ قالت: لا أعرف، اقتربت من الماء ووضعت أصابعها فوق سطحه فارتجف الماء. قال آرين: هل ما زال أبرد؟ قالت: نعم.

نظر إلى البرج البعيد ثم إلى الحوض وقال: وهل يحدث ذلك كلما تغير البرج؟ رفعت ميرا عينيها إليه وقالت: لا أعرف. ظل صامتًا ثم قالت: لكن الماء يعرف أنك جئت. نظر آرين إلى سطح الحوض فكان ساكنًا ثم تحركت دائرة صغيرة في منتصفه واحدة ثم ثانية، وضع آرين يده على صدره وكانت هناك نبضة، توقف وانتظر وجاءت نبضة أخرى، نظر إلى الماء ولأول مرة لم يكن متأكدًا أيهما جاء أولًا، الماء أم النبض.

الفصل الخامس: سجل ريان

في السابعة كان آرين لا يزال يتذكر اسمًا واحدًا بوضوح، نور، أما صوتها فلم يعد يأتيه، كان يعرف وجهها ويعرف أنها كانت تضحك وكان يعرف أن هناك أشياء كثيرة عاشها معها لكنه لم يعد قادرًا على الوصول إليها كما كان، لم يحاول أن يستعيدها كثيرًا وصار يخاف أن يمد يده إلى الذاكرة فلا يجد شيئًا.

في ذلك الصباح رأى ريان يغلق الباب مرتين، المرة الأولى بالمفتاح والمرة الثانية بيده، ظل آرين واقفًا في الممر يراقبه، تأكد ريان من القفل ثم التفت وحين رأى ابنه لم يقل شيئًا، مر بجانبه ودخل الغرفة الأخرى، انتظر آرين حتى ابتعد ثم عاد إلى الباب، كان يعرف أن الغرفة الخلفية لا تُفتح كثيرًا وكان يعرف أيضًا أن ريان لا يحب أن يسأل أحد عنها. وضع يده على المقبض وتردد لحظة ثم فتح الباب.

كانت الغرفة أضيق مما تخيل، لا شيء فيها تقريبًا، رفوف قديمة وصندوق خشبي منخفض وقطعة قماش مطوية في الزاوية، دخل آرين وأغلق الباب خلفه دون صوت واقترب من الصندوق، كان القفل مفتوحًا ورفع الغطاء، في الداخل دفتر بني سميك أكلت الرطوبة أطرافه وبجانبه مفتاح أسود صغير.

أمسك آرين المفتاح أولًا وكان باردًا، قلبه بين أصابعه وانتظر، لم يحدث شيء فأعاده إلى مكانه ثم أخذ الدفتر، كان أثقل مما توقع وجلس على الأرض وفتحه. في الصفحة الأولى لم يجد اسمًا ولا تاريخًا، فقط خطوطًا ودوائر متصلة ببعضها وتحتها كلمات قليلة، قرأها ببطء: البرج الشمالي يتأخر سبع نبضات عن الثالث. رفع عينيه ثم عاد إلى الصفحة، في السطر التالي: إذا انقطع واحد يعوّضه الآخر، وتحتها: إذا انقطع اثنان تبدأ إعادة التوزيع. ظل إصبعه فوق الكلمات ثم وجد سطرًا أخيرًا كان أقصر من البقية: ثلاثة... لا أعرف ماذا يحدث بعدها.

لم يقلب الصفحة فورًا وبقي ينظر إلى الكلمات الثلاث، ثلاثة، كان يعرف أن الأبراج سبعة لكنه لم يعرف ماذا يعني أن يتوقف ثلاثة منها، قلب الصفحة فوجد رسمًا آخر، هذه المرة كان البرج الشمالي محاطًا بدائرة سوداء صغيرة وتحته كُتبت عبارة: لا تذهب إليه.

سمع صوتًا خلفه فأغلق الدفتر لكن الباب كان قد فُتح، وقف ريان عند المدخل ولم يكن غاضبًا، كان ينظر إلى الدفتر فقط وقال: ماذا تفعل؟ أجاب آرين: كنت أبحث. قال: عن ماذا؟ نظر آرين إلى الدفتر ثم إلى أبيه وقال: عن سبب خوفك. لم يتحرك ريان ودخل وأغلق الباب ونظر إلى المفتاح الأسود داخل الصندوق ثم إلى الدفتر في يد آرين وقال: هذا ليس لك. قال: لماذا؟ تغير وجه ريان قليلًا وقال: لأنك لا تعرف ما الذي تقرأه. رفع آرين الدفتر وقال: وأنت تعرف؟ صمت ريان ثم قال: أعرف ما يكفي لأخاف.

بقي آرين ينظر إليه وقال: ما الذي تخشاه؟ مرر ريان يده على غلاف الدفتر ثم سحبها وقال: بعض الأشياء لا تصبح أخطر عندما تعرفها، انتظر آرين فقال ريان: عندما تبدأ في البحث عن معناها. لم يفهم آرين الجملة تمامًا لكنه فهم شيئًا واحدًا، ريان لم يكن يخاف من الدفتر بل كان يخاف مما قد يجده آرين إذا واصل القراءة.

فتح آرين الصفحة التي فيها الجملة الأخيرة وقال: من كتب هذا؟ نظر ريان إلى السطر وقال: بعضه لي. قال: وبعضه؟ رفع ريان عينيه إليه وقال: وجدته. قال: أين؟ تردد ثم قال: في مكان لا أريد أن تعرفه. قال: ولماذا؟ أغلق ريان الدفتر بيده وقال: لأن معرفة المكان لن تجعلك تفهم ما فيه. ظل آرين صامتًا فأعاد ريان الدفتر إلى الصندوق وقبل أن يغلقه وقعت عينا آرين على المفتاح الأسود وقال: وهذا؟ أغلق ريان الغطاء وقال: اتركه. قال: ماذا يفتح؟ نظر ريان إليه طويلًا وقال: أتمنى ألا يفتح شيئًا، ثم أخذ المفتاح ووضعه في جيبه وخرج، بقي آرين وحده في الغرفة ونظر إلى الباب المغلق ثم إلى المكان الذي كان فيه الدفتر، لم يكن يعرف لماذا شعر أن الجملة الأخيرة لم تكن أهم ما قرأه، كان هناك شيء آخر في الصفحات شيء لم يصل إليه بعد.

في الظهيرة جلس آرين قرب النافذة ووضع قطعة الفحم أمامه ثم بدأ يرسم، خط ثم آخر ثم مجموعة متقاربة، سبعة أبراج ووصل بينها بخطوط متعرجة وتوقف عند البرج الشمالي. كانت ميرا تجلس إلى جواره منذ مدة دون أن يتحدث أحدهما ونظرت إلى الرسم وقالت: أنت ترسمها كثيرًا. أجاب: لأنها تتغير. مدت يدها وأخذت قطعة الفحم منه ولم تنتظر أن يسألها ورسمت خطًا صغيرًا تحت البرج الشمالي ثم قالت: هنا. نظر آرين إلى الخط وقال: ماذا هناك؟ قالت: الطريق، نظر إليها ولم تكن تبتسم وأضافت خطًا آخر أبطأ هذه المرة وقالت: أنت رسمت الطريق الذي يمشي فيه الضوء.

تأمل الرسم وكان قد رسم الأبراج كما يراها لكن ميرا لم تكن تنظر إلى الأبراج بل كانت تنظر إلى ما بينها، قال: كيف تعرفين؟ هزت كتفيها وقالت: أحيانًا أشعر به، ثم مسحت جزءًا من الخط وقالت: وأحيانًا يختفي. نظر آرين إلى المكان الذي مسحته وقال: متى؟ رفعت عينيها إليه وقالت: عندما يتغير البرج. سكت قليلًا ثم قال: والماء؟ لم تجبه فورًا ووضعت الفحم جانبًا وقالت: لا يتحرك بالطريقة نفسها، ثم أشارت إلى البرج الشمالي وقالت: هنا يتوقف.

نظر آرين إلى الرسم وشعر ببرودة خفيفة عند أطراف أصابعه، لم تكن قوية لكنه عرفها، كانت تشبه تلك البرودة التي تأتي أحيانًا قبل النبضة، قالت ميرا: ماذا؟ هز رأسه وقال: لا شيء. نظرت إليه لحظة ثم إلى الرسم وقالت: أنت لا تقول كل شيء. لم يجب، ابتسمت ابتسامة صغيرة ثم أخذت قطعة الفحم من جديد ورسمت خطًا جديدًا، هذه المرة لم يكن بين برجين بل كان يلتف حولهما وقالت: الآن بدأت ترى. رفع آرين رأسه وقال: ماذا؟ لكن ميرا لم تجب.

في المساء وجد آرين ليارا تطوي بعض الملابس وحين رأته وضعت ما في يدها جانبًا، كانت في يده الورقة ونظرت إليها وقالت: ما هذا؟ قال: الأبراج، اقتربت منه ونظرت إلى الرسم ثم إلى وجهه وقالت: من أين تعلمت رسمها؟ قال: من أبي، توقفت يدها لحظة ثم قالت: وهل رأيت دفتره؟ عرف آرين من صمتها أنها تعرف المقصود وقال: نعم، لم تغضب وجلست أمامه وقالت: هل قرأت كثيرًا؟ قال: بعضه.

مدت يدها إلى الورقة وأخذتها منه ونظرت إلى الخطوط طويلًا ثم قالت: لا ترسم كل شيء تراه، سأل: لماذا؟ رفعت عينيها إليه وقالت: لأن بعض الأشياء تتغير عندما تمنحها اسمًا. ظل ينظر إليها ولم يفهم لكنها لم تشرح، مررت إبهامها ببطء على شعره ثم أعادت الورقة إليه وقالت: فقط لا تذهب إلى البرج الشمالي، قال آرين: أبي قال الشيء نفسه، لم تجبه وكانت تنظر إلى الرسم ثم إلى النافذة، قال آرين: لماذا يخاف الجميع منه؟ خفضت عينيها وقالت: لا أعرف، عرف من نبرة صوتها أنها تعرف أكثر مما قالت لكنه لم يسأل، ليس هذه المرة.

في الليل لم ينم آرين سريعًا وظل مستلقيًا ينظر إلى السقف، كان البرج الشمالي يظهر من النافذة البعيدة كخط داكن يعلوه ضوء لا يستقر، سبع نبضات، كان ريان قد كتبها، سبع، عدّها في رأسه ثم بدأت النبضات، واحدة واثنتان وثلاث، توقف الضوء ثم عاد ببطء، نظر آرين إلى يديه ولم يضع يده على صدره وانتظر فجاءت النبضة باردة خفيفة ثم اختفت.

أغمض عينيه وحاول أن يتذكر نور، لم يبحث عن صوتها وكان يعرف أن الصوت لم يعد يأتيه، بحث عن وجهها فقط فظهر واضحًا ثم ضحكت في ذاكرته دون صوت، بقي الوجه وبقي شيء آخر معه شيء لم يعرف له اسمًا، فتح عينيه وللحظة شعر أن المسافة بينه وبين البرج أقصر مما ينبغي، ثم رأى في الظلام نقطة سوداء صغيرة عند طرف النافذة، لم تكن ضوءًا ولم تكن ظلًا بل كانت كأن شيئًا ما سحب الضوء من المكان نفسه، رمش واختفت وبقي ينظر ولم يتحرك.

في الصباح كانت ليارا تفتح النوافذ حين مر آرين من الممر ونظرت إليه وقالت: لم تنم جيدًا، قال: كنت أراقب البرج، توقفت وقالت: لماذا؟ نظر إليها وقال: أريد أن أعرف لماذا يتأخر، لم تجب مباشرة ونظرت إلى البرج البعيد ثم قالت: ربما ليس السؤال هو لماذا يتأخر، انتظرت لحظة وقالت: ربما السؤال إلى أين يذهب الضوء عندما يتأخر؟ بقي آرين مكانه، كانت تلك أول مرة يسمع فيها منها شيئًا لا يبدو كتحذير بل كإجابة تقوده إلى سؤال آخر.

وفي الخارج كانت ميرا تمر قرب قناة الماء وتوقفت لحظة ورفعت رأسها نحو البرج الشمالي ثم واصلت السير، أما آرين فعاد إلى غرفته وفتح الدفتر الذي أخفاه تحت وسادته وقلب الصفحات حتى وصل إلى الجملة التي لم يستطع نسيانها، قرأها مرة أخرى: إذا ظهر الطفل الذي يرى الطريق قبل أن يُفتح فلا تدفعوه إليه. توقف وقرأها ثانية ثم أغلق الدفتر، لم يكن يعرف إن كانت الجملة تتحدث عنه لكنه لم يعد يستطيع تجاهلها.

وفي تلك اللحظة تذكر سطرًا آخر كان قد قرأه قبل أن يأخذ ريان الدفتر، كان مكتوبًا في أسفل صفحة أخرى بخط مختلف: عندما تنسى الشبكة الطريق لا تبحث عن شخص يقودها، ابحث عمّن يستطيع أن يتذكره. لم يفهم آرين كيف يمكن لشبكة من الأبراج والأنفاق أن تنسى لكنه فهم شيئًا أبسط، الشخص الذي كتب هذه الجملة كان يعرف أن الطريق يمكن أن يضيع وكان يعرف أن شخصًا ما قد يستطيع تذكّره.

جلس على طرف السرير ثم نظر إلى النافذة وشعر ببرودة خفيفة في أطراف أصابعه، لم يضع يده على صدره وهذه المرة لم يحتج إلى ذلك، لأول مرة لم يسأل آرين هل كنت المقصود، سأل سؤالًا آخر: من الذي كتب هذا قبل أن أصل؟

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات