وارث النور
وارث النور
الفصل الأول: حين انطفأت الحياة
لم يكن الموت مخيفًا كما تخيله آدم طوال حياته.
كان باردًا فقط.
باردًا إلى حدٍّ جعل العالم كله يبدو بعيدًا، كأن جسده لم يعد سوى غرفة مهجورة تُغلق أبوابها واحدًا تلو الآخر.
آخر ما تذكره كان ضوء المصابيح فوقه، وصوت جهاز الإنذار، ووجهًا صغيرًا يلمع بالدموع خلف زجاج غرفة العناية المركزة.
ثم انطفأ كل شيء.
لم يسمع صراخًا.
لم يرَ نفقًا من نور.
لم تأتِ يدٌ غامضة لتدعوه إلى السماء.
فقط... ظلام.
وظل آدم فيه وقتًا لم يعرف مقداره.
ثم سمع صوتًا.
بعيدًا في البداية.
كأن أحدهم يناديه من قاع بحر.
— هل تسمعني؟
لم يستطع الإجابة.
حاول فتح عينيه، فلم يجد عينيه.
حاول تحريك يده، فلم يجد يده.
حاول التنفس، فلم يجد رئتين.
كان موجودًا... دون أن يملك جسدًا.
— أرجوك... لا تتركني.
تجمد شيء في داخله.
ذلك الصوت.
لم يكن صوت ملاك.
كان صوت امرأة.
امرأة تبكي.
ثم جاء صوت آخر، أكثر هدوءًا:
— سيدتي، عليكِ أن ترتاحي. لقد طال المخاض.
المخاض؟
عبس آدم في الظلام.
ما علاقة المخاض به؟
وقبل أن يجد تفسيرًا، اجتاحه ألم هائل.
صرخة خرجت من مكان ما.
ثم اهتز العالم كله.
وللمرة الأولى منذ موته، شعر آدم بشيء يشبه الخوف.
كان هناك ضغط.
ضيق.
برد.
ثم—
نور.
فتح عينيه.
ولم يرَ سوى أشكال مشوشة.
سقف أبيض.
وجوه.
أيدٍ تتحرك بسرعة.
رائحة غريبة.
ثم شعر بشيء يضرب صدره.
شهق.
وانفجر بالبكاء.
حدق آدم في الفراغ مذهولًا.
أنا... أبكي؟
حاول أن يقول شيئًا، لكن ما خرج من فمه لم يكن سوى صرخة طفل.
اقترب وجه امرأة منه.
كانت شاحبة، متعبة، وشعرها الأسود ملتصق بجبهتها من العرق.
لكن عينيها...
كانتا تبتسمان.
— صغيري...
مدت ذراعيها.
ووضعوه فوق صدرها.
توقّف آدم عن البكاء.
لم يعرف لماذا.
ربما لأن الدفء الذي شعر به كان شيئًا لم يختبره منذ سنوات.
أو ربما لأن تلك المرأة احتضنته كما لو أن العالم كله يمكن أن يحترق، لكنها لن تسمح للنار بأن تصل إليه.
همست:
— نجوت.
ثم أغلقت عينيها.
وفي تلك اللحظة دخل رجل إلى الغرفة.
كان طويلًا، عريض الكتفين، يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا تتدلى من حزامه قطعة معدنية محفور عليها رمز دائري.
اقترب ببطء.
نظر إلى الطفل.
ثم إلى المرأة.
وقال بصوت مرتجف:
— هل هو بخير؟
أجاب القابلة:
— بخير تمامًا.
سكت الرجل طويلًا.
ثم لمس رأس الطفل بإصبع متردد.
ابتسم.
— إذن... أصبح لدينا ابن.
حدق آدم فيه.
كان يعرف معنى الكلمة.
ابن.
وهنا بدأت الحقيقة المرعبة تتشكل في ذهنه.
لقد مات.
لكنه لم ينتهِ.
لقد عاد.
ليس إلى حياته القديمة.
بل إلى حياة أخرى.
داخل جسد طفل.
مرّت الأيام الأولى كالحلم.
كان آدم عاجزًا عن فعل أي شيء.
وهذا كان أكثر ما أثار غضبه.
عقله يعمل.
ذكرياته كاملة.
لكن جسده يرفض التعاون.
إذا أراد الالتفات، احتاج إلى جهد هائل.
إذا أراد رفع يده، انتهى به الأمر يلوّح بها في الهواء بلا هدف.
أما الكلام...
فكان كارثة.
حاول في إحدى الليالي أن يقول:
"أنا أفهمكم."
لكن ما خرج كان:
— آاا... غوو...
نظر إليه والده للحظات.
ثم قال:
— أظن أنه جائع.
جائع؟! أنا أحاول إخبارك أنني رجل بالغ!
بكى الطفل من الغضب.
فضحك الرجل.
— يبدو أنه عنيد.
كانت أمه تبتسم كلما سمعته.
— بل ذكي.
لم يعرف آدم لماذا أثرت فيه تلك الجملة.
ربما لأنها قيلت بثقة غريبة.
كأنها لم تكن تعرفه، لكنها اختارت أن تؤمن به.
وكان اسمها ليارا.
أما الرجل فكان اسمه رِيان.
كانا يعيشان في منزل حجري صغير على أطراف مدينة تدعى أورين.
مدينة لم يرَ آدم مثلها في حياته السابقة.
كانت الأبراج ترتفع بين البيوت، وعلى أسطحها أحجار زرقاء تضيء ليلًا.
العربات تسير دون خيول، مدفوعة بأحجار مضيئة.
والناس أحيانًا يفتحون أبوابًا من الهواء.
في البداية ظن آدم أنه يحلم.
ثم رأى والدته وهي تشعل النار.
لم تستخدم عود ثقاب.
لم تستخدم حجرًا.
رفعت يدها فقط.
ظهرت نقطة ضوء بين أصابعها.
ثم تحولت إلى لهب.
اتسعت عينا آدم.
سحر؟
لم يعرف ماذا يفعل.
ظل يحدق فيها حتى لاحظت نظراته.
ضحكت.
— ماذا بك؟
نظر إلى اللهب.
ثم إليها.
ثم إلى اللهب.
— آ... آ...
ابتسمت.
— أعجبتك؟
لأول مرة منذ ولادته، شعر آدم بشيء يشبه الحماس الحقيقي.
إذا كان هذا العالم يملك السحر...
فربما لم تكن ولادته الثانية مصادفة.
مرّت ثلاث سنوات.
لم يعد آدم طفلًا عاجزًا.
أصبح اسمه الآن آرين.
وكان يعرف أن اسمه القديم يجب أن يبقى مدفونًا مع حياته السابقة.
لم يخبر أحدًا بما يتذكره.
ليس لأنه خائف فقط.
بل لأنه أدرك منذ وقت مبكر أن هذا العالم لا يشبه عالمه السابق.
كان هناك السحر.
وكان هناك شيء آخر.
شيء لم يفهمه بعد.
في كل مرة تغفو فيها المدينة، كان آرين يشعر به.
نبضًا خافتًا.
كأن الأرض نفسها تتنفس.
وفي إحدى الليالي، استيقظ فجأة.
جلس في سريره.
كان القمر يلمع من النافذة.
المنزل هادئ.
والداه نائمان.
ثم شعر بالنبضة مرة أخرى.
دق.
تجمد.
دق.
هذه المرة أقوى.
وضع يده على صدره.
لم يكن قلبه.
النبض جاء من مكان أعمق.
من داخل جسده.
أغمض عينيه.
وفجأة رأى شيئًا.
نقاطًا صغيرة من الضوء.
منتشرة في الهواء.
ذهبية.
زرقاء.
خضراء.
حمراء.
كانت تتحرك حوله ببطء.
فتح عينيه.
اختفت.
أغمضهما.
فعادت.
حدق آرين في الظلام.
ما هذا؟
مد يده.
اقتربت نقطة زرقاء من إصبعه.
ثم—
اختفت داخله.
شهق.
واندفع شيء دافئ عبر ذراعه.
سقط من السرير.
ارتطم بالأرض.
فُتح الباب بعنف.
— آرين!
ظهر والده.
كان يحمل مصباحًا في يده.
— ماذا حدث؟
جلس آرين على الأرض وهو يحدق في أصابعه.
لم يجب.
اقترب ريان منه بسرعة، ثم حمله.
— هل تأذيت؟
هز آرين رأسه.
كانت عيناه لا تزالان معلقتين بيده.
وفي داخله، بدأ سؤال واحد يتكرر:
هل أستطيع استخدام السحر؟
لكن قبل أن يعرف الإجابة، سمع صوتًا.
ليس من الخارج.
بل من داخله.
صوتًا لم يكن بشريًا.
هادئًا.
قديمًا.
وقال:
"لقد استيقظت."
اتسعت عينا آرين.
توقف تنفسه.
رفع رأسه نحو الظلام.
لم يسمع والده شيئًا.
ولم يشعر بالأرض وهي ترتجف.
لكن في أعماق جسده، حيث كانت تلك النقاط المضيئة تتجمع، بدأ شيء ما يفتح عينيه.
شيء كان ينتظر ولادته منذ زمن طويل.
وشيء آخر...
كان قد بدأ يبحث عنه.
في مكان بعيد خلف الجبال، أضاء برج أسود للمرة الأولى منذ مئة عام.
استدار رجل عجوز نحو النافذة.
كانت عيناه مغطاتين بوشاح أبيض.
ومع ذلك، قال:
— إذن ظهر أخيرًا.
اقترب منه تلميذ مذعور.
— ماذا ظهر يا سيدي؟
ابتسم العجوز.
— الطفل.
— أي طفل؟
رفع العجوز رأسه نحو السماء.
— الطفل الذي لا ينبغي أن يولد.
وفي اللحظة نفسها، انطفأ البرج.
أما في المنزل الصغير على أطراف أورين، فقد نام آرين دون أن يعرف أن ولادته الثانية لم تكن بداية حياته فقط.
كانت بداية شيء سيغيّر العالم كله.

تعليقات
إرسال تعليق