حين أضاء البرق دار النخيل
حين أضاء البرق دار النخيل
الفصل الأول: الطريق القديم
لم يكن ياسر يحب الطرق التي يعرفها الجميع.
كان يفضّل الطرق الجبلية الضيقة، تلك التي لا تظهر في تطبيقات الخرائط، وتنتهي أحيانًا عند وادٍ مجهول أو قرية لا يعرفها إلا سكانها. كان يرى في الطريق غير المألوف وعدًا صغيرًا بالمفاجأة، وربما كان يهرب من شيء لا يعرف اسمه.
قال له والده ذات يوم، وهو يراقبه يقود سيارته في طريق جبلي:
«أنت لا تحب الوصول يا ياسر… أنت تحب أن تعرف ماذا يوجد بعد المنعطف.»
ضحك ياسر وقتها، وظل يردد العبارة كلما سلك طريقًا جديدًا.
لكنها لم تعد تضحكه في تلك الليلة.
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة والنصف حين غادر الاستراحة الواقعة على أطراف المدينة. بقي أصدقاؤه في الداخل، يواصلون أحاديثهم وضحكاتهم، بينما شعر هو فجأة بأن المكان صار ضيقًا، كأن الهواء فقد شيئًا لا يستطيع أحد غيره ملاحظته.
ناداه ماجد من عند الباب:
— إلى أين في هذا الوقت؟
أجاب ياسر وهو يدير محرك السيارة:
— إلى البيت.
— أنت الذي تقول إن الليل يبدأ بعد منتصف الليل!
ابتسم ياسر ابتسامة قصيرة.
— غيّرت رأيي.
لم يكن ذلك صحيحًا تمامًا. هو نفسه لم يعرف لماذا أراد المغادرة. كل ما شعر به أن عليه أن يرحل، وأن تأخره دقيقة واحدة سيجعل العودة أصعب.
انطلق في الطريق القديم المؤدي إلى جدة. كان يستطيع استخدام الطريق السريع، لكنه اختار المنعطفات الجبلية؛ فالليل هناك أكثر هدوءًا، والهدوء هو ما كان يبحث عنه.
بعد نصف ساعة، بدأت السماء تتغير.
ظهرت غيوم سوداء من جهة الغرب، كثيفة وثقيلة، تتحرك ببطء كأنها تعرف وجهتها. أطفأ ياسر الموسيقى وخفف السرعة. كانت رائحة الأرض المبتلة تسبقه، مع أن المطر لم يبدأ بعد.
ثم سقطت القطرة الأولى.
ارتطمت بزجاج السيارة.
ثم ثانية.
ثم انفتح المطر دفعة واحدة، فشغّل ياسر المسّاحات بأقصى سرعة. ضعف بصره بالطريق، وتذكر تحذير أبيه القديم:
«إذا جاء المطر في الجبل، فلا تثق بالطريق.»
قال بصوت مسموع:
— حتى بعد موتك ما زلت تعطيني نصائح.
ثم سكت.
لم يكن يحب الحديث مع نفسه، لكنه صار يفعل ذلك منذ وفاة والده قبل اثني عشر عامًا.
عند المنعطف الثالث، شق البرق السماء.
وللحظة واحدة، أضاء الوادي كله.
رأى ياسر بيتًا.
كان بيتًا أبيض واسعًا، قائمًا في أسفل الوادي، تحيط به أشجار نخيل طويلة وسور حجري منخفض، وفوق سطحه برج صغير يشبه أبراج البيوت القديمة.
عاد الظلام.
اختفى البيت.
ضغط ياسر على المكابح حتى توقفت السيارة تقريبًا.
حدق في الوادي.
لم يكن هناك شيء سوى الصخور والأشجار والماء.
قال لنفسه:
— هذا مستحيل.
تابع القيادة ببطء.
وبعد أمتار قليلة، جاء البرق مرة أخرى.
ظهر البيت.
هذه المرة رآه بوضوح أكبر.
جدران بيضاء، نخيل، بوابة سوداء، ونافذة مضاءة في الطابق الأرضي.
توقف ياسر تمامًا.
كان يعرف الطريق منذ سنوات. مرّ به عشرات المرات، ولم ير فيه بيتًا، ولا طريقًا فرعيًا، ولا أرضًا مستوية تسمح ببناء منزل.
نزل من السيارة تحت المطر، ووقف على حافة الطريق.
لم يجد شيئًا.
أخرج هاتفه، فلم يجد شبكة. رفعه فوق رأسه بحركة ساخرة، ثم عاد إلى السيارة.
وقبل أن يغلق الباب، لمح لوحة حجرية صغيرة على جانب الطريق.
لم تكن موجودة قبل لحظات.
مسح الماء عن سطحها بيده، فظهرت كلمتان محفورتان بوضوح:
دار النخيل
توقف قلبه لحظة.
لم يكن الاسم غريبًا تمامًا. سمعه وهو طفل من امرأة عجوز كانت تعمل في بيت جدته، اسمها خديجة.
كانت تخاف من شيء واحد أكثر من خوفها من الموت:
دار النخيل.
سألها ياسر وهو في التاسعة:
— ماذا يوجد في دار النخيل؟
نظرت إليه طويلًا، ثم أجابت:
— لا تسأل.
— لماذا؟
— لأن بعض الأبواب، إذا عرفت مكانها، تبحث عنك.
لم يفهم كلامها آنذاك، وضحك.
لكنها لم تضحك.
عاد إلى مقعده وأدار المحرك. كان عليه أن يرحل؛ فهذا هو التصرف المنطقي.
لكنه ظل ينظر إلى اللوحة.
قال:
— مجرد بيت.
ثم أضاف:
— وبيت مهجور.
لم يكن يعرف أن الدار لم تكن مهجورة، وأن شخصًا ما كان ينتظره منذ اثني عشر عامًا.
الفصل الثاني: المرأة خلف النافذة
بعد مئتي متر، ظهرت البوابة.
كانت من الحديد الأسود، نصفها مغطى بالصدأ، لكنها كانت مفتوحة.
خلفها امتد ممر طويل تحفّه أشجار النخيل.
والشيء الأكثر غرابة أن المطر لم يدخل الممر؛ كانت الأرض تحته شبه جافة، بينما كانت المياه تنهمر بغزارة على جانبي الطريق.
أطفأ ياسر المحرك.
ظل جالسًا لحظات وهو يحدق في الأشجار.
كان يعرف الإجابة عن السؤالين اللذين يدوران في رأسه:
لماذا لا يعود؟
ولماذا يريد الدخول؟
الفضول.
ذلك المرض الذي ورثه عن أبيه.
فتح الباب وتقدم.
كلما ابتعد عن الطريق، تراجع صوت المطر. بعد خطوات قليلة، لم يعد يسمع سوى حفيف النخيل. حتى صوت سيارته صار بعيدًا، كأن الممر أطول من المسافة التي قطعتها قدماه.
ظهر البيت في نهاية الممر.
كان أكثر اتساعًا مما بدا من بعيد، بواجهة بيضاء متآكلة وشرفات خشبية داكنة.
كانت نافذة واحدة مضاءة بضوء أصفر هادئ.
وقف ياسر أمامها.
خلف الزجاج، ظهرت امرأة بثوب طويل داكن.
لم تتحرك، لكن ياسر شعر بأنها تنظر إليه.
رفع يده بتحية مرتبكة.
لم ترد.
أغلقت الستارة.
استدار ياسر ليعود، فسمع صوتًا خلفه:
— ياسر.
تجمد.
التفت، فوجد المرأة واقفة عند الباب.
كان الباب مفتوحًا، ولم يسمع صوت خطواتها.
قالت:
— كنت أعرف أنك ستأتي.
— من أنتِ؟
— ادخل أولًا.
— لا.
ابتسمت ابتسامة غامضة.
— إذن اسألني هنا.
— كيف تعرفين اسمي؟
لم تجب.
— هل تعرفين أبي؟
تغير وجهها فورًا. اختفى الهدوء من عينيها، وحل مكانه خوف واضح.
قالت:
— لا تتحدث عنه هنا.
— لماذا؟
نظرت خلفه إلى الممر.
— لأنك لست وحدك.
استدار ياسر بسرعة.
لم ير أحدًا.
حين عاد بنظره إليها، كان الباب مغلقًا.
طرق مرة.
لا جواب.
طرق ثانية.
بقي البيت صامتًا، واختفى الضوء من النافذة.
عاد إلى سيارته وهو يقنع نفسه بأنه تخيل كل شيء.
جلس خلف المقود ومد يده إلى جيب معطفه، فتوقفت أصابعه عند جسم معدني لم يكن موجودًا قبل خروجه من الاستراحة.
أخرج مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
كان ثقيلًا، داخل دائرة وعلى جانبه الآخر تاريخ محفور، وعليه نقش صغير حرف «ي».
1411هـ
ذلك هو العام الذي ماتت فيه أمه.
عندها عادت إلى ذاكرته صورة ناقصة.
والده جالس أمام مكتبه، يضع مفتاحًا في يد طفل صغير ويقول:
«إذا أعطيتك هذا يومًا، فلا تسألني من أين جاء.»
كان عمر ياسر اثني عشر عامًا.
لكنه لم يتذكر بقية المشهد، ولا سبب بكائه في تلك الليلة، ولا لماذا منعه أبوه من الاقتراب من غرفة معينة.
نظر إلى البوابة.
كان يستطيع الرحيل، لكن المفتاح في يده كان أثقل من أن يتركه.
أدار السيارة وعاد إلى جدة قبيل الفجر.
لم يخبر أحدًا بما رأى.
الفصل الثالث: صندوق الأب
ظل ياسر مستيقظًا حتى أشرقت الشمس.
كان بيت أبيه لا يزال يحتفظ برائحة الخشب القديمة، وبالهدوء الذي يسبق الأسرار.
لم يستطع بيع البيت بعد وفاة والده، ولم يغير موضع أثاثه، ولم يفتح الأدراج التي تركها مغلقة.
دخل غرفة أبيه وأشعل المصباح.
وضع المفتاح على المكتب، ثم بدأ يبحث دون أن يعرف عما يبحث.
فتح الأدراج واحدًا تلو الآخر:
كتب، فواتير، صور عائلية، رسائل، ودفتر شيكات قديم.
في أسفل خزانة خشبية، وجد صندوقًا صغيرًا مقفلًا.
جرب المفتاح.
لم يدخل.
حاول مرة ثانية.
لا شيء.
جلس على الأرض وضحك ضحكة قصيرة متوترة.
— طبعًا… لم يكن الأمر بهذه السهولة.
عندما قلب الصندوق، لاحظ نقشًا على غطائه: حرف «ي» داخل دائرة، وتحته كلمة واحدة:
نوال
توقف.
كان الاسم مألوفًا بطريقة أزعجته، كأنه سمعه كثيرًا في طفولته ثم أجبر نفسه على نسيانه.
اتصل بأخته ريم.
أجابت بعد رنين طويل:
— ياسر؟ هل تعرف كم الساعة؟
— هل تعرفين نوال؟
ساد الصمت.
— من أخبرك بهذا الاسم؟
— أريد جوابًا فقط.
— لا تفتح هذا الموضوع.
— لماذا؟
— لأن أبي كان واضحًا.
— ماذا قال؟
— قال إن نوال ماتت.
— متى؟
ترددت، ثم أجابت:
— قبل والدتك.
أغمض ياسر عينيه.
رأى المرأة خلف النافذة، وسمع صوتها يناديه باسمه.
سأل:
— هل كانت نوال تعرف دار النخيل؟
لم تجب ريم.
— ريم؟
انقطع الاتصال.
في الصباح، ذهب ياسر إلى مقهى قديم في جدة، وجلس أمام رجل تجاوز الستين اسمه عبدالرحمن.
كان صديقًا قديمًا لوالده، وأحد القلائل الذين ظلوا يزورونه في سنواته الأخيرة.
قال عبدالرحمن حين سمع الاسم:
— من أين عرفت نوال؟
— هل تعرفها؟
— أعرف الاسم.
— أريد الحقيقة.
ابتسم الرجل بحزن.
— الحقيقة ليست شيئًا تريده يا ياسر.
— بل أريدها.
مال عبدالرحمن نحوه.
— أبوك قضى آخر عشر سنوات من حياته وهو يحاول أن يجعل الماضي يبقى ماضيًا.
— وما علاقة دار النخيل؟
تغير وجه الرجل.
— هل ذهبت إليها؟
لم يجب ياسر.
وكان صمته كافيًا.
أشاح عبدالرحمن بوجهه وقال:
— إذن بدأ الأمر من جديد.
— أي أمر؟
رفع الرجل عينيه إليه.
— هل وجدت المفتاح؟
بقي ياسر صامتًا.
— وجدته، أليس كذلك؟
— نعم.
— لهذا السبب أنت هنا.
أخرج عبدالرحمن من جيبه علبة كبريت قديمة، وقلبها بين أصابعه.
— كان اسمها نوال، لكن ليس كل من يحمل اسم نوال يكون نوال نفسها.
— ماذا يعني ذلك؟
— يعني أن أباك كان محقًا حين أخبركم أنها ماتت… وكان كاذبًا في الوقت نفسه.
قبل أن يشرح، نهض وغادر المقهى.
ترك وراءه جملة واحدة:
«لا تعد إلى الدار وحدك.»
الفصل الرابع: الصورة الثالثة
عاد ياسر إلى بيت أبيه مع حلول المساء.
ظل كلام عبدالرحمن يدور في رأسه:
ماتت… وكان كاذبًا.
تذكر الصندوق المقفل، فعاد إلى غرفة أبيه.
بحث خلف رفوف الكتب، وتحت السجادة، وفي الجدار الداخلي للخزانة.
وجد صندوقًا ثانيًا مخفيًا خلف لوح خشبي رقيق.
كان مفتوحًا.
في داخله ثلاث صور.
الأولى لوالده شابًا.
الثانية لامرأة شابة تشبهه في العينين.
والثالثة لبيت أبيض تحيط به أشجار النخيل.
دار النخيل.
قلب الصورة، فوجد جملة كتبها والده بخط واضح:
«الليلة التي دخلنا فيها الدار، خرج اثنان منا فقط.»
حدق في الوجوه الثلاثة في الصورة الأولى.
والده، المرأة، ورجل آخر لم يعرفه.
من كان الثالث؟
ومن بقي في الدار؟
سقطت من خلف الصورة ورقة صغيرة.
فتحها، فقرأ:
«يا ياسر، إذا وصلت إلى هذا، فهذا يعني أنني فشلت في إخفائها عنك.»
توقفت أنفاسه.
تابع القراءة:
«لا تثق بكل ما ستراه في دار النخيل، ولا تصدق المرأة التي ستفتح لك الباب.»
وفي أسفل الورقة:
«لا تدخل الغرفة الثالثة قبل أن تعرف من هي نوال.»
في الخارج، بدأ المطر من جديد.
اقترب ياسر من النافذة.
كانت سيارة سوداء تقف أسفل البيت.
لم تكن سيارته، ولم يرها من قبل.
خلف زجاجها، جلس رجل يراقب نافذة غرفة أبيه.
أطفأ ياسر الضوء.
أخرج الرجل هاتفه وقال:
— دخل البيت.
جاءه صوت من الطرف الآخر:
— هل وجد المفتاح؟
— نعم.
— والآن سيذهب إلى دار النخيل.
— لا.
— لماذا؟
نظر الرجل إلى نافذة ياسر.
— لأنها ستأتي إليه أولًا.
في اللحظة نفسها، ظهر ظل امرأة خلف نافذة غرفة ياسر.
استدار بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
عاد إلى المكتب.
كان المفتاح قد اختفى.
الفصل الخامس: نوال
لم ينم ياسر تلك الليلة.
عند الثالثة صباحًا، رن هاتفه.
كان الرقم مجهولًا.
تردد قبل أن يجيب، ثم ضغط زر الاتصال.
جاءه صوت امرأة متعب:
— لا تذهب إلى دار النخيل.
عرف الصوت، رغم أنه لم يسمعه إلا مرة واحدة.
— نوال؟
— لا تنطق اسمي بصوت مرتفع.
— أين أنتِ؟
— في المكان الذي أخفاني فيه أبوك.
— هل أنتِ أمي؟
صمتت طويلًا.
ثم قالت:
— اسأل أختك عن الأغنية التي كنت أغنيها لك.
— لا أتذكر أنني كنت أملك أمًا.
— الذاكرة ليست دليلًا على ما حدث أحيانًا. تكون الذاكرة أول شيء يسرقه الخوف.
— لماذا أخبرني أبي أنك متِ؟
— لأن المرأة التي ستراها ليست أنا كاملة.
— من تكون إذن؟
— شيء تركته خلفي كي أستطيع الخروج.
— خرجتِ من الدار؟
— خرج جسدي… أما قلبي فبقي هناك.
قبل أن يسألها، انقطع الاتصال.
بعد دقائق، سمع صوت خطوات في ممر البيت.
خرج من غرفته.
وجد آثار ماء على الأرض.
لم تكن آثار حذاء، بل آثار قدمين حافيتين تتجهان نحو غرفة أبيه.
تبعها.
فوق المكتب، ظهر المفتاح من جديد، وبجواره ورقة.
كتب عليها والده:
«لا تفتح الغرفة الثالثة بالمفتاح. افتحها باسمك.»
وتحتها:
«إذا نادتك أمك، فلا تجبها من المرة الأولى.»
في الصباح، جاءت ريم.
كانت شاحبة، وكأنها لم تنم.
حين رأت المفتاح، قالت:
— كان يجب أن أحرقه.
— كنت تعرفين بوجوده؟
— أبي أعطاني إياه بعد أن مرض. طلب مني أن أحتفظ به، وألا أخبرك إلا إذا بدأ البرق يظهر فوق الوادي.
— ماذا حدث لأمي؟
جلست ريم أمامه، ووضعت يديها في حجرها.
— أمي لم تمت قبل والدتك. هذا ما قاله أبي كي يحميك.
— يحميني من ماذا؟
— منها.
— من أمي؟
— من الشيء الذي عاد منها.
لم يفهم ياسر.
فتحت ريم حقيبتها وأخرجت دفترًا أزرق.
— وجدت هذا بين أشياء أبي. لم أقرأه إلا مرة.
فتح الدفتر.
كانت الصفحات الأولى مليئة برسوم طفل وبيت ونخيل.
وفي منتصفه قرأ:
«لا تتركوا ياسر يسمع النداء.»
ثم:
«إن عاد البرق إلى الوادي، فسيعود ابني معه.»
رفع ياسر عينيه.
— أريد كل شيء.
— إذن اذهب إلى عبدالرحمن.
— قال لي ألا أعود إلى الدار.
— لأنه يعرف الطريق إليها.
— وهل يعرف من هو الرجل الثالث في الصورة؟
خفضت ريم رأسها.
— نعم.
— من؟
— عبدالرحمن نفسه.
الفصل السادس: الليلة الأولى
وجد ياسر عبدالرحمن في المكان نفسه، كأنه لم يغادره قط.
حين جلس أمامه، لم يطلب الرجل قهوة، ولم يسأل عن ريم.
قال:
— أخبرتك ألا تعود.
— لم أعد بعد.
— لكنك ذاهب.
— سأذهب، سواء أخبرتني أم لم تخبرني.
ظل عبدالرحمن صامتًا لحظات، ثم قال:
— اسم نوال الحقيقي لم يكن هو المشكلة. المشكلة أنها سمعت النداء.
— أي نداء؟
— كانت ترى في أحلامها بيتًا أبيض عند أسفل الوادي، وكانت تسمع طفلًا يبكي داخله. عندما ولدت، ظنت أن الطفل هو أنت، وأن الدار تناديها لتأخذك منها.
— هل كنت موجودًا؟
— نعم. كنت صديق أبيك.
— والرجل الثالث في الصورة؟
أجاب عبدالرحمن:
— كنت أنا.
بدأت القصة قبل خمسة وثلاثين عامًا، حين اختفت امرأة من قرية قريبة.
بحث عنها أهلها أيامًا، ثم وجدوها واقفة عند الوادي، مبللة بالمطر، لا تتذكر أين كانت.
الشيء الوحيد الذي تذكرته أنها رأت بيتًا لا يظهر إلا أثناء البرق.
بعد سنوات، قرر والد ياسر أن يبحث عن الدار.
كان يؤمن أن لكل حكاية أصلًا واقعيًا، وأن الخوف ينمو من جهل الناس بالحقيقة.
ذهب مع عبدالرحمن ونوال.
وجدوا البوابة.
كانت الدار مضاءة، وكأنها تنتظرهم.
قال عبدالرحمن:
— دخلنا ثلاثة. وفي الداخل وجدنا ممرات لا تنتهي، وصورًا لنا قبل أن نعيش، وأبوابًا تحمل أسماء لم ننطق بها قط.
— ماذا حدث لنوال؟
— سمعت صوت طفل يناديها. ركضت إلى الغرفة الثالثة، وأغلقت الباب خلفها.
— وأبي؟
— حاول إخراجها، لكنه رأى شيئًا في المرآة جعله يتراجع.
— ماذا رأى؟
— رأى نفسه عجوزًا، واقفًا بجوار قبرك.
ابتلع ياسر ريقه.
— وأنت؟
— خفت وهربت.
— تركتماها؟
— حاولنا العودة، لكن الدار اختفت. لم تظهر إلا بعد عام، في ليلة عاصفة. عدنا إليها، فوجدنا نوال عند الباب.
كانت تبتسم، لكنها لم تكن تعرف أسماءنا.
— هل كانت نوال؟
— كانت تشبهها، وتتكلم بصوتها، وتتذكر طفولتها، لكنها لم تكن هي بالكامل.
— أين كانت نوال الحقيقية؟
— في الغرفة الثالثة.
— ماذا فعل أبي؟
— أخذ المرأة التي تشبه نوال، وأعادها إلى البيت. قال لنا إنها أمك، ثم أعلن وفاتها بعد أيام. أما نوال، فبقيت في الدار.
— لماذا لم يخبرني؟
— لأنها كانت تناديك.
— وكيف تعرف اسمي وأنا لم أزرها؟
— لأن الدار لا تحتاج إلى أن ترى الشخص كي تعرفه. يكفي أن يحمل دم أحد الذين دخلوها.
نهض ياسر.
— سأذهب الليلة.
أمسك عبدالرحمن بذراعه.
— إذا دخلت الغرفة الثالثة، فلا تصدق أول امرأة تراها.
— وكيف أعرف أمي؟
— ستعرفها من الأغنية.
— أي أغنية؟
— الأغنية التي لا يعرفها أحد سواها.
عند الباب، ناداه عبدالرحمن:
— يا ياسر.
التفت.
— إذا خرجت من الدار ومعك نوال، فلا تلتفت إلى الخلف مهما سمعت.
— وماذا سأسمع؟
نظر عبدالرحمن إلى الأرض.
— أصوات الذين تركناهم هناك.
الفصل السابع: دار النخيل
وصل ياسر إلى الوادي بعد منتصف الليل.
كان المطر قد بدأ، لكن الطريق كان خاليًا.
على الرغم من ذلك، شعر بأن أحدًا يجلس في المقعد الخلفي.
لم يلتفت.
تذكر تحذير عبدالرحمن.
عند المنعطف الثالث، أضاء البرق الوادي.
ظهرت الدار.
هذه المرة لم تختف.
كانت بوابتها مفتوحة، ونوافذها كلها مضاءة، والنخيل يتحرك رغم انعدام الريح.
ترجل ياسر، وأغلق سيارته.
عندما خطا نحو الممر، سمع صوت أبيه:
— عد إلى البيت.
تابع السير.
ثم سمع صوت ريم:
— ياسر، لا تتركني وحدي.
لم يلتفت.
تغير الصوت وصار صوت أمه:
— يا بني، أنا خائفة.
توقف لحظة، لكنه واصل السير.
كان البيت من الداخل أكبر من الخارج.
ممرات متشعبة، أبواب لا تحمل مقابض، ومصابيح صفراء معلقة في الهواء دون أسلاك.
عند الجدار، رأى صورًا عائلية.
في الأولى كان أبوه شابًا.
في الثانية كانت نوال تحمل طفلًا.
في الثالثة كان ياسر واقفًا أمام الدار، رغم أن الصورة بدت أقدم من يوم ولادته.
اقترب من الصورة.
فتح الطفل عينيه داخلها.
تراجع ياسر.
من آخر الممر، ظهرت المرأة التي رآها أول مرة.
كانت ترتدي ثوبًا داكنًا، وشعرها مسدل على كتفيها.
قالت:
— عرفت أنك ستأتي.
— أين الغرفة الثالثة؟
— لماذا تبحث عنها؟
— أبحث عن أمي.
ابتسمت.
— أنا أمك.
تذكر رسالة أبيه:
لا تصدق المرأة التي ستفتح لك الباب.
قال:
— غنّي لي.
اختفت ابتسامتها.
— ماذا؟
— الأغنية التي كنت تغنينها لي.
رفعت رأسها، وبدأت تغني لحنًا حزينًا بلا كلمات.
لم يشعر ياسر بشيء.
لم تتحرك في داخله ذكرى.
ولم يعرف اللحن.
قال:
— أنت لست أمي.
تغير وجهها.
— لا تناديني هكذا مرة أخرى.
ثم انطفأت المصابيح.
وظهر باب في نهاية الممر.
كان عليه نقش حرف «ي» داخل دائرة.
قالت المرأة:
— الغرفة الثالثة.
اقترب ياسر من الباب.
— كيف أفتحه؟
— بالمفتاح.
— أبي قال إنني أفتحه باسمي.
— أبوك كان خائفًا.
— وأنت؟
— أنا لا أخاف منك.
وضع يده على المقبض، وقال:
— ياسر.
لم يحدث شيء.
قالت المرأة:
— ليس هكذا. قل اسمك كما نادته أمك.
أغمض عينيه.
في مكان بعيد من ذاكرته، سمع صوتًا رقيقًا لم يكن صوت المرأة الواقفة خلفه، بل صوتًا أقدم، أدفأ، يأتي من حلم يتيم.
بدأ الصوت يغني:
«يا ياسر يا نور الدار
إذا نام الوادي، عدت لي نهارًا.»
ردد ياسر الكلمات.
اهتز الباب.
سقطت المرأة على ركبتيها وهي تصرخ:
— لا تفتح!
فتح ياسر الباب.
الفصل الثامن: الغرفة الثالثة
كانت الغرفة دائرية.
جدرانها مغطاة بالمرايا.
في وسطها كرسي خشبي، جلست عليه امرأة شاحبة بثوب أبيض قديم.
كانت يداها مربوطتين بسلسلة سوداء تمتد إلى الأرض.
رفعت المرأة رأسها.
كان وجهها يحمل ملامح ياسر.
ليس الشبه الكامل الذي يظهر في الصور، بل تفاصيل صغيرة:
انحناءة الفم، شكل الحاجبين، والعينان اللتان تبدوان حزينتين حتى في الصمت.
قالت:
— لا تقترب يا بني.
نظر ياسر إلى المرأة خلفه، ثم إلى المرأة المقيدة.
— أي واحدة منكما نوال؟
قالت الواقفة عند الباب:
— أنا.
قالت المقيدة في اللحظة نفسها:
— أنا.
كانت المرايا تتحرك.
في كل مرآة ظهر وجه مختلف للمرأتين:
طفلة، شابة، عجوز، وامرأة بعينين مختلفتين.
تذكر ياسر كلام عبدالرحمن:
ستعرفها من الأغنية.
قال للمقيدة:
— غنّي.
رفعت المرأة رأسها، وبدأت تغني:
«يا ياسر يا نور الدار
إذا نام الوادي، عدت لي نهارًا.»
كان صوتها ضعيفًا ومكسورًا، لكنه أشعل في داخله ذكرى واضحة لأول مرة.
رأى غرفة صغيرة، وستارة بيضاء، وامرأة شابة تحمله بين ذراعيها.
كان يبكي.
وكانت تغني له اللحن نفسه.
ثم ظهر والده عند الباب، شاحب الوجه، وقال:
— لا تتركيه يسمع النداء.
ثم انطفأت الذكرى.
قال ياسر:
— أنتِ أمي.
بكت المرأة.
أما المرأة الواقفة عند الباب، فضحكت.
— الذكريات لا تثبت شيئًا. أنا أملك ذكرياتك أيضًا.
سأل ياسر أمه:
— ماذا حدث هنا؟
قالت:
— دخلنا ثلاثة. أنا وأبوك وعبدالرحمن. كان أبوك يريد أن يخرجني، لكن الدار طلبت ثمنًا.
— ما الثمن؟
— شيئًا من كل واحد منا.
— ماذا تركتم؟
— ترك عبدالرحمن اسمه، وترك أبوك خوفه، أما أنا فتركت قلبي.
— وما هذه المرأة؟
— الجزء الذي بقي من قلبي حين خرج جسدي.
صرخت المرأة الأخرى:
— أنا نوال! هي التي تركتني هنا!
قالت الأم:
— أنتِ لست نوال. أنتِ جوع الدار الذي اتخذ شكلي.
اهتزت الأرض.
خرج من بين ألواحها ظل طويل بلا وجه.
كان يرتدي هيئة رجل، لكنه لم يملك ملامح.
اقترب من الباب، وتكلم بصوت الأب:
— حان وقت عودتك يا ياسر.
أدرك ياسر أن صاحب الدار ليس شبحًا ولا إنسانًا، بل شيء يتغذى على ما يتركه الداخلون خلفهم.
أخرج المفتاح النحاسي.
قالت أمه:
— لا تضعه في القفل.
— كيف أغلق الباب إذن؟
— بالشيء الذي لم تستطع الدار أخذه منك.
— ما هو؟
— اختيارك.
كانت السلسلة السوداء تمتد من يدي نوال إلى قلب الغرفة.
لم يكن المطلوب تحريرها بالمفتاح، بل قطع الرابط.
أمسك ياسر المفتاح، وجرح راحة يده بطرفه الحاد.
سال الدم على الأرض.
فارتجفت المرايا.
قال:
— هذا دمي، لكنه ليس ملكًا للدار.
ثم نطق اسمه كاملًا، كما كانت أمه تناديه في طفولته.
تشققت السلسلة.
صرخت المرأة التي تشبه نوال، واندفعت نحوه.
أمسك ياسر بيد أمه، وركضا نحو الباب.
خلفهما، انفجرت المرايا واحدة تلو الأخرى.
سمع صوت أبيه.
ثم صوت ريم.
ثم صوته هو:
— لا تلتفت.
كان الباب الرئيسي قريبًا.
خرجت نوال قبله.
لكنه سمع صوتًا خلفه يقول:
— يا ياسر… أنا أبوك.
توقف.
كانت أمه تمسك يده بقوة.
— لا تلتفت.
قال الصوت:
— تركتني في الدار. ألا تريد أن تعرف لماذا؟
كاد يستدير.
لكنه أغلق عينيه وتابع السير.
خرج من البيت.
خلفه، دوّى صوت انهيار هائل.
سقط البرج.
وانطفأت النوافذ.
وانكمش الممر بين النخيل حتى اختفى.
عندما فتح ياسر عينيه، لم ير سوى الوادي والمطر.
لم تعد هناك دار.
الفصل التاسع: ما خرج من الوادي
وجدت ريم أخاها وأمه عند الفجر، على جانب الطريق.
كانت نوال فاقدة الوعي، لكن نبضها قوي.
أما ياسر فكان يمسك بالمفتاح النحاسي، وقد انطبعت دائرة سوداء في راحة يده.
نقلوا نوال إلى المستشفى.
قال الأطباء إنها تعاني من إرهاق شديد وفقدان جزئي للذاكرة.
لم يجدوا تفسيرًا لوجودها، ولا لغيابها طوال السنوات الماضية، ولا للملابس القديمة التي كانت ترتديها.
حين استعادت وعيها، لم تتذكر كل شيء.
عرفت ياسر وريم، وتذكرت بيتها الأول، لكنها لم تتذكر دار النخيل إلا في الأحلام.
أما عبدالرحمن، فقد اختفى.
بحث عنه ياسر أيامًا.
لم يجده في المقهى ولا في منزله.
وعندما سأل عنه أهل الحي، أخبروه أن الرجل مات قبل سبع سنوات.
لم يصدقهم حتى رأى شهادة وفاته.
عاد إلى بيت أبيه، وفتح الدفتر الأزرق للمرة الأخيرة.
كانت صفحاته قد تغيرت.
اختفت الرسوم القديمة، ولم يبق إلا سطر واحد:
«الليلة التي دخلنا فيها الدار، خرج اثنان منا فقط.»
أسفل السطر، ظهرت كتابة جديدة:
«هذه المرة خرج ثلاثة، لكن واحدًا منهم لم يعد كما كان.»
رفع ياسر رأسه نحو المرآة.
رأى نفسه واقفًا في الغرفة.
وإلى جواره ريم.
خلفهما كانت نوال ترتب بعض الأدوية فوق الطاولة.
لكن انعكاسه في المرآة لم يتحرك.
ظل واقفًا، يحدق فيه.
ثم ابتسم.
التفت ياسر بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
عندما عاد إلى المرآة، وجد انعكاسه طبيعيًا.
أقنع نفسه أن التعب هو السبب.
أغلق الدفتر، ووضع المفتاح في صندوق حديدي.
في تلك الليلة، نامت نوال في الغرفة المجاورة.
وقبل منتصف الليل بقليل، سمع ياسر صوتًا خافتًا من الممر.
كان صوتها تغني:
«يا ياسر يا نور الدار
إذا نام الوادي، عدت لي نهارًا.»
فتح باب غرفته.
كانت نوال واقفة في الظلام، وظهرها إلى النافذة.
قال:
— أمي؟
لم تلتفت.
واصلت الغناء، لكن صوتها تغير تدريجيًا.
صار أعمق، وأبطأ، حتى لم يعد صوت امرأة.
ثم قالت:
— هل أغلقت الباب يا ياسر؟
تراجع خطوة.
— أي باب؟
التفتت إليه.
كانت نوال بعينيها، ووجهها، وثوبها.
لكن خلفها، في زجاج النافذة، ظهر بيت أبيض تحيط به أشجار النخيل.
قالت:
— الباب الذي فتحته باسمك.
انطفأ النور.
وفي اللحظة نفسها، دوّى الرعد.
أضاء البرق المدينة كلها.
وظهر في السماء انعكاس دار النخيل فوق الغيوم، كأنها لم تعد في الوادي، بل صارت تبحث عن مكان جديد.
سمع ياسر صوت أبيه من خلفه:
— قلت لك إن الطريق لا يثق بأحد.
استدار.
لم يجد والده.
لكنه وجد المفتاح النحاسي فوق أرضية الممر.
وقد أصبح دافئًا، وينبض كأنه قلب صغير.
التقطه ياسر.
وفي الصباح، أخبرته ريم أن نوال اختفت من غرفتها.
لم تكن هناك آثار كسر.
النافذة مغلقة.
والباب مقفل من الداخل.
فوق الوسادة، وجدت ريم ورقة واحدة.
كان عليها سطر بخط نوال:
«لا تبحثوا عني… لقد وجدت الطريق إلى البيت.»
خرج ياسر إلى الحديقة.
كانت السماء صافية، لكن رائحة الأرض المبتلة عادت من جهة الجبل.
رفع عينيه.
في الأفق البعيد، ومض برق واحد.
وعندما أضاء الوادي، ظهرت دار النخيل من جديد.
هذه المرة كانت أقرب.
كانت نافذتها الثالثة مضاءة بضوء أحمر، ووقفت خلفها امرأة تلوّح له.
لم يعرف هل كانت نوال أم ظلها.
لكن صوتًا وصل إليه بوضوح، رغم المسافة:
— يا ياسر… لا تتأخر.
ظل واقفًا حتى اختفى الضوء.
ثم وضع المفتاح في جيبه، واتجه إلى سيارته.
لم يكن يعرف إن كان ذاهبًا لإنقاذ أمه، أم لإنقاذ نفسه، أم لإغلاق الباب نهائيًا.
كان يعرف شيئًا واحدًا فقط:
أن بعض الأبواب، إذا عرفت مكانها، لا تنتظر أن تفتحها.
إنها تأتي إليك.
تمت.

تعليقات
إرسال تعليق