قصة نافذة مريم
قصة اجتماعية عاطفية عن مريم التي فقدت حبيبها يوم زفافهما، فعاشت ثمانية أعوام أسيرة الذكريات. لكن دخول نادر إلى حياتها يوقظ مشاعر ظنت أنها ماتت، ويضعها أمام سؤال صعب: هل يمكن أن تحب من جديد دون أن تخون الماضي؟
في البلدة الصغيرة المطلة على البحر، كانت هناك نافذة تُفتح كل مساء قبل الغروب بقليل. تقف خلفها مريم، وتنظر إلى الطريق المؤدي إلى الميناء. لم تكن تنتظر أحدًا، أو هكذا كانت تقول للناس كلما سألوها عن سبب وقوفها هناك. لكنها كانت تعرف أن الإنسان قد يخفي الحقيقة عن العالم كله، لكنه لا يستطيع إخفاءها عن نفسه.
قبل ثمانية أعوام، كان في حياتها رجل اسمه يونس. لم يكن ثريًا ولا شديد الوسامة، لكنه كان يعرف كيف يجعل اللحظات العادية ذكريات جميلة لا تُنسى. كانا يمشيان معًا قرب البحر، فيشتري لها كعكة بالسمسم من بائع عجوز يجلس عند الميناء. وكانت تسأله كل مرة:
«لماذا تختار هذه الكعكة بالذات؟»
فيجيب مبتسمًا: «لأنك تأكلينها ببطء، وأنا أحب الأشياء الجميلة التي لا تنتهي بسرعة».
كانت تضحك وتقول: «كلامك غريب يا يونس».
فيرد: «ستعتادين عليه».
وكانت تظن أن أمامهما عمرًا كاملًا لتعتاد على كلماته وعاداته، وأن الأيام القادمة ستحمل لهما الكثير من الذكريات.
نحن لا نتذكر من أحببناهم لأنهم كانوا كاملين، بل لأن وجودهم جعل جزءًا من حياتنا مختلفًا عن كل ما سبقه.
الوعد الأخير
في صباح يوم زفافهما، خرج يونس من البلدة ليحضر شيئًا نسيه في بيت عمه. وقبل أن يغادر، وقف عند الباب وقال لمريم:
«ساعتان وأعود».
ابتسمت وهي تودعه، ولم يخطر ببالها أن تلك ستكون آخر مرة تسمع فيها صوته.
جاء الخبر عند الظهيرة. تعرض يونس لحادث على الطريق، وفارق الحياة قبل أن يصل إلى المستشفى.
لم تستوعب مريم ما سمعته في البداية. بقيت واقفة عند الباب، تنتظر أن يخبرها أحدهم بأن هناك خطأ، وأن يونس سيعود بعد قليل. لكن حين رأت وجه أمها وعينيها الممتلئتين بالدموع، أدركت أن الخبر حقيقي.
لم تصرخ مريم ولم تسقط مغشيًا عليها. جلست على الأرض في صمت، وأخذت تفرك بإبهامها طرف الخاتم الذي أهداها إياه يونس. ظلت تفعل ذلك وقتًا طويلًا، حتى اقتربت أمها منها وأمسكت يدها برفق، ثم ساعدتها على نزع الخاتم ووضعه في صندوق صغير.
بعد أسبوع من دفنه، فتحت مريم خزانة يونس لأول مرة. كانت ملابسه معلقة كما تركها، قميص أبيض وسترة رمادية وبعض الملابس التي اعتادت رؤيته يرتديها. وما زالت رائحة عطره الخفيفة عالقة بينها، ذلك العطر الذي كانت تمازحه بشأنه كلما التقيا.
أمسكت قميصه الأبيض وضمته إلى صدرها، ثم جلست على الأرض وبدأت تبكي. بكت طويلًا حتى شعرت بالتعب، لكنها لم تستطع ترك القميص من يديها.
وفي الليلة التالية بكت أيضًا. استمر حزنها أسابيع طويلة، ثم بدأت تمر عليها ليالٍ لا تبكي فيها. وبعد عام، أصبحت هناك أيام كاملة تستطيع أن تعيشها دون دموع.
لكن ذلك أخافها أكثر من البكاء. شعرت أن ذكرياتها مع يونس بدأت تبتعد عنها ببطء، وكأن الزمن يأخذ منها شيئًا لم توافق على فقدانه.
ذات صباح، حاولت أن تتذكر لون القميص الذي كان يرتديه في آخر مرة رأته فيها، لكنها لم تستطع. جلست على حافة السرير، وحدقت في النافذة طويلًا، ثم همست:
«بدأت أنساه».
لم تكن تخاف أن تنسى يونس بقدر ما كانت تخاف أن تصبح قادرة على الحياة من دونه. فقد اعتادت أن تربط حبها له بحزنها عليه، حتى أصبحت تشعر بالذنب كلما مر يوم هادئ دون أن تبكي.
أحيانًا لا نخاف من نسيان من رحلوا، بل نخاف من اليوم الذي لا يعود فيه غيابهم يؤلمنا كما كان.
سنوات الغياب
مرت السنوات، واستمرت الحياة في البلدة دون أن تتوقف من أجل حزن مريم. افتتح الخباز محلًا جديدًا، وتغير شكل الميناء، وكبر أطفال الجيران. تزوجت صديقتها سارة وأنجبت ابنتين، وحتى شجرة الليمون التي كانت أمام بيت مريم ماتت، فزرعت مكانها شجرة أخرى.
أما مريم، فتعلمت كيف تعيش وحدها. بدأت العمل في مكتبة صغيرة قرب السوق، وكانت تجد بين الكتب راحة لا تجدها في الأماكن المزدحمة. أحبت القراءة لأنها تسمح لها بأن تعيش حكايات مختلفة، وتسافر بخيالها إلى أماكن بعيدة دون أن تغادر مقعدها.
كانت تستيقظ كل صباح، وتذهب إلى عملها، وتعود في المساء إلى بيتها الهادئ. تتناول عشاءها، وتقرأ قليلًا، ثم تقف عند النافذة قبل الغروب. لم تعد تنتظر عودة يونس، لكنها لم تستطع التخلي عن تلك العادة.
ومع مرور الوقت، أصبح الحزن جزءًا هادئًا من حياتها. لم يعد يمنعها من العمل أو الحديث مع الناس، لكنه ظل حاضرًا في بعض اللحظات، خاصة حين تسمع أغنية قديمة أو تمر بالمكان الذي كانا يجلسان فيه قرب البحر.
الحزن لا يغادر حياتنا دفعة واحدة، لكنه يتغير مع الأيام حتى نتعلم كيف نعيش دون أن يسيطر على كل لحظة.
زائر المكتبة
في مساء شتوي، دخل رجل إلى المكتبة يبحث عن كتاب قديم عن تاريخ المنطقة. كان اسمه نادر، رجلًا هادئًا في منتصف الثلاثينيات، يتحدث بأدب ولا يكثر من الأسئلة.
لم يحدث شيء استثنائي في ذلك اللقاء. لم تشعر مريم بانجذاب مفاجئ، ولم يلفت نادر انتباهها أكثر من أي زبون آخر. سألها عن الكتاب، فأشارت إلى الرفوف وقالت:
«ستجد كتب تاريخ المنطقة في القسم الأخير على اليمين».
شكرها واتجه إلى القسم الذي أشارت إليه. وبعد قليل، غادر المكتبة دون أن يشتري شيئًا.
عاد نادر بعد أسبوع، ثم عاد مرة أخرى في الأسبوع التالي. وفي زيارته الثالثة، لاحظت مريم أنه يتجول بين الرفوف نفسها دون أن يبحث بجدية عن كتاب. رفعت رأسها من خلف المكتب وقالت:
«الكتاب الذي تبحث عنه غير موجود لدينا».
ابتسم نادر وأجاب: «أعرف».
نظرت إليه باستغراب وسألته: «إذن لماذا تعود كل مرة؟»
قال ببساطة: «لأنني أحب هذه المكتبة».
أجابته بجدية: «المكتبة مفتوحة للقراءة، وليست مكانًا لاختراع الأعذار».
ضحك نادر، ولم تستطع مريم منع نفسها من الابتسام. كانت ابتسامة عفوية لم تخطط لها، لكنها شعرت بعدها بشيء من الارتياح.
منذ ذلك اليوم، أصبح نادر يأتي إلى المكتبة بين حين وآخر. كان يختار كتابًا، ويجلس في الزاوية القريبة من النافذة، ثم يغادر بهدوء. لم يحاول أن يسأل مريم عن حياتها الخاصة، ولم يطلب منها أن تمنحه اهتمامًا خاصًا.
وحين مرضت صاحبة المكتبة، ساعد نادر في شراء بعض الحاجيات التي احتاجتها. وفي مساء انقطع فيه التيار الكهربائي، بقي حتى ساعد في تشغيل المولد. وذات يوم، رأى مريم تحاول حمل صندوق ثقيل من الكتب، فاقترب وحمله عنها دون أن تنتظر منه ذلك.
لم يخبرها بأنه يحبها، ولم يتحدث عن الزواج أو المستقبل. كان يعاملها باحترام، ويساعد حين يستطيع، ثم يعود إلى حياته دون أن يطالبها بشيء.
وفي يوم ممطر، كانت مريم ترتب الكتب الجديدة حين دخل نادر وجلس في مكانه المعتاد. نظرت إليه وقالت:
«أصبحت تقضي وقتًا طويلًا هنا».
رفع عينيه عن الكتاب وأجاب: «وأنت تقضين وقتًا طويلًا بعيدة عن كل شيء، حتى وأنت موجودة بين الناس».
توقفت مريم عن ترتيب الكتب ونظرت إليه. لم يعجبها كلامه، لكنها لم تستطع إنكار صحته. فقد اعتادت أن تعيش أيامها دون أن تسمح لأحد بالاقتراب منها.
أحيانًا يدخل شخص حياتنا بهدوء، فيجعلنا نكتشف أن الوحدة التي اعتدنا عليها لم تعد مريحة كما كانت.
خوف جديد
مع مرور الأشهر، بدأت مريم تشعر بشيء لم تتوقع أن تشعر به مرة أخرى. أصبحت ترتاح لوجود نادر، وتنتظر زيارته دون أن تعترف بذلك حتى لنفسها.
كانت تبتسم حين تسمع صوته عند باب المكتبة، وتسعد حين يتحدث معها عن كتاب قرأه أو موقف حدث له في السوق. لكنها كلما شعرت بتلك السعادة، تذكرت يونس وتغير مزاجها.
كانت تسأل نفسها: هل يحق لي أن أحب رجلًا آخر؟ وهل تعني سعادتي أنني لم أعد وفية ليونس؟
لم تجد جوابًا. وكلما حاولت الاقتراب من نادر، شعرت بالخوف وتراجعت خطوة إلى الخلف.
في أحد الأيام، كان نادر يقف قرب مكتبها حين قال:
«مريم، أريد أن أسألك سؤالًا».
توقفت عن ترتيب الكتب وأجابته: «تفضل».
تردد لحظة، ثم سألها: «هل ما زلت تحبين يونس؟»
عرفت فورًا أنه يقصد الرجل الذي فقدته قبل سنوات. نظرت إليه وقالت دون تردد:
«نعم، ما زلت أحبه».
لم يتغير وجه نادر، وبقي يستمع إليها باهتمام. تابعت مريم بصوت هادئ:
«لكنه رحل، وأنا ما زلت هنا. حبي له لا يعني أنني أريد أن تتوقف حياتي عند اليوم الذي مات فيه».
صمتت قليلًا، ثم أضافت: «يونس جزء من حياتي، وسيبقى كذلك. ولن أعتذر عن حبي له أو عن ذكرياتي معه».
أجاب نادر: «لم أطلب منك الاعتذار يا مريم، ولن أفعل».
ثم أخذ الكتاب الذي كان يحمله، وودعها وغادر المكتبة.
في تلك الليلة، بقيت مريم مستيقظة وقتًا طويلًا. أعادت التفكير في الحديث الذي دار بينهما، وفي السؤال الذي كانت تهرب منه منذ أشهر. لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لعلاقة جديدة، لكنها بدأت تدرك أنها لا تستطيع تجاهل مشاعرها إلى الأبد.
حين ابتعد نادر
بعد ذلك الحديث، بدأت زيارات نادر تقل تدريجيًا. لم يغضب من مريم، ولم يوجه إليها اللوم، لكنه توقف عن الحضور كما كان يفعل من قبل.
في البداية، شعرت بالراحة. ظنت أن ابتعاده سيمنحها فرصة للعودة إلى حياتها الهادئة، بعيدًا عن الأسئلة التي كانت تؤرقها.
لكن الأيام كشفت لها شيئًا آخر. فقد افتقدت حديثه وابتسامته وطريقته الهادئة في التعامل معها. كانت ترفع رأسها كلما فُتح باب المكتبة، ثم تشعر بخيبة صغيرة حين تكتشف أن الداخل ليس نادرًا.
وفي السوق، أصبحت تلتفت حين تسمع خطوات تشبه خطواته. كانت تبتسم أحيانًا من تصرفاتها، لكنها لم تستطع إنكار أنها تفتقده.
ذات ليلة، عادت إلى منزلها وجلست قرب النافذة. نظرت إلى الشارع الخالي وهمست:
«ماذا فعلت بي يا نادر؟»
ثم سكتت، وأدركت أن السؤال الحقيقي لم يكن عما فعله نادر، بل عما حدث داخل قلبها منذ أن عرفته.
في مساء اليوم التالي، ذهبت مريم إلى البحر. جلست في المكان الذي اعتادت الجلوس فيه مع يونس قبل سنوات، وراقبت الأمواج وهي تصل إلى الشاطئ ثم تعود.
كانت قد جاءت إلى ذلك المكان مرات كثيرة لتتذكر يونس وتتحدث إليه في خيالها، لكنها هذه المرة أرادت أن تفهم نفسها.
قالت بصوت خافت: «أنا لم أنسك يا يونس».
انتظرت قليلًا، ثم تابعت: «لكنني تعبت من محاولة إثبات ذلك كل يوم».
نظرت إلى البحر طويلًا، وتذكرت السنوات التي قضتها وهي تخشى الضحك أو الشعور بالسعادة. كانت تظن أن الوفاء يعني أن يبقى حزنها كما كان في اليوم الأول، وأن أي تغيير في مشاعرها سيكون خيانة لذكراه.
لكنها بدأت تفهم أن الوفاء لا يعني أن تحرم نفسها من الحياة. يمكنها أن تحتفظ بحبها ليونس وذكرياتها معه، وأن تسمح لنفسها في الوقت نفسه بأن تحب شخصًا آخر.
لم يكن نادر سبب نسيانها ليونس، ولم يكن وجوده محاولة لتعويض غيابه. كان إنسانًا مختلفًا تعرفت إليه بعد سنوات من الوحدة، وشعرت معه براحة لم تتوقعها.
وقفت مريم وغادرت الشاطئ، وقد اتخذت قرارًا كانت تؤجله منذ وقت طويل.
ليس كل من يفتح نافذته بعد العاصفة قد نسي المطر. أحيانًا نفتحها لأننا نحتاج إلى الهواء من جديد.
بداية مختلفة
بعد أيام، ذهبت مريم إلى الورشة الصغيرة التي يعمل فيها نادر. كان منشغلًا بإصلاح قطعة خشبية حين سمع خطواتها عند الباب.
رفع رأسه، وتوقف عن العمل عندما رآها. بدت عليه المفاجأة، لكنه ابتسم وقال:
«مريم! أهلًا بك».
تقدمت بضع خطوات وسألته: «لماذا توقفت عن زيارة المكتبة؟»
وضع نادر أدواته جانبًا وأجاب: «شعرت أنك تحتاجين إلى بعض الوقت، ولم أرد أن أضغط عليك».
نظرت إليه وقالت: «وماذا لو أخبرتك أنني أريدك في حياتي؟»
سكت نادر لحظة، ثم قال: «لا أريد أن تختاريني لأنك تشعرين بالوحدة أو لأنك تحاولين الهرب من الماضي».
أجابته مريم: «وأنا لا أريدك أن تكون بديلًا عن يونس».
أومأ برأسه وقال: «أفهم ذلك».
اقتربت خطوة وتابعت: «أنت لست يونس يا نادر، وهذا ما كان يخيفني».
نظر إليها باستغراب، فشرحت له ما تقصده:
«كنت أظن أنني سأقارن أي رجل أعرفه بيونس، وأنني لن أستطيع أن أحب أحدًا دون أن أشعر بالذنب. لكنني اكتشفت أنني لا أقارنك به».
سألها نادر بهدوء: «وماذا تشعرين إذن؟»
ابتسمت وقالت: «أشعر أنني أريد أن أتعرف عليك أكثر، وأن أمنح ما بيننا فرصة حقيقية».
ابتسم نادر، وبدا الارتياح واضحًا على وجهه. لم يحاول أن يقترب منها بسرعة أو أن يطلب وعدًا بشأن المستقبل. مد يده نحوها وانتظر.
نظرت مريم إلى يده لحظة، ثم مدت يدها وأمسكت بها.
كانت تلك أول مرة تشعر فيها أن بإمكانها الاحتفاظ بحبها القديم دون أن يمنعها ذلك من بدء حياة جديدة. لم يكن عليها أن تختار بين ذكرى يونس ومشاعرها تجاه نادر، فكل منهما احتل مكانًا مختلفًا في حياتها.
الحب الجديد لا يأتي دائمًا ليمحو حبًا قديمًا، فقد يتسع القلب لذكريات من رحلوا ولمن يشاركوننا الحياة من بعدهم.
النافذة المفتوحة
بعد فترة، تزوجت مريم ونادر في حفل بسيط حضره الأهل والأصدقاء. لم يكن زواجهما نهاية لقصة يونس، ولا انتصارًا على الماضي. كان بداية مرحلة جديدة اختارت مريم أن تعيشها دون أن تتنكر لما سبقها.
احتفظت بصندوق صغير في خزانتها، وضعت فيه صورة قديمة ليونس، وخاتمها الذي خلعته يوم وفاته، ورسالة كتبتها إليه بعد رحيله ولم ترسلها بالطبع.
لم تعد تفتح الصندوق كثيرًا، لكنها لم تحاول إخفاءه أو التخلص منه. فقد أصبح جزءًا من ذكرياتها، لا شيئًا تخجل من وجوده.
مرت السنوات، وأنجبت مريم ابنة صغيرة ملأت البيت بالضحك والحركة. كانت الطفلة تحب الجلوس قرب أمها والاستماع إلى الحكايات، وتسألها عن الصور والأشياء القديمة التي تجدها في المنزل.
وفي أحد الأيام، رأت الصغيرة صورة يونس حين كانت مريم ترتب خزانتها. أمسكت الصورة وسألت:
«أمي، من هذا الرجل؟»
جلست مريم إلى جوارها وأجابت: «هذا رجل أحببته كثيرًا قبل سنوات طويلة».
تأملت الطفلة الصورة، ثم سألت: «وهل كنت حزينة عندما رحل؟»
ابتسمت مريم ابتسامة هادئة وقالت: «نعم يا حبيبتي، كنت حزينة جدًا».
سألت الصغيرة بفضول: «وماذا حدث بعد ذلك؟»
نظرت مريم إلى نادر، الذي كان يجلس في الجهة الأخرى من الغرفة يقرأ كتابًا، ثم عادت بعينيها إلى ابنتها وقالت:
«مرت الأيام، وتعلمت أن الحزن لا يعني أن تتوقف حياتنا. بقيت أتذكره، لكنني تعلمت أيضًا كيف أعيش وأسعد من جديد».
فكرت الطفلة قليلًا، ثم سألت: «وهل نسيته الآن؟»
هزت مريم رأسها وأجابت: «لا، لم أنسه».
قالت الصغيرة باستغراب: «إذن لماذا تبتسمين وأنت تتحدثين عنه؟»
نظرت مريم إلى الصورة مرة أخرى، ثم قالت:
«لأنني أصبحت أتذكر الأيام الجميلة التي عشتها معه، وليس يوم رحيله فقط. تعلمت أن حب شخص فقدناه لا يعني أن نبقى حزانى طوال حياتنا».
أعادت الصورة إلى الصندوق وأغلقته برفق. لم تفعل ذلك لأنها أرادت النسيان، بل لأنها لم تعد بحاجة إلى فتحه كل يوم لتتأكد أن ذكرياتها ما زالت موجودة.
في تلك الليلة، وقفت مريم عند نافذتها المعتادة. كانت البلدة هادئة، والبحر يلمع تحت ضوء القمر. سمعت ضحكات ابنتها من داخل المنزل، ثم صوت نادر وهو يناديها لتعود إليهما.
نظرت إلى الطريق المؤدي إلى الميناء، وتذكرت يونس وكعكة السمسم التي كان يشتريها لها، وكلماته التي كانت تضحك منها. ابتسمت للذكرى، وشعرت بالامتنان للأيام الجميلة التي عاشتها معه.
ثم أغلقت النافذة وعادت إلى أسرتها.
لم تعد تشعر بأنها تخون أحدًا حين تضحك أو تحب أو تستمتع بحياتها. فقد فهمت أخيرًا أن التعافي لا يعني محو الماضي، بل أن نتعلم كيف نحمل ذكرياتنا معنا دون أن تمنعنا من المضي قدمًا.
بعض الذين نحبهم لا يعودون، لكن الحياة لا تطلب منا أن ننساهم، بل أن نتذكرهم دون أن ننسى أنفسنا.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك

تعليقات
إرسال تعليق