طلاء الحرب

📅 سبتمبر 07, 2026

 طلاء الحرب

في الليلة التي وصلت فيها ريم إلى باريس، كان المطر يهطل فوق نهر السين كأنه يحاول أن يمحو شيئًا كتبته المدينة منذ زمن.

خرجت من سيارة الأجرة وهي تحمل حقيبة جلدية صغيرة، ورفعت عينيها نحو الفندق.

كان المبنى قديمًا، بواجهات حجرية رمادية ونوافذ طويلة تعكس أضواء الشارع. عند المدخل وقف رجل بملامح أوروبية حادة، يتحدث في الهاتف بلغة لم تفهمها، بينما كانت رائحة القهوة والخبز الساخن تتسلل من المطعم الداخلي.

دخلت ريم.

وفي اللحظة نفسها، شعرت بشيء غريب.

رائحة بخور.

توقفت.

التفتت إلى العامل الواقف خلف الاستقبال.

قال مبتسمًا:

— يبدو أنكِ تعرفين الرائحة.

أجابته:

— هذه ليست رائحة الفندق.

ابتسم الرجل ولم يجب.


في الطابق السادس، كانت تنتظرها قاعة الاجتماعات.

جدار كامل من الزجاج يطل على باريس.

جلس حول الطاولة سبعة أشخاص، يمثلون شركات من ثلاث دول، وفي منتصفهم رجل طويل أشقر اسمه مارتن فولر، المدير التنفيذي للشركة التي ستمنح العقد للفائز في المسابقة المعمارية.

وُضعت أمام ريم شاشة تعرض التصميمات النهائية.

قال مارتن:

— لدينا عشر دقائق لكل فريق.

ثم نظر إلى ريم.

— وأظن أن فريقك لا يحتاج أكثر من ذلك.

لم يعجبها أسلوبه، لكنها لم تجبه.

فتحت ملفها.

ظهر التصميم.

مبنى ضخم يربط ضفتي نهر السين بجسر مرتفع، وفوقه قاعة ثقافية مفتوحة للسماء.

لم يكن المبنى فرنسيًا.

ولم يكن عربيًا.

كان شيئًا بين الاثنين.

في هندسته خطوط مستوحاة من المشربيات، لكن الضوء يمر بينها بطريقة تشبه الزجاج الباريسي. وفي وسطه فناء دائري تحيط به أشجار زيتون، بينما يمتد السقف مثل جناح طائر فوق النهر.

ظل الجميع صامتين.

ثم قال مارتن:

— جميل.

ضغط زرًا.

ظهر تصميم آخر.

كان مطابقًا تقريبًا لتصميم ريم.

لكن باسم شركة ألمانية.

رفعت رأسها ببطء.

قال مارتن:

— يبدو أن لدينا فكرتين متشابهتين.

لم تتحرك.

— متشابهتين؟

— نعم.

اقتربت من الشاشة.

كانت التفاصيل موجودة.

كلها.

حتى الخطأ الصغير في توزيع الضوء عند الجهة الشرقية.

ذلك الخطأ لم يعرفه سوى ثلاثة أشخاص.

ريم.

ومهندسان من فريقها.

والرجل الذي سرق التصميم.

قالت:

— هذه ليست مصادفة.

أجاب مارتن:

— في العمارة، المصادفات كثيرة.

عندها ابتسمت ريم.

ولأول مرة، شعر الرجل أن ابتسامتها ليست ودية.

قالت:

— صحيح.

ثم أغلقت جهازها.

— لكن الأخطاء لا تتشابه بالصدفة.


في تلك الليلة لم تنم ريم.

جلست قرب نافذة غرفتها، وأخرجت من حقيبتها علبة معدنية صغيرة.

كانت قديمة، بلون الفضة الداكنة.

فتحتها.

في داخلها مسحوق أسود.

كحل.

لكن جدتها لم تكن تسميه كحلًا.

كانت تسميه:

«طلاء الحرب».

كانت تقول لها وهي طفلة:

— لا تخافي من الحرب يا ريم. خافي من أن تدخليها وأنتِ لا تعرفين لماذا تحاربين.

كانت ريم تضحك يومها.

— وهل كنتِ تحاربين؟

تجيب الجدة:

— كل امرأة عاشت طويلًا تعرف الحرب، حتى لو لم تحمل سلاحًا.

ثم ترسم خطًا أسود حول عينيها.

— هذا ليس ليجعل عينيك أجمل.

— لماذا إذن؟

— لكي تتذكري أنك ترين.

لم تفهم ريم كلامها آنذاك.

أما الآن، فقد بدأت تفهم.


في الصباح، عادت إلى الفندق.

ذهبت مباشرة إلى المطعم.

وجدت الرجل الذي استقبلها عند وصولها.

كان يمسح الطاولات.

قالت:

— البخور.

توقف.

— ماذا عنه؟

— من أين أتيت به؟

نظر حوله.

ثم قال بصوت منخفض:

— من مسقط.

تجمدت.

— عُمان؟

أومأ.

— زوجتي عمانية.

ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة.

— طلبت مني أن أعطيك هذه إذا عدتِ إلى الفندق.

فتحت ريم الورقة.

كان عليها عنوان واحد.

وعبارة قصيرة:

«اسألي عن البيت الذي لم يُبنَ.»


في ذلك اليوم لم تذهب ريم إلى الشركة.

استقلت القطار.

وبعد ساعات، كانت تقف أمام منزل صغير في ضاحية بعيدة.

فتح لها رجل مسن.

وحين رآها، قال:

— تشبهينها.

— من؟

— جدتك.

دخلت.

على الجدار كانت صورة قديمة.

امرأتان تقفان أمام مخطط معماري.

إحداهما جدتها.

والأخرى امرأة فرنسية.

قال الرجل:

— قبل أربعين عامًا، حاولتا بناء مركز ثقافي هنا. مشروع يجمع الشرق والغرب.

نظرت ريم إلى المخطط.

شهقت.

كان التصميم نفسه.

الجسر.

الفناء.

الزجاج.

حتى الخطوط التي ظنت أنها اخترعتها وحدها.

قال الرجل:

— المشروع اختفى.

— لماذا؟

صمت طويل.

ثم قال:

— لأن شخصًا سرقه.

اقتربت ريم من المخطط.

كان هناك توقيع أسفل الصفحة.

توقيع جدتها.

وتوقيع المرأة الفرنسية.

ثم اسم ثالث.

اسم عائلة مارتن فولر.


في المساء، عادت ريم إلى قاعة الاجتماع.

كان الجميع ينتظرها.

قال مارتن:

— ظننت أنكِ انسحبتِ.

أجابت:

— كنت أبحث عن شيء.

— ووجدتِه؟

وضعت على الطاولة المخطط القديم.

تغير وجهه.

لم يقل شيئًا.

قالت ريم:

— جدتي صممت هذا المشروع قبل أربعين عامًا.

ظل صامتًا.

— والعائلة التي تحمل اسمك امتلكت النسخة الأصلية.

قال مارتن:

— لا أعرف عمَّ تتحدثين.

أخرجت صورة أخرى.

— ربما لا تعرف.

ثم وضعت أمامه تقريرًا تقنيًا.

— لكن حاسوب شركتك لم يسرق التصميم مني.

نظر إليها.

— ماذا؟

— أنت سرقته من مكان آخر.

ساد الصمت.

قالت:

— ومنذ أربعين عامًا، وأنتم تبيعون شيئًا لم تبنوه.

لم يتكلم أحد.

اقتربت ريم من النافذة.

كانت باريس تحت المطر.

قال مارتن:

— ماذا تريدين؟

التفتت إليه.

— لا أريد العقد.

— ماذا؟

— أريد الاسم الحقيقي على المبنى.

للمرة الأولى لم يجد الرجل إجابة.


بعد عامين، افتُتح المبنى.

كان الجسر يمتد فوق السين مثل شريط من نور.

وفي قلبه، نمت أشجار الزيتون.

أما السقف الزجاجي، فكان يعكس السماء نهارًا والنجوم ليلًا.

على المدخل لم يوضع اسم شركة.

ولا اسم رجل.

كانت هناك لوحة واحدة:

«إلى الذين بنوا أشياء لم يسمح لهم العالم ببنائها.»

وقفت ريم أمامها.

كان الناس يدخلون من حولها.

فرنسيون.

عرب.

طلاب.

فنانون.

مهندسون.

أطفال.

اقترب منها الرجل العجوز الذي قابلته في الضاحية.

قال:

— جدتك كانت ستفرح.

ابتسمت ريم.

ثم أخرجت علبة الكحل القديمة.

فتحها.

قال:

— ما زلتِ تحتفظين بها؟

— نعم.

— وهل ما زلتِ تسمينها طلاء الحرب؟

نظرت إلى عينيه.

ثم أخذت قليلًا من المسحوق، ورسمت خطًا أسود حول عينها.

قالت:

— لا.

— ماذا تسميها الآن؟

نظرت إلى الجسر الممتد فوق الماء.

— طلاء الذاكرة.

ثم أغلقت العلبة.

وفوق نهر السين، ظل المبنى مضيئًا حتى الفجر.

كأن مدينة كاملة تعلمت أخيرًا أن بعض الحروب لا تنتهي بانتصار طرف على آخر.

بل حين يجد الماضي مكانًا له في المستقبل.


تعليقات