قصة صانع الساعات والراقصة

قصة 📅 سبتمبر 08, 2026

يعيش نادر، صانع الساعات الكفيف، حبًا صامتًا تجاه ليان، الراقصة التي تتغير حياتها بعد حادث يفقدها القدرة على المشي. وبين محاولته مساعدتها وإصرارها على الاستقلال، يجد نفسه أمام اختيار قد يهدد ثقتهما. فهل يستطيع أن يحبها دون أن يجعل حاجتها إليه سببًا لامتلاك حياتها؟

«ليس كل ما نصلحه يعود إلى ما كان عليه، وليس كل ما يتوقف يكون قد مات.»

كان نادر يعرف الوقت دون أن يراه.

يعرفه من برودة مقبض دكانه قبل الفجر، ومن أصوات الباعة حين يبدأ السوق في الامتلاء، ومن رائحة الخبز التي تعبر الزقاق مع أول ضوء، ومن النهر حين يهدأ صوته بعد الغروب.

أما الساعات، فلم يكن يحتاج إلى النظر إليها. كان يضعها في راحة يده، يصغي إلى نبضها، ثم يفتحها بمفك صغير.

تك.

تك.

تك.

ثلاث دقات تكفيه أحيانًا ليعرف أن نابضًا انكسر، أو أن ترسًا صغيرًا انزاح عن مكانه.

وكان يقول:

— كل ساعة تخبرك بشيء، إذا عرفت كيف تصغي.

ولم يكن أحد يسأله عن الأشياء الأخرى التي كان يصغي إليها.

مثل خطوات ليان.

كانت ترقص في الساحة المقابلة لدكانه. وحين تبدأ، كان يعرف، لا من الموسيقى، بل من خلخالها. ثلاث رنات متتابعة، ثم صمت قصير، ثم ثلاث رنات أخرى.

وحين يسمعها، كان نادر يترك ما في يده للحظة.

لم يكن يراها، لكنه كان يعرف متى ترفع ذراعها، ومتى تدور، ومتى تتوقف لتلتقط أنفاسها. كان يعرفها كما يعرف الساعة التي أصلحها عشرات المرات؛ من ارتجافها الخفيف، ومن الخلل الذي لا يسمعه سواه.

كانت تأتيه أحيانًا بساعة قديمة، تضعها على الطاولة وتقول:

— أصلحها قبل العرض.

فيجيب:

— ستعمل.

— وكيف تعرف؟

— لأنها لم تتوقف من تلقاء نفسها.

كانت تضحك، ويخفي هو ابتسامته خلف صوت الأدوات.

لم يقل لها إنه يحبها. ولم يطلب منها شيئًا. كان يعرف عمره، ويعرف عمرها، ويعرف أن بعض الأبواب لا ينبغي للمرء أن يطرقها، حتى لو أمضى حياته واقفًا أمامها.

ذات مساء، بعد أن انتهى العرض وخفتت أصوات السوق، جلست ليان على حافة النافورة. كان في صوتها تعب لم يكن في خطواتها.

قالت:

— أتمنى أن أملك يومًا مدرسة للرقص.

سألها:

— ولماذا مدرسة؟

— لأنني لا أريد أن ينتهي الرقص حين يتقدم بي السن. أريد أن أعلّم الصغار ما لا أستطيع الاحتفاظ به وحدي.

ثم سكتت قليلًا وأضافت:

— صاحب الفرقة يقول إنني جيدة، لكنه لا يراني إلا ما دمت أستطيع الوقوف طويلًا. أخشى أن يأتي يوم لا يبقى فيه لي مكان.

قال نادر:

— سيبقى لك مكان.

— فين؟

— حيث تصنعينه.

ضحكت، لكنها لم تبدُ مقتنعة.

قال بعد لحظة:

— بعض الأشياء لا تنتهي حين تتغير أجسادنا.

نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:

— أنت تتحدث كأنك تعرف كل شيء.

— لا. أنا فقط أصغي.

في ليلة احتفال البلدة، رقصت ليان فوق منصة خشبية قرب النهر. كانت الموسيقى سريعة، والريح تحرك أطراف ثوبها. عرف نادر حركتها من خلخالها، حتى عندما ارتفعت أصوات الناس من حوله.

ثم حدث شيء لم يسمعه من قبل.

انقطعت الموسيقى.

تبعها صراخ، ثم ارتطام خشب، ثم صوت جسد يسقط. اندفع الناس في اتجاه المنصة. شق نادر طريقه بينهم مستعينًا بالأكتاف والأصوات، وعثر على يد ليان قبل أن يصل إليها أحد.

كانت مستيقظة. كانت تتنفس، لكن ساقيها لم تجيباها حين حاولت النهوض.

قالت:

— لا أشعر بهما.

لم يعرف ماذا يقول. مد يده إليها، فقبضت على معصمه بقوة.

— لا تقل لي إن كل شيء سيكون بخير.

— لن أقول.

— ولا تقل إنني سأعود إلى الرقص.

— لن أقول ذلك أيضًا.

— إذن ماذا ستقول؟

فكر قليلًا.

— سأبقى هنا حتى نعرف ما الذي حدث.

في الأيام الأولى، كانت ليان تصرخ كثيرًا. ثم صارت تصمت. وحين سمعت الموسيقى في الساحة، أغلقت نافذتها. لم تكن تكره الموسيقى؛ كانت تكره أن تصلها من مكان لا تستطيع بلوغه.

رفضت أن يحملها نادر في البداية. كانت تقول إن ذراعيها لم تختفيا، وإنها لا تريد أن تتحول إلى شيء يحركه الآخرون. تعلّمت كيف تنتقل من السرير إلى الكرسي، وكيف تمسك حافة الطاولة، وكيف تدفع الباب بكتفها. سقطت مرات كثيرة، وكانت تلعن أكثر مما تصرخ.

قال لها نادر ذات صباح:

— يمكنني أن أصلح الكرسي.

— أنا لست ساعة.

— أعرف.

— إذن لا تتعامل معي كأنني عطل.

وضع المفك جانبًا.

— ماذا تريدين مني؟

— أن تسألني قبل أن تساعدني.

منذ ذلك اليوم، صار يسأل. وأحيانًا كانت تجيبه بالرفض، فيقبل رفضها، ولو كان ذلك أصعب عليه من حملها.

كان يأتي كل صباح بالطعام، يقرأ الرسائل، يصلح الكرسي، ويصف لها ما يحدث في السوق فقط إذا طلبت. وحين لم تكن تريده أن يتكلم، كان يجلس بالقرب من النافذة ويصلح ساعة بصمت.

مع الوقت، قبلت وجوده. ثم اعتادته. وصار وجوده جزءًا من يومها، كما صار صمتها جزءًا من يومه.

لكنها لم تتخلَّ عن حلم المدرسة. بعد أسابيع، أخرجت أوراقًا قديمة وبدأت ترسم مخططًا لمكان صغير: غرفة واسعة، مرآة على جدار، قضيب خشبي للتدريب، ونافذة تطل على النهر.

قالت:

— لن تكون مدرسة للرقص كما تخيلتها.

سألها:

— ماذا ستكون؟

— مدرسة للحركة. لمن يستطيع الوقوف، ولمن لا يستطيع. سأعلّمهم أن الجسد ليس الطريق الوحيد إلى الرقص.

أعجبه كلامها، لكنه شعر بوخزة غريبة. كان قد أحب حلمها القديم، ذلك الحلم الذي رآها فيه واقفة على خشبة كبيرة. أما حلمها الجديد، فلم يكن يحتاج إلى إنقاذه بقدر ما كان يحتاج إلى أن تصنعه بنفسها.

لم يخبرها بذلك.

بعد أشهر، سافر صاحب الدكان الكبير في السوق، مراد، وترك لنادر مسؤولية المكان. كان مراد رجلًا دقيقًا، يزن كل شيء حتى الكلمات. لم يكن سيئًا، لكنه لم يكن يثق بأحد ثقة كاملة.

قبل سفره، قال لنادر:

— في الغرفة الخلفية صندوق حديدي. لا تفتحه.

سأل نادر:

— هل فيه شيء خطر؟

— فيه شيء ليس لك.

كانت إجابة مراد قصيرة، لكنها بقيت في أذن نادر.

في تلك الليلة، عرف من وقع مفتاح مراد في ذاكرته أن الصندوق قديم، وأن قفله ليس من النوع الذي يصعب فتحه على صانع ساعات. مرّ قربه أكثر من مرة. كان يسمع معدنًا يتحرك في داخله كلما تغيّرت حرارة الغرفة، أو ربما كان ذلك صوت أفكاره.

في اليوم الثالث، أخرج أدواته وجلس أمامه.

لم يفتح الصندوق. اكتفى بلمس القفل، ثم أعاد الأدوات إلى مكانها.

في الصباح، ذهب إلى ليان. كانت تحاول الانتقال من كرسيها إلى المقعد الخشبي دون مساعدة. سقطت، وضربت يدها بحافته، ثم بقيت على الأرض تلهث.

قال نادر:

— هل أساعدك؟

— لا.

انتظر.

بعد لحظات قالت:

— نعم.

مد يده. أمسكت بها، ونهضت ببطء. وحين استقرت، قالت:

— لا أريد أن أظل مدينة لك.

— لست مدينة لي بشيء.

— أنت تقول ذلك لأنك لا تعرف كيف يبدو الأمر من جهتي.

أراد أن يسألها كيف يبدو، لكنه خاف أن تسمّي حاجتها إليه باسم لا يستطيع احتماله.

بعد أيام، أخبرها عن الصندوق.

لم يقل إن فيه ساعة ثمينة. قال فقط:

— أظن أن فيه شيئًا قد يغير حياتك.

— حياتي أم حياتنا؟

توقف.

— حياتك أولًا.

— لماذا تتحدث عنه كأنك تملكه؟

— لا أملكه.

— وهل تستطيع فتحه؟

صمت قليلًا.

— ربما.

قالت:

— إذن لا تفتحه.

لم يتوقع جوابها.

— لكن المدرسة...

— المدرسة فكرتي. لا تجعلها حجة لفعل شيء لا تريد الاعتراف بأنك تريده.

— ماذا أريد؟

— لا أعرف. ولهذا أسألك.

غادر بيتها غاضبًا. وفي الطريق، حاول أن يقنع نفسه بأنها خائفة فقط، وأن الفقر يجعل الناس حذرين، وأن مراد رجل ثري لن يتضرر من قطعة واحدة.

في المساء، جاءه صبي من السوق يحمل رسالة من صاحب الفرقة القديمة. كان يريد من ليان أن تبيع بعض أزياء العروض، فقد وجد راقصة جديدة تحل محلها.

احتفظ نادر بالرسالة في جيبه طوال الليل. لم يخبر ليان بها إلا في الصباح.

قرأت الرسالة بأصابعه وهي تمسك الورقة، ثم قالت:

— كنت أعرف أن هذا سيحدث.

— يمكننا أن نبدأ المدرسة.

— كيف؟ لا نملك المال.

— سأجد حلًا.

— لا تقل ذلك إلا إذا كنت تعرفه.

لم يكن يعرفه.

في تلك الليلة، عاد إلى الصندوق. فتح القفل بأدواته. لم يحتج إلا إلى دقائق، لكن يديه ارتجفتا كما لو أنه أمضى عمرًا كاملًا في المحاولة.

كانت في الداخل ساعة ملفوفة بقطعة قماش سوداء. أخبر ليان عنها في اليوم التالي، رغم أنها طلبت منه ألا يفتح الصندوق.

جلست أمامه، ومدت يدها إلى الغطاء.

قال نادر:

— صفي لي ما ترين.

— ذهب. أحجار زرقاء. نقش لرجل يحمل مصباحًا.

— هل هي ثمينة؟

— أكثر مما ينبغي.

— كم؟

أخبرته بالرقم. ظل صامتًا.

قالت:

— لن نبيعها.

— يمكن أن نعيدها قبل عودة مراد.

— هذا لا يجعلها لنا.

— يمكننا شراء بيت صغير وبدء المدرسة. لن يفتقدها رجل يملك عشرات الساعات.

— أنت لا تعرف إن كان يملك عشرات الساعات.

— هو يملك هذا الدكان.

— هذا ليس جوابًا.

أعاد يده إلى القماش.

— إذا لم نأخذ هذه الفرصة، فلن تأتي أخرى.

— ربما لا تأتي. لكن هذا لا يجعلها حقنا.

كانت تلك اللحظة التي كان ينبغي أن ينسحب فيها. كان يستطيع أن يعيد الساعة إلى مكانها، وأن يغلق الصندوق، وأن يواجه فقرهما كما هو.

لكنه سمع في رأسه صوتها وهي تقول: «لا أعرف ماذا كنت سأفعل من دونك.»

وسمع في صمتها شيئًا أضافه هو إلى الجملة، شيئًا لم تقله.

قال:

— أنا متأكد.

نظرت إليه طويلًا.

— من ماذا؟

— من أن علينا بيعها.

— أم من أنك تريد بيعها؟

لم يجب.

باعا الساعة لرجل جاء من مدينة بعيدة. كان يعرف قيمتها، لكنه لم يسأل كثيرًا عن مصدرها. في اليوم نفسه، اشتريا بيتًا صغيرًا قرب النهر، وبقي معهما من المال ما يكفي لترميم غرفة وشراء أدوات التدريب.

بدأت ليان ترسم مخطط مدرسة الحركة. اختارت بنفسها موضع المرآة، ورفضت أن يضع نادر القضيب الخشبي في مكان مرتفع، ثم طلبت من نجار أن يصنع منصة منخفضة يمكن للجميع استخدامها.

كانت سعيدة، أو هكذا بدت.

أما نادر فكان أسعد. لم يكن ذلك بسبب البيت ولا المال. كان لأنه بدأ يصدق أن حياتهما أصبحت مرتبطة أخيرًا، وأن حاجتها إليه ستظل قائمة حتى بعد أن تستعيد شيئًا من استقلالها.

كانت تحتاج إلى عينيه، وهو يحتاج إلى حاجتها.

لم يكن ذلك الحب وحده.

عاد مراد قبل الموعد المتوقع.

دخل الدكان، نادى نادر فلم يجبه. ذهب إلى الغرفة الخلفية، وبقي هناك دقائق طويلة. حين خرج، لم يرفع صوته.

قال:

— أين الساعة؟

لم يجب نادر.

— لا تسألني كيف عرفت. أنا أعرف كل قطعة في هذا الدكان، حتى الأشياء التي لا أراها كل يوم.

بقي نادر واقفًا.

قال مراد:

— كان يمكنني أن أطلب الشرطة. لكنني أريد أن أعرف شيئًا واحدًا: هل احتجت إليها، أم أردت ثمنها؟

— أردت أن أساعدها.

— هذا ليس جوابًا.

— كانت تريد مدرسة.

— وأنت؟

لم يستطع نادر أن يجيبه.

قال مراد:

— سأعود غدًا. أريد المال كاملًا، والبيت إن كان جزءًا من ثمنها. وإذا لم يكن، فسأعرف ما أفعله.

في المساء، ذهب نادر إلى ليان. كانت تجلس أمام نافذة البيت الجديد، وتضع خطوطًا على مخطط المدرسة.

قالت دون أن تلتفت:

— عاد مراد.

— نعم.

— وعرف.

— نعم.

وضعت القلم.

— هل كنت تعرف أنها ليست لنا؟

— نعم.

— إذن لماذا؟

— لأنك كنت تريدين مدرسة.

— أنا أردت مدرسة.

ثم اقتربت منه بكرسيها.

— أنت ماذا كنت تريد؟

ظل صامتًا.

— لماذا يا نادر؟

قال بصوت منخفض:

— كنت أحبك.

— أعرف.

رفع رأسه.

— منذ متى؟

— منذ سنوات.

— ولماذا لم تقولي؟

— لأنني كنت أعرف أنك ستسمع في كلامي ما تريد سماعه. كنت ستعتبر صمتي وعدًا، وصداقتي بداية، وحاجتي المؤقتة إليك دليلًا على أنني أبادلك ما تشعر به.

لم يجد ما يقوله.

تابعت:

— بعد الحادث، احتجت إلى مساعدتك. لم أحتج إلى أن تملك حياتي. الفرق بين الأمرين كان واضحًا لي، لكنه لم يكن واضحًا لك.

قال:

— كنت أظن أنني أحميك.

— كنت تحميني أحيانًا. وكنت تحمي صورتك عن نفسك أحيانًا أخرى.

أطرق رأسه.

— كنت تريد أن أحتاج إليك.

لم ينكر.

— كنت تحب أن تكون ضروريًا لي أكثر مما كنت تحب أن تكون حرًا معي.

كانت الجملة أقسى من أي اتهام؛ لأنها لم تكن كاذبة.

في اليوم التالي، أعادا المال إلى مراد. لم يكن المبلغ كاملًا؛ فقد دُفع جزء منه ثمنًا للبيت وأدوات المدرسة. باعا البيت، وأعادا ما تبقى، واضطر نادر إلى ترك العمل في دكان مراد.

لم يرفع مراد دعوى. قال له قبل أن يغادر:

— لن أسمح لك أن تعمل عندي مرة أخرى. لكنني لن أسمح لك أيضًا أن تقنع نفسك بأنك لص إلى الأبد. ما فعلته كان اختيارًا سيئًا، لا هوية كاملة.

بدأت ليان مدرسة صغيرة في غرفة مستأجرة قرب الساحة. لم تكن كبيرة ولا جميلة. علّقت مرآة واحدة، وثبتت قضيبًا خشبيًا منخفضًا، وكتبت على الباب: «مدرسة ليان للحركة والرقص».

لم تعد إلى الرقص كما كانت. لكنها لم تتوقف عن الرقص. صارت تدرّب الصغار على الإيقاع باليد، وعلى الحركة من الكرسي، وعلى تحويل التنفس إلى بداية رقصة. وحين تعجز عن عرض حركة، تجعل أحد طلابها يؤديها، ثم تشرح له كيف يسمعها الجسد قبل أن يراها.

أما نادر، فعاد إلى دكانه القديم. صار يرفض إصلاح الساعات التي يطلب أصحابها منه أن يفعل بها ما لا ينبغي. لم يعد يسأل أولًا: «هل أستطيع؟» بل صار يسأل:

— هل ينبغي؟

وفي البداية، لم يكن يجيب عن السؤال بسهولة.

بعد سنوات، جاءت ليان إلى دكانه. كانت تستخدم عكازين، وتتوقف أحيانًا حين يطول الطريق، لكنها لم تأتِ لتطلب منه أن يحملها.

وضعت أمامه ساعة.

قالت:

— توقفت.

أخذها بين يديه، فتح الغطاء، وأصغى.

— لم تتوقف.

ضحكت.

— أنت تقول هذا عن كل شيء.

— لأنها ليست ميتة.

صمتت قليلًا، ثم قالت:

— نادر.

— نعم؟

— هل ندمت لأنك أحببتني؟

ظل يحرك أصابعه بين التروس.

— لا.

— وعلى السرقة؟

توقفت أصابعه.

— نعم.

— وما الفرق؟

أغلق الساعة.

— أنني لم أكن أملك الحب، لكنني كنت أملك الاختيار.

ابتسمت بحزن خفيف.

— وهل تعلمت أن تسأل قبل أن تساعد؟

— أحاول.

— وهل تعلمت أن تترك الناس يذهبون؟

أصغى إلى صوتها. كان أبعد قليلًا من ذي قبل، لا بسبب المسافة، بل لأن بينهما الآن حياة كاملة لا يستطيع أحد منهما امتلاكها.

— أحاول، قال.

خرجت ليان من الدكان.

وقف نادر عند الباب. كان النهر في الجهة الأخرى من السوق، وكانت الساعات خلفه تدق، كل واحدة في وقت مختلف. لكنه لم يحاول أن يعرف أيها على صواب.

فقد فهم أخيرًا شيئًا لم تعلمه إياه الساعات: أن الإنسان قد يفقد بصره ولا يفقد طريقه، وقد يرى الطريق كاملًا ثم يختار الضلال.

وفي تلك الليلة، حين أطفأ مصباح الدكان، سمع خلخالًا بعيدًا في آخر السوق.

توقف.

لم يخرج خلف الصوت.

تركه يبتعد.

وكان ذلك، ربما، أول حب حقيقي قدّمه لها:

أن يتركها تذهب.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات