دفتر الحبر الأخير
حين وصلت سارة إلى جدة القديمة، كان المساء قد بدأ يهبط على الأزقة الضيقة مثل ستارة زرقاء.
لم تكن قد عادت إلى البلد منذ أكثر من اثني عشر عامًا.
في طفولتها، كانت ترى المكان مختلفًا. كانت تظن أن البيوت العتيقة لا تنام، وأن النوافذ الخشبية المشربكة تخفي خلفها حكايات لا يريد أصحابها أن تخرج إلى الشارع. كانت جدتها مريم تضحك كلما قالت ذلك، ثم تجيبها:
«البيوت يا سارة ما تخبّي الحكايات. الناس هم اللي يخبّونها.»
توقفت سارة أمام الباب الخشبي العريض.
كان فوقه لوح نحاسي صغير كُتب عليه:
مكتبة الحبر
مدت يدها إلى القفل.
ترددت لحظة.
لم تكن قد جاءت إلى هنا لتفتح مكتبة جدتها.
جاءت لتبيعها.
هذا ما أقنعت نفسها به طوال الطريق.
كانت المكتبة قد أغلقت منذ وفاة مريم قبل ثلاثة أشهر. وبعد انتهاء إجراءات الميراث، اكتشفت سارة أن جدتها تركت لها العقار وحده، وكأنها تعمدت أن تضع حفيدتها أمام قرار لم تطلبه.
إما أن تحتفظ بالمكان، وإما أن تبيعه.
وكان البيع، بالنسبة إلى سارة، أكثر منطقية.
كانت تعمل محررة في صحيفة إلكترونية، وتعرف أن الزمن لا ينتظر الأماكن التي تحبه.
أخرجت المفتاح.
دار بصعوبة.
صرير طويل خرج من الباب.
دخلت رائحة الورق القديم أولًا.
ثم رائحة الخشب والرطوبة والقهوة.
وقفت سارة في العتمة.
شغلت المصباح.
ظهرت الرفوف.
كتب عربية قديمة، دواوين، مجلات، خرائط، سجلات مدرسية، وصناديق كرتونية تحمل تواريخ متباعدة.
وفي الزاوية مكتب جدتها.
اقتربت منه.
لم تلمسه.
كانت مريم تجلس خلفه كلما جاءت سارة طفلة. كانت تكتب بالقلم نفسه، وتغلق الدفتر حين تقترب منها.
قالت لها ذات مرة:
«مو كل شيء ينكتب يا بنتي.»
«ليش؟»
«لأن بعض الكلام إذا خرج من الورق، ما يرجع له.»
لم تفهم سارة يومها.
الآن فقط تذكرت الجملة.
وضعت حقيبتها على الكرسي.
بدأت العمل.
ستحتاج إلى يومين على الأقل لترتيب الكتب قبل أن يأتي المشتري المحتمل.
فتحت درج المكتب الأول.
فارغ.
الثاني.
أقلام، فواتير، طوابع بريدية قديمة.
الثالث كان مقفلًا.
بحثت عن مفتاحه.
وجدته في علبة معدنية صغيرة تحت مجموعة من البطاقات.
فتحته.
في الداخل دفتر جلدي أسود.
لم يكن كبيرًا.
صفحتاه الأوليان محترقتان من الحواف.
حملته سارة بحذر.
على الغلاف، لم يكن هناك عنوان.
لكن في الصفحة الأولى، ظهر اسم واحد.
يوسف الراشدي.
توقفت.
لم يكن الاسم غريبًا عليها.
سمعته من جدتها.
مرة واحدة فقط.
وكانت مريم يومها قد أغلقت الحديث بسرعة.
فتحت الصفحة التالية.
كان هناك تاريخ:
17 شعبان 1408هـ
وتحت التاريخ جملة:
«إذا قرأتَ هذا الدفتر بعد موتي، فلا تبحث عن القاتل. ابحث عمّن جعل الحقيقة تبدو كأنها كذبة.»
جلست سارة.
قرأت الجملة مرة ثانية.
ثم ثالثة.
في الخارج مرّ رجل بعربة صغيرة.
تبعته أصوات بعيدة من السوق.
لكن داخل المكتبة، بدا كل شيء ساكنًا.
قلبت الصفحات.
لم تجد قصة كاملة.
بل أسماء.
مريم — الحافظة.
يوسف — الشاهد.
حامد — الوسيط.
ثم سطرًا لم يكتمل:
الرابع — لا يُذكر اسمه حتى...
توقفت.
في أسفل الصفحة علامة صغيرة تشبه موجة.
كانت سارة قد رأت الرمز من قبل.
في صندوق صور جدتها.
فتحت الدفتر من جديد.
في آخر الصفحة، كان هناك شيء مكتوب بخط مختلف:
النورس 17.
همست:
«وش يعني هذا؟»
لم يجبها أحد.
لكن بعد لحظات، سمعت صوتًا.
نقر خفيف.
مرة.
ثم مرتين.
ثم ثلاثًا.
رفعت رأسها.
الصوت جاء من جهة المكتب.
اقتربت.
لم يكن هناك شيء.
ثم سمعته مجددًا.
كأن قلمًا يتحرك فوق ورق في الغرفة المجاورة.
فتحت الباب.
غرفة صغيرة مليئة بالصناديق.
لا أحد.
عاد الصمت.
ضحكت سارة من نفسها.
«واضح أني جلست كثير في الصحافة.»
عادت إلى المكتب.
وقبل أن تغلق الدفتر، لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه.
بين صفحتين، كانت هناك قصاصة ورق صفراء.
لم تكن رسالة.
كانت جزءًا من قصيدة.
قرأت:
«يا بحر جدة،
كم حملتَ من أسماءٍ لم تصل إلى الشاطئ،
وكم أعدتَ إلينا أشياءَ
لم يعترف أصحابها بأنها كانت لهم.»
وفي أسفل القصاصة:
يوسف الراشدي
رفعت سارة عينيها.
هذه المرة لم تفكر في بيع المكتبة.
فكرت في السؤال الذي تركته جدتها داخل الدرج.
من كان يوسف الراشدي؟
ولماذا كان اسمه في دفتر لم يُفترض أن يعرف أحد بوجوده؟
الفصل الثاني: قصيدة بلا شاعر
في اليوم التالي، لم تفتح سارة المكتبة للزوار.
جلست خلف مكتب جدتها، وأمامها الدفتر.
كانت تعرف شيئًا واحدًا عن البحث:
أن أول معلومة تحصل عليها ليست بالضرورة أهم معلومة، لكنها غالبًا تقودك إلى الباب الصحيح.
بحثت عن يوسف الراشدي في أرشيف الصحف القديمة.
ظهر اسمه مرات قليلة.
شاعر شاب نشر قصائد في صحف محلية خلال أواخر الثمانينيات.
مقالات قصيرة.
أمسيات أدبية.
ثم اختفى.
في أحد الأعداد القديمة وجدت خبرًا صغيرًا:
«غياب الشاعر يوسف الراشدي عن أمسية أدبية كان مقررًا أن يشارك فيها...»
لا شيء أكثر.
لا وفاة.
لا سفر.
لا نعي.
اختفاء.
اتصلت سارة بأول شخص خطر في ذهنها.
امرأة كانت جدتها تعرفها.
هدى منصور.
ردت امرأة بصوت متردد.
«من؟»
«سارة بنت ناصر.»
صمت قصير.
«بنت مريم؟»
«نعم.»
طال الصمت هذه المرة.
ثم قالت هدى:
«من قال لك إن عندي شيء عن مريم؟»
«أنا ما قلت إن عندك شيء.»
تنفست هدى ببطء.
«تعالي.»
كان منزل هدى في أحد الأزقة القريبة.
استقبلتها امرأة تجاوزت السبعين بقليل، لكنها كانت تتحرك بثبات.
جلستا في غرفة تطل على فناء صغير.
وضعت سارة صورة قديمة على الطاولة.
كانت قد وجدتها بين أوراق جدتها.
امرأتان تقفان أمام المكتبة.
مريم، أصغر بكثير.
وبجانبها رجل نحيل يحمل كتابًا.
يوسف.
حدقت هدى في الصورة طويلًا.
«وين لقيتيها؟»
«في بيت جدتي.»
«كانت مريم محتفظة فيها؟»
«إيه.»
قالت هدى:
«مو كل اللي احتفظت فيه مريم كانت تبيه.»
رفعت سارة حاجبها.
«وش تقصدين؟»
لم تجب هدى.
بدلًا من ذلك سألت:
«قرأتي الدفتر؟»
شعرت سارة بالقلق.
«أي دفتر؟»
ابتسمت هدى ابتسامة صغيرة.
«مريم كانت تعرف أنك بتسألين يومًا.»
أخرجت ظرفًا من خزانة قريبة.
وضعته أمام سارة.
كان الظرف قديمًا، وعلى وجهه اسم مريم.
لم يكن مختومًا.
فتحت سارة الرسالة.
«مريم،
إذا وصلتك هذه الورقة، فلا تسألي أين أنا.
اسألي لماذا احتاجوا أن يجعلوا غيابي يبدو طبيعيًا.»
توقفت سارة.
«هذه من يوسف؟»
هزت هدى رأسها.
«أظن.»
«تظنين؟»
«مريم لم تسمح لي بقراءتها كاملة.»
أخرجت هدى رسالة ثانية.
ثم ثالثة.
كانت كلها موجهة إلى مريم.
لكن لم تُرسل واحدة منها.
«ليش كانت عندك؟»
«مريم أعطتني إياها قبل سنوات.»
«ليش؟»
قالت هدى:
«لأنها كانت تخاف أن تموت قبل أن تقول لك الحقيقة.»
سكتت سارة.
«أي حقيقة؟»
نظرت هدى إلى الصورة.
«يوسف ما اختفى بسبب قصيدته.»
«إذن بسبب ماذا؟»
«بسبب شيء عرفه.»
«وش عرف؟»
«سجلات.»
«أي سجلات؟»
هنا تغيّر وجه هدى.
«سجلات أراضٍ.»
بدت الإجابة بسيطة، لكنها لم تكن كذلك.
شرحت هدى أن بعض العقارات القديمة في جدة كانت تُثبت ملكيتها في سجلات ورقية، قبل أن تصبح البيانات العقارية منظمة بالشكل الحديث. وكانت بعض السجلات تنتقل بين أكثر من جهة، وتُنسخ منها صفحات، وتُعاد كتابتها.
«وفي الثمانينيات، كان فيه رجل اسمه حامد البكري.»
«الوسيط؟»
رفعت هدى رأسها.
«إذن شفتي الاسم.»
«في الدفتر.»
«حامد ما بدأ القصة.»
«وش يعني؟»
«يعني إنك لو ركزتي عليه، بتضيّعين وقتك.»
وضعت هدى إصبعها على الطاولة.
«التلاعب بالسجلات بدأ قبل حامد بسنوات. كان فيه موظف قديم ينسخ القيود من الدفاتر الأصلية إلى سجلات جديدة، وبعض الصفحات كانت تختفي قبل أن تصل إلى النسخة الرسمية. حامد اكتشف النظام واستغله. ما اخترعه.»
«ومن كان وراءه؟»
«هذا اللي كان يوسف يحاول يعرفه.»
«والرابع؟»
سألت سارة السؤال قبل أن تفكر.
تغيّر وجه هدى.
«لا تستخدمي هذا الاسم.»
«أي اسم؟»
«الرابع.»
نهضت هدى.
ذهبت إلى نافذة الغرفة.
«مريم كانت تقول إن فيه أربعة يعرفون القصة. لكنها كانت مخطئة.»
«كم كانوا؟»
«خمسة.»
التفتت.
«والخامس هو الشخص الذي ما كان أحد يعرف أنه يعرف.»
أحست سارة بقشعريرة.
«مين؟»
لم تجب.
بدلًا من ذلك، قالت:
«يوسف ترك شيئًا في المكتبة.»
«وش هو؟»
«أنتِ عندك.»
عاد الصمت.
فهمت سارة أن اللقاء انتهى.
قبل أن تغادر، أمسكت هدى بيدها.
«إذا فتحتي هذا الباب، لا تبحثين عن يوسف أول شيء.»
«ليش؟»
«لأنك إذا عرفتي وين كان، بتعرفين وش صار له.»
«وهذا مو اللي أبيه؟»
قالت هدى:
«المشكلة يا سارة إن بعض الناس يعتقدون أن معرفة المكان تعني معرفة الحقيقة.»
ثم أضافت:
«وأحيانًا المكان نفسه يكون كذبة.»
الفصل الثالث: الرسائل التي لم تُرسل
قضت سارة أسبوعًا كاملًا في البحث.
لم يكن البحث مثيرًا.
وهذا بالضبط ما جعلها تصدقه.
جلست في الأرشيف ساعات طويلة.
قرأت سجلات الصحف.
قارنت أسماء.
راجعت صورًا قديمة للميناء.
بحثت عن «النورس 17».
وجدت أول إشارة في سجل بحري قديم.
قارب صغير للنقل الساحلي.
المالك: شركة نقل محلية.
آخر رحلة موثقة: جدة — ميناء قريب على الساحل الغربي.
لكن السجل كان يحمل ملاحظة:
«وصل حسب التقرير.»
لا توقيع من الميناء.
لا سجل تفريغ.
لا شاهد.
بحثت أكثر.
وجدت اسم القارب في دفتر ملاحظات جدتها.
النورس 17.
بجانبه رقم.
47/3
وجدت الرقم نفسه في أحد المستندات المتعلقة بعقار قديم.
بدأت الصورة تتشكل.
لكنها لم تكن كاملة.
اتصلت بهدى.
هذه المرة لم ترد.
اتصلت مرة ثانية.
لا جواب.
ذهبت إلى منزلها.
كان الباب مغلقًا.
سألت إحدى الجارات.
«هدى سافرت؟»
قالت المرأة:
«من يومين دخلت المستشفى.»
شعرت سارة بأن شيئًا ما يضيق حولها.
ذهبت إلى المستشفى.
وجدت هدى في غرفة هادئة.
كانت متعبة، لكنها واعية.
قالت سارة:
«ليش ما قلتي لي عن النورس؟»
أغمضت هدى عينيها.
«لأنك ما كنتِ جاهزة.»
«أنا الآن جاهزة.»
«لا.»
ثم ابتسمت.
«بس صرتِ عنيدة.»
أخرجت من تحت الوسادة مفتاحًا صغيرًا.
«هذا كان مع مريم.»
«وش يفتح؟»
«صندوق.»
«وين؟»
«في مستودع قديم.»
أعطتها ورقة عليها عنوان.
ثم قالت:
«إذا لقيتي الصندوق، لا تأخذين كل شيء.»
«ليش؟»
«خذي الشيء اللي ما يشبه الباقي.»
كانت هذه آخر جملة قالتها قبل أن يغلبها النوم.
ذهبت سارة إلى المستودع مساء اليوم نفسه.
كان المبنى مهجورًا تقريبًا.
الرقم الموجود على الباب مطابق للعنوان.
فتحت القفل.
رائحة الغبار والرطوبة.
دخلت.
وجدت عشرات الصناديق.
في أحد الأركان، صندوق خشبي صغير.
فتحته.
داخله ملفات.
صور.
دفاتر.
وصفحة واحدة مكتوب عليها:
النورس 17 — الحمولة 4
قلبت الورقة.
وجدت جدولًا.
التاريخ.
وقت المغادرة.
وقت الوصول.
الحمولة.
لكن هناك شيء غريب.
كل السجلات تقول إن القارب غادر البحر في أيام لم يغادر فيها أصلًا.
كانت سارة تعرف هذا الآن من سجل الميناء.
جلست على الأرض.
فهمت.
لم يكن القارب «وهمًا».
كان حقيقيًا.
لكن سجله كان مزورًا.
كان القارب يستخدم لنقل شحنات صغيرة، وكان مسار الرحلة يُسجل بطريقة تجعل الحمولة تبدو وكأنها وصلت إلى وجهة أخرى.
وفي إحدى الرحلات، لم تصل الحمولة إلى الميناء.
أُخرجت قبل ذلك.
إلى مستودع.
وهذا المستودع.
فتحت الملف الأخير.
وجدت صورًا لسجلات عقارية.
صفحات أصلية.
وبجانبها نسخ معدلة.
التاريخ نفسه.
الختم نفسه.
لكن أسماء المالكين مختلفة.
هنا ظهر اسم:
حامد البكري.
وفي الصفحة التالية:
مريم الراشدي.
وتحت اسمها:
حافظة الوثائق.
ثم:
يوسف الراشدي — شاهد.
أما السطر الرابع فكان ممزقًا.
وفي أسفل الورقة:
«الشخص الذي سلّم الصفحة الأصلية لم يظهر في أي سجل.»
رفعت سارة الصفحة.
«هذا هو الرابع.»
لم تكن تتحدث إلى أحد.
لكن صوتًا جاء من خلفها.
«لا.»
استدارت.
كان رجلًا في منتصف الستينيات يقف عند الباب.
«مين أنت؟»
«فهد البكري.»
شعرت سارة بأن الاسم مألوف.
«أنت قريب حامد؟»
«ابنه.»
«وش تبي؟»
دخل الرجل ببطء.
«أبي أشوف وش لقيتي.»
«ليش؟»
«لأن أبوي مات وهو يقول إن الناس صدقوا نصف القصة فقط.»
لم تنزل سارة الملف.
قال فهد:
«حامد ما كان صاحب الفكرة.»
«هدى قالت ذلك.»
«هدى تعرف أكثر مما تقول.»
«وأنت؟»
«أعرف أن أبي حاول في آخر سنواته أن يصلح شيئًا شارك فيه وهو صغير.»
«شارك في ماذا؟»
«تغيير ملكيات.»
ثم أضاف:
«لكن فيه شيء واحد ما كان يقدر يفسره.»
«وش هو؟»
«يوسف.»
صمت قليلًا.
«أبي قال إن يوسف كان شاهدًا، لكنه لم يكن يعرف كل شيء.»
«ليش اختفى؟»
«لأنه عرف أن شخصًا آخر كان يمحو آثارهم.»
«الرابع؟»
هز فهد رأسه.
«الرابع ليس اسمًا. الرابع كان وظيفة.»
لم تفهم.
أخرج من جيبه صورة قديمة.
فيها أربعة رجال يقفون قرب القارب.
ثلاثة منهم ظهروا بوضوح.
الرابع كان يقف بظهره للكاميرا.
قال فهد:
«كان الشخص الذي ينقل المستندات بين الناس. لا يوقّع. لا يظهر. لا يملك شيئًا باسمه.»
«ومن هو؟»
«ما أعرف.»
«لكن أبوك كان يعرف.»
«أبي كان يعرف أن هناك شخصًا. لم يعرف اسمه.»
وضعت سارة الصورة بجانب الملف.
كانت تلاحظ شيئًا.
على مؤخرة الصورة، علامة الموجة نفسها الموجودة في دفتر يوسف.
قال فهد:
«هذه العلامة كانت على كل ورقة تمر بينهم.»
«وش معناها؟»
«ما عرفنا.»
«وأنت وش تسوي هنا؟»
نظر إلى الصندوق.
«أبحث عن الصفحة التي اختفت.»
«أي صفحة؟»
«الصفحة الأصلية التي تثبت أول ملكية.»
«وليش مهمة؟»
«لأنها تثبت أن التزوير ما بدأ مع أبي.»
ثم صمت.
«وتثبت أن شخصًا آخر كان موجودًا قبل الجميع.»
الفصل الرابع: القارب الذي لم يصل
في اليوم التالي عادت سارة إلى المكتبة.
وضعت كل ما وجدته على الأرض.
الدفتر.
الرسائل.
الصورة.
نسخ السجلات.
سجل القارب.
وقصاصة القصيدة.
بدأت تقارن.
كانت العلامة تظهر في كل مكان.
موجة صغيرة.
ثم رقم.
أو 47/3.
أحيانًا تظهر بطريقة مختلفة.
تذكرت كلام هدى:
«خذي الشيء اللي ما يشبه الباقي.»
أعادت قراءة رسالة يوسف.
«إذا وصلتك هذه الورقة، فلا تسألي أين أنا.»
تحت الجملة كان هناك شيء بالكاد يُرى.
ضغطت عليه بإصبعها.
تحرك الورق.
كانت الرسالة مزدوجة.
في داخلها صفحة صغيرة.
كتب يوسف:
«النورس لم يكن يحمل أوراقًا إلى البحر.
كان يحمل البحر إلى الأوراق.»
فهمت العبارة بعد ساعات.
كان يوسف يقصد أن القارب لم يكن مجرد وسيلة نقل.
كان جزءًا من نظام لإخفاء مصدر الوثائق.
الأوراق تُنقل، ثم تُسجل الرحلات بصورة مختلفة.
وعندما تظهر وثيقة في مكان جديد، يبدو مصدرها بعيدًا.
لكن الحقيقة أنها كانت تنتقل بين مستودعات داخل المدينة.
كان التزوير يعتمد على المسافة الوهمية.
تبدو الوثيقة كأنها جاءت من الخارج، فلا يسأل أحد من أين خرجت.
جلست سارة طويلًا.
ثم أدركت شيئًا أهم.
الدفتر لم يكن مذكرات يوسف.
كان سجلًا للحقيقة كما وصلت إلى مريم.
ولهذا كانت الكلمات قليلة.
ولهذا كان كل اسم يحمل وظيفة.
مريم — الحافظة.
يوسف — الشاهد.
حامد — الوسيط.
الرابع — الناقل.
أما الشخص الذي كان يزور السجلات في الأصل، فلم يكن واحدًا من الأربعة.
كان أقدم منهم.
وأبعد.
وجدت سارة الصفحة المفقودة أخيرًا.
لم تكن في المستودع.
كانت داخل غلاف كتاب في مكتبة جدتها.
كتاب قديم في التاريخ المحلي.
فتحت الغلاف.
خرجت ورقة مطوية.
في أعلاها:
سجل الملكية الأول — 1399هـ
أسماء ملاك قدامى.
أرض.
حدود.
توقيعات.
وفي الهامش ملاحظة مكتوبة بخط مريم:
«الأصل هنا. كل ما بعده نسخة.»
وتحتها:
«لا تبحثي عن الرجل الذي زوّر الورقة. ابحثي عن الرجل الذي علّم الآخرين كيف يفعلون ذلك.»
بدأت سارة تفهم.
القضية لم تكن جريمة واحدة.
كانت نظامًا صغيرًا نشأ حول ضعف قديم في حفظ الوثائق.
موظف مجهول في نهاية السبعينيات اكتشف أن الصفحات يمكن أن تختفي قبل تسجيلها رسميًا، ثم ظهرت نسخ بديلة.
بعد سنوات، تعلم حامد الطريقة.
واستفاد منها.
لكن يوسف اكتشف الأمر حين وجد اختلافًا بين قصيدة كتبها عن بيت قديم وسجل الملكية الحقيقي لذلك البيت.
لم يكن شاعرًا يبحث عن لغز.
كان شاعرًا صادف الحقيقة.
وهذا ما جعله خطيرًا.
لكن أين ذهب؟
كانت الرسائل تقول شيئًا مختلفًا.
لم يكن يوسف قد اختفى في اليوم الذي اعتقده الجميع.
وجدت سارة في إحدى الصحف خبرًا مؤرخًا بعد اختفائه المفترض بشهرين.
خبرًا صغيرًا عن شاعر حضر أمسية في مكة.
الصورة غير واضحة.
لكن الاسم لم يكن يوسف.
كان:
«س. الراشدي»
فتحت سارة الصورة على شاشة الكمبيوتر.
كبرتها.
لم يكن يوسف.
لكن الرجل يشبهه.
بحثت في الأرشيف عن هدى.
وجدت مقابلة قديمة معها.
كانت المقابلة بعد سنوات من اختفاء يوسف.
قالت فيها جملة لم تلاحظها من قبل:
«آخر مرة رأيته، لم يكن ذاهبًا إلى البحر.»
اتصلت بها.
هذه المرة ردت.
«هدى، ليش قلتي إن يوسف ما راح للبحر؟»
صمتت.
ثم قالت:
«لأني كنت آخر شخص شافه.»
«متى؟»
«بعد الليلة اللي قالوا فيها إنه اختفى.»
«وين كان؟»
«في المكتبة.»
شعرت سارة بقلبها يهبط.
«مكتبة جدتي؟»
«نعم.»
«ليش؟»
«كان يريد يأخذ دفتره.»
«وأنتِ؟»
«قلت له لا تأخذه.»
«ليش؟»
«لأن مريم كانت تخاف أن يستخدمه أحد ضده.»
«وش صار؟»
«قال لي إنه ما عاد يهمه الدفتر.»
«وبعدين؟»
«خرج.»
«إلى أين؟»
«قال إنه رايح يقابل شخصًا.»
«الرابع؟»
قالت هدى:
«لا.»
ثم سكتت طويلًا.
«قال: رايح أقابل الرجل اللي ما يظهر في السجلات.»
شعرت سارة بأن كل شيء يتغير.
«هل عاد؟»
«لا أعرف.»
«هدى، هل كان حيًا؟»
«نعم.»
كانت الإجابة واضحة.
«وأنا متأكدة.»
ثم قالت:
«لكن يا سارة، في شيء ما قلته لك.»
«وش هو؟»
«مريم كانت تعرف أين ذهب.»
توقفت سارة.
«ليش ما قالت لأحد؟»
«لأن يوسف طلب منها ألا تقول.»
«ليش؟»
«لأنه كان يعتقد أن الحقيقة إذا خرجت مرة واحدة، ستقتل أكثر من شخص.»
الفصل الخامس: الحبر الأخير
في صباح اليوم التالي، لم تفكر سارة في بيع المكتبة.
جلست أمام مكتب جدتها ووضعت الدفتر أمامها.
كانت تعرف الآن أن الحقيقة ليست في العثور على قاتل.
ربما لم يكن هناك قاتل أصلًا.
كانت القضية عن شيء أكثر تعقيدًا.
كيف يمكن لكذبة صغيرة أن تعيش طويلًا حتى تصبح نظامًا؟
فتحت الدفتر للمرة الأخيرة.
وجدت في الصفحة الأخيرة سطرًا لم تنتبه إليه.
لم يكن بخط يوسف.
كان بخط مريم.
«يوسف لم يمت أمامي.
لكنه مات بالنسبة إلى العالم في اليوم الذي قرر فيه ألا يعود.»
وتحتها:
«إن جاء يوم ووجدتِ هذا الدفتر، فلا تحاولي إعادته إلى الحياة. أعيدي فقط اسمه إلى مكانه الصحيح.»
فهمت سارة.
مريم لم تكن تخفي موت يوسف.
كانت تخفي اختياره.
ربما غادر.
ربما عاش باسم آخر.
لكن الحقيقة الأهم كانت أن اختفاءه لم يكن دليلًا على مقتله.
أما القضية التي تركها خلفه، فكانت قابلة للإثبات.
السجل الأصلي.
النسخ المزورة.
المستودع.
القارب.
الرسائل.
وشهادة هدى.
لم تكن سارة تملك اسم الرجل القديم الذي بدأ التلاعب بالسجلات.
ولم تكن بحاجة إليه.
كانت تملك ما يكفي لإثبات النظام.
وفي الأيام التالية، بدأت تكتب.
لكنها لم تكتب قصة بوليسية.
كتبت تحقيقًا.
أعادت بناء التسلسل الزمني.
وضعت الوثائق في ترتيبها.
قارنت النسخ.
أخفت أسماء الأشخاص الذين لا يمكن إثبات تورطهم.
وأبقت اسم حامد لأنه ورد في مستندات متعددة.
أما يوسف، فكتبت عنه بصفته شاهدًا وشاعرًا اختفى من المشهد.
رفضت أن تقول إنه قُتل.
رفضت أيضًا أن تقول إنه عاش.
نشرت القصيدة الأخيرة كاملة.
واختارت لها عنوانًا:
الحبر الذي لم يجف.
انتشر التحقيق.
بدأ الناس يتحدثون عن سجلات قديمة.
عن أراضٍ.
عن مستندات.
عن مكتبة صغيرة في جدة القديمة.
وبعد أسابيع، جاء موظف من جهة رسمية يطلب الاطلاع على النسخ الأصلية.
سلمته سارة الملفات.
لم تسلمه دفتر يوسف.
احتفظت به.
ليس خوفًا.
بل لأن بعض الأشياء يجب أن تبقى في مكانها الصحيح.
وفي مساء هادئ، عادت إلى المكتبة.
كانت قد قررت الاحتفاظ بها.
أعادت ترتيب الرفوف.
وضعت صندوق الوثائق في غرفة جانبية.
وعلقت على الباب لوحة صغيرة:
أرشيف الحبر — للباحثين والوثائق القديمة.
ثم جلست خلف مكتب جدتها.
كان المكان هادئًا.
فتحت درجًا قديمًا.
وجدت ظرفًا لم تره من قبل.
لم يكن عليه اسم.
فتحته.
في داخله صورة حديثة.
التقطت الصورة في جدة.
التاريخ مطبوع أسفلها:
2026
ظهر رجل مسن يقف أمام البحر.
لم يكن وجهه واضحًا تمامًا.
لكن سارة عرفته.
يوسف.
كان في السبعينيات من عمره تقريبًا.
وبجانبه امرأة.
امرأة تشبه مريم.
ليس في الوجه فقط.
في الوقفة.
في طريقة النظر إلى الكاميرا.
قلبت سارة الصورة.
وجدت جملة واحدة:
«لم تكن مريم تنتظر عودته. كانت تنتظر أن تعرفي أنتِ.»
وتحتها:
«أحسنتِ يا سارة. لكنك لم تبحثي بعد في المكان الصحيح.»
بقيت سارة واقفة.
لم تشعر بالخوف.
شعرت بشيء آخر.
ذلك الشعور الذي يعرفه الباحث حين يجد أن الإجابة التي وصل إليها ليست نهاية السؤال.
وضعت الصورة على المكتب.
ثم نظرت إلى البحر من النافذة.
كانت جدة القديمة تواصل حياتها في الخارج.
باعة يغلقون محلاتهم.
أصوات سيارات بعيدة.
رجل ينادي على بضاعته.
طفل يركض في الزقاق.
والبحر، في مكان ما خلف البيوت، يواصل حمل ما لا يريد الناس الاحتفاظ به.
مدت سارة يدها إلى دفتر يوسف.
فتحته.
في الصفحة الأولى كانت الجملة القديمة:
«لا تبحث عن القاتل. ابحث عمّن جعل الحقيقة تبدو كأنها كذبة.»
ابتسمت.
ثم كتبت تحتها:
«وجدتُه.»
توقفت.
فكرت.
مزقت الورقة.
وكتبت بدلًا منها:
«وجدتُ الطريق.»
أغلقت الدفتر.
وفي تلك اللحظة، سمعت الصوت نفسه الذي سمعته في الليلة الأولى.
قلم يتحرك فوق الورق.
نقرة.
ثم أخرى.
ثم ثلاث.
رفعت رأسها.
كان الباب مغلقًا.
لكن هذه المرة لم تذهب لترى من في الغرفة المجاورة.
فهمت أن السؤال الحقيقي لم يعد:
من كتب؟
بل:
من كان يقرأ طوال هذه السنوات؟
أطفأت المصباح.
وتركت الدفتر مفتوحًا على المكتب.
وخلف النافذة، كانت جدة القديمة تدخل ليلها ببطء، بينما بقيت نقطة ضوء واحدة في مكتبة الحبر.
كأن أحدًا ما، في مكان بعيد، كان قد بدأ للتو في كتابة الصفحة التالية.
تعليقات
إرسال تعليق