رائحة من الماضي
رائحة من الماضي
كان البيت قائمًا في آخر الزقاق، خلف سوق العطارين، بابه من خشب الساج، ومقبضه نحاسي أسود من كثرة ما لمسته الأيدي. أما النافذة العليا، فكانت تطل على الأزقة القديمة، ويخرج منها بعد منتصف الليل ضوء أصفر خافت، كأن شخصًا ما يجلس خلفها ويقرأ.
في البداية ظن الناس أن الأمر مجرد خلل في الكهرباء.
ثم اكتشفوا أن البيت لا تصله الكهرباء أصلًا.
وصلت مريم إلى الحارة في مساء شتوي، تحمل حقيبة صغيرة وصندوقًا خشبيًا تركه لها جدها.
كانت تعمل في ترميم المخطوطات القديمة، وقد أمضت سنوات بين مكتبات دمشق والقاهرة وفاس وإسطنبول، تبحث في الورق عن أشياء لا يراها معظم الناس: أثر إصبع، اختلاف لون، رائحة حبر، أو جملة محيت ثم كُتبت فوقها أخرى.
لكن الرسالة التي تركها جدها كانت مختلفة.
لم يكن فيها سوى سطر واحد:
«إذا عاد الضوء إلى البيت الأزرق، فلا تدخليه وحدك.»
ضحكت مريم حين قرأتها للمرة الأولى.
أما الآن، وهي تقف أمام البيت، فلم تعد تضحك.
فقد كان الضوء مشتعلًا فعلًا.
طرقَت الباب.
لم يجب أحد.
طرقت مرة ثانية.
جاءها صوت من الداخل:
— ادخلي.
تراجعت خطوة.
كان الصوت صوت رجل عجوز.
لكن أهل الحارة أقسموا لها أن البيت ظل خاليًا منذ وفاة صاحبه.
دفعت الباب.
صدر عنه أنين طويل، ثم انفتح.
كان الداخل أبرد من الخارج. لم يكن هناك غبار كثيف كما توقعت، بل بدا المكان وكأن أحدًا يعتني به سرًا. على الجدران خرائط قديمة للبحر الأحمر والخليج والمتوسط، وعلى الطاولة مصباح زيتي، وبجواره فنجان قهوة ما زال دافئًا.
اقتربت منه.
لمسته.
كان ساخنًا.
ثم سمعت خطوات فوقها.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم ثلاث خطوات سريعة.
رفعت رأسها.
كانت هناك غرفة في الطابق العلوي.
لكن السلم المؤدي إليها كان مغطى بطبقة سميكة من الغبار.
لم يصعد أحد إليه منذ سنوات.
في الصباح، ذهبت مريم إلى شيخ الحارة، الشيخ راشد.
كان رجلًا هادئًا، تجاوز الثمانين، ويعرف تاريخ البيوت كما يعرف أسماء أبنائه.
حين أخبرته بما حدث، ظل صامتًا طويلًا.
ثم قال:
— جدك كان يعرف الحقيقة.
— أي حقيقة؟
نظر إلى البيت الأزرق من نافذة دكانه.
— صاحب البيت لم يكن مجنونًا كما قالوا.
— ومن كان؟
— كان يسمع أشياء لا يسمعها الآخرون.
ابتسمت مريم بسخرية.
— أصواتًا؟
— ذكريات.
سكت قليلًا ثم أضاف:
— كان يقول إن بعض الأماكن تحتفظ بما يحدث فيها، مثلما يحتفظ الورق بالحبر.
شعرت مريم بقشعريرة.
فهي تعرف هذه الفكرة.
كان جدها يقول دائمًا إن الأشياء القديمة لا تصمت، وإنما نحن الذين لا نعرف كيف نصغي.
في الليلة التالية، عادت مريم إلى البيت.
هذه المرة لم تكن وحدها.
رافقها يوسف، شاب يعمل في ترميم المباني التاريخية، وكان قد تعرف إليها في السوق.
قال وهو يحمل مصباحًا:
— إذا ظهر صاحب البيت، سأتركك وأهرب.
ضحكت.
— شجاع جدًا.
— أنا شجاع، لكن ليس إلى هذه الدرجة.
دخلا.
لم يكن هناك أحد.
فتشا الغرف واحدة تلو الأخرى.
وفي منتصف الليل تمامًا، انطفأ المصباح.
ثم جاء العطر.
رائحة عود ودهن ورد.
رائحة قديمة جدًا.
قال يوسف:
— تشمين ذلك؟
أومأت.
تبع الاثنان الرائحة حتى وصلا إلى غرفة صغيرة في الطابق الأرضي.
كانت الجدران مغطاة برفوف فارغة.
وفي وسط الغرفة صندوق نحاسي.
فتحته مريم.
وجدت داخله عشرات الأوراق.
لكن الأوراق لم تكن مكتوبة.
كانت بيضاء.
مدت يدها إلى واحدة منها.
وفجأة ظهرت عليها جملة.
ببطء.
حرفًا بعد حرف.
كأن يدًا خفية تكتب بالحبر أمام عينيهما:
«لا تثقا بمن يأتي غدًا.»
نظر يوسف إليها.
— هل فعلتِ هذا؟
— لا.
ظهرت جملة ثانية:
«سيبحث عن الخريطة.»
ثم ثالثة:
«والخريطة ليست على الورق.»
توقفت الكتابة.
وفي اللحظة نفسها، سمعا طرقًا على الباب الخارجي.
ثلاث طرق.
تبادلا النظرات.
قال صوت رجل من الخارج:
— مريم؟
عرفت الصوت.
كان صوت رئيس المؤسسة التي تعمل معها في المدينة.
دخل الرجل مبتسمًا.
كان يحمل ملفًا جلديًا، ويتحدث عن أهمية البيت، وعن مخطوطات مفقودة، وعن خريطة يُقال إنها ترسم طريقًا بحريًا قديمًا يصل موانئ الجزيرة العربية بسواحل إفريقيا والهند.
قال:
— جدك كان قريبًا جدًا من العثور عليها.
سألته مريم:
— وكيف تعرف ذلك؟
ابتسم.
— لأنني كنت أعمل معه.
ثم وضع الملف على الطاولة.
— أريد منك مساعدتي في العثور عليها.
لكن مريم لم تنظر إلى الملف.
كانت تنظر إلى يده.
فقد كانت أصابع الرجل ملطخة بمسحوق أبيض.
مسحوق الجص نفسه الموجود حول الصندوق النحاسي.
تذكرت الجملة:
«لا تثقا بمن يأتي غدًا.»
وفهمت.
لم تكن الرسالة تتحدث عن شخص سيأتي غدًا.
كانت تتحدث عن شخص جاء بالفعل.
هرب الرجل حين أدرك أنها اكتشفت أمره.
تبعه يوسف إلى الفناء، بينما بقيت مريم في الغرفة.
كانت تعرف الآن أن الخريطة ليست في الصندوق.
أغلقت عينيها.
فكرت في كلام جدها:
«بعض الأشياء لا تُقرأ بالعين يا مريم.»
فتشت الجدار.
طرقت الحجر واحدًا تلو الآخر.
حتى وصلت إلى حجر أصدر صوتًا أجوف.
أخرجته.
وجدت خلفه تجويفًا صغيرًا.
وفي داخله مرآة قديمة.
لم تكن مرآة عادية.
كان سطحها مغطى بطبقة رقيقة من الزجاج المعتم، محفور عليها خطوط دقيقة.
أشعلت المصباح.
وعندما انعكس الضوء عليها، ظهرت الخريطة.
لم تكن مرسومة على المرآة.
بل كانت تظهر في انعكاسها.
طرق بحرية، نجوم، جزر، وموانئ تمتد من جنوب الجزيرة العربية إلى سواحل بعيدة.
وفي منتصفها رمز صغير يشبه نجمة ذات ثمانية أطراف.
عرفته مريم.
كان ختم جدها.
لكن تحت الختم كانت هناك عبارة:
«البحر لا يخفي الطريق؛ نحن الذين ننسى كيف نقرأ السماء.»
عاد يوسف.
كان وجهه شاحبًا.
— هرب.
ثم نظر إلى المرآة.
— ما هذه؟
قالت مريم:
— شيء ظل جدّي يبحث عنه طوال حياته.
— ولماذا أخفاها هنا؟
نظرت إلى الضوء المنعكس على الجدران.
ثم فهمت أخيرًا سبب بقاء نافذة البيت مضاءة طوال هذه السنوات.
لم يكن الضوء علامة على وجود شخص.
كان إشارة.
إشارة لمن يعرف كيف يقرأها.
كانت النافذة تواجه الجنوب، وفي ليلة معينة من كل عام، يسقط ضوء القمر على المرآة بزاوية تجعل الخريطة تظهر كاملة.
أما العطر، فلم يكن شبحًا.
كان أثر دهن الورد الذي استخدمه جدها على أوراقه وملابسه.
والأصوات التي سمعها أهل الحارة لم تكن أرواحًا.
كانت ألواح الخشب القديمة تتمدد وتنكمش مع تغير الحرارة.
كل شيء كان له تفسير.
إلا شيئًا واحدًا.
اقتربت مريم من المرآة.
وجدت في أسفلها كتابة لم تظهر من قبل.
قرأتها بصوت منخفض:
«إذا وصلتِ إلى هنا، فقد عرفتِ أنني لم أكن أبحث عن خريطة.»
توقفت.
ثم ظهرت الكلمات التالية:
«كنت أبحث عن الدليل على أن الذين سبقونا لم يروا العالم حدودًا، بل طرقًا.»
ابتسمت.
كان ذلك صوت جدها.
ليس في الغرفة.
بل في ذاكرتها.
بعد أشهر، وصلت نسخة من الخريطة إلى متحف عالمي، لكن اسم مكتشفها لم يكن اسم مريم.
وضعت بجوارها لوحة صغيرة كتب عليها:
«خريطة مجهولة المصدر، عُثر عليها في بيت قديم على طريق القوافل. وهي تذكّرنا بأن البحر، قبل أن يكون حدًا بين البلاد، كان طريقًا يصل بينها.»
أما البيت الأزرق، فلم يعد مهجورًا.
تحول إلى مكتبة صغيرة.
وفي كل مساء، كانت مريم تفتح نافذته المطلة على الحارة.
وكان أهل السوق يقولون إنهم أحيانًا، بعد منتصف الليل، يشمون رائحة العود والورد.
لكن مريم كانت تعرف الحقيقة.
لم تكن الرائحة تأتي من البيت.
كانت تأتي من صندوق جدها.
وفي كل مرة تفتح فيه أوراقه، كانت تشعر أن الماضي لا يطلب منها أن تعيش فيه.
بل يطلب منها فقط ألا تنساه.

تعليقات
إرسال تعليق