المدينة التي لا تنتظر أحدًا

رواية 📅 سبتمبر 07, 2026

 

المدينة التي لا تنتظر أحدًا

الفصل الأول: مفتاح لا يشبه البيت

وصلت نورة إلى الرياض قبل المغرب بقليل.

كان السائق يتذمر من الزحام، وهي تنظر من النافذة إلى المباني التي تتوالى خلف بعضها، وتحاول أن تحفظ أسماء الشوارع دون فائدة.

كل شيء كان أكبر مما تخيلته.

الطرق.

المباني.

المسافات.

حتى السماء بدت أبعد.

عندما توقفت السيارة أمام العمارة، أخرج السائق حقيبتها من الصندوق الخلفي.

كانت حقيبة كبيرة بلون رمادي، وأخرى أصغر منها، وصندوق كرتوني وضعته أمها في آخر لحظة وقالت:

"لا تفتحينه إلا إذا احتجتيه."

لم تعرف نورة لماذا شعرت وقتها أن أمها كانت تودعها أكثر مما كانت تساعدها على الانتقال.

قال السائق:

— هذا الدور؟

— الثالث.

— فيه مصعد؟

نظرت إلى العمارة.

— لا.

ابتسم الرجل.

— أجل الله يعينك.

حملت حقيبتها وصعدت.

في منتصف الدرج توقفت.

لم تكن متعبة.

كانت فقط تريد أن تتأكد أنها لم ترتكب خطأ.

فتحت هاتفها.

رسالة من أمها:

وصلتي؟

كتبت:

باقي شوي.

ثم أضافت:

الشقة حلوة.

وأرسلتها قبل أن تصل.

كانت كذبة صغيرة.

الشقة لم تكن حلوة.

كانت غرفة وصالة صغيرة، ومطبخًا بالكاد يتسع لشخصين، ونافذة تطل على مبنى آخر.

لكنها كانت شقتها.

وضعت المفتاح على الطاولة.

ظل صوت سقوطه في الغرفة أطول مما توقعت.

جلست على الأرض.

لم تبكِ.

كانت قد وعدت أمها ألا تبكي.

لكنها لم تكن بحاجة إلى البكاء أصلًا.

كانت تشعر بشيء آخر.

شيء يشبه الفراغ.

في الجامعة، كانت تعرف دائمًا إلى أين ستذهب بعد المحاضرة.

إلى البيت.

إلى صديقتها.

إلى المقهى.

أما الآن، فلا أحد ينتظرها.

فتحت الصندوق الذي أعطتها إياه أمها.

وجدت فيه أشياء بسيطة:

كوبها القديم.

علبة بهارات.

صورة عائلية صغيرة.

ومفرشًا أبيض كانت جدتها قد صنعته قبل سنوات.

وفي الأسفل ورقة مطوية.

فتحتها.

كان مكتوبًا بخط أمها:

"إذا خفتِ، لا يعني أنك اخترتِ الطريق الخطأ."

وضعت الورقة في جيبها.

ثم قامت.

كانت لديها مقابلة عمل في التاسعة صباحًا.

والمدينة التي أمامها لم تكن تهتم إن كانت مستعدة أم لا.


كانت شركة "مدار" في برج زجاجي يجعل الداخل إليه يشعر أنه أصغر مما هو عليه.

وقفت نورة أمام الاستقبال في التاسعة إلا خمس دقائق.

— عندي مقابلة مع إدارة المحتوى.

رفعت الموظفة رأسها.

— الاسم؟

— نورة السالم.

بحثت في الكمبيوتر.

— الدور الحادي عشر.

دخلت المصعد.

عندما أُغلق الباب، نظرت إلى انعكاسها.

بدلة سوداء.

حقيبة بسيطة.

وجه متوتر حاولت أن تجعله يبدو واثقًا.

قالت لنفسها:

— أقدر.

كانت هذه الكلمة أكثر ما تعرفه.

وعندما وصلت إلى الدور الحادي عشر، اكتشفت أن قول "أقدر" شيء، وإثباته شيء آخر.


بعد ساعتين، خرجت من غرفة المقابلة.

كانت تظن أنها لم تحصل على الوظيفة.

لكن في الثالثة عصرًا، وصلتها الرسالة:

يسرنا إبلاغك بقبولك...

قرأت الرسالة ثلاث مرات.

ثم اتصلت بأمها.

— يمه.

— هلا؟

— قبلوني.

صمتت أمها ثانية واحدة.

ثم قالت:

— قلت لك.

ضحكت نورة.

— وش قلتي؟

— قلت لك إنك تقدرين.

هذه المرة لم تكذب.

قالت:

— إي.

ثم نظرت من نافذة المكتب.

كانت الرياض تمتد أمامها بلا نهاية.

ولأول مرة، لم تبدُ مخيفة.

بدت كشيء يمكن أن تتعلمه.


في أسبوعها الأول، تعلمت نورة أن الشركات لا تشبه الجامعة.

في الجامعة، تستطيع أن تقول:

"ما فهمت."

أما هنا، فعليك أن تعرف أولًا ما الذي لم تفهمه.

كانت تجلس بجانب سارة، مسؤولة الفريق.

امرأة هادئة، في أوائل الثلاثينات، تعرف متى تتكلم ومتى تترك الآخرين يتعلمون بالطريقة الصعبة.

قالت لها في نهاية أول يوم:

— لا تحاولين تثبتين نفسك بسرعة.

— ليه؟

— لأن اللي يستعجل يثبت نفسه، يغلط أكثر.

ثم أضافت:

— وخذي بالك من شيء.

— وش؟

— مديرنا.

نظرت نورة إلى الباب الزجاجي في نهاية الممر.

— راشد؟

— إيه.

— وش فيه؟

— ما فيه شيء.

سكتت.

ثم قالت:

— وهذا بالضبط اللي يخليك تحتارين فيه.


رأت راشد لأول مرة بعد أسبوع.

كان خارجًا من غرفة الاجتماعات، يحمل أوراقًا كثيرة.

مر بجانبها، ثم توقف.

نظر إلى الشاشة أمامها.

— هذا تقرير العميل؟

— نعم.

— من أرسله لك؟

— سارة.

أخذ الورقة.

قرأ الصفحة الأولى.

ثم قال:

— لا تعتمدي عليه.

— ليه؟

نظر إليها للمرة الأولى.

— لأنه مكتوب بطريقة تخليك تظنين أنك فهمتِ العميل.

ثم وضع الورقة على مكتبها.

— بينما أنتِ ما فهمتيه.

مشى.

نظرت نورة إلى ظهره.

قالت في سرها:

— يا سلام.

ثم عادت إلى التقرير.

هذه المرة لم تقرأه لتفهم ما كتبوه.

قرأته لتعرف ما الذي لم يقولوه.

ولم تكن تعرف أن تلك الجملة الصغيرة ستغير طريقتها في العمل.

بل ستغير شيئًا أكبر.


في آخر الشهر، وصل مشروع جديد إلى الفريق.

علامة سعودية صغيرة تبيع منتجات منزلية مصنوعة يدويًا.

كان المطلوب حملة تسويقية.

اجتمع الفريق.

عرض كل شخص فكرته.

وحين جاء دور نورة، قالت:

— أعتقد أننا نركز على المنتج بطريقة خاطئة.

رفع أحد الموظفين حاجبه.

— كيف؟

— نتكلم عن أنه "تراثي".

— وهو كذلك.

— نعم، لكن الناس ما يشترون التراث.

صمتت.

ثم قالت:

— يشترون الشيء الذي يجعلهم يشعرون أنهم ما فقدوا شيئًا.

نظر الجميع إليها.

لم تكن تعرف من أين جاءت الجملة.

لكنها قالتها.


بعد الاجتماع، طلب منها راشد أن تدخل مكتبه.

جلست أمامه.

قال:

— الفكرة جيدة.

انتظرت.

— لكن؟

ابتسم قليلًا.

— لكنك لم تقولي لي كيف ستبيعينها.

قالت:

— ما أعرف.

— ممتاز.

استغربت.

— ممتاز؟

— لأنك اعترفتِ.

ثم دفع الملف نحوها.

— اكتشفي.

أخذته.

وعندما وصلت إلى الباب، قال:

— نورة.

التفتت.

— لا تخافين من أنك ما تعرفين.

ثم عاد إلى عمله.

— خافي من أنك تظنين أنك تعرفين.

خرجت.

كانت الجملة بسيطة.

لكنها بقيت معها حتى المساء.

وفي تلك الليلة، كتبت في دفتر جديد:

أشياء لا أعرفها.

ثم بدأت.


الفصل الثاني: ما لا يقوله الناس

بعد شهرين، أصبحت نورة تعرف الرياض أكثر.

ليس أسماء الشوارع.

بل الأماكن التي يمكن أن تذهب إليها عندما تحتاج إلى أن تكون وحدها.

مقهى صغير قرب المكتب.

مكتبة هادئة.

طريق طويل تحب أن تسلكه في طريق العودة.

وصارت تعرف أن الوحدة ليست دائمًا غياب الناس.

أحيانًا تكون وجودهم دون أن يعرفوا أنك تحتاجهم.


كانت مشكلة حملة المنتجات اليدوية أن العميل لم يكن يريد الحملة أصلًا.

كان يريد مبيعات.

قالها بوضوح في الاجتماع:

— الكلام الجميل ما يبيع.

نظرت نورة إلى الشاشة.

كانت قد أمضت أسبوعًا كاملًا في إعداد الفكرة.

قالت:

— ممكن.

نظر إليها الجميع.

أكملت:

— لكن إذا ما عرفنا ليه الناس يشترون المنتج، ما راح نعرف كيف نبيعه.

قال العميل:

— الناس تشوفه وتحبه.

— ليه؟

— لأنه جميل.

— الجمال وحده ما يكفي.

تدخل راشد:

— نورة.

توقفت.

قال:

— اسأليه سؤالًا آخر.

فهمت.

نظرت إلى العميل.

— متى آخر مرة بعت فيها منتجًا وشعرت أنك فرحت أكثر من المعتاد؟

فكر الرجل.

ثم قال:

— قبل شهر.

— ليه؟

— وحدة اشترت صندوقًا كاملًا.

— وش قالت لك؟

ابتسم الرجل للمرة الأولى.

— قالت إنه يشبه صندوق جدتها.

سكتت نورة.

ثم نظرت إلى راشد.

كان قد فهم.


بعد الاجتماع، خرجت نورة إلى الممر.

لحقت بها سارة.

— زعلتي؟

— من وش؟

— من تدخل راشد.

— لا.

— متأكدة؟

فكرت نورة.

— يمكن كنت أبيه يخليني أكمل.

— وليه؟

— ما أدري.

قالت سارة:

— لأنك بدأتِ تصيرين جيدة.

ثم تركتها.

بقيت نورة وحدها.

لم تعرف لماذا شعرت أن الجملة أكبر من مجرد مجاملة.


في اليوم التالي، ذهبت نورة إلى منزل صاحبة المشروع.

كانت امرأة اسمها أمينة.

في الخمسين تقريبًا.

استقبلتها بفنجان قهوة، وجلست أمامها.

قالت نورة:

— ممكن أسألك ليه بدأتي المشروع؟

قالت أمينة:

— أمي.

— كيف؟

— كانت تسوي الأشياء هذه في البيت.

وأشارت إلى سلة صغيرة.

— وأنا كنت أشوفها وأنا صغيرة.

— وليه بعتيها؟

ضحكت.

— ما بعتها أول مرة.

— وش صار؟

— يوم ماتت أمي، رميت أغلب الأشياء.

سكتت.

ثم أضافت:

— بعدين ندمت.

لم تكتب نورة شيئًا.

قالت أمينة:

— رجعت أصنعها.

— عشانها؟

— عشان نفسي.

في طريق العودة، بقيت الجملة في رأس نورة.

عشان نفسي.


في تلك الليلة، كتبت نورة النص الإعلاني.

لم تتحدث عن التراث.

ولا عن الأصالة.

ولا عن "عبق الماضي".

كتبت عن الأشياء التي نظن أننا تخلصنا منها، ثم نكتشف أننا كنا نبحث عنها طوال الوقت.

حين قرأ راشد النص، لم يقل شيئًا.

فقط قال:

— الآن فهمتِ.

رفعت رأسها.

— فهمت وش؟

— الفرق بين قصة المنتج وقصة الشخص.


بدأت علاقتها براشد تتغير.

لم تعد تسأله عن كل شيء.

وهذا ما لاحظه هو.

في البداية كان يمر بجانب مكتبها ويجدها تعمل.

ثم أصبح يجدها تناقش.

ثم يختلف معها.

وفي أحد الأيام قالت له:

— أعتقد أنك غلطان.

رفع رأسه.

— في ماذا؟

— الفكرة التي اقترحتها للحملة.

— لماذا؟

شرحت له.

ظل صامتًا.

ثم قال:

— ممكن.

كانت تنتظر دفاعًا.

لم يأتِ.

— بس؟

— لا يوجد بس.

قالها بهدوء.

— إذا عندك حجة أفضل، استخدميها.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد نورة تخاف من الاختلاف.


لكن في نهاية الأسبوع، حدث ما لم تتوقعه.

استدعَتها سارة.

— عندنا مشكلة.

— وش؟

— العميل رفض الحملة.

شعرت نورة بأن الأرض انسحبت قليلًا من تحتها.

— ليه؟

— الإدارة قالت إن الفكرة عاطفية أكثر من اللازم.

— وراشد؟

سكتت سارة.

— وافق.

رفعت نورة رأسها.

— وافق؟

— قال إن القرار للعميل.

عادت نورة إلى مكتبها.

شعرت بالغضب.

ليس من العميل.

من راشد.

لأول مرة منذ عرفته، شعرت أنه خذلها.

وفي المساء، دخلت مكتبه.

— ممكن أسألك سؤال؟

— تفضلي.

— ليه وافقت؟

نظر إليها.

— على ماذا؟

— رفض الحملة.

— لأن العميل رفضها.

— بس أنت كنت مقتنعًا بها.

— نعم.

— إذًا ليه ما دافعت عنها؟

وضع القلم.

— لأنني لست صاحبها.

صمتت.

قال:

— أنتِ صاحبتها.

ثم أضاف:

— وإذا كنتِ مقتنعة بها فعلًا، فهذه فرصتك لتدافعي عنها.

لم تجد جوابًا.

خرجت.

وعندما أغلقت الباب، فهمت لأول مرة أن مساعدته لها لم تكن تعني أن ينقذها.

بل أن يتركها تواجه ما تخاف منه.


الفصل الثالث: المطر

دافعت نورة عن فكرتها.

ليس لأنها متأكدة أنها ستنجح.

بل لأنها لم تعد تريد أن تتراجع لمجرد أن شخصًا أكبر منها قال لا.

استغرقت المفاوضات ثلاثة أيام.

وفي النهاية، وافق العميل على تجربة الحملة.

كانت النتائج أفضل مما توقع الجميع.

لكن المشكلة الحقيقية بدأت بعد ذلك.

وصل عرض إلى نورة من شركة منافسة.

راتب أعلى.

منصب أفضل.

ومسؤولية أكبر.

كانت أول فرصة حقيقية للخروج من ظل الشركة.

لم تخبر أحدًا.

إلا سارة.

قالت سارة:

— راشد يعرف.

— كيف؟

— يعرف كل شيء.

وفي اليوم نفسه، استدعاها.

جلست.

قال:

— عندك عرض.

لم تنكر.

— نعم.

— هل تريدينه؟

— ما أدري.

— إذًا لا تتخذي قرارًا.

— ليه؟

— لأن الخوف من الرحيل ليس سببًا للبقاء، والخوف من البقاء ليس سببًا للرحيل.

نظرت إليه.

— وأنت لو كنت مكاني؟

ابتسم.

— لن أكون مكانك.

— هذا جواب سهل.

— لأنه قرارك.

سكتت.

ثم قالت:

— أنت دائمًا تقول لي قرري بنفسك.

— لأن هذا صحيح.

— حتى لو كان القرار غلط؟

— خصوصًا إذا كان غلط.

خرجت من عنده وهي أكثر حيرة.


في تلك الليلة، هطل المطر.

جلست نورة في شرفة شقتها الصغيرة.

كان المطر يضرب الأرض بقوة.

اتصلت أمها.

— كيفك؟

— محتارة.

— في وش؟

أخبرتها عن العرض.

صمتت أمها.

ثم قالت:

— تبين تروحين؟

— يمكن.

— تبين تبقين؟

— يمكن.

ضحكت أمها.

— أجل أنتِ ما تحتاجين رأيي.

— يمه.

— اسمعي.

تغير صوتها.

— أول مرة سافرتِ للرياض كنتِ خايفة.

— صحيح.

— وما قلت لك ارجعي.

— أدري.

— لأنني أعرف أنك إذا رجعتي بسبب الخوف، بتندمين.

سكتت نورة.

— الحين نفس الشيء.

بعد المكالمة، ظلت تنظر إلى المطر.

ثم فهمت.

لم تكن محتارة بين شركتين.

كانت محتارة بين صورتين لنفسها.

نورة التي تريد أن تثبت أنها تستطيع.

ونورة التي تريد أن تختار المكان الذي يشبهها.


في صباح اليوم التالي، قدمت استقالتها.

ليس من شركة مدار.

بل من خوفها من أن تكون كل خطوة إلى الأمام مرتبطة بزيادة الراتب أو المنصب.

رفضت العرض الآخر.

وبقيت.

لكنها لم تبقَ لأن راشد موجود.

بقيت لأنها تريد أن تعرف ماذا تستطيع أن تفعل هنا.


بعد أسبوع، أخبرها راشد أنه سيغادر الشركة.

هذه المرة لم تصدم.

جلست أمامه.

— متى؟

— بعد أسبوعين.

— عندك وظيفة ثانية؟

— لا.

ضحكت.

— أنت؟

— أنا.

— كنت تقول لي لا أتخذ قرارًا وأنا محتارة.

— وها أنا أفعل العكس.

— ليه؟

نظر إلى النافذة.

— لأنني بقيت في أماكن كثيرة بعد أن انتهى السبب الذي جعلني أبقى.

ثم نظر إليها.

— ما أبي أكررها.


في آخر يوم له، لم يكن هناك احتفال كبير.

مجرد قهوة.

بعض الصور.

كلمات قصيرة.

وعندما انتهى الجميع، بقيت نورة معه في المكتب.

قالت:

— أعتقد أني زعلانة.

— طبيعي.

— بس مو لأنك رايح.

— أجل؟

فكرت.

— لأني اكتشفت أني ما أقدر ألومك.

ابتسم.

— هذا تطور.

ضحكت.

ثم قالت:

— كنت أظنك تعرف كل شيء.

— لا.

— كنت أظنك ما تخاف.

— أخاف.

نظرت إليه.

لأول مرة بدا لها أقل شبهًا بالمرشد.

وأكثر شبهًا بإنسان.

قال:

— الفرق أنني تعلمت أن الخوف لا يحتاج أن يقرر عني.

كانت الجملة التي احتاجت نورة إلى سماعها.

لكنها لم تكن نصيحة.

كانت اعترافًا.


غادر راشد.

وبقي المكتب.

وبقيت المدينة.

وبقيت نورة.

وهذا كان أصعب شيء.

لأنها لم تعد تستطيع أن تنسب تقدمها إلى وجود شخص آخر.


الفصل الرابع: الربيع الذي جاء متأخرًا

بعد ستة أشهر، أصبحت نورة مسؤولة عن فريق صغير.

كانت تجلس في المكان نفسه الذي جلست فيه في يومها الأول.

لكنها لم تعد الشخص نفسه.

دخلت عليها موظفة جديدة.

كانت تحمل حقيبتين كبيرتين.

وتنظر حولها كما لو أنها دخلت مدينة لا تعرفها.

قالت:

— أنا ريم.

ابتسمت نورة.

— أهلًا ريم.

— أول يوم لي.

— أعرف الشعور.

ضحكت ريم.

— خايفة شوي.

نظرت نورة إليها.

ثم قالت:

— طبيعي.

ترددت لحظة.

ثم أضافت:

— بس لا تخافين من أنك ما تعرفين.

ابتسمت ريم.

— ليه؟

نظرت نورة إلى الملفات أمامها.

وتذكرت مكتب راشد.

وتذكرت الورقة التي تركتها أمها في الصندوق.

ثم قالت:

— لأنك بتتعلمين.


في ذلك الشهر، حصل خلاف كبير داخل الشركة.

كان هناك مشروع مهم.

والإدارة تريد إطلاقه بسرعة.

نورة رأت أن الفكرة ليست جاهزة.

قال المدير:

— عندنا موعد.

— أعرف.

— إذًا نفذي.

— إذا نفذناها الآن، نخسر العميل.

— هذا تقديرك.

— نعم.

كان يمكنها أن تسكت.

قبل عام كانت ستسكت.

لكنها لم تفعل.

قالت:

— وإذا كنت مخطئة، أتحمل النتيجة.

ساد الصمت.

ثم قال المدير:

— نفذي.

خرجت نورة من الاجتماع.

كانت يداها ترتجفان.

لم تكن واثقة.

لكنها كانت مرتاحة.

لأول مرة فهمت أن الشجاعة ليست أن تكون متأكدًا.

أحيانًا الشجاعة أن تتكلم وأنت تعرف أنك قد تكون مخطئًا.


في المساء، وصلت رسالة إلى هاتفها.

من راشد.

كيف حالك؟

ابتسمت.

كتبت:

أفضل.

جاء الرد:

الشغل؟

فكرت.

ثم كتبت:

أنا.

تأخر الرد.

ثم ظهر:

إذًا كل شيء بخير.

وضعت الهاتف جانبًا.

لم تسأله أين هو.

ولم يسألها عن التفاصيل.

لم تعد تحتاج إلى ذلك.


بعد انتهاء المشروع، نجح الفريق.

ولأول مرة، لم تشعر نورة بالحاجة إلى إخبار راشد.

لم تنتظر تصفيقًا.

لم تبحث عن شخص يقول لها إنها أحسنت.

جلست وحدها في مكتبها.

فتحت الدفتر القديم.

كانت الصفحات الأولى ما تزال موجودة.

أشياء لا أعرفها.

ثم:

أشياء بدأت أعرفها.

وفي النهاية:

أشياء لا أخاف منها الآن.

تحتها كتبت:

أن أبدأ من جديد.

ثم توقفت.

أضافت سطرًا آخر:

أن أكون مخطئة.

وسطرًا ثالثًا:

أن يذهب الأشخاص الذين أحب وجودهم.

رفعت رأسها.

خارج النافذة كانت الرياض تستعد للمساء.

السيارات تتحرك.

الأضواء تشتعل.

والمدينة، كعادتها، لا تنتظر أحدًا.

لكن نورة لم تعد تريد منها أن تنتظرها.

كانت تعرف الآن أن المدن لا تفعل ذلك.

ولا الناس.

ولا الحياة.

الشيء الوحيد الذي تستطيع أن تفعله هو أن تمشي.


بعد أسبوع، عادت إلى شقتها متأخرة.

وضعت حقيبتها.

فتحت النافذة.

دخل هواء بارد نسبيًا.

تذكرت أول ليلة.

الغرفة الفارغة.

الحقيبة الكبيرة.

المفتاح الذي سقط على الطاولة.

ضحكت.

كان كل شيء يبدو بعيدًا.

حتى الخوف.

فتحت الصندوق القديم.

وجدت ورقة أمها.

قرأتها مرة أخرى:

"إذا خفتِ، لا يعني أنك اخترتِ الطريق الخطأ."

جلست على طرف السرير.

ثم قلبت الورقة.

على ظهرها كتبت:

"وإذا لم أعرف الطريق، أمشي حتى أعرف."

وضعتها في الصندوق.

أغلقت النافذة.

وأطفأت الضوء.

في الخارج كانت الرياض مضاءة حتى آخر شارع.

مدينة لا تتوقف.

مدينة لا تنتظر أحدًا.

لكن نورة، للمرة الأولى، لم تكن تحاول اللحاق بها.

كانت تمشي معها.

وفي مكان ما بين الخوف والطمأنينة، بدأت تشعر بشيء يشبه الربيع.

ليس في الجو.

بل في الداخل.

تعليقات