أوهامُ قصرِ المرادي
أوهامُ قصرِ المرادي
الفصل الأول: العائد من الشمال
حين عدتُ إلى بغداد، لم أكن أبحث عن مغامرة.
كنت أبحث عن نومٍ هادئ.
ثلاث سنوات من العمل الطبي في مستشفيات الحدود الشمالية تركت في رأسي أصواتًا لا تهدأ؛ صهيل الخيل، صفير الريح بين الخيام، وأبوابًا تُفتح في منتصف الليل على وجوه رجال لا يعرفون إن كانوا سيعيشون إلى الصباح.
قال لي محمود المرادي، صديق طفولتي، حين التقاني في شارع الرشيد:
— أنت تحتاج إلى الريف يا أحمد. ستأتي معي إلى قصرنا أيامًا، ثم تفعل ما تشاء.
لم أجد سببًا للرفض.
كان قصر المرادي قائمًا على أطراف البساتين القريبة من الدجيل، تحيط به أشجار النخيل من ثلاث جهات، وتمتد خلفه ساقية ضيقة لا يكاد يسمع صوتها إلا في الليل.
لم يتغير البيت كثيرًا.
البوابة الحديدية نفسها.
النافورة الحجرية في وسط الفناء.
والزيتونة القديمة التي كان محمود وأنا نتسلقها ونحن صبيان.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
السيدة زينب المرادي تزوجت.
كانت أرملة في أواخر الستين، تملك معظم ثروة العائلة، وتدير أملاكها بصرامة جعلت أبناءها يحسبون كلماتهم أمامها.
أما زوجها الجديد، عبد الفتاح، فكان رجلًا في الأربعين تقريبًا، أنيقًا، قليل الكلام، يضع ساعة فضية في معصمه ولا يخلعها حتى أثناء النوم، كما أخبرني محمود ساخرًا.
قال لي في الطريق:
— لا أثق به.
— ولماذا؟
— لأنه ظهر في حياة أمي قبل عامين، ثم صار سكرتيرها، ثم زوجها. كل شيء عنده يحدث بسرعة.
ابتسمت.
— ربما يحبها.
ضحك محمود.
— الحب لا يجعل الرجل يقرأ دفاتر حسابات زوجته قبل أن يقرأ رسائلها.
عندما وصلنا، استقبلتنا زينب في الصالة الكبرى.
كانت امرأة مستقيمة الظهر، رغم عمرها، ذات صوت هادئ لا يحتاج إلى ارتفاع كي يُطاع.
إلى جانبها جلس عبد الفتاح.
وبالقرب من النافذة كان توفيق، الابن الأصغر، يقلب صفحات كتاب دون أن يقرأه.
أما مريم، زوجة محمود، فكانت تراقب الجميع بصمت.
وفي آخر الصالة وقفت نور، سكرتيرة زينب، تحمل دفترًا أسود.
قالت زينب:
— أهلاً بك يا أحمد. سمعت عن عملك في الشمال.
— كان عملًا طويلًا يا سيدتي.
— إذن أنت تعرف شيئًا عن المرض والموت.
ترددت لحظة.
— أكثر مما كنت أتمنى.
ابتسمت.
— ستحتاج إلى هذه المعرفة هنا.
نظرتُ إليها مستغربًا.
لكنها لم تفسر.
في تلك الليلة، وبعد العشاء، سمعت أصواتًا خلف باب المكتب.
كان صوت زينب واضحًا:
— لن أغيّر الوصية تحت الضغط يا عبد الفتاح.
ثم جاء صوته منخفضًا:
— أنا لا أضغط عليكِ. أحاول أن أحمي ما يخصني.
— ما يخصك هو ما أقرره أنا، ما دمت حيّة.
حل الصمت.
ثم قالت:
— وهناك شيء آخر يجب أن تعرفه. غدًا سأفتح الدفاتر القديمة.
لم أسمع جوابًا.
ابتعدت عن الباب.
وفي الصباح، علمت أن زينب أرسلت إلى محامٍ من بغداد ليحضر إلى القصر في اليوم التالي.
ولم أعرف آنذاك أن تلك الدفاتر القديمة كانت ستقتلها.
الفصل الثاني: الليلة التي تغيّر فيها كل شيء
كان السادس عشر من تموز.
يومًا حارًا، ساكنًا، لا يشبه الأيام التي تسبق الموت.
في الظهيرة، رأيت زينب في مكتبها مع نور.
كانت أمامها مجموعة من الدفاتر القديمة وصندوق خشبي صغير.
قالت لي حين دخلت:
— تعال يا أحمد. أريد رأيك في أمر.
اقتربت.
فتحت دفترًا أصفر.
— هذه حسابات منذ اثني عشر عامًا. وجدت فيها مبالغ لا أذكر أنني صرفتها.
قلت:
— ربما أخطأ المحاسب.
هزت رأسها.
— الأخطاء لا تتكرر بالمبالغ نفسها.
نظرت إلى نور.
كانت الأخيرة شاحبة.
قالت زينب:
— اتركي الدفتر.
خرجت نور.
بعد لحظات، قالت زينب:
— أتعرف ما أخشاه يا أحمد؟
— ماذا؟
— ليس أن يسرق أحد مالي.
أغلقت الدفتر.
— أخشى أن أكون قد وثقت بالشخص الخطأ.
في المساء، اجتمعت الأسرة.
كان التوتر واضحًا.
قالت زينب:
— سيأتي الأستاذ كامل غدًا لمراجعة بعض الأوراق.
رفع محمود رأسه.
— أي أوراق؟
— أموري الخاصة.
قال عبد الفتاح:
— لا داعي لإقحام المحامي في كل شيء.
نظرت إليه.
— بل هناك داعٍ.
ساد الصمت.
ثم غادرت زينب المائدة.
بعد قليل، رأيتها تدخل جناحها ومعها نور.
كانت تحمل علبة دواء صغيرة.
قالت نور:
— موعد الدواء يا سيدتي.
أجابت زينب:
— ضعيه بجانب السرير.
ثم دخل عبد الفتاح.
بعد دقائق خرج وحده.
سألته:
— هل كل شيء بخير؟
قال:
— زوجتي تحب تضخيم الأمور.
وفي منتصف الليل تقريبًا، استيقظت على صرخة.
خرجت إلى الممر.
كان محمود وتوفيق ونور أمام باب غرفة زينب.
قال محمود:
— الباب مقفل!
سمعنا صوت ارتطام من الداخل.
اندفع توفيق نحو الباب.
— أمي!
لم يجب أحد.
كُسر الباب.
كانت زينب على سريرها، تتشنج بعنف.
أسرعت إليها.
لاحظت شيئًا غريبًا قبل أن أقترب.
كوب الماء على الطاولة كان ممتلئًا تقريبًا.
وعلبة الدواء كانت مفتوحة.
بدأت أقدم الإسعاف، لكن حالتها كانت تتدهور بسرعة.
دخل عبد الفتاح بعد لحظات، مرتديًا ثيابه كاملة.
قلت:
— أين كنت؟
نظر إليّ.
— في الخارج.
— منذ متى؟
— منذ العشاء.
وقبل أن أطرح سؤالًا آخر، فتحت زينب عينيها.
نظرت إليّ.
ثم إلى نور.
ثم مدت يدها نحو علبة الدواء.
همست:
— العهد…
ثم ماتت.
الفصل الثالث: الغرفة المغلقة
وصل الطبيب في الصباح.
وبعد الفحص الأولي قال:
— الوفاة غير طبيعية.
لم يزد.
أما أنا فكنت متأكدًا من شيء واحد:
زينب لم تمت بسبب مرض مفاجئ.
كانت الأعراض تشير إلى تسمم شديد، لكن المادة لم تكن معروفة بعد.
استدعيت صديقي إبراهيم العفيفي.
كان إبراهيم ضابط تحقيق متقاعدًا، عرفته في الشمال، ولم يكن يحب الأدلة الصاخبة.
كان يقول دائمًا:
«القاتل يترك آثارًا كثيرة، لكنه لا يعرف أيها سيخونه.»
وصل قبل الظهر.
دخل الغرفة دون أن يسأل أحدًا عن الجريمة.
ظل صامتًا دقائق.
ثم قال:
— من كان آخر شخص دخل هنا؟
قال محمود:
— نور.
— وبعدها؟
— عبد الفتاح.
هز إبراهيم رأسه.
اقترب من النافذة.
كانت مغلقة من الداخل.
تفحص المزلاج.
ثم نظر إلى الأرض.
— لماذا توجد شمعة هنا؟
قلت:
— زينب لا تستخدم الشموع.
ابتسم.
— إذن شخص آخر استخدمها.
وجد بجانب الستارة خيطًا أخضر.
رفعَه بين إصبعيه.
— لمن هذا؟
قال توفيق:
— عبد الفتاح كان يرتدي معطفًا أخضر أمس.
التفت إبراهيم إليه.
— هل أنت متأكد؟
— رأيته في المساء.
سجل إبراهيم المعلومة.
ثم فتح علبة الدواء.
كانت تحتوي على أقراصها المعتادة.
قلبها واحدًا واحدًا.
ثم توقف.
— أين بقية الأقراص؟
قالت نور:
— كانت تتناول قرصًا واحدًا كل ليلة.
— ومن كان يحضرها؟
— أنا.
نظر إليها طويلًا.
ثم أغلق العلبة.
دخل البستاني أبو صالح يحمل خبرًا آخر.
قال إنه رأى شخصًا يخرج من الباب الخلفي قرابة منتصف الليل.
— هل عرفت من كان؟
— لا. كان الظلام شديدًا.
— هل رأيت شيئًا؟
فكر الرجل.
— كان يحمل فانوسًا.
ثم أضاف:
— وكان يرتدي شيئًا أخضر.
نظر إبراهيم إليّ.
لم يقل شيئًا.
في المساء، وصل المحامي كامل.
وأخبرنا أن زينب كانت قد طلبت منه إعداد وصية جديدة.
قال:
— لكنها لم توقعها.
سأله إبراهيم:
— ولصالح من كانت؟
أجاب:
— لا أعرف.
ثم أضاف:
— لكنها قالت لي جملة غريبة.
— ماذا قالت؟
— قالت: «أريد أن أمنح كل شخص حقه، حتى لو كان ذلك الحق سيغضب أقرب الناس إليّ.»
نظر إبراهيم إلى الجميع.
ثم قال:
— الآن أصبح لدينا دافع.
لكننا لم نكن نملك القاتل.
الفصل الرابع: الرجل الذي اتُّهم
في اليوم التالي، اكتشفت الشرطة أن عبد الفتاح كان قد غادر القصر ليلًا.
وأكد صاحب محطة النقل أنه رآه قرب الطريق المؤدي إلى بغداد.
كما عُثر في غرفته على دفتر حسابات، وبعض الأوراق المتعلقة بأملاك زينب.
وفي حقيبته وُجدت لحية مستعارة.
قال محمود:
— انتهى الأمر.
لكن إبراهيم لم يقتنع.
أمسك باللحية المستعارة.
ثم قال:
— لماذا يحتاج رجل إلى التنكر إذا كان يستطيع ارتكاب الجريمة بوجهه الحقيقي؟
لم يجب أحد.
وفي تلك الليلة، عثروا على زجاجة صغيرة في سيارة عبد الفتاح.
كان عليها أثر مادة دوائية.
وبعد ساعات، صدر أمر بالقبض عليه.
قبل أن يُقتاد، نظر إلى إبراهيم وقال:
— أنا مذنب في أشياء كثيرة، لكنني لم أقتلها.
قال إبراهيم:
— صدقت.
تفاجأ الجميع.
قلت:
— ماذا؟
قال:
— الرجل يكذب، لكن ليس في هذه النقطة.
ثم التفت إليّ:
— أحمد، تعال معي.
ذهبنا إلى غرفة زينب.
قال:
— انظر إلى الطاولة.
كانت علبة الدواء في مكانها.
قال:
— ماذا قالت زينب قبل موتها؟
— «العهد».
— لماذا لم تقل اسم القاتل؟
— ربما لم تستطع.
هز رأسه.
— لا. أظن أنها كانت تقول لنا أين نبحث.
فتح علبة الدواء.
ثم قال:
— «العهد» ليس شخصًا.
تأمل الأقراص.
— إنه ما كانت تعتبره عهدًا.
تذكرت حديثها عن الدفاتر.
ذهبنا إلى مكتبها.
فتحنا الصندوق الخشبي.
كانت هناك دفاتر قديمة، ورسائل، وسجل لتحويلات مالية.
وفي آخر صفحة وجدنا أسماء.
توقفت عيناي عند اسم:
نور.
كانت هناك مبالغ صغيرة خرجت من حساب زينب على مدى سنوات، ثم أعيد بعضها.
قلت:
— اختلاس؟
قال إبراهيم:
— ربما.
ثم رأينا شيئًا آخر.
ورقة بخط زينب:
«أعرف الآن من كان يأخذ المال. وغدًا سأواجهه.»
تحتها تاريخ السادس عشر من تموز.
قال إبراهيم:
— لم تكن الوصية هي سبب الجريمة.
— إذن ماذا؟
— كانت الورقة التي ستكشف السر.
ثم سأل:
— أين نور؟
بحثنا عنها.
لم نجدها.
قال الخادم إنها خرجت قبل ساعة بحجة زيارة صديقة.
نظر إبراهيم إلى الساعة.
ثم قال:
— لم تهرب.
— كيف عرفت؟
— لأنها لو هربت، لأخذت شيئًا مهمًا.
أشار إلى المكتب.
— لكنها تركت الدفاتر.
ثم ابتسم.
— إنها عادت.
الفصل الخامس: ما لم يره أحد
عادت نور بعد منتصف الليل.
كانت تحمل حقيبة صغيرة.
اعترض طريقها إبراهيم.
— إلى أين؟
ارتبكت.
— كنت عند قريبتي.
— هذا ليس صحيحًا.
صمتت.
قال:
— لكن كذبك ليس سبب استدعائك.
رفع الدفتر أمامها.
— أريد أن أعرف لماذا كانت زينب تراجع حساباتك.
تغير وجهها.
— لم أسرقها.
— لم أقل إنك سرقتها.
جلست.
قالت:
— كنت آخذ المال.
— لماذا؟
— لأبي.
صمت إبراهيم.
— كان مريضًا، وكانت الديون تتراكم. أخذت مبالغ صغيرة، وكنت أعيدها كلما استطعت.
قالت وهي تبكي:
— زينب اكتشفت الأمر.
— وماذا قالت؟
— قالت إنها ستسامحني إن أخبرتها بالحقيقة.
— لكنها كتبت أنها ستواجهك.
هزت رأسها.
— كانت ستفعل، نعم.
سألها:
— ماذا فعلتِ ليلة موتها؟
— أعطيتها الدواء.
— ثم؟
— خرجت.
— هل دخل عبد الفتاح بعدها؟
— نعم.
— وماذا كان يحمل؟
ترددت.
— كوب ماء.
نظر إبراهيم إليّ.
ثم عاد إليها:
— لماذا كذبتِ بشأن خروجك؟
قالت:
— لأنني كنت خائفة.
في تلك اللحظة دخل الطبيب.
كان يحمل تقرير التحليل.
قال:
— المادة السامة لم تكن في الماء.
رفع إبراهيم عينيه.
— هل أنت متأكد؟
— نعم. الماء خالٍ منها.
ساد الصمت.
ثم قال إبراهيم:
— إذن علينا أن نبحث في الشيء الذي لم يشك فيه أحد.
نظر إلى علبة الدواء.
طلب فحصها.
وبعد ساعات جاء التقرير.
كانت إحدى الحبات مختلفة عن بقية الحبوب.
قال الطبيب:
— هذه هي التي احتوت على المادة السامة.
لكن السؤال بقي:
من استبدل الحبة؟
كانت نور هي الوحيدة التي تحضر الدواء.
لكن ذلك لا يكفي.
لأن إبراهيم لاحظ شيئًا آخر.
في دفتر زينب، بجانب اسم نور، كان هناك سطر كتبته قبل ساعات من موتها:
«سامحتها.»
قال إبراهيم:
— لو كانت نور القاتلة، فلماذا تكتب زينب أنها سامحتها؟
ثم فتح الرسالة الأخيرة.
كانت موجهة إلى المحامي كامل.
«الأستاذ كامل،
لا أريد أن أعاقب نور. لقد عرفت سبب ما فعلته. لكنني اكتشفت شيئًا أخطر. هناك شخص آخر استغل حساباتي منذ سنوات، وستجد اسمه في الدفتر الأزرق.»
بحثنا عن الدفتر الأزرق.
لم يكن موجودًا.
وهنا فهمنا.
القاتل لم يقتل زينب بسبب نور.
قتلها لأنه كان يخشى أن تفتح الدفتر الأزرق.
قال إبراهيم:
— أين كان الدفتر آخر مرة؟
أجاب الخادم:
— في مكتبها.
— ومن يملك مفتاح المكتب؟
قال:
— ثلاثة أشخاص.
محمود.
عبد الفتاح.
ونور.
لكن نور كانت قد اعترفت بسرها.
وعبد الفتاح كان في الخارج.
بقي شخص واحد.
الفصل السادس: الدفتر الأزرق
جمع إبراهيم الجميع في الصالة.
كان محمود واقفًا قرب النافذة.
مريم بجانبه.
توفيق جالسًا بصمت.
نور شاحبة.
أما عبد الفتاح، فقد أُحضر من مركز الشرطة للاستماع إلى أقوال المحقق.
وضع إبراهيم الدفتر الأزرق على الطاولة.
قال محمود:
— من أين وجدته؟
ابتسم إبراهيم.
— لم أجده.
تغير وجه محمود.
تابع:
— لأنني أعرف الآن أنه لم يكن في مكتب زينب أصلًا.
صمت الجميع.
— الدفتر أُخرج قبل موتها.
نظر إلى محمود.
— وأنت الوحيد الذي كنت تملك سببًا لذلك.
قال محمود:
— هذا جنون.
— ليس تمامًا.
أخرج إبراهيم ورقة.
— زينب اكتشفت أن أموالًا من أملاك العائلة كانت تُحوّل إلى حسابات وهمية منذ سبع سنوات.
قال محمود:
— لا أعرف شيئًا عن ذلك.
— بل تعرف.
وضع الورقة أمامه.
— لأن الحساب الذي كانت الأموال تذهب إليه مرتبط بشركة تملكها أنت.
ساد الصمت.
قالت مريم:
— محمود؟
لم يجب.
تابع إبراهيم:
— نور كانت تسرق مبالغ صغيرة لإنقاذ أبيها، وهذا جعلها تبدو مذنبة. عبد الفتاح كان يخفي ديونه وزواجه السابق، ولذلك بدا مذنبًا أيضًا. أما أنت، فقد تركت الاثنين يبدوان كأنهما يخفيان الجريمة.
ارتجف وجه محمود.
قال:
— ليس لديك دليل.
— لدي.
رفع إبراهيم علبة الدواء.
— زينب كانت تأخذ دواءها في موعد ثابت. نور وضعت الحبوب أمامها، لكنها لم تستبدل الحبة. الشخص الذي استبدلها كان يعرف أن نور ستُتهم، وأن عبد الفتاح سيكون المشتبه الأول.
ثم أخرج إبراهيم شيئًا صغيرًا.
مفتاح المكتب.
قال:
— وجدته في جيب معطفك.
نظر محمود إلى مريم.
ثم إلى الأرض.
لم يعد قادرًا على الكلام.
قال إبراهيم:
— ليلة الجريمة، دخلت مكتب أمك وأخذت الدفتر الأزرق. ثم دخلت جناحها بحجة الحديث معها. وضعت الحبة المسمومة بين أدويتها، وغادرت. لكنك ارتكبت خطأ واحدًا.
رفع الخيط الأخضر.
— هذا ليس من معطف عبد الفتاح.
نظر الجميع.
قال إبراهيم:
— إنه من بطانة معطفك. مزقته عند مزلاج الباب عندما خرجت من غرفة أمك.
اقترب محمود من النافذة.
قال بصوت منخفض:
— كانت ستفضحني.
قالت مريم:
— لماذا؟
أجاب دون أن ينظر إليها:
— لأنني لم أعد أملك شيئًا. الديون أكلت كل شيء. كنت أستدين من أموالها وأسدد بها ديوني. وعندما قررت مراجعة الحسابات، عرفت أنني انتهيت.
قال إبراهيم:
— فقتلتها.
هز محمود رأسه.
— لم أكن أريد قتلها.
قال إبراهيم:
— معظم القتلة يقولون ذلك بعد فوات الأوان.
ثم التفت إلى عبد الفتاح.
— أما أنت، فقد كذبت بشأن خروجك لأنك كنت تقابل امرأة في بغداد لتسوية ديونك. وأخفيت زواجك السابق لأنك خشيت أن تطردك زينب من البيت. لقد كنت مذنبًا، لكن ليس في الجريمة.
نظر عبد الفتاح إلى الأرض.
أما نور، فكانت تبكي.
قال إبراهيم:
— والجريمة الحقيقية كانت ستظل لغزًا لو لم تترك زينب كلمة واحدة.
تذكرت.
العهد.
قالت نور:
— ماذا كانت تقصد؟
أجاب إبراهيم:
— كانت تقصد عهدها إلى نفسها بأن تحمي من ائتمنتهم، حتى لو أخطأوا. كانت تقول إن المال يمكن تعويضه، أما الإنسان فلا.
غادرنا القصر بعد أيام.
لم يعد بيت المرادي كما كان.
أُغلقت غرفة زينب، وحُملت دفاترها إلى المحكمة.
أما مريم، فبقيت في القصر.
وفي صباح رحيلي، وقفت عند البوابة.
قال لي إبراهيم:
— أتدري ما أغرب ما في هذه القضية؟
— ماذا؟
— لم يكن أصعب شيء أن نعرف من قتلها.
نظرت إليه.
— بل أن نعرف لماذا كان كل شخص في ذلك البيت يكذب.
صمت قليلًا، ثم قال:
— الحقيقة لا تختبئ دائمًا خلف الكذب. أحيانًا تختبئ بسببه.
ركبت القطار عائدًا إلى بغداد.
كانت النخيل تتراجع خلف النافذة، والريح القادمة من الجنوب تحمل رائحة التراب والماء.
وللمرة الأولى منذ سنوات، لم أفكر في الموت.
فكرت في البيوت القديمة.
كيف تحفظ أصوات أهلها طويلًا.
وكيف يمكن لسر صغير، مكتوب في دفتر أزرق، أن يبقى صامتًا سبع سنوات…
ثم يفتح بابًا لم يكن أحد يريد أن يراه.
تمّت.

تعليقات
إرسال تعليق