آخر فرسان النار

📅 سبتمبر 06, 2026

 آخر فرسان النار

الفصل الأول: حين دقّ جرس النار


قبل أن تعرف الرياض صوت السيارات، كان للمدينة أصوات أخرى.

صوت حوافر الخيل فوق التراب.

صوت أبواب الخشب وهي تُغلق مع غروب الشمس.

وصوت المؤذن حين يتردد بين البيوت الطينية، فيعود من بعيد كأنه يأتي من آخر الحارة.

لكن راشد بن هويمل كان يعرف صوتًا واحدًا أكثر من غيره.

جرس النار.

كان إذا دقّ، نهض قبل أن يفكر.

لا يسأل أين الحريق.

ولا من أشعل النار.

ولا كم بيتًا التهمت.

كان يمد يده إلى شماغه، يلفه بسرعة، ثم يخرج.

أربعون عامًا جعلت جسده يتذكر ما ينساه العقل.

وفي ذلك الصباح، كان راشد جالسًا أمام دكان صغير في طرف السوق، يحتسي قهوته ببطء.

كان في السابعة والخمسين، لكن وجهه بدا أكبر من عمره. تجاعيد عميقة حفرتها الشمس والسنوات، وشارب أبيض بدأ يغزو أطرافه، وعينان ضيقتان لا يفوتهما شيء.

وضع الفنجال أمامه وقال:

— النار لها ريحة قبل لا تشوفها.

ضحك صديقه مبارك.

— يا راشد، أنت تقول هالكلام من ثلاثين سنة.

رفع راشد عينيه إليه.

— ومن ثلاثين سنة والنار ما كذبتني.

ابتسم مبارك، ثم سكت.

في الجهة المقابلة من السوق كان شيء غريب يتحرك.

لم يكن حصانًا.

ولم يكن عربة.

كان جسمًا أسود ضخمًا، يخرج من مقدمته دخان خفيف، ويتحرك ببطء وسط الطريق.

توقفت حركة السوق.

الأطفال اقتربوا.

الرجال خرجوا من الدكاكين.

حتى الحمير تراجعت إلى جانب الطريق.

حدق راشد في الآلة طويلًا.

ثم وضع الفنجال على الأرض.

— وش هذا؟

قال مبارك:

— سيارة.

— أعرف إنها سيارة.

— أجل وش تسأل؟

لم يجب راشد.

كانت السيارة تتقدم ببطء، يقودها شاب يرتدي بدلة داكنة، وبجانبه رجل آخر يحمل أوراقًا.

توقفت أمام مبنى الإدارة.

نزل الرجلان.

وبعد دقائق، انتشر الخبر في السوق.

وصلت سيارة إطفاء جديدة.

ظل راشد جالسًا.

لم يتحرك.

قال مبارك:

— يقولون إنها أسرع من الخيل.

رد راشد:

— الخيل تعرف الطريق.

— والسيارة تعرف.

— الخيل تسمع الرجل اللي يسوقها.

ضحك مبارك.

— والسيارة؟

نظر راشد إلى السيارة.

كان محركها يصدر صوتًا متقطعًا، كأنه رجل يلهث.

قال بهدوء:

— السيارة ما تسمع أحد.


في المساء، اجتمع رجال الإطفاء في الساحة القديمة.

كان حصان راشد، «وضحان»، مربوطًا قرب السور.

حصان أشهب، قوي الرقبة، عريض الصدر.

اقترب منه راشد ومسح على عنقه.

— سمعت؟

حرّك وضحان أذنيه.

ابتسم راشد.

— جابوا لنا واحدًا جديدًا.

كان يقصد السيارة.

وقف خلفه أحد الشباب، واسمه ناصر.

كان في الرابعة والعشرين، سريع الحركة، كثير الكلام، ويمثل الجيل الذي بدأ يرى العالم بطريقة مختلفة.

قال:

— يا عم راشد، لا تزعل.

التفت إليه راشد.

— أنا زعلان؟

— شكلك زعلان.

— أنا بس أشوف.

— وش تشوف؟

نظر راشد إلى السيارة.

ثم قال:

— أشوف زمنًا مستعجلًا.

لم يفهم ناصر.

— وش يعني؟

ربت راشد على رقبة وضحان.

— يعني بيجي يوم ما عاد أحد يعرف قيمة هالحيوان.

ابتسم ناصر.

— ويمكن يجي يوم ما عاد أحد يحتاجه.

توقفت يد راشد.

رفع عينيه إليه.

كان يمكن أن يغضب.

لكنه لم يفعل.

قال:

— كل شيء له يوم.

ثم أضاف:

— حتى الإنسان.

ساد الصمت.

وفجأة…

دق الجرس.

ضربة واحدة.

ثم ثانية.

ثم بدأ يقرع بعنف.

رفع راشد رأسه.

لم يحتج أحد إلى أن يخبره.

النار.

اندفع الرجال.

شد ناصر اللجام.

قفز راشد إلى العربة.

وانطلق وضحان.

في تلك اللحظة، بدأ المحرك الجديد يعمل أيضًا.

خرجت السيارة خلفهم.

صوت حوافر الخيل كان يضرب الأرض بإيقاع ثابت.

وصوت المحرك يزمجر خلفه.

كانا صوتين لعصرين مختلفين.

وللمرة الأولى…

كان راشد يسمع المستقبل يركض خلفه.


وصلوا إلى الحريق.

كان مستودعًا صغيرًا في آخر السوق.

النار تصعد من النوافذ.

والدخان يغطي السماء.

صرخ أحد الرجال:

— فيه ناس بالداخل!

لم يتردد راشد.

نزل من العربة، وغطى وجهه بقطعة قماش، ثم اندفع نحو الباب.

صرخ ناصر:

— عم راشد! انتظر!

لكنه كان قد اختفى داخل الدخان.

ثوانٍ.

ثم خرج يحمل طفلًا بين ذراعيه.

أعطاه لأبيه.

عاد مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

وعندما خرج للمرة الرابعة، كان السقف قد بدأ ينهار.

صرخ الجميع.

— راشد!

رفع رأسه.

نظر إلى النار.

ثم إلى السيارة الجديدة.

كان رجالها يحاولون تشغيل المضخة.

لم تعمل.

ابتسم راشد ابتسامة صغيرة.

وقال:

— قلت لكم…

ثم التفت إلى وضحان.

— الخيل تعرف الطريق.

وفي اللحظة التي سقط فيها جزء من السقف، اندفع راشد إلى الداخل مرة أخرى.

لكن هذه المرة…

لم يكن وحده.

كان ناصر خلفه.

ومن بعيد، بدأ محرك السيارة يعمل.

دون أن يدرك أحد، كانت المدينة تشهد أول لحظة يتعاون فيها الماضي مع المستقبل.

وكان راشد بن هويمل…

لا يعرف بعد أن ذلك الحريق لن يكون آخر حريق يخوضه.

بل سيكون بداية الحريق الذي سيغيّر حياته كلها.

تعليقات