قصة آخر فرسان النار

قصة 📅 سبتمبر 06, 2026
قصة قصيرة عن راشد آخر فرسان الإطفاء بالخيل في الرياض القديمة، حين تصل أول سيارة إطفاء للسوق فيصطدم زمن الحصان وضحان بزمن المحرك، ويدق جرس النار ليكشف أن البطولة ليست في سرعة الآلة بل في قلب يعرف الطريق ولا يهابها.

الفصل الأول: حين دقّ جرس النار

«بعض الرجال لا يخشون النار، بل يخشون أن يأتي يوم لا يحتاج فيه أحد إلى شجاعتهم».

قبل أن تعرف الرياض صوت السيارات، كان للمدينة أصوات أخرى. صوت حوافر الخيل فوق التراب. صوت أبواب الخشب وهي تُغلق مع غروب الشمس. وصوت المؤذن حين يتردد بين البيوت الطينية، فيعود من بعيد كأنه يأتي من آخر الحارة. لكن راشد كان يعرف صوتًا واحدًا أكثر من غيره. جرس النار. كان إذا دقّ، نهض قبل أن يفكر. لا يسأل أين الحريق، ولا من أشعل النار، ولا كم بيتًا التهمت. كان يمد يده إلى شماغه، يلفه بسرعة، ثم يخرج. أربعون عامًا جعلت جسده يتذكر ما ينساه العقل. وفي ذلك الصباح، كان راشد جالسًا أمام دكان صغير في طرف السوق، يحتسي قهوته ببطء. كان في السابعة والخمسين، لكن وجهه بدا أكبر من عمره. تجاعيد عميقة حفرتها الشمس والسنوات، وشارب أبيض بدأ يغزو أطرافه، وعينان ضيقتان لا يفوتهما شيء. وضع الفنجال أمامه وقال: «النار لها ريحة قبل لا تشوفها». ضحك صديقه مبارك وقال: «يا راشد، أنت تقول هالكلام من ثلاثين سنة». رفع راشد عينيه إليه. «ومن ثلاثين سنة والنار ما كذبتني». ابتسم مبارك، ثم سكت. في الجهة المقابلة من السوق كان شيء غريب يتحرك. لم يكن حصانًا. ولم يكن عربة. كان جسمًا أسود ضخمًا، يخرج من مقدمته دخان خفيف، ويتحرك ببطء وسط الطريق. توقفت حركة السوق. الأطفال اقتربوا، والرجال خرجوا من الدكاكين، حتى الحمير تراجعت إلى جانب الطريق. حدق راشد في الآلة طويلًا، ثم وضع الفنجال على الأرض. «وش هذا؟» قال مبارك: «سيارة». «أعرف إنها سيارة». «أجل وش تسأل؟» لم يجب راشد. كانت السيارة تتقدم ببطء، يقودها شاب يرتدي بدلة داكنة، وبجانبه رجل آخر يحمل أوراقًا. توقفت أمام مبنى الإدارة. نزل الرجلان. وبعد دقائق، انتشر الخبر في السوق. وصلت سيارة إطفاء جديدة. ظل راشد جالسًا. لم يتحرك. قال مبارك: «يقولون إنها أسرع من الخيل». رد راشد: «الخيل تعرف الطريق». «والسيارة تعرف». «الخيل تسمع الرجل اللي يسوقها». ضحك مبارك. «والسيارة؟» نظر راشد إلى السيارة. كان محركها يصدر صوتًا متقطعًا، كأنه رجل يلهث. قال بهدوء: «السيارة ما تسمع أحد». في المساء، اجتمع رجال الإطفاء في الساحة القديمة. كان حصان راشد، «وضحان»، مربوطًا قرب السور. حصان أشهب، قوي الرقبة، عريض الصدر. اقترب منه راشد ومسح على عنقه. «سمعت؟» حرّك وضحان أذنيه. ابتسم راشد. «جابوا لنا واحدًا جديدًا». كان يقصد السيارة. وقف خلفه أحد الشباب، واسمه ناصر. كان في الرابعة والعشرين، سريع الحركة، كثير الكلام، ويمثل الجيل الذي بدأ يرى العالم بطريقة مختلفة. قال: «يا عم راشد، لا تزعل». التفت إليه راشد. «أنا زعلان؟» «شكلك زعلان». «أنا بس أشوف». «وش تشوف؟» نظر راشد إلى السيارة. ثم قال: «أشوف زمنًا مستعجلًا». لم يفهم ناصر. «وش يعني؟» ربت راشد على رقبة وضحان. «يعني بيجي يوم ما عاد أحد يعرف قيمة هالحيوان». ابتسم ناصر. «ويمكن يجي يوم ما عاد أحد يحتاجه». توقفت يد راشد. رفع عينيه إليه. كان يمكن أن يغضب، لكنه لم يفعل. قال: «كل شيء له يوم». ثم أضاف: «حتى الإنسان». ساد الصمت. وفجأة، دق الجرس. ضربة واحدة. ثم ثانية. ثم بدأ يقرع بعنف. رفع راشد رأسه. لم يحتج أحد إلى أن يخبره. النار. اندفع الرجال. شد ناصر اللجام. قفز راشد إلى العربة. وانطلق وضحان. في تلك اللحظة، بدأ المحرك الجديد يعمل أيضًا. خرجت السيارة خلفهم. صوت حوافر الخيل كان يضرب الأرض بإيقاع ثابت. وصوت المحرك يزمجر خلفه. كانا صوتين لعصرين مختلفين. وللمرة الأولى، كان راشد يسمع المستقبل يركض خلفه. وصلوا إلى الحريق. كان مستودعًا صغيرًا في آخر السوق. النار تصعد من النوافذ، والدخان يغطي السماء. صرخ أحد الرجال: «فيه ناس بالداخل!» لم يتردد راشد. نزل من العربة، وغطى وجهه بقطعة قماش، ثم اندفع نحو الباب. صرخ ناصر: «عم راشد! انتظر!» لكنه كان قد اختفى داخل الدخان. ثوانٍ. ثم خرج يحمل طفلًا بين ذراعيه. أعطاه لأبيه. عاد مرة أخرى. ثم مرة ثالثة. وعندما خرج للمرة الرابعة، كان السقف قد بدأ ينهار. صرخ الجميع: «راشد!» رفع رأسه. نظر إلى النار. ثم إلى السيارة الجديدة. كان رجالها يحاولون تشغيل المضخة. لم تعمل. ابتسم راشد ابتسامة صغيرة. وقال: «قلت لكم…» ثم التفت إلى وضحان. «الخيل تعرف الطريق». وفي اللحظة التي سقط فيها جزء من السقف، اندفع راشد إلى الداخل مرة أخرى. لكن هذه المرة، لم يكن وحده. كان ناصر خلفه. ومن بعيد، بدأ محرك السيارة يعمل. دون أن يدرك أحد، كانت المدينة تشهد أول لحظة يتعاون فيها الماضي مع المستقبل. وكان راشد لا يعرف بعد أن ذلك الحريق لن يكون آخر حريق يخوضه. بل سيكون بداية الحريق الذي سيغيّر حياته كلها.

الفصل الثاني: وسط اللهب

«أشدّ ما يخشاه الإنسان أن يكتشف أن شجاعته لم تعد تكفي وحدها».

دخل راشد المستودع للمرة الخامسة، وناصر خلفه بخطوتين. كان الدخان قد ابتلع الممر، ولم يعد الضوء القادم من الباب يكشف إلا أطراف الصناديق المكدسة على الجانبين. سمع راشد خشبًا يتشقق فوق رأسه. توقف، ومد ذراعه ليمنع ناصرًا من التقدم. قال ناصر وهو يسعل: «يا عم راشد، السقف بيطيح!» لم يلتفت إليه. كان يصغي إلى شيء آخر. من وراء الجدار الداخلي جاء صوت خافت، يشبه الأنين. «سمعت؟» هز ناصر رأسه. «ما سمعت إلا النار». أشار راشد إلى الجدار. «فيه أحد». تقدم بحذر، يتلمس طريقه بيده، حتى وصل إلى باب خشبي نصف مغلق. دفعه بكتفه فلم يتحرك. كانت إحدى العوارض قد سقطت أمامه، وحشرت الباب في موضعه. حاول مرة أخرى. ارتج الباب قليلًا. ومن خلفه جاء صوت رجل: «يا ناس!» اقترب ناصر. «فيه رجال داخل!» قال راشد: «دور لي شي نرفع به الخشبة». نظر ناصر حوله، فرأى قضيبًا حديديًا طويلًا بجانب أكياس ممزقة. أمسكه وعاد مسرعًا. أدخل راشد طرف القضيب تحت العارضة، بينما دفع ناصر الطرف الآخر بكل قوته. ارتفع الخشب قليلًا. صرخ راشد: «الحين!» اندفع ناصر بكتفه نحو الباب. انفتح شبرًا، ثم أكثر. ظهر رجل مسن على الأرض، وقد علق طرف ثوبه تحت صندوق ثقيل. كان يحاول الوقوف، لكن ساقه لم تطاوعه. انحنى راشد إليه. «تقدر تمشي؟» هز الرجل رأسه. «رجلي… ما أقدر». نظر راشد إلى ناصر. «ارفع الصندوق». انحنى الاثنان، وأزاحاه بما يكفي لتحرير الثوب. ثم حمل راشد الرجل من تحت إبطيه، وساعده ناصر على الوقوف. في تلك اللحظة، سقطت قطعة مشتعلة من السقف، واستقرت أمام الباب. تراجع ناصر. «انقطع الطريق!» نظر راشد إلى الممر الذي دخلا منه. كانت النار قد امتدت إلى الصناديق القريبة، وأصبح الهواء أشد حرارة. لم يكن أمامهما متسع للتردد. قال راشد: «امسكه زين». أسند ناصر الرجل إلى كتفه. أما راشد فاقترب من القطعة المشتعلة، وحاول إزاحتها بالقضيب الحديدي. تحركت قليلًا، ثم علقت بين صندوقين. دفعها مرة ثانية. لسعت الحرارة وجهه، واضطر إلى التراجع. قال ناصر: «خلنا ندور مخرج ثاني». أجاب راشد: «ما نعرف المكان». «وهالطريق ما عاد ينفع». نظر راشد إليه. لم يكن في صوت الشاب خوف وحده، بل حكم واضح على ما يراه أمامه. وللمرة الأولى منذ دخوله المستودع، لم يجد راشد جوابًا سريعًا. خارج المستودع، كان مبارك يقف قرب وضحان، يحاول تهدئة الحصان الذي أخذ يضرب الأرض بحافره. كانت النار تتسع، والرجال يتراجعون عن الجدار كلما تساقط منه الطين المحترق. اقترب مبارك من السيارة. وجد أحد الرجال منحنياً فوق المضخة، يفحص وصلة معدنية عند جانبها. قال مبارك: «وش تنتظرون؟ الرجال داخل!» رفع الرجل رأسه. «المحرك شغال، بس المضخة ما تسحب الماء». «يعني وش؟» «يعني لو فتحنا الخرطوم الحين، ما يطلع منه شي». كان السائق قد رفع غطاء خزان الماء، ثم عاد إلى الرجل. قال: «يمكن دخل هوا في خط السحب». أجابه الآخر: «لازم نجهز المضخة أول». لم يفهم مبارك التفاصيل. كل ما فهمه أن الآلة التي قيل إنها أسرع من الخيل تقف عاجزة أمام مستودع يحترق. التفت إلى الباب. لم يظهر راشد. ولا ناصر. شد مبارك لجام وضحان، ثم نادى أحد الرجال: «جيبوا ماء عند الباب، لا تخلون النار تقفل عليهم!» في الداخل، كان راشد يفتش الجدار بعينيه. وجد نافذة صغيرة مرتفعة، يغطيها لوح خشبي قديم. أشار إليها. «ناصر، تشوفها؟» رفع ناصر رأسه. «أشوفها». «يمكن تطلع على الحوش اللي ورا». اقترب راشد من النافذة وضرب اللوح بالقضيب. لم ينكسر. ضربه مرة أخرى، فتصدع طرفه. ثم انتزع قطعة منه، فاندفع إلى الداخل هواء أبرد قليلًا. ظهرت خلف الفتحة بقعة من السماء. قال ناصر: «تفتح على برا!» لكن النافذة كانت ضيقة ومرتفعة، لا يستطيع الرجل المصاب بلوغها وحده. نظر راشد إلى الصناديق. كان بعضها قد اشتعل، وبعضها الآخر لا يزال سليمًا. سحب صندوقًا منخفضًا إلى أسفل النافذة. ساعده ناصر، ثم أسندا الرجل إليه. قال راشد: «اطلع أول يا ناصر، وخذ الرجال من الجهة الثانية». تردد الشاب. «وأنت؟» «أنا أدفعه لك». «ما أطلع وأخليك». اشتد صوت النار خلفهما. أمسك راشد بذراع ناصر. «اسمعني. ما عندنا وقت نتجادل». صعد ناصر فوق الصندوق، ورفع نفسه إلى النافذة. تعلق بالحافة، ثم دفع جسده بصعوبة حتى خرج إلى الفناء الخلفي. سمعه راشد يهبط على الأرض. «أنا برا!» رفع راشد الرجل المصاب بكل ما بقي في ذراعيه من قوة. كان الرجل يتألم، ويعتذر بين أنفاسه المتقطعة. قال له راشد: «لا تعتذر. بس ساعدني». أمسك ناصر بكتفي الرجل من الخارج. دفع راشد من الداخل. توقف جسد الرجل عند الحافة، ثم تحرك ببطء حتى تمكن ناصر من سحبه إلى الفناء. سمع راشد صوت سقوطهما على الأرض. ثم جاءه صوت ناصر: «طلعناه! تعال!» وضع راشد يده على الصندوق. حاول الصعود، لكنه شعر بألم حاد في ساقه اليمنى. نظر إلى أسفل. كان طرف ثوبه قد احترق، وظهرت على جلده بقعة حمراء داكنة. لم يعرف متى أصابته النار. رفع قدمه إلى الصندوق. انزلقت. حاول مرة أخرى، فارتجت ساقه. ومن خلفه جاء صوت انكسار ثقيل. التفت. انهارت عارضة من السقف فوق الممر، فارتفعت شرارات كثيرة، واندفعت موجة من الدخان نحوه. انحنى وهو يسعل. نادى ناصر من الخارج: «عم راشد!» حاول راشد الإجابة، لكن السعال قطع صوته. «عم راشد، رد علي!» رفع رأسه نحو النافذة. كانت قريبة بما يكفي ليراها، وبعيدة بما يكفي ليعجز عن بلوغها. للمرة الأولى منذ أربعين عامًا، شعر أن النار تسبقه. في الخارج، سمع ناصر صوت سقوط العارضة. ترك الرجل المصاب مستندًا إلى الجدار، وركض نحو زاوية الفناء. كان باب خشبي صغير يفصل الفناء عن ممر ضيق يصل إلى السوق. دفعه فلم ينفتح. ركله بقدمه، ثم ضرب مزلاجه بحجر حتى انكسر. خرج إلى الممر وهو ينادي: «يا رجال! من هنا!» سمعه مبارك. التفت نحو الصوت، ثم اندفع إليه مع رجلين. ظهر ناصر عند نهاية الممر، ووجهه أسود من الدخان. أمسكه مبارك من كتفيه. «وين راشد؟» قال ناصر وهو يلهث: «داخل. طلعنا رجال من الشباك، وراشد ما قدر يطلع». تغير وجه مبارك. «وش صار له؟» «رجله انحرقت». نظر مبارك إلى المستودع. كان الدخان يتصاعد من نافذته الخلفية. قال لأحد الرجلين: «هاتوا سلّم!» ركض الرجل. أما ناصر فعاد نحو الفناء. تبعه مبارك. كان الرجل المصاب جالسًا قرب الجدار، يحاول التقاط أنفاسه. اقترب ناصر من النافذة. «عم راشد!» جاءه صوت ضعيف من الداخل: «أنا هنا». تنفس ناصر بارتياح. «الرجال جايين. لا تتحرك». رد راشد: «ما عاد أقدر أتحرك كثير». لم يقلها ساخرًا. ولم يحاول أن يخفي التعب في صوته. جلس على الأرض تحت النافذة، وأسند ظهره إلى الجدار. كان الهواء الذي يدخل من الفتحة يمنحه فرصة للتنفس، لكن الدخان يزداد كثافة. مد يده إلى ساقه، ثم سحبها حين لامست موضع الحرق. تذكر كلام ناصر في الساحة. «ويمكن يجي يوم ما عاد أحد يحتاجه». لم يكن يعرف لماذا عادت إليه العبارة الآن. ربما لأن ساقه لم تعد تحمله. وربما لأن الشاب الذي اختلف معه قبل ساعات كان يقف في الخارج يبحث عن طريقة لإنقاذه. من جهة السوق، ارتفع صوت المحرك. ثم سمع راشد ضجيجًا آخر، متقطعًا في البداية، قبل أن يستقر. لم يعرف مصدره. أما ناصر، فقد رأى رجال السيارة يفتحون أحد الصمامات، ثم يندفع الماء من الخرطوم أخيرًا. صاح أحدهم: «اشتغلت!» اندفع الرجال بالخرطوم نحو الجهة الخلفية. لم يكن الماء كافيًا لإخماد المستودع كله، لكنه بدأ يضرب الخشب المشتعل حول النافذة ويخفض شدة اللهب. وصل الرجل الذي أُرسل لإحضار السلم. أسنده مبارك إلى الجدار، وثبته مع رجل آخر. صعد ناصر درجتين. قال مبارك: «خلني أنا». هز ناصر رأسه. «أنا أعرف وينه». صعد حتى بلغ النافذة. انحنى ونادى: «عم راشد، تسمعني؟» رفع راشد وجهه. رأى يد ناصر تمتد نحوه. قال بصوت مبحوح: «الفتحة ضيقة». «نوسعها». ناول مبارك الشاب قضيبًا حديديًا. أخذ ناصر يضرب أطراف الإطار الخشبي، بينما كان الماء يتساقط على الجدار من أعلى. انكسر أحد الجانبين. ثم الآخر. اتسعت الفتحة قليلًا. مد ناصر ذراعه مرة ثانية. «حاول توقف». وضع راشد كفه على الجدار، ودفع جسده ببطء. اشتعل الألم في ساقه. كاد يسقط، لكنه أمسك حافة الصندوق. قال ناصر: «لا تستعجل». ضحك راشد ضحكة قصيرة، أعقبها سعال. «أنت اللي تقول لي لا أستعجل؟» أجابه ناصر: «إيه. اليوم دوري». رفع راشد رأسه. رأى وجه الشاب فوق النافذة، وخلفه السماء التي بدأت تعتم. مد يده. أمسك ناصر بمعصمه. ومن أسفل السلم، صرخ مبارك: «شد حيلك يا راشد!» لم يستطع راشد أن يصعد وحده. ساعده ناصر على تثبيت قدمه السليمة فوق الصندوق، ثم جذب كتفه إلى حافة النافذة. دفع راشد بجسده مرة أخيرة. خرج رأسه أولًا، ثم كتفاه. تعلق للحظة بالإطار، قبل أن يساعده ناصر والرجلان على النزول إلى الفناء. ما إن لامست قدماه الأرض حتى خارت ساقه. أمسكه مبارك قبل أن يسقط. قال وهو يلهث: «يا ابن الحلال، أربعين سنة وأنت تدخل النار، ما شبعت؟» نظر راشد إليه. كان يريد أن يرد، لكنه لم يجد ما يقوله. جلس إلى جوار الجدار، بينما انشغل الرجال بتبريد موضع الحرق بالماء النظيف وتغطيته بقطعة قماش نظيفة. أغمض عينيه قليلًا. سمع أصوات الرجال، واندفاع الماء، وصرير الخشب المحترق. ثم سمع صوتًا يعرفه. صهيل وضحان. فتح عينيه. كان الحصان في الطرف الآخر من الممر، يمسك مبارك بلجامه. حاول راشد النهوض. وضع ناصر يده على كتفه. «وين تبي تروح؟» قال راشد: «وضحان». أجاب ناصر: «بخير. ما جاه شيء». ظل راشد ينظر إلى الحصان. كانت أذناه منتصبتين، وعيناه تتبعان حركة الرجال. أما السيارة فكانت تقف عند طرف السوق، ومحركها يعمل، ورجالها يواصلون توجيه الماء نحو المستودع. لم تعد الآلة صامتة. ولم يكن وضحان قد فقد مكانه. كان الاثنان هناك، كلٌّ بطريقته. جلس ناصر بجوار راشد. بقي صامتًا قليلًا، ثم قال: «لو ما دليتنا على الرجال، كان مات داخل». لم يرد راشد. أضاف ناصر: «ولو ما اشتغلت المضخة، ما قدرنا نطلعك بالوقت هذا». نظر إليه راشد. كانت العبارة بسيطة، خالية من التحدي الذي سمعه منه في الساحة. قال راشد: «ولو ما رجعت تدور علي، كان ما عرفتوا مكاني». خفض ناصر عينيه. «ما كنت بخليك». نظر راشد إلى يديه. كانتا ترتجفان قليلًا. حاول أن يقبضهما، فلم تتوقف الرجفة. لاحظ ناصر ذلك، لكنه لم يقل شيئًا. وبعد لحظة، سأله راشد: «وش صار للمستودع؟» قال ناصر: «النار محصورة في جهته الخلفية. والرجال يطفون الباقي». «والناس؟» «اللي طلعناهم بخير. والمصاب يحتاج يشوفه أحد يعالجه». أومأ راشد. ثم نظر إلى السيارة. قال بصوت منخفض: «طلعت تسمع». لم يفهم ناصر. «وش؟» أشار راشد بعينيه نحوها. «السيارة». ابتسم ناصر. «تسمع اللي يعرف يشغلها». ظل راشد ساكتًا. كان يستطيع أن يقول إن الخيل أسرع في الأزقة. وأن وضحان لم يتعطل حين احتاجوه. وأن أربعين عامًا لا يمكن أن تمحوها آلة وصلت هذا الصباح. كل ذلك كان صحيحًا في نظره. لكن شيئًا آخر صار صحيحًا أيضًا. حين عجزت ساقه عن حمله، لم يكن الطريق الذي يعرفه كافيًا ليعيده إلى الخارج. رفع عينيه إلى ناصر. قال: «بكرة تعلمني كيف تشتغل المضخة». اتسعت عينا الشاب. «صدق؟» قال راشد: «لا تخليني أعيد الكلام». ضحك ناصر. أما راشد فالتفت نحو وضحان، الذي كان واقفًا تحت ضوء المغيب، يضرب الأرض بحافره بين حين وآخر. مد يده نحوه من مكانه، كأنه يطمئنه. لم يكن يعرف بعد ما الذي ستفعله به الأيام القادمة. لكنه عرف شيئًا واحدًا في ذلك المساء. أن الرجل قد ينجو من النار، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة ما كان يخشاه خارجها. وحين نهض رجال الإطفاء لجمع معداتهم، بقي راشد جالسًا يراقبهم. كان جرس النار قد سكت. لكن صوت المحرك ظل يعمل في أذنيه طويلًا.

الفصل الثالث: صوتان لزمنين

«ليس كل ما نتركه خلفنا قد انتهى، ولا كل ما يأتي بعدنا جاء ليأخذ مكاننا».

في الصباح التالي، استيقظ راشد بقبل أن يؤذن الفجر. لم يكن جرس النار قد دقّ. ولم يطرق أحد بابه. لكنه فتح عينيه في الساعة التي اعتاد أن ينهض فيها طوال أربعين عامًا، ومد يده إلى شماغه المعلق قرب الفراش. وحين حاول الوقوف، أعاده الألم إلى مكانه. نظر إلى ساقه اليمنى. كان الحرق قد غُطي بضماد نظيف، وأوصاه الرجل الذي عالج إصابته ألا يجهدها حتى تلتئم. جلس على طرف الفراش، وانتظر حتى يهدأ الألم. كان يستطيع احتمال الوجع. ما ضايقه أنه اضطر إلى الانتظار. من وراء النافذة، سمع وقع حوافر على التراب. عرف الصوت قبل أن يرى صاحبه. وضحان. ابتسم رغم تعبه. «حتى أنت ما تعرف تنام؟» نهض متكئًا على عصا أحضرها له مبارك في الليلة الماضية، وخرج إلى الفناء. كان الحصان واقفًا قرب الحائط، يحرك رأسه بين حين وآخر، وقد بقي شيء من غبار الأمس على عنقه. اقترب راشد ومسح عليه بكفه. رفع وضحان رأسه، ثم قرب أنفه من صدر صاحبه. قال راشد: «أنا بخير». توقف قليلًا، ثم أضاف: «بس رجلي ما هي راضية تصدق». لم يتحرك الحصان. أخرج راشد من جيبه قطعة سكر صغيرة، ومدها إليه. أخذها وضحان برفق. بقي راشد إلى جانبه حتى ارتفع صوت الأذان. كان يحب ذلك الوقت من النهار، حين تكون الرياض هادئة، وتبدو الأزقة كأنها لم تستيقظ بعد. لكن المدينة لم تكن كما تركها قبل يوم. في طرف السوق، خلف الجدران الطينية، كانت هناك آلة سوداء تنتظر صباحًا جديدًا. ولم يعد راشد قادرًا على التفكير فيها بالطريقة نفسها.

بعد شروق الشمس، جاء مبارك يحمل كيسًا صغيرًا من التمر. وجد راشد جالسًا قرب الباب، يراقب وضحان وهو يأكل. قال مبارك: «ما شاء الله، سبقتني للقعدة». أشار راشد إلى ساقه. «ما قدرت أسبقك للمشي». جلس مبارك إلى جانبه، ووضع الكيس بينهما. «يقولون إن المستودع ما بقى منه إلا الجدران». سأله راشد: «والرجال اللي طلعناه؟» «شافه اللي يعالج الناس، ويقولون إن حالته مستقرة. رجله متأذية، لكن الله سلّم». تنفس راشد بارتياح. «والصغار؟» «كلهم بخير. أهلهم ما وقفوا يدعون لكم». خفض راشد رأسه، ومد يده إلى التمر. قال مبارك بعد صمت قصير: «ناصر صار حديث السوق». رفع راشد عينيه. «وش سوى؟» «يقولون إنه دخل وراك، وطلع المصاب، ورجع يجيب الرجال عشان يطلعونك». ابتسم راشد. «الولد ما قصر». «وأنت؟» «وش فيني؟» نظر مبارك إلى ساقه. «بتقدر ترجع؟» لم يجب راشد فورًا. كان السؤال الذي تهرب منه منذ استيقظ. أخذ تمرة، ونزع نواتها ببطء. «برجع إذا طابت رجلي». قال مبارك: «أنا ما أسأل عن رجلك». نظر إليه راشد. لم يكن مبارك كثير الكلام حين يريد أن يقول شيئًا مهمًا. أشار الرجل بعينيه إلى الطريق المؤدي إلى الساحة. «السيارة يا راشد». سكت راشد. أكمل مبارك: «يقولون إنهم بيخلونها تخرج أول ما يدق الجرس». «هذا اللي جابوها عشانه». «ووضحان؟» التفت راشد إلى حصانه. كان واقفًا في الظل، يضرب الأرض بحافره الأمامية. قال: «وضحان ما سألهم عن ترتيب الخروج». ضحك مبارك، لكن راشد لم يشاركه الضحك. كان يعرف أن السؤال لم يعد عن الحصان وحده.

قرب الظهيرة، جاء ناصر. دخل الفناء يحمل لفافة قماش صغيرة، وقد بدت على وجهه آثار السهر. قال: «السلام عليكم». رد راشد: «وعليكم السلام. تعال يا بطل». توقف ناصر عند الكلمة. «بطل؟» «أمس ما كنت تسمع الكلام، واليوم تبي أعيدها؟» ضحك ناصر وجلس. فتح اللفافة، وأخرج منها قطعة معدنية صغيرة. وضعها أمام راشد. «هذي اللي عطلتنا أمس». تناولها راشد وقلبها بين أصابعه. كانت قطعة دائرية، في طرفها جزء من المطاط المتشقق. قال: «وش تسوي؟» «تساعد الوصلة تمنع دخول الهوا. يوم ما كانت محكمة، المضخة ما قدرت تسحب الماء زين». نظر راشد إلى القطعة. «وهالشي الصغير وقف السيارة كلها؟» «المحرك كان يشتغل، بس المضخة تحتاج خط سحب محكم ومجهز بالماء». ظل راشد يتأملها. ثم قال: «أحيانًا حصان كامل يوقفه حجر صغير في حافره». ابتسم ناصر. «يعني فهمت». «لا تستعجل. فهمت إنكم تصلحون الحديد مثل ما نصلح حوافر الخيل». ضحك الشاب. ثم أشار إلى ساق راشد. «كيفها اليوم؟» «أحسن من أمس». «تقدر تمشي؟» «على مهلي». تردد ناصر قليلًا. «كنت أبي أوريك المضخة، مثل ما طلبت». رفع راشد رأسه. كان قد قال ذلك في لحظة تعب، حين جلس بجوار الجدار بعد خروجه من النار. لكنه لم يكن رجلًا يتراجع عن كلامه لمجرد أن الصباح جاء. قال: «أورني». نهض ناصر. «الحين؟» أشار راشد إلى عصاه. «إذا ما عندك مانع تمشي بسرعة واحد عمره سبعة وخمسون». ابتسم ناصر، ومد يده يساعده. لم يأخذها راشد. اتكأ على العصا ونهض بنفسه. لم يعلق ناصر. سار إلى جواره، يبطئ خطاه كلما أبطأ راشد.

في الساحة القديمة، كانت السيارة تقف قرب السور الذي اعتاد وضحان أن يُربط عنده. كان الرجال ينظفون خراطيم الماء، ويجمعون الأدوات التي استُخدمت في الحريق. رفع بعضهم رؤوسهم حين رأوا راشدًا يدخل متكئًا على عصاه. ناداه أحدهم: «يا عم راشد، وش جابك؟ المفروض ترتاح». قال: «جيت أشوف الشي اللي سرق مكان حصاني». ضحك الرجال. أما ناصر ففتح أحد الأغطية الجانبية للسيارة، وأشار إلى المضخة. وقف راشد قريبًا منها. كانت أكبر مما تصور حين رآها أول مرة في السوق. أنابيب معدنية، وصمامات، ووصلات، ومقابض لا يعرف وظيفة أكثرها. قال ناصر: «هنا يدخل الماء، ومن هنا يطلع للخرطوم». أشار إلى أحد الصمامات. «وهذا نستخدمه عشان نجهز المضخة ونضبط عملها». سأل راشد: «وإذا خرب؟» «نصلحه». «وإذا ما صلح؟» «ندور طريقة ثانية». نظر راشد إليه. «مثل أمس». أومأ ناصر. «مثل أمس». بقي راشد ساكتًا قليلًا، ثم قال: «شغلها». تردد ناصر. «أنت متأكد؟» «أنا جاي أتعلم، مب أتفرج». استأذن ناصر المسؤول عن السيارة، ثم جهز مع أحد الرجال تجربة قصيرة في الساحة، بعيدًا عن البيوت والدكاكين. تحرك المحرك بصوت خشن. ارتجفت السيارة قليلًا. ثم اندفع الماء من الخرطوم نحو مساحة خالية من الأرض. تراجع راشد خطوة. لم يكن يتوقع قوة اندفاعه. التفت إليه ناصر مبتسمًا. «وش رأيك؟» راقب راشد الماء وهو يضرب التراب، ثم أشار إلى الخرطوم. «هذا يحتاج رجال يعرفون يمسكونه». «أكيد». «وإذا ما عرفوا؟» «يتأذون، ويمكن يتأذى غيرهم». أومأ راشد. «يعني ما هي شجاعة وبس». قال ناصر: «ولا هي سرعة وبس». نظر أحدهما إلى الآخر. ثم ابتسم راشد. «زين. علمني من أول».

قضى راشد بقية الظهيرة يتعلم أسماء الأجزاء وطريقة تجهيز المضخة. كان يسأل كثيرًا، ويتوقف عند كل إجابة لا يفهمها. لم يحاول ناصر إخفاء فرحته. لكنه اكتشف أن تعليم راشد أصعب مما توقع. كلما شرح له شيئًا، سأله الرجل عن سبب عمله، وما الذي يحدث إذا تعطل، وكيف يمكن معرفة العطل قبل أن يقع. قال ناصر بعد ساعة: «يا عم راشد، أنت ما تبي تتعلم بس. أنت تبي تعرف كل شيء». أجابه راشد: «النار ما تنتظر الرجال لين يفهمون». سكت ناصر. كان يسمع تلك العبارة للمرة الأولى، لكنه أدرك أنها تفسر أشياء كثيرة في الرجل الذي أمامه. وعندما انتهت التجربة، أغلق ناصر غطاء المضخة. قال: «بكرة نكمل؟» نظر راشد إلى ساقه. «إذا قدرت أمشي». «وأنا أجيك إذا ما قدرت». رفع راشد رأسه. «وتجيب المضخة معك؟» ضحك ناصر. «أجيب لك الكلام اللي تحتاجه». قال راشد: «الكلام ما يطفي النار». ثم ابتسم. «بس يمكن يعلم الرجال كيف يطفونها».

مرت أيام قبل أن يستطيع راشد المشي من غير عصا. كان الحرق يلتئم ببطء، وكان عليه أن يقاوم رغبته في العودة إلى العمل قبل أن يستعيد قوته. في تلك الأيام، صار ناصر يزوره كل مساء تقريبًا. أحيانًا يحمل قطعة من أجزاء المضخة، وأحيانًا يأتي بلا شيء سوى الأسئلة. كان يسأل راشد عن الأزقة الضيقة، وعن البيوت التي يصعب الوصول إليها، وعن الأماكن التي يتجمع فيها الناس حين تندلع النار. وكان راشد يشرح له الطريق من ذاكرته. «هنا ممر ما تدخل منه السيارة». «وهنا باب خلفي يطلع على حوش البيت اللي وراه». «وهذي الحارة إذا هبت عليها الريح من الشرق، تنتقل النار بين أسقفها بسرعة». كان ناصر يستمع ويسجل بعض الملاحظات في دفتر صغير. وفي أحد الأيام، قال: «يا عم راشد، أنت تعرف الرياض مثل ما تعرف كفك». أجابه راشد: «أعرفها يوم كانت أضيق». «والحين؟» «الحين تكبر، وأنا أكبر معها». أغلق ناصر دفتره. «عشان كذا نحتاجك». لم يرد راشد. كان قد أمضى أيامًا يخشى أن يصبح وجوده عبئًا على الرجال. ولم يتوقع أن يسمع من أصغرهم أنه لا يزال ضروريًا.

في مساء هادئ، عاد راشد إلى الساحة ومعه وضحان. كانت ساقه قد تحسنت بما يكفي ليقود الحصان، وإن لم يعد مستعدًا للركض أو دخول حريق. توقف عند السور القديم. وجد السيارة واقفة في الجهة الأخرى. ربط وضحان، ثم مسح على عنقه. قال: «شفت؟ ما أخذوا مكانك كله». اقترب ناصر منه. «تكلمه من يوم عرفتك، وهو ما رد عليك مرة». قال راشد: «يرد، بس أنت ما تفهم كلامه». ضحك ناصر. ثم وقف إلى جواره. كان الرجال قد انتهوا من ترتيب المعدات، وبدأت الساحة تخلو شيئًا فشيئًا. قال ناصر: «المسؤول يقول إذا رجعت للخدمة، يبيك تساعدنا نرتب طرق الوصول للحارات». نظر راشد إليه. «وأطلع معكم؟» «إذا صرت قادر، وبعد ما يسمح لك ترجع». أومأ راشد. ثم سأل: «ووضحان؟» تردد ناصر. «ما أدري وش بيصير للعربة القديمة». ظل راشد ينظر إلى الحصان. كان يعرف أن ذلك اليوم سيأتي. يوم تصبح فيه العربة أبطأ من أن تسبق السيارة، ويقل فيه عدد الرجال الذين يعرفون شد اللجام، وربط الحبال، وتهدئة الخيل حين يعلو صوت النار. قال ناصر: «نقدر نخليه هنا». هز راشد رأسه. «ما أبيه مربوط طول عمره ينتظر جرسًا ما عاد يدق له». «وش بتسوي؟» قال راشد: «أخذه للبيت». نظر إلى وضحان. «كفاه اللي سواه». لم يكن القرار سهلًا. لكنه شعر بشيء من الراحة بعد أن نطق به. لم يكن يطرد الحصان من حياته. كان يعيده إلى مكان لا يُطلب منه فيه أن يثبت قيمته كلما دق الجرس.

بعد أيام، سُمح لراشد بالعودة إلى عمله تدريجيًا، بعيدًا عن المهام التي تتطلب جهدًا شديدًا حتى تكتمل عافيته. في أول مساء حضر فيه اجتماع الرجال، وقف قرب السيارة الجديدة. لم يلتفوا حوله كما كانوا يفعلون قديمًا لسماع حكايات الحرائق. كانوا مشغولين بفحص الأدوات، وتجهيز الخراطيم، ومراجعة ما تعلموه من عطل المستودع. راقبهم راشد دون أن يتدخل. ثم اقترب منه ناصر، يحمل الدفتر الصغير. قال: «خلصت رسم الطرق اللي قلت لي عنها». فتحه أمامه. كانت فيه خطوط متشابكة وأسماء حارات وأبواب وممرات. تأمل راشد الرسم. أشار إلى موضع قرب السوق. «هنا ناقصك طريق». قال ناصر: «ما فيه طريق هنا». «فيه ممر خلف بيت ابن عواد». «ما شفته». «لأن بابه صغير، وما يبين من الشارع». أخذ ناصر القلم وأضاف الممر. قال: «زين إنك جيت». نظر راشد إلى الدفتر. ثم إلى السيارة. ثم إلى الرجال. كان يعرف أن شيئًا تغير. لم يعد هو الرجل الذي يقفز أولًا كلما دق الجرس. ولم يعد يريد أن يكون كذلك دائمًا. لكن خبرته لم تختفِ. كانت تنتقل، كلمة بعد كلمة، إلى أيدٍ أصغر من يديه.

وقبل أن ينتهي الاجتماع، دق جرس النار. ارتفعت الرؤوس دفعة واحدة. تحرك الرجال نحو معداتهم. نهض ناصر وأغلق دفتره. قال: «حريق في جهة السوق!» كان راشد قد مد يده إلى شماغه قبل أن يدرك ما يفعل. توقف لحظة. نظر إلى ساقه، ثم إلى السيارة. لم تكن قد تعافت قوته كلها بعد. اقترب ناصر. «يا عم راشد، اركب معنا». لم يسأله إن كان يستطيع الجري. ولم يطلب منه أن يبقى خلفهم. فتح له باب السيارة. نظر راشد إلى السور القديم. كان وضحان قد عاد إلى بيته، بعيدًا عن الساحة. لم يسمع هذه المرة وقع حوافره. سمع المحرك وحده. صعد راشد بحذر، وجلس إلى جوار ناصر. أشار إلى السائق. «إذا بتروحون للسوق، لا تدخلون من الطريق الكبير». التفت إليه الشاب. «ليش؟» «فيه ممر أقصر، والسيارة تقدر تمر منه إذا انتبهتوا للجدار عند آخره». نظر ناصر إلى السائق. «اسمع كلامه». تحركت السيارة. اهتز جسد راشد مع أول اندفاعة، فتمسك بحافة المقعد. ضحك ناصر. «وش رأيك بالركوب؟» قال راشد: «ما فيه راحة مثل ظهر وضحان». ثم نظر إلى الطريق أمامه. «بس هذي أسرع». ابتسم ناصر، وعاد يراقب الطريق.

وصلوا إلى بيت صغير تصاعد منه الدخان من ناحية المطبخ. كان أهله قد خرجوا إلى الزقاق، ولم يبق أحد في الداخل بحسب ما أخبرهم صاحبه. تولى الرجال تجهيز الخرطوم. وقف راشد إلى جوار السيارة، يراقب عملهم. وحين رأى أحدهم يتجه نحو الباب الرئيسي، ناداه. «انتبه! الباب الخلفي أقرب لمكان النار». أشار إلى الممر الجانبي. «من هنا». تحرك ناصر مع رجلين إلى الجهة التي دلهم عليها. لم يدخل راشد البيت. بقي في الخارج، يتابع موضع الدخان، ويسأل أهل الدار عن الغرف المتصلة بالمطبخ. وحين اشتدت النار عند السقف، نبّه الرجال إلى اتجاه الريح وإلى البيت المجاور. وصل الماء إلى موضع الحريق، وتمكن الفريق من احتوائه قبل أن يمتد إلى بقية المنزل. لم يستغرق الأمر طويلًا. ولم يحتج راشد إلى حمل أحد على كتفيه. حين خرج ناصر، كان وجهه مبتلًا ويداه متسختين بالسخام. اقترب من راشد. «خلصنا». سأله راشد: «تأكدتوا من السقف؟» «إيه. وفحصنا الغرفة اللي وراه». أومأ راشد. «زين». نظر ناصر إليه. «لو دخلنا من الباب الأول، كان أخذنا وقت أطول». قال راشد: «كل طريق له باب». ثم أضاف: «المهم تعرف أي باب تفتح». وقف الشاب بجواره، يتأمل البيت الذي بدأ الدخان ينحسر عنه. قال: «اليوم ما دخلت النار». نظر راشد إلى يديه. لم تكونا ترتجفان. ولم يشعر بالخجل لأنه بقي خارج البيت. قال: «ودخلتم أنتم». ابتسم ناصر. «بتعلمنا أكثر؟» نظر راشد إلى السيارة. «إذا أنتم بتعلموني أكثر». ضحك ناصر، ومد يده إليه. صافحه راشد. كانت يد الشاب لا تزال ساخنة من العمل، ويد راشد خشنة من سنوات الحبال واللجام والدخان. لم يكن بينهما وعد كبير. ولا حديث عن زمن ينتصر على زمن. كان هناك حريق انتهى، وبيت نجا، ورجلان عرف كل واحد منهما شيئًا لم يكن يعرفه من قبل.

عاد راشد إلى بيته بعد غروب الشمس. وجد وضحان واقفًا في الفناء، يرفع رأسه كلما سمع حركة عند الباب. اقترب منه، ووضع كفه على عنقه. قال: «رحنا اليوم من غيرك». حرك الحصان أذنيه. ابتسم راشد. «لا تزعل. أنت تعرف الطريق». توقف قليلًا. ثم قال: «وعلّمناهم إياه». أخرج قطعة سكر من جيبه، وقدمها إليه. أخذها وضحان، ثم عاد إلى هدوئه. جلس راشد قرب الباب، وخلع شماغه. كان التعب في ساقه أخف من الأيام الماضية، لكنه لا يزال يشعر به. ومن بعيد، جاء صوت محرك سيارة يمر في أحد طرق الرياض. أصغى إليه. لم يكن الصوت جميلًا مثل وقع الحوافر في أذنيه. ولم يصبح مألوفًا تمامًا. لكنه لم يعد يبدو له صوت شيء جاء ليأخذ حياته. فكر في المستودع المحترق، وفي اليد التي امتدت إليه من النافذة، وفي ناصر وهو يفتح له باب السيارة. ثم نظر إلى وضحان. كان الحصان قد أغمض عينيه واقفًا، مطمئنًا إلى مكانه. ابتسم راشد. أربعون عامًا قضاها يسبق النار على ظهر حصان. ولم يكن يندم على يوم منها. لكنه أدرك أخيرًا أن ما يستحق البقاء من تلك السنوات ليس العربة، ولا اللجام، ولا أن يكون أول رجل يصل إلى الحريق. بل ما تعلمه في الطريق، وما استطاع أن يتركه لمن سيأتون بعده. في الصباح، حين دق جرس النار أول مرة بعد وصول السيارة، ظن أن المدينة تستعد لنسيانه. أما الآن، فقد عرف أن المدينة لم تكن تطلب منه أن يختفي. كانت تطلب منه أن يفسح مكانًا إلى جواره. مد يده ومسح على عنق وضحان مرة أخيرة قبل أن يدخل البيت. وفي الخارج، مضت سيارة أخرى في الطريق، يتردد صوت محركها بين الجدران الطينية. رفع الحصان أذنيه. ورفع راشد رأسه. ثم ابتسم. كان يعرف الصوتين. وكان يعرف الطريق.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات