قصة عصفورتي… بعد أحد عشر عاماً

قصة 📅 سبتمبر 09, 2026

قصةغموض وتشويق نفسي ودراما عائلية، عن تالا حدّاد التي تعود إلى بيروت لتجد جاد ناصر، الذي أذاها في طفولتها، قد عاد أيضاً. مع عودته تبدأ ذكريات حادث قديم في الظهور، لتكشف أسراراً عائلية دفنتها سنوات من الصمت والخوف، وتضع تالا أمام خيار واحد: أن تستعيد نفسها وتقرر من تكون بعد أن توقف الماضي عن التحكم بها.

الفصل الأول: الذي كان يجب ألّا يعود

«عاد جاد، وعاد معه الخوف الذي ظنّت أنها دفنته.»

كان المطر خفيفًا في ذلك الصباح، لكنه جعل شوارع الأشرفية مزدحمة أكثر من المعتاد. وصلت تالا إلى الجامعة قبل موعد محاضرتها بعشرين دقيقة، ووقفت قرب البوابة تتفقد هاتفها. كانت قد نامت ساعات قليلة، واستيقظت مرتين على الحلم نفسه، لكنها لم تستطع تذكره كاملًا. بقي منه شعور مزعج بالخوف، وصوت سيارة تتوقف فجأة، ثم صمت طويل.

سمعت من يناديها، فرفعت رأسها ورأت نايا تقترب حاملة كوبين من القهوة. كانت صديقتها تسير بسرعة بين الطلاب، وتحاول حماية الكوبين من المطر. وما إن وصلت حتى مدت إليها أحدهما، ثم نظرت إلى وجهها باهتمام.

قالت نايا: «انتظرتك عشر دقائق. كنت سأتصل بك.»

أخذت تالا القهوة وقالت: «صباح الخير لك أيضًا.»

«أنت شاحبة. هل نمت جيدًا؟»

«ليس كثيرًا.»

«هل عاد الحلم؟»

نظرت تالا إلى كوبها قبل أن تجيب. كانت نايا تعرف أنها تعاني أحلامًا متقطعة منذ سنوات، لكنها لم تكن تعرف تفاصيلها كلها. لم تحب تالا الحديث عنها، حتى مع أقرب صديقاتها، لأن محاولة تفسيرها كانت تجعلها أكثر اضطرابًا.

قالت: «لا أذكر ما رأيته. استيقظت فقط وأنا خائفة.»

«ربما تحتاجين إلى إجازة فعلية، لا إلى يومين تقضينهما في الدراسة.»

ابتسمت تالا ابتسامة خفيفة. كانت تعرف أن نايا تحاول تغيير الموضوع، وقد شعرت بالامتنان لذلك. رفعت الكوب إلى شفتيها، لكن صديقتها لم تتحرك نحو البوابة كعادتها، بل بقيت واقفة تنظر إليها بتردد.

سألتها تالا: «ما الأمر؟»

قالت نايا: «هناك شيء عرفته أمس. لم أعرف إن كان ينبغي أن أخبرك به.»

«أخبريني.»

«جاد عاد إلى بيروت.»

بقيت تالا تنظر إليها لحظة، كأنها لم تفهم الاسم. ثم أنزلت كوب القهوة ببطء، وشعرت بأن أصابعها أصبحت باردة. لم تسمع ذلك الاسم منذ مدة طويلة، ولم تكن تتوقع أن تسمعه عند بوابة جامعتها، في صباح عادي كانت تريد أن ينتهي بهدوء.

سألت: «هل أنت متأكدة؟»

«نعم. سجل هذا الفصل هنا. رأيت اسمه في قائمة الطلاب، ثم رأيته بنفسي أمس.»

«ربما تشابه أسماء.»

هزت نايا رأسها وقالت: «إنه جاد نفسه.»

نظرت تالا نحو المبنى. كان الطلاب يدخلون ويتبادلون الأحاديث، ولم يتغير شيء حولها، لكن رغبتها في دخول الجامعة اختفت فجأة. مرت أحد عشر عامًا منذ آخر مرة رأته فيها، ومع ذلك تذكرت صوته بوضوح لم تتوقعه.

كانت في الخامسة عشرة عندما غادرت عائلتها بيروت، وكان جاد في السادسة عشرة. لم يكن مجرد فتى يضايقها في المدرسة، كما حاول بعض الكبار إقناعها آنذاك. كان يعرف الأشياء التي تخيفها، ويستخدمها كلما أراد إحراجها أمام الآخرين. وحين كانت تغضب أو تطلب منه الابتعاد، كان يضحك كأن اعتراضها جزء من لعبة لا يحق لها إنهاؤها.

كان يناديها «عصفورتي».

لم تحب ذلك الاسم يومًا. في البداية ظنت أنه سيتوقف إذا تجاهلته، ثم اكتشفت أن صمتها يشجعه أكثر. وبعد انتقال عائلتها إلى مدينة أخرى، احتاجت إلى وقت طويل حتى تتوقف عن الالتفات كلما سمعت أحدًا ينادي من خلفها.

قالت نايا: «يمكننا الذهاب إلى الإدارة إذا ضايقك. لست مضطرة إلى الحديث معه.»

أجابت تالا: «لم يفعل شيئًا بعد.»

«أعرف. أردت فقط أن تكوني مستعدة.»

تنفست تالا ببطء، ثم رفعت حقيبتها على كتفها. لم ترغب في أن يحدد خبر عودة جاد ما ستفعله في ذلك اليوم. كانت قد عادت إلى بيروت لتكمل دراستها وتبني حياة تخصها، ولم تكن مستعدة للتخلي عن ذلك لمجرد أنه ظهر من جديد.

قالت: «لدينا محاضرة. هيا.»

دخلتا المبنى وصعدتا إلى الطابق الثاني. حاولت تالا متابعة حديث نايا عن اختبار الأسبوع المقبل، لكنها كانت تفكر في احتمال أن تصادف جاد في الممر أو المكتبة. وحين وصلتا إلى القاعة، توقفت عند الباب دون قصد.

كان جالسًا في الصف الأخير.

عرفته قبل أن تتمعن في وجهه. تغيرت ملامحه، وأصبح شعره أقصر، ولم يعد في وجهه ذلك التعبير المستفز الذي تتذكره. كان يرتدي معطفًا أسود، ويضع دفترًا مفتوحًا أمامه، لكنه رفع رأسه في اللحظة التي دخلت فيها. التقت عيناه بعينيها، وبقي ينظر إليها دون ابتسامة.

لم يقل شيئًا.

وضعت نايا يدها برفق على ذراع تالا، فأفاقت من شرودها. اختارتا مقعدين في منتصف القاعة، وجلست تالا وهي تحاول ألا تلتفت إلى الخلف. أخرجت دفترها وفتحت صفحة جديدة، لكن يدها ظلت ثابتة فوق الورق حتى بدأ المحاضر حديثه.

مرت الدقائق ببطء. كتبت بعض الملاحظات، ثم اكتشفت أنها لم تفهم ما كتبته. لم يكن وجود جاد وحده ما يزعجها، بل سهولة عودة مشاعر اعتقدت أنها تجاوزتها. كانت غاضبة من نفسها لأنها شعرت بالخوف، ثم ازدادت غضبًا حين أدركت أنها تراقب باب القاعة وتفكر في أقرب طريق للخروج.

عندما انتهت المحاضرة، جمعت أغراضها بسرعة. نهضت نايا معها، لكن إحدى زميلاتهما استوقفتها لتسألها عن مشروع مشترك. قالت تالا إنها ستنتظر في الممر، ثم خرجت قبل أن تزدحم القاعة.

كانت تقف قرب النافذة حين سمعت خطوات تقترب. التفتت، فرأت جاد يتوقف على مسافة قصيرة منها. لم يحاول الاقتراب أكثر، وبدا كأنه يبحث عن الكلمات المناسبة قبل أن يتحدث.

قال: «مر وقت طويل يا تالا.»

لم تجبه.

أضاف: «أعرف أنك لم تتوقعي رؤيتي هنا.»

قالت: «هذا صحيح.»

«أريد أن أتحدث معك.»

«ليس لدينا ما نتحدث عنه.»

نظر إليها للحظة، ثم قال: «هناك أشياء حدثت قبل أن تغادري بيروت. أشياء لم تعرفيها.»

شعرت تالا بأن الغضب بدأ يحل محل خوفها. كانت تعرف طريقته القديمة في جعلها تشك في نفسها، ولم ترغب في منحه فرصة جديدة. أمسكَت بحقيبتها بإحكام ونظرت إليه مباشرة.

قالت: «إذا جئت لتعيد ما كنت تفعله، فلن أنصت إليك.»

أخفض جاد رأسه قليلًا، ثم رفع عينيه إليها. لم يحاول الدفاع عن نفسه، ولم يطلب منها أن تنسى. بدا متعبًا على نحو لم تتوقعه، لكن ذلك لم يغير موقفها.

قال: «أعرف أنني آذيتك.»

«إذن تعرف لماذا لا أريد الحديث معك.»

«نعم. لكن الأمر لا يتعلق بي وحدي.»

«بمن يتعلق إذن؟»

تردد قبل أن يجيب: «بعائلتك أيضًا.»

تغير تعبير تالا. لم تكن مستعدة لسماع اسم عائلتها منه، خصوصًا بعد سنوات من انقطاع أي صلة بينهما. حاولت أن تفهم ما إذا كان يقصد شيئًا محددًا، أم أنه يبحث عن وسيلة تجعلها تبقى وتستمع إليه.

سألته: «ماذا تعرف عن عائلتي؟»

قال: «أعرف أن رحيلكم لم يكن بالبساطة التي قيلت لك.»

«كنا ننتقل من مدينة إلى أخرى. هذا كل شيء.»

«هل أنت متأكدة؟»

نظرت إليه بحدة. كان السؤال كافيًا ليعيد إليها ذكرى الليلة التي سبقت رحيلهم، حين سمعت والدها يتحدث بصوت مرتفع خلف باب مغلق. لم تتذكر الكلمات، لكنها تذكرت أمها وهي تجمع الملابس على عجل، وتطلب منها ألا تسأل عن شيء حتى يصلوا إلى منزلهم الجديد.

قالت: «لا تتحدث عن أمور لا تخصك.»

«كنت أتمنى ألا أضطر إلى ذلك.»

«ومن قال إنك مضطر؟»

صمت جاد لحظة، ثم قال: «هناك حقيقة يجب أن تعرفيها، حتى لو قررت بعدها ألا تريني مرة أخرى.»

لم تعرف تالا ماذا تقول. أرادت أن تسأله عن تلك الحقيقة، لكنها خشيت أن يكون سؤالها بداية حديث طويل لا تستطيع إنهاءه. كان جزء منها يريد الابتعاد، بينما ظل جزء آخر يفكر في كلامه عن رحيل عائلتها.

قالت أخيرًا: «إذا كان لديك شيء واضح، فقله الآن.»

نظر جاد إلى الطلاب الذين يمرون قربهما، ثم عاد إليها. بدا أنه غير مستعد للحديث في الممر، لكنه لم يطلب منها أن ترافقه إلى مكان آخر.

قال: «ليس هنا.»

«إذن انتهى الحديث.»

تحركت تالا لتغادر، فسمعته يقول: «لم أعد أريد إخافتك.»

توقفت والتفتت إليه. لم يكن صوته مرتفعًا، لكن العبارة أثارت غضبها أكثر من كل ما قاله. تذكرت السنوات التي قضتها تحاول إقناع نفسها بأن ما حدث لم يكن مهمًا، وأنها أصبحت أقوى من ذكرياته.

قالت: «كان ينبغي أن تفكر في ذلك قبل أحد عشر عامًا.»

لم يجبها.

تابعت طريقها دون أن تنتظر ردًا. وجدت نايا عند نهاية الممر، وما إن رأت وجهها حتى فهمت أن شيئًا حدث. لم تسألها أمام الطلاب، بل سارت معها إلى السلالم، ثم توقفت حين ابتعدتا عن الازدحام.

قالت نايا: «هل تحدث معك؟»

«نعم.»

«ماذا أراد؟»

«يقول إن هناك شيئًا لا أعرفه عن رحيل عائلتي.»

قطبت نايا حاجبيها. كانت تعرف أن تالا لا تحب الحديث عن تلك المرحلة، لكنها لم تسمع من قبل أن أحدًا شكك في سبب انتقال عائلتها. انتظرت قليلًا، ثم سألتها إن كانت تريد العودة إلى المنزل.

هزت تالا رأسها وقالت: «سأبقى. لدي محاضرة أخرى.»

«هل أنت متأكدة؟»

«لا أريد أن أبدأ بالهرب منه من اليوم الأول.»

لم تضغط نايا عليها. اكتفت بأن سارت إلى جانبها، وتحدثت عن أمور عادية حتى وصلتا إلى القاعة التالية. حاولت تالا التركيز بقية النهار، ونجحت أحيانًا، لكن كلمات جاد ظلت تعود إليها كلما وجدت نفسها وحدها.

عادت إلى المنزل عند المساء. كان والدها جالسًا في غرفة المعيشة يتابع الأخبار، وقد وضع نظارته على الطاولة إلى جانبه. رفع رأسه عندما دخلت وسألها عن يومها، فأجابته بأنه كان طويلًا، ثم اتجهت إلى المطبخ لتشرب الماء.

كادت تخبره بأنها رأت جاد. فتحت فمها بالفعل، لكنها تراجعت عندما تذكرت حديثه عن رحيل العائلة. لم تكن تعرف كيف تطرح السؤال دون أن تثير قلق والدها، ولم ترغب في إخباره بأمر لم تفهمه بعد.

سألها من غرفة المعيشة: «هل كل شيء بخير يا تالا؟»

أجابت: «نعم، فقط متعبة قليلًا.»

«تناولي العشاء قبل أن تنامي.»

«سآتي بعد قليل.»

دخلت غرفتها وأغلقت الباب. وضعت الحقيبة على الكرسي وجلست قرب النافذة، تراقب أضواء السيارات على الشارع المبتل. كانت قد أمضت سنوات تحاول ألا تجعل ذكريات طفولتها تحدد علاقتها بالناس، لكنها اكتشفت اليوم أن مواجهة الماضي أصعب مما توقعت.

أخرجت هاتفها لتراجع رسائل الجامعة. وبين الإشعارات ظهرت رسالة جديدة من رقم لا تعرفه. فتحتها، فوجدت سؤالًا قصيرًا:

«هل تذكرين البحر؟»

قرأت الكلمات مرة ثانية. لم يكن في الرسالة اسم أو أي إشارة إلى صاحبها، لكن السؤال أعاد إليها صورة غير واضحة لطريق ساحلي، وأضواء سيارات تنعكس على الماء. حاولت الإمساك بالتفاصيل، فتلاشت قبل أن تفهم ما الذي تتذكره.

وصلت رسالة ثانية:

«غدًا، الساعة السادسة مساءً.»

اعتدلت في جلستها. فكرت في الاتصال بالرقم، لكنها ترددت. وقبل أن تتخذ قرارًا، وصلت الرسالة الثالثة:

«إذا أردت معرفة الحقيقة، عودي إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.»

بقيت تالا تحدق في الشاشة. تذكرت حديث جاد في الممر، ثم نظرت إلى باب غرفتها المغلق. لم تكن تعرف من أرسل الرسائل، ولا إن كان جاد وراءها، لكنها أدركت أن شخصًا ما يعرف شيئًا عن الماضي الذي تجنبت الحديث عنه طوال أحد عشر عامًا.

فتحت نافذة الرد وكتبت: «من أنت؟»

انتظرت دقائق، ولم يصلها جواب. وضعت الهاتف على الطاولة، ثم أعادت النظر إليه عندما أضاءت شاشته بإشعار جديد. لم تكن رسالة من الرقم المجهول، بل تذكيرًا بموعد محاضرتها في اليوم التالي.

أغلقت الشاشة، لكنها لم تستطع إبعاد السؤال عن ذهنها: أي مكان يقصده المرسل، ولماذا اختار البحر تحديدًا؟

الفصل الثاني: البحر لا ينسى

«قد ننسى الطريق الذي سلكناه، لكننا لا ننسى دائمًا ما جعلنا نخاف منه.»

استيقظت تالا قبل رنين المنبه بدقائق. كان هاتفها على الطاولة قرب السرير، وقد تركته هناك بعد أن انتظرت ردًا لم يصل. مدت يدها إليه وفتحت المحادثة مع الرقم المجهول، فوجدت الرسائل الثلاث كما كانت في الليلة الماضية. قرأتها مرة أخرى، ثم بحثت عن صورة الحساب أو أي معلومة تساعدها على معرفة المرسل، لكنها لم تجد شيئًا.

نهضت وفتحت الستائر. كان المطر قد توقف، وبدأت الشمس تظهر بين الغيوم فوق المباني المقابلة. حاولت ترتيب ما تعرفه: عاد جاد إلى بيروت، وتحدث عن سبب رحيل عائلتها، ثم وصلت رسائل تشير إلى البحر وإلى مكان لم يُذكر اسمه. لم يكن لديها دليل يربط الأحداث بعضها ببعض، لكنها لم تستطع تجاهل توقيتها.

ارتدت ملابسها وخرجت إلى المطبخ. كان والدها يعد القهوة، وقد وضع على الطاولة طبقًا من الخبز والجبن. سألها إن كانت ستعود مبكرًا من الجامعة، فأجابته بأنها لا تعرف بعد. جلس أمامها وبدأ يتحدث عن ازدحام الطريق، لكنها كانت تفكر في السؤال الذي لم تطرحه عليه أمس.

قالت أخيرًا: «أبي، هل تتذكر الليلة التي غادرنا فيها بيروت؟»

توقفت يده فوق فنجان القهوة. لم يرفع رأسه فورًا، بل وضع الملعقة على الصحن ثم نظر إليها. كان التغير في وجهه بسيطًا، لكنه واضح بما يكفي لتلاحظه.

سألها: «لماذا تسألين الآن؟»

«تذكرت بعض الأشياء أمس. لا أذكر لماذا سافرنا بتلك السرعة.»

«كنت قد حصلت على فرصة عمل، وقررنا الانتقال.»

«أعرف ذلك. لكن لماذا غادرنا ليلًا؟»

أخذ والدها رشفة من قهوته قبل أن يجيب. قالت لها أمها الرواية نفسها طوال السنوات الماضية، لكن تالا تذكرت الآن حقائب مفتوحة في الممر، وصوت والدها وهو يطلب من أمها الإسراع. لم تكن تلك التفاصيل تشبه استعداد عائلة لانتقال مخطط له.

قال: «كانت لدينا ترتيبات كثيرة. ربما اختلطت عليك الذكريات.»

«هل حدث شيء في تلك الليلة؟»

نظر إليها طويلًا، ثم قال: «حدثت أمور صعبة في تلك الفترة، لكننا تجاوزناها. لا أريد أن تعودي إلى القلق بسببها.»

لم يكن ذلك جوابًا، وقد أدركت تالا أنه يعرف أنها فهمت. أرادت أن تسأله عن الحادث، لكنها خشيت أن يغلق الحديث تمامًا إذا ضغطت عليه. أنهت فطورها بصمت، ثم أخذت حقيبتها واستعدت للخروج.

عند الباب، ناداها والدها: «تالا.»

التفتت إليه.

قال: «إذا كان هناك شيء يزعجك، فأخبريني. لا تحتفظي به وحدك.»

أومأت برأسها، لكنها لم تخبره بالرسائل. كان قد امتنع عن الإجابة عن سؤال بسيط، ولم تعرف بعد إن كان يستطيع مساعدتها أو سيحاول منعها من البحث.

وصلت إلى الجامعة بعد التاسعة بقليل. كانت نايا تنتظرها قرب المكتبة، وما إن رأتها حتى سألتها إن كانت بخير. جلستا في زاوية هادئة، وأخرجت تالا هاتفها ووضعت الرسائل أمام صديقتها. قرأت نايا الكلمات بتركيز، ثم أعادت الهاتف إليها.

قالت: «هل اتصلت بالرقم؟»

«لا. سألت من أرسل الرسائل، ولم يجب.»

«قد يكون شخصًا يحاول إخافتك.»

«أعرف. لكن لماذا ذكر البحر؟»

«ربما يعرف شيئًا عن طفولتك.»

سكتت تالا قليلًا، ثم أخبرتها عن حديثها مع والدها. لم تكن قد تحدثت مع نايا من قبل عن تفاصيل رحيل عائلتها، لأنها لم تكن ترى فيها ما يستحق السؤال. لكن امتناع والدها عن الإجابة جعلها تشعر بأن وراء تلك الليلة أمرًا لم تفهمه.

قالت نايا: «لا تذهبي إلى أي مكان يحدده شخص مجهول.»

«لم يحدد المكان أصلًا.»

«وهذا سبب إضافي للحذر.»

أعادت تالا الهاتف إلى حقيبتها. كانت تعرف أن نايا محقة، ولم تكن تنوي الذهاب إلى موعد لا تعرف مكانه ولا صاحبه. لكنها أرادت أن تفهم لماذا اختار المرسل السادسة مساءً، ولماذا أشار إلى البحر بدل أن يذكر عنوانًا واضحًا.

بعد المحاضرة الأولى، ذهبت تالا إلى المكتبة لتبحث عن كتاب تحتاجه. كانت تقف أمام أحد الرفوف حين سمعت صوت جاد خلفها. لم يقترب كثيرًا، واكتفى بأن سألها إن كان يستطيع التحدث معها لدقيقة واحدة.

استدارت وقالت: «قلت لك أمس إنني لا أريد الحديث.»

«أعرف. لكنني رأيتك تبحثين عن شيء.»

«أنا في مكتبة. هذا ما يفعله الناس هنا.»

ظهر عليه الحرج، ثم قال: «لم أقصد ذلك. أردت فقط أن أتأكد أنك بخير.»

أعادت الكتاب إلى مكانه ونظرت إليه. لم تكن مستعدة لتقبل اهتمامه المفاجئ، خصوصًا أنه لم يكن يعرف شيئًا عن حياتها خلال السنوات الماضية. شعرت بأنه يتصرف كأن اعترافه بأنه آذاها يمنحه حق العودة إلى الحديث معها.

قالت: «لا تحتاج إلى الاطمئنان عليّ.»

«حسنًا.»

استدار ليغادر، لكنها تذكرت الرسائل ونادته قبل أن يبتعد. توقف والتفت إليها، وبدا مستغربًا من أنها تريد سؤاله عن شيء.

قالت: «هل أرسلت إليّ رسائل أمس؟»

تغير وجهه قليلًا.

سأل: «أي رسائل؟»

«من رقم مجهول. تتحدث عن البحر وعن موعد اليوم.»

بقي صامتًا لحظة، ثم قال: «لم أرسل إليك شيئًا.»

راقبت تالا تعبيره. لم يكن لديها ما يثبت أنه يكذب، لكنها لاحظت أن ذكر البحر أثار انتباهه. أخرجت الهاتف وفتحت الرسالة الأولى، ثم رفعت الشاشة بحيث يستطيع قراءتها دون أن تقترب منه.

قرأ: «هل تذكرين البحر؟»

رفع عينيه إليها وسأل: «هل وصلك شيء آخر؟»

«لماذا تسأل؟»

«لأنني أريد أن أعرف إن كان الشخص نفسه قد تواصل معك.»

«أي شخص؟»

تردد جاد، ثم قال: «هناك من يبحث عن معلومات تتعلق بما حدث قبل أحد عشر عامًا.»

«من؟»

«لا أعرف اسمه.»

أغلقت تالا الهاتف. كانت الإجابات تزيد ارتباكها بدل أن تساعدها، وقد بدأت تشعر بأن جاد يعرف أكثر مما يريد قوله. لم يكن من المعقول أن يطلب منها الثقة به بينما يخفي عنها سبب قلقه من رسالة قصيرة.

قالت: «إذا كنت تعرف شيئًا، فقله بوضوح.»

أجاب: «لا أملك الصورة كاملة.»

«لكنك تعرف أن هناك حادثًا.»

نظر إليها دون أن يتكلم.

تابعت: «أليس كذلك؟»

قال أخيرًا: «نعم.»

شعرت تالا بانقباض في صدرها. كانت كلمة واحدة، لكنها أكدت أن حديثه عن الماضي لم يكن مجرد محاولة لاستفزازها. أمسكت بحافة الرف القريب، وحاولت أن تستعيد ذكرى الطريق الساحلي التي ظهرت في ذهنها ليلة أمس.

سألته: «ما الذي حدث؟»

قال: «وقع حادث سيارة في الليلة التي سبقت رحيل عائلتك.»

«أعرف أن حادثًا وقع. لا أذكر تفاصيله.»

«وأنا لا أعرف كل التفاصيل أيضًا.»

«لكن هناك شيئًا تخفيه.»

لم ينكر جاد ذلك. نظر إلى الممر الفارغ بين الرفوف، ثم قال إن بعض المعلومات التي وصلته مؤخرًا جعلته يعيد التفكير فيما قيل له آنذاك. وأضاف أنه يحاول التحقق منها قبل أن يتهم أحدًا أو يخبرها بأمر قد يكون غير صحيح.

قالت تالا: «لا أريد اتهامات. أريد أن أعرف لماذا وصلتني هذه الرسائل.»

«لا أعرف من أرسلها.»

«هل للبحر علاقة بالحادث؟»

أجاب بعد تردد: «وقع الحادث على الطريق الساحلي.»

ساد الصمت بينهما. حاولت تالا تذكر ما حدث في تلك الليلة، فرأت في ذهنها ضوءًا قويًا يقترب من نافذة سيارة، وسمعت صوت احتكاك حاد. لم تستطع معرفة إن كانت الذكرى حقيقية أم صورة كوّنها عقلها من الكلمات التي سمعتها الآن.

أبعدت يدها عن الرف وقالت: «لا تتصل بي، ولا تبحث عني. إذا كان لديك دليل واضح، يمكنك إرساله إلى نايا بعد أن أوافق على ذلك.»

أومأ جاد برأسه وقال: «سأحترم رغبتك.»

غادرت المكتبة قبل أن يضيف شيئًا. كانت تشعر بالغضب لأنه أخفى عنها معلومات، وبالقلق لأن بعض ما قاله ينسجم مع ذكرياتها المتقطعة. وجدت نايا في الممر وأخبرتها بما حدث، فاقترحت أن تغادرا الجامعة بعد انتهاء المحاضرات دون المرور بأي مكان آخر.

وافقت تالا. لم تكن تريد مواجهة جديدة، ولا زيارة طريق ساحلي بناءً على رسالة مجهولة. ومع ذلك، بقيت تنظر إلى الساعة بين حين وآخر، كأن السادسة مساءً أصبحت موعدًا يخصها رغم أنها لم توافق عليه.

عند الخامسة والنصف، كانت تجلس مع نايا في مقهى قريب من الجامعة. طلبتا الشاي، ووضعت تالا هاتفها أمامها على الطاولة. تحدثتا عن احتمال إبلاغ الجامعة إذا حاول جاد مضايقتها، وعن ضرورة الاحتفاظ بالرسائل وعدم حذفها. ثم اتفقتا على أن تذهب تالا إلى المنزل قبل حلول الظلام.

عند السادسة تمامًا، أضاء الهاتف.

وصلت رسالة من الرقم نفسه:

«لم تأتِ.»

نظرت تالا إلى نايا، ثم أعادتا قراءة الكلمات. لم يكن المرسل قد حدد مكانًا واضحًا، ومع ذلك كان يتصرف كأنه انتظرها في موقع يعرف أنها تستطيع الوصول إليه. كتبت تالا ردًا قصيرًا، وتوقفت قبل إرساله.

قالت نايا: «ماذا ستكتبين؟»

«سأسأله عن المكان.»

«اسأليه عن اسمه أولًا.»

مسحت تالا ما كتبته، ثم أرسلت: «من أنت، وماذا تريد مني؟»

مرت دقيقة، ثم وصل الرد:

«اسألي والدك عن الطريق الساحلي.»

تجمدت أصابعها فوق الهاتف. لم يكن ذكر والدها مفاجئًا تمامًا بعد حديث الصباح، لكنه جعل الأمر أكثر قربًا مما توقعت. لم يعد المرسل يتحدث عن ذكرى غامضة فقط، بل يشير إلى شخص يعيش معها ويعرف تفاصيل حياتها.

قالت نايا: «علينا الاحتفاظ بهذه الرسالة أيضًا.»

أومأت تالا، والتقطت صورة للشاشة، ثم أرسلت نسخة إلى صديقتها. لم ترغب في الاتصال بوالدها من المقهى، لأنها كانت تحتاج إلى التفكير فيما ستقوله له. لكنها قررت ألا تسمح له هذه المرة بإنهاء الحديث بحجة أن الماضي انتهى.

غادرتا المقهى معًا. أوصلتها نايا إلى موقف السيارات، وانتظرت حتى ركبت سيارة الأجرة. وخلال الطريق إلى المنزل، راقبت تالا الشوارع التي بدأت تزدحم مع نهاية الدوام، وحاولت تذكر آخر مرة مرت فيها بالطريق الساحلي قبل رحيل عائلتها.

عادت إليها صورة صغيرة: كانت تجلس في المقعد الخلفي لسيارة، وتضع حقيبة مدرسية قرب قدميها. كان البحر ظاهرًا من النافذة، ووالدها يتحدث بصوت متوتر إلى شخص لا تستطيع رؤية وجهه. ثم انقطعت الصورة عند صوت مرتفع جعلها تغمض عينيها.

فتحت عينيها على صوت السائق يسألها عن الشارع الذي يريد أن يسلكه. أجابته، ثم نظرت إلى يديها فوجدتهما ترتجفان. لم تعرف إن كانت قد تذكرت شيئًا وقع فعلًا، لكنها شعرت للمرة الأولى بأن خوفها من تلك الليلة مرتبط بأكثر من وجود جاد فيها.

عندما وصلت إلى المنزل، وجدت والدها في غرفة المعيشة. كان الهاتف في يده، وقد بدا منشغلًا برسالة يقرأها. رفع رأسه حين دخلت، وحاول أن يبتسم، لكنها لاحظت أنه أغلق الشاشة بسرعة ووضع الهاتف مقلوبًا على الطاولة.

جلست أمامه دون أن تخلع معطفها.

قالت: «أبي، أريد أن أسألك مرة أخرى عن الليلة التي غادرنا فيها بيروت.»

تنهد والدها وقال: «تالا، تحدثنا عن هذا صباحًا.»

«لم تجبني.»

«قلت لك ما أعرفه.»

«هل وقع حادث على الطريق الساحلي؟»

لم يجب فورًا. نظر إلى هاتفه، ثم إلى ابنته، وكأنه يحاول أن يقرر أيهما يحتاج إلى اهتمامه أولًا. وعندما تكلم، كان صوته منخفضًا.

قال: «من أخبرك بذلك؟»

أخرجت تالا هاتفها ووضعت الرسالة الأخيرة أمامه. قرأها، ثم ابتعد قليلًا في مقعده. لم يحاول إنكار الحادث، ولم يسأل عن سبب اهتمامها به، بل بدا أن ما أقلقه هو وصول المعلومة إليها من شخص مجهول.

سألها: «هل تعرفين صاحب الرقم؟»

«لا. ولهذا أسألك.»

قال: «لا تردي على أي رسالة أخرى منه.»

«سأفعل ما أراه مناسبًا، لكنني أريد إجابة أولًا.»

نظر إليها طويلًا. كانت المرة الأولى التي تتحدث إليه بهذه الصراحة عن أمر يتعلق بطفولتها، وقد بدا أنه لم يتوقع منها الإصرار. مرر يده على وجهه، ثم وضع الهاتف جانبًا.

قال: «نعم. وقع حادث تلك الليلة.»

شعرت تالا بأن قلبها يخفق بسرعة، لكنها حافظت على صوتها هادئًا.

سألته: «هل كنت في السيارة؟»

قال: «كنت هناك.»

«وأنا؟»

أطرق والدها برأسه. لم يجب، لكن صمته جعلها تتذكر الحقيبة المدرسية عند قدميها، والبحر خلف النافذة، والصوت الذي قطع كل شيء. بقيت تنتظر حتى رفع رأسه أخيرًا.

قال: «كنت معك يا تالا.»

نظرت إليه، ثم سألت السؤال الذي ظلت تتجنبه منذ بدأت الذكريات تعود:

«وماذا حدث لنا؟»

لم يجب والدها. كانت عيناه معلقتين بالرسالة على شاشة هاتفها، كأن الكلمات التي كتبها شخص مجهول أعادته إلى ليلة لم يستطع نسيانها.

الفصل الثالث: مروان

«أحيانًا لا يبدأ الخوف حين نكتشف الحقيقة، بل حين نعرف أن أحدًا أخفاها عنا.»

بقيت تالا جالسة أمام والدها، تنتظر إجابة عن سؤالها. كان التلفاز يعمل بصوت منخفض، وصوت السيارات يصل من الشارع عبر النافذة المفتوحة قليلًا. لم يتحرك والدها من مكانه، بل ظل ينظر إلى الهاتف الذي وضعته أمامه. وحين طال صمته، شعرت بأنه يحاول اختيار جزء من الحقيقة يستطيع قوله دون أن يضطر إلى شرح الباقي.

قالت: «أبي، سألتك ماذا حدث لنا.»

رفع رأسه وقال: «تعرضنا لحادث، لكننا نجونا. هذا أهم ما في الأمر.»

«إذا كان الأمر بهذه البساطة، فلماذا لم تخبرني به؟»

«كنت صغيرة، ومررت بفترة صعبة. لم نرد أن نزيد خوفك.»

نظرت إليه تالا باستغراب. كانت في الخامسة عشرة آنذاك، ولم تكن طفلة لا تستطيع فهم ما يحدث حولها. تذكرت انتقالهم المفاجئ، وتوقف أمها عن زيارة بعض الأقارب، وامتناع والدها عن الحديث عن بيروت طوال أشهر. كانت تعتقد أن تلك التصرفات مرتبطة بعمله الجديد، لكنها لم تعد واثقة من ذلك.

قالت: «كنت في الخامسة عشرة. كان يمكنكم أن تشرحوا لي.»

«ربما أخطأنا حين لم نفعل.»

«ومن كان معنا في السيارة؟»

تحرك والدها في مقعده، ثم أجاب: «كنت أنا وأنت.»

«هل كانت أمي معنا؟»

«لا. كانت تنتظرنا في المنزل.»

حاولت تالا استعادة صورة المقعد الخلفي. تذكرت حقيبتها المدرسية والبحر، لكنها لم تتذكر وجه والدها خلف المقود. كان هناك صوت رجل يتحدث بغضب، ولم تستطع تحديد ما إذا كان داخل السيارة أم خارجها.

سألته: «هل اصطدمنا بسيارة أخرى؟»

قال: «نعم.»

«ومن كان يقودها؟»

نظر والدها إلى النافذة قبل أن يجيب: «لا أريد أن أعطيك معلومات غير دقيقة. مر وقت طويل.»

«لكن لا بد أنك عرفت اسمه وقتها.»

«عرفت بعض الأشياء، ثم انتهى الأمر.»

لم تقتنع تالا. كانت تعرف والدها جيدًا، وتعرف أنه حين يريد تجنب موضوع يبدأ بالحديث عن الوقت الذي مضى أو عن ضرورة الاهتمام بالحاضر. لكنها لم تكن مستعدة هذه المرة لقبول ذلك. أخذت هاتفها من الطاولة ووقفت.

قالت: «لن أضغط عليك الليلة، لكنني لن أتوقف عن السؤال.»

نهض والدها بدوره وقال: «تالا، انتبهي ممن تأخذين المعلومات. ليس كل من يخبرك بشيء يريد مساعدتك.»

«أعرف. ولهذا بدأت بسؤالك أنت.»

لم يجد ما يقوله. راقبها وهي تتجه إلى غرفتها، ثم جلس مجددًا وأخذ هاتفه. سمعت تالا صوته بعد لحظات يتحدث إلى شخص لم يذكر اسمه، لكنها لم تستطع تمييز الكلمات من خلف الباب.

جلست على سريرها وأرسلت إلى نايا رسالة تخبرها بما قاله والدها. جاء الرد بعد دقائق، تقترح فيه نايا أن يحتفظا بكل ما يصل من الرقم المجهول، وألا يتخذا أي خطوة قبل معرفة المزيد. وافقت تالا، ثم فتحت المحادثة المجهولة وقرأت الرسائل من بدايتها.

لم تكن تعرف لماذا يصر المرسل على الإشارة إلى البحر. كان يستطيع أن يذكر الحادث مباشرة، أو أن يرسل ما لديه من معلومات، لكنه اختار كلمات قليلة تدفعها إلى البحث بنفسها. تساءلت إن كان يحاول مساعدتها أم يريد أن يجعلها تشك في والدها وجاد معًا.

كتبت: «أعرف الآن أن حادثًا وقع. إذا كنت تعرف شيئًا آخر، فأخبرني به.»

أرسلت الرسالة، ثم انتظرت. لم يصل رد، فوضعت الهاتف جانبًا وحاولت قراءة بعض صفحات كتابها الجامعي. لكنها لم تتجاوز الصفحة الأولى، إذ عادت إلى ذهنها صورة والدها وهو يغلق هاتفه عندما دخلت المنزل.

في صباح اليوم التالي، وصلت تالا إلى الجامعة قبل موعدها المعتاد. وجدت نايا قرب المدخل، فأخبرتها أن جاد لم يحضر المحاضرة الأولى. لم تكن تالا قد سألت عنه، لكن نايا كانت تعرف أنها تريد تجنب مواجهته ما أمكن.

قالت تالا: «أريد أن أعرف شيئًا واحدًا فقط. من أين حصل على معلومات الحادث؟»

أجابتها نايا: «يمكنك سؤاله، لكن في مكان عام، وأنا معك.»

«طلبت منه ألا يبحث عني.»

«إذن لا تبحثي عنه الآن. إذا كان لديه دليل حقيقي، سيجد طريقة مناسبة لإيصاله.»

فكرت تالا في كلام صديقتها، ثم دخلتا القاعة. لم ترغب في أن يصبح جاد مصدرها الوحيد للمعلومات، خصوصًا أن والدها أكد وقوع الحادث. كان عليها أن تعرف ما تستطيع من عائلتها أولًا، وربما تبحث لاحقًا عن سجلات قديمة تساعدها على فهم ما حدث.

بعد انتهاء المحاضرة، جلستا في ساحة الجامعة. أخرجت نايا دفترها وبدأت تراجع بعض الملاحظات، بينما كانت تالا تتصفح الأخبار القديمة على هاتفها. كتبت كلمات تتعلق بحوادث السيارات على الطريق الساحلي قبل أحد عشر عامًا، لكنها وجدت نتائج كثيرة لا تعرف أيها يخصها.

قالت نايا: «هل تتذكرين الشهر؟»

«أظنه كان في نهاية الصيف. غادرنا قبل بداية العام الدراسي.»

«هذا يساعد قليلًا.»

«لا أتذكر اليوم. حتى تاريخ انتقالنا لم أعد متأكدة منه.»

وضعت نايا دفترها جانبًا وقالت: «اسألي والدتك. ربما تتذكر تفاصيل لا يريد والدك الحديث عنها.»

«أمي كانت خائفة تلك الليلة. أذكر ذلك جيدًا.»

«ربما تستطيعين سؤالها دون أن تضغطي عليها.»

أومأت تالا برأسها. كانت والدتها خارج بيروت لزيارة إحدى قريباتها، وقد قررت الاتصال بها في المساء. لكنها لم ترغب في الحديث عن الحادث عبر الهاتف قبل أن تعرف إن كانت أمها مستعدة لذلك.

في الجهة الأخرى من الجامعة، كان جاد يجلس مع فادي في مقهى صغير قرب المكتبة. وضع أمامه ملفًا ورقيًا يحتوي على صور ومستندات قديمة، لكنه لم يفتحه. كان فادي يراقبه منذ دقائق، وقد لاحظ أنه ينظر إلى هاتفه كلما وصل إشعار جديد.

قال فادي: «هل تحدثت مع تالا؟»

أجاب جاد: «نعم. لم يكن ينبغي أن أفعل ذلك بهذه الطريقة.»

«ماذا قلت لها؟»

«أخبرتها أن هناك أشياء لا تعرفها عن رحيل عائلتها.»

تنهد فادي وقال: «أنت تعرف أنها لا تثق بك. لماذا بدأت بالكلام عن أسرار عائلتها؟»

«لأنني لا أعرف كم بقي لدينا من الوقت قبل أن يصل إليها شخص آخر.»

نظر فادي إلى الملف وقال: «هل تقصد رامي؟»

لم يجب جاد فورًا. فتح الملف وأخرج صورة قديمة لمبنى قرب المرفأ، ثم وضعها أمام صديقه. كانت الصورة تحمل تاريخًا يعود إلى ما قبل الحادث بأسابيع، ويظهر عند مدخل المبنى رجلان لا تتضح ملامحهما جيدًا.

قال جاد: «رامي كان يعمل مع أشخاص مرتبطين بذلك المبنى. هذا ما استطعت التأكد منه.»

«وهل تعرف علاقته بالحادث؟»

«ليس بعد.»

«إذن لا تتهمه بشيء لا تملك دليلًا عليه.»

أعاد جاد الصورة إلى الملف. كان يعرف أن فادي محق، لكنه لم يستطع تجاهل ما وجده بين أوراق شقيقه مروان. قبل شهر تقريبًا، انقطع اتصال مروان بالعائلة، ولم يترك سوى رسالة قصيرة يقول فيها إنه يحتاج إلى الابتعاد لبعض الوقت. في البداية ظن جاد أنه سافر لأسباب شخصية، لكن العثور على الملف جعله يشك في أن اختفاءه مرتبط بأمر آخر.

قال فادي: «هل حاولت الاتصال بمروان اليوم؟»

«الرقم مغلق.»

«وعمك شربل؟»

«يقول إنه لا يعرف مكانه.»

«هل تصدقه؟»

أغلق جاد الملف وقال: «لا أعرف. كلما سألته عن مروان، طلب مني ألا أبحث في الماضي.»

نظر فادي إليه بقلق. كان يعرف أن جاد وشقيقه لم يكونا قريبين طوال السنوات الماضية، وأن خلافات قديمة أبعدت بينهما. لكن اختفاء مروان جعله يعود إلى أمور كان يتجنب الحديث عنها، ومنها حادث الطريق الساحلي وعلاقته بعائلة تالا.

قال فادي: «ربما عليك أن تركز على العثور على أخيك قبل محاولة تفسير كل ما حدث.»

«هذا ما أحاول فعله. لكن كل طريق أصل إليه يعيدني إلى الحادث.»

«وماذا تريد من تالا؟»

سكت جاد قليلًا، ثم أجاب: «أريد أن تعرف ما يخصها. لكنني لا أريد أن أكون سببًا في خوف جديد لها.»

قال فادي: «إذن احترم طلبها. لا تتواصل معها حتى يكون لديك شيء مؤكد.»

أومأ جاد برأسه. كان قد وعد تالا بذلك، ولم يكن ينوي مخالفة وعده. لكنه شعر بأن الوقت يمر دون أن يقترب من معرفة مكان مروان، وأن الأوراق التي تركها شقيقه تثير أسئلة أكثر مما تجيب عنها.

في تلك اللحظة، وصل إشعار إلى هاتف فادي. فتحه، ثم نظر إلى جاد باستغراب.

قال: «وصلتني رسالة من رقم لا أعرفه.»

«ماذا تقول؟»

قرأ فادي: «إذا كنت تريد مساعدة جاد، فاسأله عما أخفاه مروان.»

مد جاد يده ليرى الشاشة. لم يكن الرقم مسجلًا، ولم تظهر له صورة أو معلومات. حاول فادي الاتصال به، لكن المكالمة لم تكتمل.

قال فادي: «هل يعرف أحد أنك تحدثت معي عن مروان؟»

«لا أعرف.»

«إذن علينا أن نفترض أن شخصًا يتابع ما نفعله.»

نظر جاد إلى الملف الموضوع على الطاولة. لم يكن يعرف إن كان المرسل يحاول مساعدتهما أم دفعهما إلى طريق خاطئ، لكنه أدرك أن اختفاء مروان لم يعد شأنًا عائليًا يمكن تجاهله.

قال: «لنرسل نسخة من الرسالة إلى هاتف آخر، ونحتفظ بالرقم.»

«وماذا بعد؟»

«سأراجع الأوراق مرة أخرى. ربما فاتني شيء.»

عاد جاد إلى الملف، وبدأ يقلب صفحاته ببطء. كانت معظم الأوراق تتعلق بتحويلات مالية قديمة، وأسماء شركات لم يسمع بها من قبل. وبينها ورقة صغيرة كتب عليها مروان بخط يده: «النسخة الأصلية ليست هنا.»

توقف عند العبارة. كان قد قرأها سابقًا دون أن يفهم المقصود، لكنه لاحظ الآن رقمًا صغيرًا مكتوبًا في زاويتها. أخرج هاتفه والتقط صورة للورقة، ثم طلب من فادي أن يساعده في معرفة ما إذا كان الرقم يشير إلى ملف أو عنوان.

في المساء، عادت تالا إلى المنزل بعد يوم طويل. لم تجد والدها في غرفة المعيشة، وعرفت من رسالة تركها لها أنه سيعود متأخرًا. وضعت حقيبتها على الطاولة واتصلت بوالدتها، لكنها لم تجب. أرسلت إليها رسالة قصيرة تطلب منها الاتصال حين تستطيع، ثم جلست لتراجع ما عرفته خلال اليومين الماضيين.

كانت لديها ثلاث حقائق مؤكدة: وقع حادث على الطريق الساحلي، وكان والدها معها، ولم يخبرها أحد بتفاصيله طوال أحد عشر عامًا. أما علاقة جاد بالحادث، وهوية المرسل المجهول، فبقيتا مجرد أسئلة. حاولت ألا تضيف إلى ذلك استنتاجات لا تستطيع إثباتها.

عند الثامنة تقريبًا، رن هاتفها. ظنت أن والدتها تتصل بها، لكنها وجدت رسالة جديدة من الرقم المجهول.

«هناك اسم لم يذكروه لك.»

شعرت بالضيق. لم تعد تحتمل الرسائل التي تقدم نصف معلومة ثم تتركها تنتظر الباقي. كتبت ردًا مباشرًا دون تردد.

«إذا كنت تريد مساعدتي، فاكتب الاسم.»

وصل الرد بعد لحظات:

«مروان.»

قرأت تالا الاسم بصوت منخفض. لم يكن غريبًا عنها تمامًا، فقد تذكرت أن جاد كان يتحدث في المدرسة عن شقيقه الأكبر. لكنها لم تعرف لماذا يظهر اسمه الآن، ولا ما علاقته بحادث وقع قبل أحد عشر عامًا.

كتبت: «ما علاقته بالحادث؟»

لم يصل رد. حاولت الاتصال بالرقم، فسمعت رسالة آلية تفيد بأن الهاتف غير متاح. أعادت المحاولة مرة واحدة، ثم توقفت وأرسلت صورة المحادثة إلى نايا.

اتصلت بها صديقتها بعد دقائق.

قالت نايا: «هل تعرفين مروان؟»

«إنه شقيق جاد، على ما أذكر.»

«هل أنت متأكدة؟»

«أذكر أن جاد كان يتحدث عنه في المدرسة. لا أعرفه شخصيًا.»

سكتت نايا لحظة، ثم قالت: «إذن لا نعرف إن كان المرسل يقصد الشخص نفسه.»

«صحيح. لكن الاسم ظهر بعد أن تحدث جاد عن الحادث.»

«يمكنك الاحتفاظ به ضمن المعلومات التي نحتاج إلى التحقق منها.»

وافقت تالا. لم ترغب في الاتصال بجاد لمجرد ظهور اسم شقيقه، خصوصًا أنها طلبت منه الابتعاد. لكنها بدأت تدرك أن الحادث ربما شمل أشخاصًا أكثر مما ذكره والدها، وأن معرفة أسمائهم قد تساعدها على فهم ما جرى.

بعد انتهاء المكالمة، دخلت غرفتها وأخرجت صندوقًا صغيرًا تحتفظ فيه بأشياء قديمة من طفولتها. كانت قد نقلته معها إلى بيروت قبل أشهر، لكنها لم تفتحه منذ وصولها. وضعت الصندوق على السرير وبدأت تخرج محتوياته: صور مدرسية، وبطاقات تهنئة، ودفترًا قديمًا فقد بعض صفحاته.

وجدت صورة جماعية التقطت في إحدى المناسبات المدرسية. كانت تقف فيها قرب نايا التي عرفتها منذ سنوات، بينما ظهر جاد في الخلف مع مجموعة من الطلاب. لم ترغب في النظر إليه طويلًا، فوضعت الصورة جانبًا وأكملت البحث.

في أسفل الصندوق وجدت ظرفًا ورقيًا صغيرًا. لم يكن مغلقًا، واحتوى على صورة قديمة للطريق الساحلي، التقطت من داخل سيارة. ظهر البحر على الجانب الأيمن، وفي مقدمة الصورة جزء من لوحة إرشادية لم تستطع قراءة اسم المكان عليها.

قلبت الصورة، فوجدت تاريخًا مكتوبًا بخط والدها. كان يعود إلى اليوم السابق لرحيلهم من بيروت.

بقيت تالا تحدق في التاريخ. لم تتذكر أنها احتفظت بهذه الصورة، ولم تعرف من وضعها في صندوقها. لكنها لاحظت شيئًا جعلها تقرب الورقة من المصباح: في أسفل الصورة، قرب حافة المقعد الأمامي، ظهرت يد شخص يرتدي ساعة ذات سوار معدني عريض.

لم تكن اليد لوالدها، على الأقل كما استطاعت تذكر ساعته القديمة. ولم يكن لديها دليل على هوية صاحبها، لكنها أدركت أن الصورة ربما التقطت أثناء وجود شخص آخر في السيارة.

وضعت الصورة على الطاولة والتقطت لها نسخة بهاتفها. ثم كتبت في دفترها سؤالًا جديدًا: «من كان معنا؟»

وقبل أن تغلق الصندوق، لاحظت ورقة مطوية عالقة بين صفحتين من دفترها المدرسي. فتحتها بحذر، فوجدت جملة قصيرة كتبت بخط لا تعرفه:

«اسألي مروان عما رآه تلك الليلة.»

رفعت تالا رأسها نحو باب الغرفة. لم يكن هناك أحد، لكن وجود الاسم نفسه في الرسالة المجهولة والورقة القديمة جعلها تشعر بأن شخصًا يعرف تفاصيل الحادث منذ سنوات.

أعادت قراءة الجملة، ثم نظرت إلى الصورة الموضوعة أمامها. لم تعد تسأل فقط عما حدث على الطريق الساحلي، بل بدأت تتساءل لماذا احتفظت بهذه الأشياء دون أن تتذكرها، ومن الذي أراد أن تصل إليها في هذا الوقت بالذات.

الفصل الرابع: نصف الحقيقة

«والدها لم يكذب، لكنه لم يقل كل شيء.»

بقيت تالا جالسة أمام الصندوق المفتوح، تقارن الورقة الصغيرة بالصورة القديمة. كان اسم مروان مكتوبًا بوضوح، لكن الخط لم يكن مألوفًا لها، ولم تتذكر أنها رأت الورقة من قبل. نظرت إلى التاريخ خلف الصورة، ثم إلى الدفتر المدرسي الذي وجدتها بين صفحاته. لم تستطع معرفة متى وصلت إليها هذه الأشياء، ولا إن كانت قد قرأت العبارة قبل أحد عشر عامًا ثم نسيتها.

أخرجت هاتفها وصورت الورقة من الجهتين. بعدها وضعت الصورة القديمة إلى جانبها، وكتبت في دفتر جديد ما تعرفه دون أن تضيف إليه تخميناتها. كان والدها معها في السيارة، ووقع حادث على الطريق الساحلي، وظهر اسم مروان في رسالة حديثة وورقة قديمة. أما صاحب اليد الظاهرة في الصورة، وهوية كاتب الورقة، فلم تعرف عنهما شيئًا.

اتصلت بنايا رغم تأخر الوقت. أجابت صديقتها بصوت متعب، لكنها انتبهت فورًا عندما أخبرتها تالا بما وجدت. أرسلت إليها الصور أثناء المكالمة، وانتظرت حتى تفتحها.

قالت نايا: «هل تتذكرين من أعطاك هذا الدفتر؟»

«كان بين أغراضي القديمة. لا أذكر أنني فتحته منذ انتقالنا.»

«والورقة؟»

«لا أعرف من كتبها.»

«ربما وضعتها فيه قبل سنوات.»

نظرت تالا إلى العبارة مرة أخرى. كانت الفكرة ممكنة، لكنها لم تفسر سبب نسيانها، ولا ظهور اسم مروان في الرسائل بعد كل تلك السنوات. حاولت تذكر أيامها الأخيرة في المدرسة، لكنها لم تستطع استعادة سوى مشاهد متفرقة لا تعرف ترتيبها.

قالت: «أريد أن أسأل جاد عن أخيه.»

أجابت نايا: «يمكننا التحدث إليه غدًا. لكن لا تذهبي وحدك.»

«لن أذهب وحدي. وأريد أن يكون الحديث قصيرًا.»

«أرسلي له رسالة تحددين فيها ما تريدين معرفته.»

ترددت تالا. لم تكن تحتفظ برقم جاد، ولم ترغب في أن تطلبه من أحد. اقترحت نايا أن تتولى إبلاغه بطلب اللقاء إذا صادفته في الجامعة، وأن يكون اللقاء في المقهى المفتوح قرب المكتبة. وافقت تالا، ثم أغلقت الهاتف وأعادت الأوراق إلى ظرف منفصل احتفظت به في درج مكتبها.

في صباح اليوم التالي، استيقظت على صوت والدها في المطبخ. كانت قد قررت سؤاله عن الصورة قبل أن تتحدث إلى جاد، لكنها لم تكن تعرف كيف سيستقبل وجودها. خرجت من غرفتها تحمل الهاتف، وجلست أمامه بينما كان يراجع بعض الأوراق.

قالت: «وجدت شيئًا بين أغراضي القديمة.»

رفع رأسه وسأل: «ماذا وجدت؟»

فتحت صورة الطريق الساحلي ووضعت الهاتف أمامه. نظر إليها طويلًا، ثم تناول نظارته وارتداها. لم يتغير تعبيره في البداية، لكن يده توقفت عندما قرأ التاريخ المكتوب خلف الصورة.

سأل: «أين كانت هذه؟»

«في صندوق أغراضي المدرسية.»

«منذ متى تحتفظين بها؟»

«لا أعرف. كنت أظن أنك ستعرف.»

أعاد إليها الهاتف، ثم نهض ليضع فنجانه في المغسلة. انتظرت تالا حتى عاد، ولم تحاول ملء الصمت. كانت تريد منه إجابة محددة، لا تفسيرًا جديدًا لسبب ضرورة نسيان الماضي.

قال: «التقطنا صورًا كثيرة في تلك الفترة.»

«هذه الصورة التقطت في يوم الحادث، أليس كذلك؟»

«التاريخ يشير إلى ذلك.»

«من التقطها؟»

تنهد والدها وقال: «لا أذكر.»

«ومن صاحب اليد التي تظهر فيها؟»

نظر إلى الشاشة مرة أخرى. كانت اليد في أسفل الصورة، ولم يظهر منها سوى جزء صغير والساعة المعدنية. قرّب الهاتف من وجهه، ثم أعاده إليها.

قال: «لا أستطيع معرفة الشخص من يده.»

«هل كان معنا أحد غيرك وغيري؟»

تردد قليلًا قبل أن يجيب: «توقفنا في أكثر من مكان ذلك اليوم. ربما ركب معنا شخص لفترة قصيرة.»

شعرت تالا بأن إجابته تختلف عما قاله في الليلة السابقة. كان قد أخبرها بأنهما كانا معًا في السيارة، وها هو يفتح احتمال وجود شخص ثالث. لم تعرف إن كان قد نسي التفاصيل فعلًا أم أنه يتجنب ذكر اسم معين.

قالت: «أمس قلت إننا كنا وحدنا.»

«قلت إنني كنت معك. لم أقل إن أحدًا لم يركب معنا طوال اليوم.»

«إذن من ركب معنا؟»

أخفض والدها عينيه إلى الأوراق أمامه. لم يجب فورًا، ثم قال إنه لا يريد الاعتماد على ذاكرة قديمة قد تخونه. وأضاف أن الصورة وحدها لا تثبت وجود الشخص في السيارة وقت الحادث.

قالت تالا: «هذا صحيح. لكنك تعرف أكثر مما تقوله.»

نظر إليها بحزن وقال: «أخشى أن تسمعي أشياء تجعلك تتألمين دون أن تكون صحيحة.»

«وأنا أخشى أن أظل أصدق رواية ناقصة لأنك تريد حمايتي.»

لم يرفع صوته، ولم يطلب منها التوقف كما فعل سابقًا. جلس أمامها، ومرر يده على جبينه، ثم قال إن ما حدث تلك الليلة كان معقدًا، وإنه اتخذ قرارات ظن أنها الأفضل للعائلة. سألته عن تلك القرارات، لكنه قال إنه يحتاج إلى مراجعة بعض الأوراق قبل أن يتحدث عنها.

لم تكن تالا راضية، لكنها لاحظت أنه لم ينكر هذه المرة وجود معلومات أخفاها عنها. أخذت هاتفها ونهضت، ثم أخبرته بأنها ستذهب إلى الجامعة. وقبل أن تغادر، التفتت إليه.

قالت: «وجدت اسمًا مكتوبًا في دفتر قديم. مروان. هل تعرفه؟»

رفع والدها رأسه بسرعة لم يستطع إخفاءها.

قال: «من أين سمعت هذا الاسم؟»

«سألتك إن كنت تعرفه.»

بقي صامتًا لحظة، ثم أجاب: «أعرف أن لجاد أخًا بهذا الاسم.»

«هل كان مروان في الطريق الساحلي يوم الحادث؟»

قال: «لا أستطيع الإجابة عن ذلك الآن.»

لم يكن النفي الذي توقعته. نظرت إليه، ثم غادرت المنزل وهي تشعر بأن سؤالها وصل أخيرًا إلى أمر يعرفه والدها جيدًا. لم تكن تملك دليلًا على تورط مروان في شيء، لكنها أصبحت متأكدة من أن اسمه ليس غريبًا عن تلك الليلة.

وصلت إلى الجامعة قبل موعد المحاضرة بقليل. وجدت نايا تنتظرها قرب المدخل، وأخبرتها بما جرى في المنزل. استمعت صديقتها دون مقاطعة، ثم قالت إن والدها ربما يحتاج إلى وقت ليستعيد التفاصيل، لكن ذلك لا يمنع تالا من البحث عن معلومات موثوقة.

قالت تالا: «هل رأيت جاد؟»

«نعم. أخبرته أنك تريدين سؤاله عن مروان.»

«وماذا قال؟»

«وافق على اللقاء بعد المحاضرة. قلت له إنني سأكون معك.»

شعرت تالا بالتوتر، لكنها لم تتراجع. لم تكن تريد العودة إلى علاقتها القديمة بجاد، ولم تكن مستعدة لمنحه ثقتها. كل ما أرادته أن تعرف إن كان شقيقه مرتبطًا بالحادث، ولماذا ظهر اسمه في أوراق احتفظت بها منذ طفولتها.

بعد انتهاء المحاضرة، ذهبت مع نايا إلى المقهى القريب من المكتبة. اختارتا طاولة في مكان ظاهر للطلاب، وجلستا تنتظران. وصل جاد بعد دقائق، وتوقف قرب الطاولة حتى أشارت إليه نايا بالجلوس.

قال جاد: «شكرًا لأنكما وافقتما على اللقاء.»

أجابته تالا: «لدي أسئلة محددة. لا أريد الحديث عن الماضي بيننا.»

أومأ برأسه وقال: «أفهم ذلك.»

«هل مروان شقيقك؟»

«نعم.»

«أين هو الآن؟»

تغير تعبير جاد. نظر إلى نايا، ثم عاد إلى تالا، كأنه يحاول معرفة سبب سؤالها. لم يكن يتوقع أن تبدأ الحديث عن شقيقه، خصوصًا أنه لم يذكر اسمه لها في لقاءاتهما السابقة.

قال: «لا أعرف مكانه.»

سألته تالا: «ماذا تقصد؟»

«انقطع اتصاله بنا قبل شهر تقريبًا.»

«هل أبلغتم عن اختفائه؟»

«ترك رسالة يقول فيها إنه يحتاج إلى الابتعاد. حاولنا الوصول إليه، لكننا لم نعرف أين ذهب.»

نظرت تالا إلى نايا، ثم أعادت عينيها إلى جاد. لم يكن اختفاء مروان قبل شهر يفسر وجود اسمه في ورقة قديمة، لكنه جعل السؤال عنه أكثر تعقيدًا. أخرجت هاتفها وفتحت صورة العبارة التي وجدتها في دفترها.

قالت: «أريد أن أريك شيئًا.»

مدت الهاتف نحوه، فقرأ: «اسألي مروان عما رآه تلك الليلة.»

بقي ينظر إلى الشاشة عدة ثوانٍ، ثم رفع رأسه.

سأل: «أين وجدت هذه الورقة؟»

«بين صفحات دفتر مدرسي قديم.»

«هل تعرفين من كتبها؟»

«لا. هل تعرف أنت؟»

طلب أن ينظر إليها مرة أخرى، فسمحت له بتكبير الصورة على الهاتف دون أن تعطيه الجهاز. تأمل الخط، ثم هز رأسه. لم يتعرف إلى الكاتب، لكنه بدا قلقًا من وجود اسم شقيقه في ورقة تعود إلى تلك الفترة.

قال: «لم أر هذه الورقة من قبل.»

«هل كان مروان موجودًا ليلة الحادث؟»

أجاب: «لا أعرف أين كان في تلك الليلة تحديدًا.»

«لكنك تعرف أن حادثًا وقع.»

«نعم.»

«ومن أخبرك به؟»

سكت جاد قليلًا، ثم قال: «سمعت عنه من عائلتي وقتها. وبعد اختفاء مروان، وجدت أوراقًا جعلتني أبحث فيه من جديد.»

سألته نايا: «أي أوراق؟»

نظر جاد إلى تالا قبل أن يجيب. كان واضحًا أنه متردد في كشف ما لديه، لكنها لم تكن مستعدة لقبول حديث جديد عن معلومات لا يستطيع مشاركتها. انتظرت حتى أخرج من حقيبته ملفًا ورقيًا صغيرًا ووضعه على الطاولة.

قال: «وجدت هذا بين أغراض مروان. لا أعرف إن كانت كل المعلومات فيه صحيحة.»

فتح الملف وأخرج صورة لمبنى قديم قرب المرفأ، ثم ورقة تحتوي على أسماء شركات وأرقام تحويلات مالية. لم تفهم تالا العلاقة بين المستندات وحادث السيارة، لكنها لاحظت أن بعض التواريخ تعود إلى الأسابيع التي سبقت رحيل عائلتها.

سألت: «ما علاقة هذه الأوراق بي؟»

قال جاد: «لا أعرف العلاقة كاملة. لكن مروان احتفظ بها سنوات، ثم عاد إلى مراجعتها قبل اختفائه.»

«هل كان يعمل في هذه الشركات؟»

«لا أملك دليلًا على ذلك.»

تدخلت نايا قائلة: «إذن ما الذي تعرفه فعلًا؟»

أغلق جاد الملف قليلًا، ثم أجاب بأن مروان كان يبحث في تحويلات مالية قديمة مرتبطة بشركة تعامل معها أحد معارف العائلة. وأضاف أنه وجد بين الأوراق إشارات إلى الطريق الساحلي وتاريخ الحادث، لكنه لم يجد شرحًا واضحًا يربط كل ذلك.

قالت تالا: «من هو الشخص الذي كان يتعامل مع الشركة؟»

تردد جاد، ثم قال: «اسمه رامي.»

لم تتذكر تالا الاسم. انتظرت أن يشرح، لكنه اكتفى بالقول إن رامي كان يعرف بعض الأشخاص المرتبطين بالمرفأ، وإن مروان ذكره أكثر من مرة قبل أن ينقطع اتصاله بالعائلة.

سألته: «هل تعتقد أن رامي تسبب في الحادث؟»

قال: «لا أملك ما يثبت ذلك.»

«إذن لماذا تذكره؟»

«لأنني أريد أن أعرف لماذا كان مروان يبحث عنه.»

نظرت تالا إلى الأوراق مرة أخرى. لم يكن فيها ما يثبت اتهامًا محددًا، وقد أدركت أن جاد يحاول تفسير أمور لم يفهمها هو نفسه. لكنها لاحظت أن اسم مروان يظهر في كل طريق يقود إلى الحادث، سواء في دفترها القديم أو في الملف الذي تركه شقيق جاد.

قالت: «هل يمكنني الحصول على صور من الأوراق التي تتعلق بالحادث؟»

أجاب جاد: «نعم. سأرسلها إلى نايا إذا وافقتِ.»

قالت نايا: «يمكنك إرسالها إليّ الآن.»

أخرج جاد هاتفه وبدأ يرسل الصور. انتظرت نايا حتى وصلت الملفات، ثم فتحت بعضها لتتأكد من وضوحها. لم تحاول تالا قراءة كل شيء في المقهى، لأنها أرادت مراجعتها بهدوء ومقارنتها بما وجدته في منزلها.

قبل أن ينتهي اللقاء، سألت جاد سؤالًا آخر.

«هل تعرف لماذا رحلت عائلتي من بيروت بعد الحادث مباشرة؟»

نظر إليها، ثم قال: «سمعت روايات مختلفة. لا أعرف أيها صحيح.»

«وما الذي قيل لك؟»

«قيل إن والدك قرر الابتعاد بعد خلاف يتعلق بالعمل.»

«هل كان الخلاف مع رامي؟»

«لا أعرف.»

شعرت تالا بالضيق من كثرة الإجابات الناقصة، لكنها أدركت أن الضغط عليه لن يحول الظنون إلى حقائق. جمعت أغراضها ونهضت، ثم نظرت إليه للمرة الأخيرة.

قالت: «إذا عرفت شيئًا مؤكدًا، فأرسله إلى نايا. ولا تستخدم ما حدث لي قديمًا سببًا للاقتراب مني.»

أجاب جاد: «لن أفعل.»

غادرت مع نايا، وبقي جاد جالسًا ينظر إلى الملف أمامه. كان قد توقع أن ترفض تالا الحديث معه، لكنه لم يتوقع أن تكون لديها ورقة قديمة تذكر مروان. أدرك أن شقيقه ربما حاول إيصال معلومات إليها قبل سنوات، أو أن شخصًا آخر كان يعرف ما رآه مروان تلك الليلة.

في طريق العودة، راجعت تالا الصور التي وصلت إلى نايا. كانت بعض الأوراق غير واضحة، لكن إحداها تضمنت قائمة بأسماء وتواريخ ومبالغ مالية. لم يكن اسم والدها ظاهرًا فيها، ولم تجد ما يشير مباشرة إلى السيارة أو الحادث. ومع ذلك، لاحظت رقمًا مكتوبًا بخط اليد في زاوية إحدى الصفحات، وبجواره حرفان لم تستطع فهمهما.

قالت نايا: «هل تريدين أن نراجعها معًا غدًا؟»

«نعم. لا أريد أن أستنتج شيئًا قبل أن نفهمها.»

«وهل ستخبرين والدك بما وجدت؟»

فكرت تالا قليلًا، ثم قالت: «سأسأله أولًا عن رامي. أريد أن أعرف إن كان يعرفه.»

وصلتا إلى موقف السيارات، وافترقتا بعد أن اتفقتا على الاحتفاظ بنسخ منفصلة من الصور. ركبت تالا سيارة أجرة، وخلال الطريق حاولت ترتيب الأحداث: حادث قديم، واسم مروان في دفترها، وملف مالي تركه قبل اختفائه، وشخص يدعى رامي يظهر في الأوراق دون أن تتضح علاقته بما جرى.

عندما وصلت إلى المنزل، وجدت والدها في غرفة المعيشة يتحدث عبر الهاتف. كان صوته منخفضًا، لكنه توقف عن الكلام بمجرد أن رآها. أنهى المكالمة سريعًا، ثم سألها عن يومها.

جلست أمامه وقالت: «أريد أن أسألك عن شخص.»

نظر إليها بحذر.

«من هو؟»

«رامي.»

لم يتحرك والدها، لكن ملامحه تغيرت بوضوح. وضع هاتفه على الطاولة، ثم سألها بصوت هادئ حاول أن يجعله طبيعيًا:

«من أين عرفت هذا الاسم؟»

قالت: «وجدته في أوراق تتعلق بالفترة التي غادرنا فيها بيروت.»

«أي أوراق؟»

«أريد أن أعرف أولًا إن كنت تعرفه.»

تنفس والدها بعمق، ثم قال: «نعم، أعرفه.»

انتظرت تالا أن يكمل، لكنه لم يفعل. كانت قد توقعت أن ينكر معرفته بالاسم أو أن يسألها عن الشخص المقصود، أما اعترافه المباشر فقد جعلها أكثر رغبة في معرفة التفاصيل.

سألته: «هل كان يعمل معك؟»

قال: «تعاملنا في بعض الأمور قبل سنوات.»

«وهل كان موجودًا ليلة الحادث؟»

أبعد والدها نظره عنها. بقي صامتًا مدة قصيرة، ثم قال إنه لا يستطيع تأكيد مكان رامي في تلك الليلة. لم تكن الإجابة كافية، لكنها كشفت لتالا أن الاسم ليس مجرد تفصيل عابر في أوراق مروان.

قالت: «لماذا لم تخبرني عنه؟»

«لأنه لم يكن جزءًا من حياتك.»

«لكنه أصبح جزءًا من الأسئلة التي أحاول فهمها.»

نظر إليها والدها، ثم قال: «تالا، هناك أمور لم أحسن التصرف فيها. أعرف ذلك. لكنني لا أريد أن تتورطي في مشكلة لا تعرفين أطرافها.»

أجابته: «أنا متورطة فيها منذ أحد عشر عامًا، حتى لو لم أكن أعرف.»

لم يجد ما يقوله. نهض من مكانه واتجه إلى النافذة، ثم وقف ينظر إلى الشارع. كانت تالا تراقبه وتنتظر، لكنها لم ترغب في تحويل الحديث إلى مواجهة تنتهي بصمت جديد.

قالت: «سأترك لك وقتًا لتفكر فيما تريد قوله. لكنني لن أقبل أن تقرر وحدك ما يحق لي معرفته.»

التفت إليها والدها، وبدا أنه يريد الرد، لكنه اكتفى بإيماءة صغيرة. أخذت تالا هاتفها واتجهت إلى غرفتها، ثم أغلقت الباب وجلست أمام مكتبها.

فتحت الصور التي أرسلها جاد إلى نايا، وبدأت تقارن الأرقام والتواريخ. لم تكن خبيرة في المستندات المالية، لكنها استطاعت ملاحظة أن بعض التحويلات تكررت في فترات متقاربة. كتبت ملاحظاتها في دفترها، ثم وضعت دائرة حول اسم رامي.

بعد دقائق، وصلتها رسالة من نايا تتضمن صورة مكبرة لإحدى الصفحات. كانت قد لاحظت رقمًا صغيرًا أسفل الجدول، وطلبت من تالا مقارنته بالرقم المكتوب على الورقة التي وجدتها في دفترها القديم.

أخرجت تالا الورقة من الظرف، ونظرت إلى الجهة الخلفية تحت ضوء المصباح. لم تكن قد انتبهت من قبل إلى كتابة باهتة قرب الحافة، فقد ركزت على العبارة التي تذكر مروان. قربت الورقة من عينيها، ثم التقطت لها صورة مكبرة.

كان الرقم مطابقًا لما ظهر في المستند المالي.

شعرت تالا بالتوتر، لكنها لم تتسرع في تفسير التطابق. أرسلت الصورة إلى نايا، ثم كتبت: «الرقمان متطابقان. نحتاج إلى معرفة ما يشيران إليه.»

وضعت الهاتف جانبًا، وأعادت الورقة إلى الظرف. لم تعد الأدلة التي وجدتها في صندوق طفولتها منفصلة عن الملف الذي تركه مروان. كانت هناك صلة واضحة بينهما، لكنها لم تعرف بعد من وضع الورقة في دفترها، ولا لماذا احتفظ مروان بمستند يحمل الرقم نفسه.

وقبل أن تنام، فتحت المحادثة مع الرقم المجهول. لم تصل رسالة جديدة منذ ذكر اسم مروان، لكنها قررت أن تسأل سؤالًا مختلفًا هذه المرة.

كتبت: «هل تعرف رامي؟»

لم تتوقع ردًا سريعًا، فأغلقت الهاتف ووضعت رأسها على الوسادة. لكنها سمعت صوت الإشعار بعد أقل من دقيقة، فمدت يدها إلى الطاولة وفتحت الشاشة.

كانت الرسالة قصيرة:

«رامي يعرف لماذا رحلتم. لكنه ليس الوحيد.»

قرأت تالا الكلمات ببطء. لم تكن تعرف إن كان المرسل يقول الحقيقة، لكنها فهمت أن السؤال لم يعد يقتصر على سبب الحادث. كان عليها أن تعرف أيضًا من شارك في إخفاء ما حدث، ولماذا استمر الصمت طوال أحد عشر عامًا.

أغلقت الهاتف، ثم نظرت إلى الظرف الموضوع على مكتبها. كانت تعرف الآن أن البحث لن يكون سهلًا، وأن بعض الإجابات قد تغير نظرتها إلى أشخاص عاشت معهم ووثقت بهم. لكنها قررت ألا تتراجع لمجرد أن الحقيقة أصبحت أقرب إلى بيتها مما توقعت.

الفصل الخامس: الملف

«قد تخفي الأوراق أسرارًا لسنوات، لكن الخطر يبدأ حين يعرف أحدهم أنك عثرت عليها.»

لم تنم تالا جيدًا تلك الليلة. كانت تستيقظ كلما سمعت صوت سيارة في الشارع، ثم تنظر إلى هاتفها لتتأكد من عدم وصول رسالة جديدة. بقيت كلمات المرسل المجهول تشغل تفكيرها، خصوصًا إشارته إلى أن رامي ليس الوحيد الذي يعرف سبب رحيل عائلتها. ومع اقتراب الصباح، قررت أن تبدأ بما تستطيع التحقق منه، بدل الاستمرار في انتظار إجابات من شخص يرفض الكشف عن هويته.

جلست أمام مكتبها وفتحت الصور التي أرسلها جاد إلى نايا. رتبت المستندات بحسب تواريخها، ثم قارنت الرقم المكتوب خلف الورقة القديمة بما ظهر في إحدى صفحات الملف المالي. كان التطابق واضحًا، لكن الرقم وحده لم يخبرها إن كان يشير إلى حساب أو معاملة أو مستند آخر. كتبت الاحتمالات في دفترها، وتركت أمام كل واحد منها مساحة لتدوين ما قد تكتشفه لاحقًا.

عند الثامنة، اتصلت بها نايا. كانت قد راجعت الصور قبل النوم، ولاحظت أن الرقم المتكرر يظهر إلى جانب كلمة «مرجع» في أسفل إحدى الصفحات. أخبرتها أنها لا تستطيع تحديد معناه من الصورة وحدها، واقترحت أن تطلبا من جاد نسخة أوضح من المستند الأصلي.

قالت تالا: «لا أريد أن أعود إليه كلما احتجت إلى معلومة.»

أجابتها نايا: «لن نطلب منه تفسيرًا. نحتاج فقط إلى صورة واضحة للصفحة.»

«يمكنك مراسلته أنت.»

«سأفعل. وإذا لم تكن لديه نسخة أوضح، نعمل بما لدينا.»

أغلقت تالا الهاتف واستعدت للجامعة. كانت قد قررت ألا تخبر والدها بالتطابق قبل أن تفهم معناه، خصوصًا أنه اعترف بمعرفة رامي دون أن يشرح طبيعة العلاقة بينهما. لم تكن تريد اتهامه بشيء، لكنها لم تعد قادرة على قبول إجاباته الناقصة كما كانت تفعل في السابق.

في المطبخ، وجدته يقرأ صحيفة قديمة احتفظ بها من اليوم السابق. رفع رأسه عندما دخلت، وسألها إن كانت قد تناولت العشاء جيدًا. أجابته بأنها لم تكن جائعة، ثم جلست أمامه وسكبت لنفسها كوبًا من الماء.

قال والدها: «أعرف أنك غاضبة مني.»

نظرت إليه وقالت: «أنا لا أفهم لماذا تخفي عني ما حدث.»

طوى الصحيفة ووضعها جانبًا. بدا أنه فكر في الحديث منذ الليلة الماضية، لكنه لم يكن يعرف كيف يبدأ. انتظرته تالا دون مقاطعة، فأخذ نفسًا طويلًا قبل أن يتكلم.

قال: «كنت أعمل مع رامي في مشروع تجاري قبل سنوات. لم نكن شريكين بالمعنى الكامل، لكننا تعاملنا في بعض المعاملات المالية.»

«هل كان المشروع قانونيًا؟»

«كان يفترض أن يكون كذلك.»

توقفت تالا عند إجابته. لم يكن والدها يتحدث عن خلاف عادي في العمل، بل عن أمر ربما اكتشف لاحقًا أنه لم يكن كما ظن. وضعت الكوب أمامها وسألته عن طبيعة المشروع.

قال: «كانت هناك شركة تتولى بعض أعمال النقل والتوريد. كنت أراجع حسابات مرتبطة بها.»

«وهل اكتشفت مشكلة؟»

«ظهرت أرقام لم أستطع تفسيرها.»

«هل أخبرت أحدًا؟»

نظر والدها إلى النافذة، ثم قال: «حاولت أن أفهم ما يحدث قبل أن أتخذ أي خطوة.»

لم تسأله عن سبب توقفه، لأنها أرادت أن تسمع بقية الحديث. لكنه سكت مجددًا، وعندما طلبت منه أن يكمل، قال إن الأمر انتهى بخلاف كبير دفعه إلى قطع علاقته بالشركة. لم يذكر اسم صاحبها، ولم يوضح إن كان رامي مسؤولًا عن الأرقام التي اكتشفها.

قالت تالا: «وهل وقع الحادث بعد هذا الخلاف؟»

أجاب: «نعم.»

«هل تعتقد أن هناك علاقة بينهما؟»

تردد قبل أن يقول: «لم أستطع إثبات ذلك.»

بقيت تالا تنظر إليه. كانت تلك أول مرة يعترف فيها بوجود احتمال يربط الحادث بالخلاف المالي، لكنها لاحظت أنه اختار كلماته بعناية. لم يقل إن الحادث مدبر، ولم ينفِ احتمال أن يكون كذلك. كان واضحًا أنه ما زال يخشى الحديث عن بعض التفاصيل.

سألته: «هل احتفظت بأوراق من تلك الفترة؟»

قال: «بعضها، على ما أظن.»

«أين هي؟»

«سأبحث عنها.»

«أريد أن أراها عندما تجدها.»

أومأ والدها برأسه. لم يعدها بشيء آخر، لكنها شعرت بأن الحديث هذه المرة حقق تقدمًا حقيقيًا. نهضت وأخذت حقيبتها، ثم غادرت المنزل وهي تفكر في الأرقام التي ظهرت في ملف مروان.

في الجامعة، وجدت نايا تنتظرها قرب المكتبة. أخبرتها أن جاد أرسل صورًا أوضح لثلاث صفحات، وأنه أضاف ملاحظة يقول فيها إن النسخ الأصلية لا تزال بحوزته. فتحت تالا الصور وبدأت تكبر أجزاء منها، ولاحظت أن الرقم المتكرر يقع ضمن خانة مخصصة للمراجع الداخلية.

قالت نايا: «هذا لا يعني أنه رقم حساب.»

أجابت تالا: «لكنه قد يقود إلى مستند آخر.»

«ربما. هل أخبرك والدك بشيء جديد؟»

روت لها تالا ما دار في المطبخ. استمعت نايا باهتمام، ثم قالت إن وجود خلاف مالي قبل الحادث يستحق البحث، لكنه لا يثبت أن الحادث كان متعمدًا. وافقتها تالا، وأخبرتها أنها لا تريد الوصول إلى استنتاجات قبل معرفة طبيعة المعاملات والأشخاص المرتبطين بها.

جلستا في المكتبة بعد المحاضرة، وبدأتا مراجعة الصور على شاشة حاسوب نايا. ظهرت أسماء شركات وتواريخ ومبالغ متفرقة، لكن بعض الصفحات كانت مقتطعة من ملفات أكبر. لم يكن هناك شرح لطبيعة كل تحويل، ولم تستطيعا معرفة سبب احتفاظ مروان بهذه المستندات.

قالت نايا: «هناك مشكلة. نحن نقرأ صفحات دون أن نعرف الملف الذي جاءت منه.»

«أعرف.»

«قد يكون الرقم الذي نبحث عنه موجودًا في صفحة لم يصورها جاد.»

فكرت تالا قليلًا، ثم قالت: «اسأليه إن كان الملف يحتوي على فهرس أو قائمة بالمرفقات.»

أرسلت نايا السؤال. وبعد دقائق، وصل رد من جاد يقول إن مروان ترك بعض الأوراق مرتبة داخل ملف واحد، لكن عدة صفحات كانت مفقودة. وأضاف أنه وجد إشارة إلى نسخة إلكترونية، دون أن يعثر عليها.

قرأت تالا الرد مرتين.

قالت: «نسخة إلكترونية من ماذا؟»

كتبت نايا السؤال وأرسلته. جاء الرد بأن إحدى أوراق مروان تحمل عبارة «النسخة الأصلية ليست هنا»، وبجوارها رقم صغير. لم يعرف جاد إن كانت العبارة تشير إلى مستند ورقي أو ملف محفوظ على جهاز.

طلبت تالا من نايا أن تسأله عن الرقم. وعندما وصلتها صورته، قارنتها بما لديها. كان مختلفًا عن الرقم الذي وجدته خلف ورقتها القديمة، لكنه مكتوب بالطريقة نفسها تقريبًا.

قالت نايا: «ربما هما رقمان مرجعيان لملفين مختلفين.»

«أو أن أحدهما يشير إلى مكان حفظ الآخر.»

«لا نستطيع معرفة ذلك بعد.»

أغلقت تالا الصور للحظة. كانت تشعر بأنها تقترب من شيء مهم، لكنها لم تكن تعرف طبيعته. كل معلومة جديدة تقود إلى سؤال آخر، وكل شخص تسأله يقدم جزءًا من القصة ثم يتوقف عند النقطة التي تحتاج إلى تفسير.

عند الظهيرة، اتصل جاد بنايا. لم تجب فورًا، بل نظرت إلى تالا وسألتها إن كانت تريد الاستماع إلى ما لديه. وافقت تالا بشرط أن يبقى الحديث عبر هاتف نايا، وألا يتحول إلى لقاء جديد.

فتحت نايا مكبر الصوت.

قال جاد: «راجعت أغراض مروان مرة أخرى. وجدت شيئًا قد يساعد.»

سألته نايا: «ماذا وجدت؟»

«صندوقًا صغيرًا في خزانته. كان يحتوي على بعض الأوراق، ومكانًا مخصصًا لوحدة تخزين إلكترونية.»

قالت تالا: «هل كانت وحدة التخزين موجودة؟»

توقف جاد لحظة عندما سمع صوتها، ثم أجاب: «لا. المكان فارغ.»

«كيف عرفت أن شيئًا كان محفوظًا فيه؟»

«هناك تجويف بحجم وحدة تخزين صغيرة، وورقة داخل الصندوق تذكر نسخة محفوظة عليها.»

نظرت تالا إلى نايا. لم يكن غياب وحدة التخزين دليلًا على أن أحدًا سرقها، فقد يكون مروان أخذها معه قبل اختفائه. لكنها أدركت أن العثور عليها قد يساعد في فهم المستندات التي تركها.

سألته: «هل فتشت بقية أغراضه؟»

«فتشت ما استطعت الوصول إليه.»

«وهل يعرف أحد غيرك بوجود الصندوق؟»

«لا أعرف. كانت خزانته مغلقة منذ اختفائه.»

تدخلت نايا قائلة: «هل يمكنك تصوير الصندوق والورقة الموجودة داخله؟»

«نعم. سأرسل الصور.»

أنهت نايا المكالمة بعد أن شكرته، ثم نظرت إلى تالا. كانت صديقتها تراقبها بقلق، فقد لاحظت أنها أصبحت تقضي معظم وقتها في البحث عن الحادث، حتى إنها لم تعد تتحدث عن دراستها إلا قليلًا.

قالت نايا: «لا أريد أن يسيطر هذا الأمر على حياتك.»

أجابت تالا: «ولا أنا. لكنني لا أستطيع تجاهله الآن.»

«يمكننا تحديد وقت للبحث، ثم نتوقف.»

ابتسمت تالا ابتسامة خفيفة. كانت تعرف أن نايا تحاول مساعدتها على الاحتفاظ بشيء من حياتها الطبيعية، وقد شعرت بأنها تحتاج إلى ذلك فعلًا. اتفقتا على مراجعة الصور الجديدة في المساء، ثم ذهبت كل منهما إلى محاضرتها التالية.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان جاد يجلس في غرفة مروان القديمة. فتح الصندوق الصغير ووضع محتوياته على المكتب، ثم التقط صورًا واضحة للورقة والتجويف الفارغ. كانت الغرفة مرتبة على نحو غير معتاد، فقد اعتاد مروان ترك الكتب والأوراق فوق الطاولة، لكن معظم أغراضه الشخصية اختفت قبل انقطاع اتصاله.

دخل فادي بعد أن سمح له جاد بالدخول. وقف قرب الباب ونظر إلى الصندوق المفتوح، ثم سأل إن كان قد وجد شيئًا جديدًا.

قال جاد: «أظن أن مروان احتفظ بنسخة إلكترونية من المستندات.»

«هل تعرف أين وضعها؟»

«لا. لكن الورقة تشير إلى وجودها.»

تناول فادي الصورة التي التقطها جاد للصندوق، ثم نظر إلى التجويف. كان واضحًا أن شيئًا صغيرًا يمكن وضعه هناك، لكنه لم يستطع التأكد من أن مروان استخدمه فعلًا.

قال فادي: «ربما أخذ وحدة التخزين معه.»

«هذا احتمال.»

«وربما تركها في مكان آخر لأنه لم يعد يثق بمن حوله.»

نظر جاد إلى صديقه. لم يكن يريد الاعتراف بأنه يفكر في الاحتمال نفسه، خصوصًا بعد الرسالة التي وصلت إلى فادي في اليوم السابق. كان يشعر بأن مروان ترك وراءه إشارات متفرقة، لكنه لم يعرف إن كانت مقصودة أم أنه يحاول إيجاد معنى لأشياء عادية.

قال: «سأذهب إلى شربل مرة أخرى.»

أجابه فادي: «هل تعتقد أنه سيخبرك بشيء جديد؟»

«لا أعرف. لكنه آخر من تحدث مع مروان قبل اختفائه، بحسب ما قاله.»

أغلق جاد الصندوق ووضعه في درج المكتب. لم يرغب في نقل محتوياته قبل أن ينتهي من تصويرها، ثم جمع الأوراق الأخرى في الملف وأعاد ترتيبها. كان قد بدأ يدرك أن البحث عن شقيقه قد يكشف أمورًا لم يكن مستعدًا لمواجهتها.

عند المساء، عادت تالا إلى المنزل فوجدت والدها ينتظرها في غرفة المعيشة. كان أمامه ظرف بني قديم، وقد وضع فوقه نظارته. أشار إليها بالجلوس، ثم دفع الظرف نحوها دون أن يتحدث.

سألته: «ما هذا؟»

قال: «بعض الأوراق التي احتفظت بها من تلك الفترة.»

فتحت الظرف بحذر. وجدت نسخًا من مراسلات تجارية، وإيصالات قديمة، وصفحة تحمل اسم الشركة التي ذكرها والدها صباحًا. كانت بعض الأوراق باهتة، لكن التواريخ لا تزال واضحة.

قالت: «لماذا احتفظت بها؟»

«لأنني لم أكن مرتاحًا لما حدث.»

«هل استخدمتها في شكوى؟»

هز رأسه وقال: «لم أقدم شكوى رسمية.»

رفعت تالا عينيها إليه. لم تكن تتوقع هذه الإجابة، خصوصًا أنه تحدث عن أرقام لم يستطع تفسيرها. سألته لماذا لم يلجأ إلى الجهات المختصة، لكنه قال إنه لم يكن يملك ما يكفي لإثبات وجود مخالفة، وإن الخلاف انتهى قبل أن يتمكن من جمع المستندات اللازمة.

قالت: «وماذا عن الحادث؟»

«وقع بعد ذلك بوقت قصير.»

«هل هددك أحد؟»

نظر والدها إلى يديه، ثم قال: «وصلتني تحذيرات بألا أواصل البحث في الحسابات.»

شعرت تالا بأن الهواء أصبح ثقيلًا في الغرفة. كانت تلك أول مرة يذكر فيها تهديدات واضحة، وقد جعلها ذلك تعيد التفكير في سرعة رحيلهم. لكنها لم تعرف إن كانت التحذيرات مرتبطة بالحادث مباشرة، أم أنها حدثت في الفترة نفسها فقط.

سألته: «من أرسل التحذيرات؟»

«لم أستطع التأكد.»

«هل أخبرت الشرطة؟»

«لا.»

«لماذا؟»

رفع والدها رأسه وقال: «كنت خائفًا عليك وعلى أمك. وربما اتخذت قرارًا خاطئًا، لكنني كنت أعتقد أن الابتعاد سيحمينا.»

لم تجبه تالا فورًا. كانت غاضبة لأنه حرمها من معرفة ما حدث، لكنها رأت أيضًا أنه لم يتحدث عن تلك الفترة بسهولة. لم ترغب في أن تتحول المواجهة إلى تبادل اتهامات، فأعادت نظرها إلى الأوراق وبدأت تقرأها.

بين المستندات وجدت صفحة تحمل رقمًا مرجعيًا مألوفًا. أخرجت هاتفها وفتحت الصورة التي أرسلتها نايا في الصباح، ثم قارنت الرقمين. كانا متطابقين تمامًا.

قالت: «أبي، انظر إلى هذا.»

اقترب والدها وقرأ الرقم. تغير وجهه قليلًا، ثم سألها أين وجدت الصورة الأخرى. أخبرته أنها نسخة من مستند قديم احتفظ به شخص كان يبحث في حسابات الشركة.

قال: «هذا رقم ملف مراجعة داخلي.»

«ماذا يعني؟»

«كان يستخدم لجمع المستندات المتعلقة بمعاملة محددة.»

«هل تعرف المعاملة؟»

أخذ والدها الورقة ونظر إلى التاريخ المكتوب أعلاها. ظل صامتًا قليلًا، ثم قال إن الملف يتعلق بمجموعة تحويلات أثارت شكوكه قبل الحادث. وأضاف أنه لم يتمكن من الحصول على النسخة الكاملة منه.

سألته تالا: «هل كان رامي مسؤولًا عن هذه التحويلات؟»

قال: «كان يستطيع الوصول إلى بعض المستندات.»

«وهل كان مروان يعمل معكم؟»

رفع والدها رأسه باستغراب.

«مروان؟»

«نعم. شقيق جاد.»

فكر قليلًا، ثم قال: «لم يكن موظفًا في الشركة، لكنني رأيته في المرفأ أكثر من مرة. لا أعرف ما الذي كان يفعله هناك.»

شعرت تالا بأن اسم مروان أصبح أكثر ارتباطًا بالملف. لم يكن ظهوره في الأوراق القديمة مجرد مصادفة على الأرجح، لكن ذلك لم يوضح دوره. سألت والدها إن كان يعرف علاقته برامي، فأجاب بأنه لم يرهما معًا بما يكفي ليعرف طبيعة تلك العلاقة.

أعادت تالا الأوراق إلى الظرف، لكنها طلبت الاحتفاظ بنسخ مصورة منها. وافق والدها، ثم قال إنه لا يريدها أن تواجه رامي أو أي شخص مرتبط بالشركة وحدها. أخبرته أنها لا تنوي مواجهة أحد قبل فهم ما لديها، وأنها ستحتفظ بالأصول في مكان آمن.

دخلت غرفتها وبدأت تصوير المستندات. أرسلت إلى نايا الصفحات التي تحمل الرقم المرجعي، وطلبت منها مقارنتها بالملف الذي أرسله جاد. وبعد دقائق، اتصلت نايا لتؤكد أن الرقم نفسه يظهر في المستندين، وأن التاريخين متقاربان.

قالت نايا: «هذا يعني أن والدك ومروان احتفظا بأوراق من الملف نفسه.»

أجابت تالا: «أو على الأقل من المعاملة نفسها.»

«هل أخبرك والدك بما حدث للملف الكامل؟»

«قال إنه لم يحصل عليه.»

«وربما كانت النسخة الإلكترونية التي يبحث عنها جاد تحتوي عليه.»

فكرت تالا في ذلك. لم يكن لديها دليل على محتويات وحدة التخزين المفقودة، لكنها أصبحت تفهم لماذا قد تكون مهمة. إذا كانت تحمل المستندات الأصلية، فقد تساعد في تفسير التحويلات التي أثارت شكوك والدها، وربما تكشف سبب اهتمام مروان بها قبل اختفائه.

في الوقت نفسه، كان جاد يجلس أمام شربل في مكتبه الصغير. كان عمه يراجع بعض الحسابات، ولم يبدُ سعيدًا بزيارته المفاجئة. جلس جاد أمامه ووضع صورة الورقة التي وجدها في صندوق مروان على الطاولة.

قال: «أريد أن أعرف إن كنت رأيت هذه من قبل.»

ألقى شربل نظرة سريعة على الصورة، ثم أعادها إليه.

قال: «لا أعرفها.»

«كانت بين أغراض مروان.»

«إذن اسأله عنها عندما يعود.»

نظر جاد إلى عمه باستغراب. كان يعرف أنه يتجنب الحديث عن اختفاء مروان، لكنه لم يتوقع أن يرد بهذه البرودة. وضع الهاتف جانبًا وسأله عن آخر مرة تحدث فيها مع شقيقه.

قال شربل: «قبل سفره بأيام.»

«إلى أين سافر؟»

«لم يخبرني.»

«لكنك قلت إنه سافر.»

تنهد شربل وأغلق الدفتر أمامه. بدا أنه أدرك أن جاد لاحظ التناقض، فحاول توضيح كلامه. قال إن مروان أخبره بأنه سيبتعد فترة، وإنه افترض أنه غادر المدينة.

قال جاد: «هل تحدث معك عن ملف مالي قديم؟»

تغير وجه شربل قليلًا، لكنه أجاب بسرعة: «كان يتحدث عن أمور كثيرة.»

«هل ذكر رامي؟»

لم يجب عمه فورًا. نظر إلى الباب المغلق، ثم قال إن رامي كان يعرف مروان منذ سنوات، وإنه لا يريد العودة إلى خلافات قديمة لا يعرف تفاصيلها.

سأله جاد: «هل تعرف مكان مروان؟»

قال شربل: «لو كنت أعرف، لأخبرتك.»

لم يقتنع جاد تمامًا، لكنه لم يكن يملك ما يثبت أن عمه يكذب. نهض واستعد للمغادرة، ثم توقف عند الباب عندما سمع شربل يناديه.

قال عمه: «جاد، لا تخلط بين البحث عن أخيك وبين فتح ملفات لا تخصك.»

التفت إليه وسأل: «وهل اختفاء مروان لا يخصني؟»

لم يجب شربل. اكتفى بأن أعاد فتح دفتره، كأنه أنهى الحديث. خرج جاد وهو يشعر بأن عمه يعرف شيئًا عن الملف، لكنه لا يريد الكشف عنه.

في طريق عودته، اتصل بفادي وأخبره بما حدث. اقترح فادي أن يراجعا الصور التي التقطاها لغرفة مروان، فقد يكون هناك شيء لم ينتبها إليه. وافق جاد، واتفقا على اللقاء في اليوم التالي.

عند العاشرة مساءً، كانت تالا قد انتهت من تصوير أوراق والدها. وضعت الظرف في درج مكتبها، ثم أغلقت الحاسوب واستعدت للنوم. لكنها لاحظت إشعارًا جديدًا على هاتفها من الرقم المجهول.

فتحت الرسالة.

«الملف الذي تبحثين عنه ليس كاملًا.»

شعرت بالانزعاج. لم تكن قد أخبرت المرسل بأنها حصلت على أوراق جديدة، ولا أنها تبحث عن ملف مالي. كتبت بسرعة: «كيف تعرف ما أبحث عنه؟»

وصل الرد بعد لحظات:

«لأنني أعرف ما ينقصه.»

انتظرت تالا رسالة أخرى، لكنها لم تصل. نظرت إلى باب غرفتها، ثم إلى الظرف الموجود في الدرج. لم تستطع معرفة إن كان المرسل يراقب تحركاتها أم يعرف مسبقًا أن الأوراق ستقودها إلى الملف.

كتبت: «ما الذي ينقصه؟»

مرت دقائق دون رد. وضعت الهاتف جانبًا، ثم فتحته مرة أخرى عندما وصل إشعار جديد.

كانت الرسالة هذه المرة أكثر تحديدًا:

«ابحثي عن النسخة الأصلية قبل أن يصل إليها رامي.»

قرأت تالا الكلمات عدة مرات. لم تكن تعرف أين توجد النسخة الأصلية، ولا إن كانت محفوظة على وحدة التخزين التي تحدث عنها جاد. لكنها فهمت أن هناك شخصًا آخر يبحث عن المستندات نفسها، وأن اسم رامي لم يعد مجرد جزء من خلاف قديم.

فتحت محادثتها مع نايا وأرسلت إليها صورة الرسالة، ثم كتبت: «لا نعرف إن كان هذا الشخص صادقًا. لكن علينا معرفة ما حدث للنسخة الأصلية.»

بعد دقائق، ردت نايا بأنها ستساعدها في مراجعة ما لديهما صباحًا، وطلبت منها ألا تتخذ أي خطوة وحدها. وافقت تالا، ثم أغلقت الهاتف وجلست أمام مكتبها.

كانت قد بدأت البحث لتعرف حقيقة حادث وقع قبل أحد عشر عامًا. أما الآن، فقد وجدت نفسها أمام ملف مالي ناقص، وشخص مختفٍ، ورسائل مجهولة تشير إلى خطر لم تفهمه بعد. ولم يكن أكثر ما يقلقها احتمال وجود سر جديد، بل أن أحدًا يعرف خطواتها قبل أن تعرف هي إلى أين ستقودها.

الفصل السادس: مروان يظهر

«قد يختفي الإنسان عن الأنظار، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يبتعد عن نتائج ما فعله.»

وصلت تالا إلى الجامعة في صباح اليوم التالي وهي تحمل نسخة من الأوراق التي أعطاها والدها. كانت قد وضعت المستندات الأصلية في مكان آمن، واحتفظت بالصور على هاتفها وحاسوبها. لم تصلها رسالة جديدة من الرقم المجهول منذ الليلة الماضية، لكنها ظلت تفكر في التحذير الذي ذكر رامي والنسخة الأصلية. كانت تريد معرفة ما إذا كان المرسل يملك معلومات حقيقية، أم أنه يستغل بحثها ليدفعها إلى التصرف دون تفكير.

وجدت نايا في المكتبة، وقد حجزت طاولة بعيدة عن الممر الرئيسي. وضعت أمامها حاسوبها ودفترًا صغيرًا، ثم طلبت من تالا أن تعرض المستندات الجديدة. بدأتا بمقارنة التواريخ والأرقام المرجعية، ولاحظتا أن الأوراق التي احتفظ بها والد تالا تتعلق بالمعاملة نفسها التي ظهرت في ملف مروان.

قالت نايا: «الآن نعرف أن المستندات مرتبطة بالملف نفسه، لكننا لا نعرف ما الذي كان مفقودًا.»

أجابت تالا: «والدي قال إنه لم يحصل على النسخة الكاملة.»

«ومروان كتب أن النسخة الأصلية ليست بين أوراقه.»

«ربما كان يعرف أين توجد.»

نظرت نايا إلى الشاشة، ثم قالت إن العثور على نسخة إلكترونية قد يساعد في فهم الأرقام، لكنه لن يثبت وحده أن التحويلات غير قانونية. وافقتها تالا، وقررتا ألا تتعاملا مع أي شخص بوصفه متهمًا قبل الحصول على دليل واضح. كانتا تعرفان أن وجود اسم رامي في الملف لا يكفي لتحديد مسؤوليته.

بعد ساعة، وصل إلى نايا بريد إلكتروني من جاد يحتوي على صور إضافية. كان قد وجد في غرفة مروان دفتر ملاحظات صغيرًا، وفي إحدى صفحاته عنوان قديم قرب المرفأ. كتب جاد أنه لا يعرف إن كان العنوان مرتبطًا بالمستندات، لكنه يريد مشاركته معهما قبل أن يذهب إلى هناك.

قرأت تالا الرسالة، ثم نظرت إلى نايا.

قالت: «هل طلب منا الذهاب معه؟»

«لا. يقول إنه سيذهب مع فادي.»

«إذن لا داعي لأن نذهب.»

أغلقت نايا البريد، لكن تالا طلبت منها الاحتفاظ بالعنوان. لم تكن تنوي زيارة المكان، إلا أنها أرادت معرفة سبب اهتمام مروان به. كتبت العنوان في دفترها، ثم عادت إلى مراجعة الأرقام.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان جاد يقود سيارته نحو المرفأ، وفادي يجلس إلى جانبه. كان الطريق مزدحمًا بالشاحنات، والمباني القديمة تمتد على جانبيه. لم يكن جاد قد زار المنطقة منذ سنوات، لكنه تذكر أن مروان كان يأتي إليها كثيرًا عندما كان يعمل في أعمال متفرقة تتعلق بالنقل.

قال فادي: «هل أنت متأكد من العنوان؟»

أجاب جاد: «هذا ما كتبه مروان.»

«قد يكون مكانًا لم يعد موجودًا.»

«سنتأكد، ثم نعود.»

وصلا إلى شارع ضيق تتوزع فيه مستودعات ومحال صغيرة. توقفا أمام مبنى من طابقين، كانت واجهته متآكلة، وعلى بابه لوحة قديمة تحمل اسم شركة لم يعد واضحًا بالكامل. قارن جاد الرقم المكتوب على الباب بما في دفتر مروان، فوجد أنه مطابق.

كان الباب الخارجي مغلقًا، لكن متجرًا صغيرًا يعمل في المبنى المجاور. دخلا وسألا صاحبه إن كان يعرف من يستخدم المستودع. نظر الرجل إلى العنوان، ثم أخبرهما أن المكان أغلق منذ مدة، وأن أشخاصًا كانوا يأتون إليه أحيانًا لتفقده.

سأله جاد: «هل تعرف أسماءهم؟»

قال الرجل: «لا أعرفهم جميعًا. أحدهم كان يأتي كثيرًا قبل شهر تقريبًا.»

«هل تستطيع وصفه؟»

فكر الرجل قليلًا، ثم قال إنه كان في منتصف الثلاثينيات تقريبًا، طويل القامة، ويحمل حقيبة سوداء. لم يكن الوصف كافيًا لمعرفة هويته، لكن جاد شعر بالقلق لأن مروان كان يملك حقيبة مشابهة.

أخرج صورة حديثة لشقيقه وأراها للرجل.

قال: «هل رأيت هذا الشخص؟»

تأمل الرجل الصورة، ثم أومأ برأسه.

«نعم، أظنه هو. كان يسأل عن أوراق قديمة.»

شعر جاد بأن قلبه يخفق بسرعة. كانت تلك أول معلومة واضحة يحصل عليها عن تحركات مروان قبل اختفائه. سأل الرجل عن آخر مرة رآه فيها، فأجاب بأنه لا يتذكر اليوم تحديدًا، لكنه يظن أن ذلك كان قبل أربعة أو خمسة أسابيع.

قال فادي: «هل كان وحده؟»

«في المرة الأخيرة، نعم. لكنه تحدث سابقًا مع رجل آخر قرب الباب.»

«هل تعرف الرجل الآخر؟»

هز صاحب المتجر رأسه. لم يكن يعرف اسمه، ولم ير وجهه بوضوح. شكره جاد وفادي، ثم خرجا إلى الشارع.

وقف جاد أمام المستودع المغلق، ينظر إلى النوافذ المعتمة. لم يكن يستطيع الدخول، ولم يكن لديه سبب قانوني يتيح له فتح الباب. التقط صورة للواجهة، ثم قرر العودة بعد أن يتحقق من ملكية المكان.

قال فادي: «على الأقل عرفنا أن مروان جاء إلى هنا.»

«نعم. لكننا لا نعرف لماذا.»

«ربما كان يبحث عن النسخة الأصلية.»

نظر جاد إلى الباب، ثم قال: «أو ربما وجدها.»

قبل أن يتحركا نحو السيارة، سمعا صوت رجل ينادي جاد من خلفهما. التفتا معًا، فرأيا شخصًا يقف قرب مدخل الشارع، يرتدي معطفًا رماديًا ويحمل حقيبة سوداء. توقف جاد في مكانه، ولم يستطع الكلام للحظات.

كان مروان.

تقدم شقيقه ببطء، ثم توقف على مسافة قصيرة منهما. بدا أنحف مما يتذكره جاد، وكانت لحيته أطول قليلًا. نظر إلى فادي، ثم عاد إلى أخيه، وكأنه لم يتوقع أن يجده في ذلك المكان.

قال جاد: «مروان؟»

أجابه: «لا ترفع صوتك.»

اقترب جاد خطوة، ثم توقف عندما رفع مروان يده طالبًا منه البقاء مكانه. كان الغضب والارتياح يتزاحمان في داخله، فقد أمضى شهرًا يحاول معرفة مكان شقيقه، وها هو يظهر أمامه دون تفسير.

قال: «أين كنت؟ بحثنا عنك في كل مكان.»

نظر مروان إلى الشارع قبل أن يجيب.

«كنت أحاول إنهاء أمر قديم.»

«هل لهذا السبب أغلقت هاتفك؟»

«لم أرد أن يتدخل أحد.»

قال جاد بغضب: «تركتنا نعتقد أن شيئًا أصابك.»

أخفض مروان عينيه للحظة، ثم قال: «أعرف. كان ينبغي أن أخبرك بما أستطيع.»

تدخل فادي وسأله إن كان بخير. أومأ مروان برأسه، لكنه لم يبدُ مرتاحًا للوقوف في الشارع. أشار إلى مقهى صغير في نهاية الطريق، واقترح أن يتحدثوا هناك بدل البقاء أمام المستودع.

جلس الثلاثة إلى طاولة قريبة من النافذة. لم يطلب مروان شيئًا، بل وضع حقيبته على الأرض قرب قدميه. كان جاد يراقبه ويحاول فهم سبب اختفائه، لكنه قرر أن يبدأ بالسؤال الذي قاده إلى المكان.

قال: «وجدت ملفًا ماليًا في غرفتك.»

رفع مروان رأسه بسرعة.

«أي ملف؟»

«أوراق تتعلق بتحويلات قديمة، وصورة لمبنى قرب المرفأ.»

تنفس مروان ببطء، ثم قال: «لم يكن ينبغي أن تفتش أغراضي.»

«اختفيت شهرًا كاملًا. ماذا كنت تتوقع مني؟»

لم يجب مروان. نظر إلى فادي، ثم سأل إن كان أحد آخر قد رأى الأوراق. تردد جاد لحظة، لكنه لم يشأ إخفاء الحقيقة عنه.

قال: «أرسلت صورًا من بعضها إلى نايا.»

«من نايا؟»

«صديقة تالا.»

تغير وجه مروان عندما سمع اسم تالا. وضع يده على الطاولة، ثم سأل بصوت منخفض إن كانت قد عادت إلى بيروت. أجابه جاد بأنها تدرس في الجامعة نفسها، وأنها بدأت تبحث في حادث الطريق الساحلي.

قال مروان: «كيف عرفت بالحادث؟»

«وصلتها رسائل مجهولة. ووجدت أوراقًا قديمة بين أغراضها.»

نظر مروان إليه طويلًا، ثم سأل: «أي أوراق؟»

أخرج جاد هاتفه وفتح صورة الورقة التي تحمل العبارة: «اسألي مروان عما رآه تلك الليلة.»

قرأ مروان الكلمات، ثم أبعد الهاتف قليلًا.

قال: «لم أكتب هذه الورقة.»

«هل تعرف من كتبها؟»

«لا.»

«لكنها تذكر اسمك.»

أومأ مروان برأسه. بدا أنه يفكر في شيء قديم، ثم سأل جاد عن مكان العثور على الورقة. أخبره أنها كانت بين صفحات دفتر مدرسي احتفظت به تالا، وأنها لا تتذكر كيف وصلت إليها.

قال مروان: «لم أكن أعرف أن هذه الورقة موجودة.»

سأله فادي: «هل رأيت الحادث؟»

بقي مروان صامتًا عدة ثوانٍ، ثم قال: «رأيت ما حدث بعد الاصطدام.»

اعتدل جاد في جلسته.

«كنت هناك؟»

«وصلت إلى الطريق بعد دقائق. لم أكن في السيارة.»

«ومن كان مع تالا؟»

قال مروان: «والدها. ورأيت شخصًا آخر قرب السيارة، لكنني لم أستطع معرفة إن كان قد خرج منها أو من سيارة ثانية.»

شعر جاد بأن ما يسمعه قد يفسر بعض الأسئلة التي ظهرت في الأوراق. طلب من مروان أن يصف الشخص، لكنه قال إن الإضاءة كانت ضعيفة، وإنه لم ير وجهه بوضوح. وأضاف أنه كان منشغلًا بمحاولة معرفة ما إذا كان أحد قد أصيب.

سأله فادي: «هل تحدثت مع الشرطة؟»

قال مروان: «أدليت بما رأيته وقتها.»

«وهل ذكرت الشخص الآخر؟»

«نعم. لكنني لم أستطع تحديد هويته.»

نظر جاد إلى شقيقه، ثم سأله عن سبب احتفاظه بالملف المالي. لم يكن مقتنعًا بأن وجوده قرب الحادث مجرد مصادفة، خصوصًا أن مروان عاد إلى البحث في المستندات قبل اختفائه.

قال مروان: «لأنني اكتشفت أن الحادث وقع بعد خلاف يتعلق بتلك التحويلات.»

«هل تعتقد أن أحدًا تسبب فيه عمدًا؟»

«لا أملك دليلًا على ذلك.»

«إذن لماذا اختفيت؟»

خفض مروان صوته وقال: «لأن شخصًا حاول منعي من الوصول إلى النسخة الأصلية.»

نظر فادي إلى جاد، ثم عاد إلى مروان.

سأله: «هل هددك؟»

قال مروان: «وصلتني تحذيرات. وبعدها وجدت أن بعض الأوراق اختفت من المكان الذي كنت أحتفظ بها فيه.»

«هل تعرف من أخذها؟»

«لا.»

أخرج مروان من حقيبته ورقة مطوية، ووضعها أمام جاد. كانت تحتوي على عنوان قديم ورقم مكتوب بخط اليد، يشبه الأرقام المرجعية التي ظهرت في المستندات.

قال: «هذا آخر مكان وصلت إليه أثناء البحث.»

قرأ جاد العنوان، ثم سأل: «هل توجد النسخة الأصلية هناك؟»

أجاب مروان: «لا أعرف إن كانت ما زالت موجودة. لكنني وجدت ما يشير إلى أنها نُقلت إليه قبل سنوات.»

«ما هذا المكان؟»

«بيت قديم كان يستخدم لحفظ بعض الأغراض والوثائق.»

توقف مروان قليلًا، ثم أضاف: «البيت مرتبط بعائلة تالا.»

لم يستطع جاد إخفاء دهشته. كان يتوقع أن تقوده المستندات إلى مستودع آخر أو مكتب قديم، لا إلى مكان يخص عائلة تالا. سأل مروان كيف عرف ذلك، فأخبره أنه تتبع رقمًا مرجعيًا ظهر في أكثر من مستند، ثم وجد عنوان البيت في مراسلة قديمة.

قال جاد: «هل أخبرت تالا؟»

«لم أتحدث إليها منذ سنوات.»

«لكنها تبحث عن الحقيقة الآن.»

نظر مروان إلى أخيه وقال: «إذا كان البيت يخص عائلتها، فمن حقها أن تعرف. لكن لا تدخلوا المكان دون إذن.»

وافق جاد، ثم سأله إن كان يستطيع العودة إلى المنزل والتحدث مع العائلة. بدا مروان مترددًا، لكنه قال إنه سيعود عندما ينتهي من ترتيب بعض الأمور. لم يعجبه جاد هذا الجواب، فقد كان يخشى أن يختفي شقيقه مرة أخرى.

قال: «لا أريد أن أبحث عنك شهرًا آخر.»

نظر مروان إليه، ثم أخرج هاتفًا جديدًا من حقيبته.

«هذا رقمي الحالي. سأبقيه مفتوحًا.»

حفظ جاد الرقم واتصل به ليتأكد من أنه يعمل. رن الهاتف أمامهم، فشعر بشيء من الارتياح. لم تكن عودة مروان كافية لإنهاء القلق، لكنها كانت بداية يستطيع البناء عليها.

قبل أن يغادروا المقهى، سأله جاد عن رامي.

تغير تعبير مروان، ثم قال: «كان يعرف تفاصيل المعاملات أكثر من معظم الأشخاص الذين تعاملوا مع الشركة.»

«هل تحدثت إليه مؤخرًا؟»

«حاولت، لكنه رفض مقابلتي.»

«هل تعتقد أنه يبحث عن النسخة الأصلية؟»

أجاب مروان: «لا أعرف ما الذي يريده الآن. لكن اسمه ظهر في أكثر من ورقة مرتبطة بالملف.»

نهض مروان وحمل حقيبته، ثم طلب من جاد ألا يخبر أحدًا بمكان لقائهما قبل أن يتحدث هو مع العائلة. لم يوافق جاد على إخفاء ظهوره تمامًا، لكنه وعد بألا ينشر تفاصيل اللقاء أو العنوان الذي أعطاه له.

افترق الثلاثة عند مدخل المقهى. راقب جاد شقيقه حتى ابتعد، ثم التفت إلى فادي. كان لا يزال يحاول استيعاب ما حدث، خصوصًا أن مروان ظهر فجأة في المكان الذي قاده إليه دفتره.

قال فادي: «على الأقل نعرف أنه بخير.»

أجاب جاد: «نعم. لكننا لم نعرف لماذا أخفى نفسه طوال شهر.»

«ربما يخبرك لاحقًا.»

نظر جاد إلى الورقة التي تحمل عنوان البيت القديم، ثم قال: «علينا أن نخبر تالا بما يخصها.»

في المساء، كانت تالا تراجع ملاحظاتها عندما اتصلت بها نايا. أخبرتها أن جاد أرسل رسالة يقول فيها إنه التقى مروان، وإن شقيقه بخير. توقفت تالا عن الكتابة، ثم طلبت من نايا أن تعيد ما قالته.

سألت: «ظهر مروان؟»

«نعم. التقى جاد وفادي قرب المرفأ.»

«هل تحدث عن الحادث؟»

«قال إنه وصل إلى المكان بعد الاصطدام، وإنه رأى شخصًا آخر قرب السيارة.»

بقيت تالا صامتة. كانت قد عاشت سنوات وهي تحاول تذكر ما حدث، وها هو شخص كان حاضرًا تلك الليلة يظهر بعد اختفاء استمر شهرًا. لم تعرف إن كانت تشعر بالارتياح لأن شاهدًا قد يساعدها، أم بالغضب لأن المعلومات ظلت بعيدة عنها كل ذلك الوقت.

قالت: «هل يعرف هوية الشخص؟»

«لا. يقول إنه لم ير وجهه بوضوح.»

«وماذا عن الملف؟»

«أعطى جاد عنوان بيت قديم يعتقد أن النسخة الأصلية ربما نُقلت إليه.»

«أين يقع؟»

ترددت نايا قليلًا، ثم قالت: «البيت مرتبط بعائلتك.»

شعرت تالا بأن السؤال أصبح أقرب إليها مرة أخرى. طلبت من نايا إرسال العنوان، ثم فتحته على هاتفها. لم يكن مألوفًا لها في البداية، لكنها تذكرت بعد لحظات منزلًا قديمًا كانت تزوره مع والدتها في طفولتها.

قالت: «أعرف هذا المكان.»

«هل ما زال تابعًا لعائلتكم؟»

«أظن ذلك. لم أذهب إليه منذ سنوات.»

«هل تستطيعين سؤال والدك؟»

نظرت تالا نحو باب غرفتها. كان والدها قد عاد إلى المنزل قبل قليل، وسمعته يتحرك في المطبخ. لم تكن تريد أن تخفي عنه أنها تعرف العنوان، لكنها لم ترغب أيضًا في أن يتحول الحديث إلى تحذيرات جديدة دون إجابات.

قالت: «سأسأله الآن.»

أنهت المكالمة وخرجت إلى غرفة المعيشة. كان والدها جالسًا أمام التلفاز، لكنه أغلقه عندما رآها تحمل هاتفها ودفترها. جلست أمامه وفتحت صورة العنوان.

قالت: «أبي، هل ما زلنا نملك البيت القديم؟»

نظر إلى الشاشة، ثم سأل: «أي بيت؟»

أرته العنوان كاملًا. تغير وجهه عندما قرأ اسم الشارع، لكنه أجاب بأن المنزل ما زال مسجلًا باسم العائلة، وأنه لم يعد مستخدمًا منذ سنوات.

سألته: «هل توجد فيه أوراق قديمة؟»

قال: «ربما بعض الأغراض التي تركناها.»

«هل يمكنني الذهاب إليه؟»

نظر إليها باستغراب.

«لماذا تريدين الذهاب الآن؟»

أخبرته أن العنوان ظهر في أوراق مرتبطة بالملف المالي، وأنها تريد معرفة إن كانت هناك مستندات تخصه. لم تذكر لقاء جاد بمروان بالتفصيل، لكنها أوضحت أن المعلومات جاءت من شخص كان يبحث في الملف منذ مدة.

قال والدها: «لا أريدك أن تذهبي وحدك.»

«لن أذهب وحدي. يمكن أن تأتي معي.»

سكت قليلًا، ثم قال: «سأفكر في الأمر.»

لم تقبل تالا الإجابة بسهولة. أخبرته أن المنزل يخص العائلة، وأن البحث فيه لا يعني اتهام أحد. وأضافت أنها لا تريد دخول مكان مغلق دون إذنه أو دون التأكد من سلامته.

قالت: «إذا كانت هناك أوراق قديمة، فمن الأفضل أن نعرف ما فيها بدل أن يظل الآخرون يبحثون عنها.»

نظر والدها إلى الهاتف مرة أخرى، ثم قال: «هناك مفتاح قديم في درج مكتبي. لكنني لا أعرف إن كان الباب ما زال صالحًا للاستخدام.»

«هل توافق على أن نذهب غدًا؟»

تنهد وقال: «سأذهب معك. لا أريد أن تدخلي المنزل دون أن نتأكد من حالته.»

شعرت تالا بشيء من الارتياح. لم يكن والدها قد كشف كل ما يعرفه، لكنه وافق للمرة الأولى على مشاركتها خطوة فعلية في البحث. اتفقت معه على الذهاب بعد الظهر، ثم عادت إلى غرفتها وأخبرت نايا بما حدث.

في تلك الليلة، وصلت إلى جاد رسالة من مروان.

«لا تبحث عني غدًا. سأكون مشغولًا، لكن هاتفي سيبقى مفتوحًا.»

قرأ جاد الرسالة، ثم كتب: «أريد أن نتحدث عن الحادث مرة أخرى.»

جاء الرد بعد دقائق:

«سنتحدث. لكن أخبر تالا ألا تذهب إلى البيت القديم وحدها.»

توقف جاد عند العبارة. لم يكن قد أخبر مروان بأن تالا عرفت العنوان، ولم يكن يعرف لماذا يحذرها تحديدًا من الذهاب وحدها. كتب يسأله عن السبب، لكنه لم يتلقَّ جوابًا.

في منزل تالا، كانت قد أغلقت دفترها واستعدت للنوم. وضعت هاتفها على الطاولة، ثم نظرت إلى الظرف الذي يحتوي على الصورة القديمة والورقة التي تذكر مروان. لم تعد تلك الأشياء مجرد بقايا من طفولتها، بل أصبحت جزءًا من بحث قد يقودها إلى معرفة ما حدث في الليلة التي تغيرت بعدها حياتها.

وقبل أن تطفئ المصباح، وصلتها رسالة جديدة من الرقم المجهول.

«البيت القديم ليس فارغًا كما تظنين.»

جلست تالا على حافة السرير وقرأت الرسالة مرة أخرى. لم تعرف إن كان المرسل يقصد وجود شخص في المنزل، أم وجود مستندات لم يعثر عليها أحد. لكنها أدركت أن الشخص الذي يراسلها يعرف العنوان أيضًا، وأن زيارة الغد قد لا تكون مجرد بحث هادئ بين أغراض قديمة.

فتحت المحادثة وكتبت: «ماذا يوجد فيه؟»

انتظرت قليلًا، ثم وصل الرد:

«شيء تركه مروان قبل أن يختفي.»

نظرت تالا إلى الساعة، ثم إلى باب غرفتها. كان والدها قد وافق على مرافقتها، ونايا تعرف بالزيارة، لكنها لم تكن تعرف من أرسل التحذير ولا كيف علم بموعد بحثها. احتفظت بصورة من الرسالة وأرسلتها إلى نايا، ثم وضعت الهاتف جانبًا.

كانت تعرف أنها ستذهب إلى البيت القديم في اليوم التالي، لكنها لم تعد واثقة مما ستجده هناك.

الفصل السابع: البيت القديم

«بعض البيوت لا تخفي أسرارها في الجدران، بل في الأشياء التي تركها أصحابها وراءهم.»

وصلت تالا إلى المطبخ قبل التاسعة صباحًا، فوجدت والدها يبحث في درج خشبي عن مفتاح قديم. كان قد وعدها بمرافقتها إلى المنزل الذي تركته العائلة قبل أحد عشر عامًا، لكنه لم يبدُ متحمسًا للزيارة. وضع عدة مفاتيح على الطاولة، ثم اختار واحدًا منها وربطه بحلقة صغيرة. سألته إن كان متأكدًا من أنه يفتح الباب، فأجاب بأنه لم يستخدمه منذ سنوات، لكنه سيحاول.

جلست أمامه وأخرجت هاتفها. كانت الرسالة الأخيرة من الرقم المجهول لا تزال ظاهرة على الشاشة: «شيء تركه مروان قبل أن يختفي». لم تكن قد أخبرت والدها بها، لأنها أرادت أن تعرف أولًا إن كان يسمح لأحد بدخول المنزل القديم. وضعت الهاتف أمامه وطلبت منه قراءة الرسالة.

قرأها مرتين، ثم سأل: «هل يعرف هذا الشخص أننا سنذهب اليوم؟»

«لا أعرف. لم أخبره بشيء.»

«ومن يعرف بالزيارة؟»

«أنت ونايا. وجاد يعرف أنني حصلت على العنوان، لكنه لا يعرف موعدنا على حد علمي.»

أعاد والدها الهاتف إليها. بدا عليه القلق، ثم طلب منها ألا تتعامل مع الرسالة بوصفها دليلًا على وجود شيء داخل المنزل. وافقته، لكنها قالت إن معرفة المرسل بالبيت تجعل من الضروري التأكد من سلامة المكان قبل الدخول.

قال والدها: «سأذهب أولًا وأتفقد الباب والنوافذ. إذا لاحظنا شيئًا غير طبيعي، فلن ندخل.»

«موافقـة. وأريد أن تأتي نايا معنا.»

فكر قليلًا، ثم قال: «لا مانع لدي.»

اتصلت تالا بصديقتها وأخبرتها أن الزيارة ستبدأ بعد الظهر. وافقت نايا على الحضور، لكنها سألت إن كان من الأفضل تأجيلها بعد الرسالة المجهولة. قالت تالا إن والدها سيرافقهما، وإنهما لن تدخلا إذا ظهر ما يدعو إلى القلق. لم تكن تريد المخاطرة، لكنها لم ترغب أيضًا في أن يمنعها شخص مجهول من زيارة منزل تملكه عائلتها.

بعد انتهاء المكالمة، عادت إلى غرفتها لتجهز حقيبتها. وضعت فيها دفتر الملاحظات، ونسخًا من الصور، وشاحنًا لهاتفها، ومصباحًا صغيرًا. تركت الأوراق الأصلية في المنزل، واكتفت بالنسخ التي تحتاج إليها للمقارنة. ثم جلست قليلًا أمام مكتبها، تحاول تذكر شكل البيت القديم قبل أن تراه من جديد.

كانت تتذكر حديقة ضيقة أمام المدخل، وشجرة ليمون قرب السور، وغرفة في الطابق الأرضي كان والدها يمنعها من العبث بأوراقها. لم تكن تعرف إن كانت هذه التفاصيل دقيقة، فقد مرت سنوات طويلة منذ آخر زيارة. لكنها تذكرت أيضًا أنها كانت تحب الجلوس قرب نافذة تطل على الحديقة، وأن والدتها كانت تأتي أحيانًا لتحضر لها الطعام وهي تقرأ.

عند الظهيرة، وصلتها رسالة من نايا تخبرها بأنها في الطريق. خرجت تالا إلى غرفة المعيشة، فوجدت والدها يتحدث عبر الهاتف. لم تسمع سوى نهاية المكالمة، لكنه قال قبل أن يغلق: «سأكون هناك بنفسي. لا أريد أي مشكلة.»

انتظرته حتى وضع الهاتف على الطاولة، ثم سألته عمن كان يتحدث إليه.

قال: «شخص يعرف المنطقة. أردت التأكد من أن الطريق إلى المنزل ما زال مفتوحًا.»

«هل أخبرته بأننا سنذهب؟»

«قلت له إنني أريد تفقد البيت.»

لم تقتنع تالا تمامًا، لكنها لم تجد سببًا لمواصلة السؤال في تلك اللحظة. كان والدها قد وافق على الزيارة، وهذا ما أرادت الوصول إليه منذ البداية. أخذت حقيبتها، ثم خرجا معًا لاستقبال نايا.

استغرق الطريق نحو أربعين دقيقة بسبب الازدحام. كانت تالا تجلس في المقعد الخلفي إلى جانب نايا، بينما يقود والدها بصمت. مروا بشوارع لم تعد مألوفة لها، ثم دخلوا حيًا قديمًا تتجاور فيه منازل حجرية ومبانٍ حديثة. بدأت بعض الصور تعود إلى ذاكرتها عندما رأت دكانًا صغيرًا عند زاوية الشارع، لكنها لم تستطع تذكر اسم صاحبه.

قالت نايا: «هل كنت تأتين إلى هنا كثيرًا؟»

أجابت تالا: «في طفولتي، نعم. ثم توقفنا عن الزيارة قبل انتقالنا بفترة.»

نظر والدها إليهما عبر المرآة، لكنه لم يعلق. بعد دقائق، انعطف إلى شارع ضيق وتوقف أمام سور منخفض تحيط به نباتات مهملة. كان الباب الحديدي مغطى بالغبار، وقد تآكل الطلاء عند أطرافه.

نزلت تالا من السيارة وبقيت واقفة أمام المنزل. كان أصغر مما تتذكره، لكن النوافذ الخشبية والشرفة الضيقة أعادتا إليها شعورًا قديمًا بالألفة. لم تكن تتوقع أن تتأثر برؤية المكان، فقد ظنت أنه مجرد منزل مهجور من ماضي العائلة. لكنها شعرت بأنها تقف أمام جزء من حياتها لم تحصل على فرصة لفهمه.

قال والدها: «انتظرا هنا.»

تقدم إلى الباب الحديدي وفحص القفل، ثم دار حول الجزء الأمامي من السور. كانت النوافذ مغلقة، ولم تظهر علامات واضحة على اقتحام المكان. عاد إليهما بعد دقائق، وأخبرهما أن الباب يبدو سليمًا، لكنه سيحاول فتحه بحذر.

أدخل المفتاح في القفل، فاحتاج إلى عدة محاولات قبل أن يدور. دفع الباب ببطء، فصدر عنه صوت احتكاك مرتفع. دخل إلى الحديقة أولًا، ثم أشار إليهما بالانتظار حتى يتأكد من سلامة الممر.

كانت الأرض مغطاة بأوراق جافة، وشجرة الليمون التي تذكرتها تالا لا تزال قائمة قرب السور. اقتربت منها ونظرت إلى الأغصان التي امتدت فوق الممر. تذكرت أنها كانت تقطف الثمار الصغيرة قبل نضجها، وأن والدتها كانت تطلب منها تركها حتى تكبر.

قالت نايا: «هل تذكرت شيئًا؟»

ابتسمت تالا ابتسامة خفيفة.

«كنت ألعب هنا. لم أظن أنني سأتذكر المكان بهذه السرعة.»

وصل والدها إلى الباب الخشبي الرئيسي وفتحه بالمفتاح الثاني. وقف عند المدخل ونظر إلى الداخل، ثم شغل مصباح هاتفه. كانت رائحة الغبار واضحة، لكن الأرض بدت مستقرة، ولم يلاحظ شيئًا يثير القلق. طلب منهما البقاء قرب الباب حتى يفتح النوافذ ويتأكد من إمكانية التحرك داخل الغرف.

بعد دقائق، سمح لهما بالدخول. كان الأثاث مغطى بأقمشة قديمة، والصور العائلية لا تزال معلقة على الجدران. دخلت تالا غرفة المعيشة ببطء، ومرت يدها فوق ظهر كرسي خشبي تذكرته من طفولتها. شعرت بأن السنوات التي مرت لم تغير المكان بقدر ما غيرت الأشخاص الذين كانوا يعيشون فيه.

قال والدها: «سنبدأ بغرفة المكتب. كانت معظم الأوراق محفوظة هناك.»

تبعته تالا ونايا عبر ممر قصير إلى غرفة في نهاية الطابق الأرضي. فتح الباب، فظهرت مكتبة خشبية كبيرة ومكتب قديم وعدة صناديق موضوعة قرب الجدار. كانت النافذة مغلقة، لكن ضوء النهار دخل عندما فتحها والدها وأزاح الستارة.

نظرت تالا إلى المكتب. تذكرت أنها كانت تقف عند الباب عندما يعمل والدها، وأنه كان يسمح لها أحيانًا بالجلوس على الكرسي المقابل له. لم تكن تعرف طبيعة عمله آنذاك، لكنها تذكرت الأوراق الكثيرة التي كانت تغطي سطح المكتب.

قالت: «هل كنت تحتفظ بملفات الشركة هنا؟»

أجاب والدها: «بعض النسخ القديمة. لم أستخدم الغرفة بعد انتقالنا.»

سألته نايا: «هل يمكننا فتح الصناديق؟»

«نعم، لكن بحذر. قد تكون بعض الأوراق تالفة.»

بدأوا بالصندوق الأقرب إلى الباب. كان يحتوي على دفاتر حسابات قديمة ومراسلات عائلية لا علاقة لها بالملف. وضعت تالا الأوراق على المكتب بحسب نوعها، بينما كانت نايا تصور عناوين الملفات قبل فتحها. اتفقوا على عدم نقل أي مستند من مكانه دون تسجيل موضع العثور عليه.

بعد نصف ساعة، وجدوا صندوقًا يحمل تاريخًا يعود إلى السنة التي وقع فيها الحادث. فتحه والد تالا بنفسه، ثم أخرج منه مجموعة من الملفات المرتبة داخل أغلفة بلاستيكية. كان بعضها يتعلق بالمشروع التجاري الذي تحدث عنه، بينما احتوى بعضها الآخر على فواتير ومراسلات قديمة.

قالت تالا: «هل هذه هي الأوراق التي كنت تبحث عنها؟»

أجاب: «بعضها. لم أتذكر أنني تركت هذا العدد هنا.»

بدأت تقارن الأرقام المرجعية بما لديها من صور. لم تجد الرقم الذي ظهر في ورقة مروان، لكنها لاحظت اسم الشركة نفسها في أكثر من مستند. سألت والدها إن كانت هذه الملفات قد خضعت لمراجعة رسمية، فأجاب بأن معظمها نسخ داخلية استخدمت لمتابعة الحسابات.

قالت نايا: «هناك ملفات مرتبة بحسب الأشهر، لكن أحد الأشهر غير موجود.»

نظر والد تالا إلى الأغطية البلاستيكية، ثم قال: «ربما وضعته في صندوق آخر.»

سألت تالا: «أي شهر؟»

أشارت نايا إلى الفراغ بين ملفين متتاليين. كان الشهر المفقود هو الذي وقع فيه الحادث، وقد جعل ذلك تالا تتوقف عن البحث لحظة. لم يكن غياب الملف دليلًا على أن أحدًا أخذه، لكنه كان الشهر الذي تريد معرفة تفاصيله.

قالت: «لنبحث عنه قبل أن نستنتج شيئًا.»

وافق والدها، وبدأوا تفقد بقية الصناديق. وجدوا أوراقًا قديمة تخص المنزل، ودفاتر مدرسية، وبعض الصور العائلية. لم يظهر الملف المفقود، لكن تالا لاحظت أن أحد أدراج المكتب مغلق بمفتاح صغير.

سألت والدها: «هل تعرف أين مفتاح هذا الدرج؟»

اقترب من المكتب وحاول فتحه، ثم هز رأسه.

«كان له مفتاح منفصل. لا أعرف أين وضعته.»

تفحصت تالا سطح المكتب دون أن تحركه. كان هناك وعاء صغير يحتوي على أقلام قديمة ومشابك ورق، وإلى جانبه صندوق خشبي فارغ. لم تجد مفتاحًا، لكنها لاحظت خدوشًا حديثة نسبيًا حول قفل الدرج.

قالت نايا: «يبدو أن أحدًا حاول فتحه.»

نظر والد تالا إلى القفل، ثم قال: «قد تكون هذه الخدوش قديمة.»

«ربما، لكن علينا تصويرها.»

التقطت نايا صورة واضحة، ثم ابتعدت. لم يحاولوا فتح الدرج بالقوة، وقرر والد تالا أن يبحث عن المفتاح في بقية أغراضه قبل اتخاذ أي خطوة. كانت تالا توافقه، لأنها لا تريد إتلاف شيء قد يساعدهم لاحقًا.

بعد قليل، انتقلوا إلى غرفة صغيرة متصلة بالمكتب. كانت تستخدم سابقًا لحفظ الأغراض، وفيها خزانة معدنية وعدة رفوف خشبية. فتح والد تالا الخزانة بمفتاح كان ضمن الحلقة القديمة، فوجدوا داخلها ملفات قليلة وصندوقًا أسود صغيرًا.

توقف والدها عندما رآه.

سألته تالا: «هل تعرف هذا الصندوق؟»

أجاب: «لا أذكر أنني وضعته هنا.»

أخرجه ووضعه على الطاولة. كان الصندوق مصنوعًا من معدن خفيف، وله قفل صغير لم يكن مغلقًا. فتحه والد تالا بحذر، فوجدوا داخله ظرفًا بنيًا وقطعة قماش مطوية.

أخرجت تالا الظرف بعد أن سمح لها والدها بذلك. لم يكن عليه اسم، لكن في زاويته رقمًا مكتوبًا بخط اليد. قارنت الرقم بما في دفترها، فوجدته مطابقًا للرقم الذي ظهر في الورقة القديمة وفي المستند المالي.

قالت: «هذا هو الرقم الذي نبحث عنه.»

اقتربت نايا ونظرت إلى الظرف، ثم سألت إن كان يمكن تصويره قبل فتحه. وافق والد تالا، فالتقطت عدة صور للجهتين. بعدها فتحت تالا الظرف ببطء، وأخرجت منه ورقتين مطويتين.

كانت الأولى قائمة بأرقام معاملات وتواريخ، أما الثانية فاحتوت على ملاحظة قصيرة بخط واضح:

«النسخة الكاملة محفوظة خارج الشركة. لا تسلمها إلى رامي قبل مراجعة الأرقام.»

قرأت تالا العبارة بصوت مسموع، ثم نظرت إلى والدها. كان وجهه متوترًا، لكنه لم يبدُ متفاجئًا تمامًا من ذكر رامي.

سألته: «هل كتبت هذه الملاحظة؟»

أجاب: «لا.»

«هل تعرف خط صاحبها؟»

تناول الورقة ونظر إليها طويلًا، ثم قال: «يشبه خط شخص كان يساعد في مراجعة الحسابات، لكنني لا أستطيع التأكد.»

قالت نايا: «هل كان مروان؟»

هز والد تالا رأسه.

«لم أعمل معه مباشرة. لا أعرف خطه.»

وضعت تالا الورقة على الطاولة، ثم فتحت القائمة الأخرى. كانت الأرقام مرتبة في أعمدة، وبجانب بعضها علامات صغيرة بالقلم الأحمر. لم تستطع تفسير العلامات، لكنها لاحظت أن أحد التواريخ يسبق الحادث بيومين.

قالت: «هل هذه هي النسخة الأصلية؟»

أجاب والدها: «لا. هذه قائمة مختصرة. الملف الكامل كان أكبر من ذلك بكثير.»

نظرت تالا إلى الصندوق مرة أخرى. كانت قطعة القماش المطوية لا تزال في داخله، وقد بدا أنها تغطي شيئًا صغيرًا. رفعتها بحذر، فوجدت تحتها وحدة تخزين إلكترونية سوداء.

توقفت للحظة، ثم نظرت إلى نايا.

قالت: «ربما هذه هي النسخة التي كان مروان يبحث عنها.»

لم تمد يدها إليها فورًا. طلبت من نايا تصويرها في موضعها، ثم سألت والدها إن كان يعرفها. اقترب ونظر إلى القطعة، لكنه قال إنه لم يرها من قبل.

قالت نايا: «لا ينبغي أن نصلها بحاسوبنا مباشرة.»

أومأت تالا. كانت تعرف أن وحدة تخزين مجهولة قد تحتوي على ملفات ضارة، وأن فتحها دون احتياط قد يعرض بياناتها للخطر. اقترحت الاحتفاظ بها كما هي حتى يتمكن شخص مختص من فحصها بطريقة آمنة.

قال والدها: «سنضعها في الظرف ونأخذها معنا.»

اعترضت تالا بهدوء.

«قبل نقلها، أريد أن نسجل مكان العثور عليها وكل ما كان معها.»

نظر إليها والدها، ثم وافق. التقطت نايا صورًا إضافية للصندوق ومحتوياته، وكتبت تالا الوقت والمكان في دفترها. بعدها وضعوا وحدة التخزين في كيس صغير نظيف، واحتفظوا بالأوراق في ظرف منفصل.

كانوا يستعدون لمغادرة غرفة التخزين عندما سمعوا صوت حركة عند الباب الخارجي. توقف والد تالا عن جمع الأوراق، ثم أشار إليهما بالبقاء مكانهما. خرج إلى الممر ونظر من النافذة القريبة من المدخل.

قال بصوت منخفض: «هناك سيارة أمام المنزل.»

اقتربت تالا من النافذة دون أن تظهر بوضوح. رأت سيارة داكنة متوقفة على الجانب الآخر من الشارع، لكن الزجاج لم يسمح لها بمعرفة من بداخلها. لم تكن متأكدة من أنها مرتبطة بوجودهم، فقد يكون صاحبها أحد سكان الحي.

قالت نايا: «هل كانت هنا عندما وصلنا؟»

أجاب والد تالا: «لا أذكر أنني رأيتها.»

انتظروا عدة دقائق. لم يخرج أحد من السيارة، ولم يقترب شخص من الباب. قرر والد تالا إنهاء الزيارة والعودة إلى المنزل، خصوصًا أنهم عثروا على ما يستحق الفحص.

جمعوا الأوراق التي صورها كل منهم، وأعادوا الصناديق الأخرى إلى أماكنها. تأكد والد تالا من إغلاق النوافذ، ثم خرجوا إلى الحديقة. كانت السيارة الداكنة لا تزال متوقفة، لكنها تحركت بعد دقائق من وصولهم إلى سيارتهم.

لم يتبعهم أحد بوضوح، ومع ذلك طلبت تالا من والدها ألا يعود مباشرة إلى المنزل إذا لاحظ سيارة تسير خلفهم باستمرار. وافق، وسلك طريقًا رئيسيًا مزدحمًا قبل أن يتجه إلى الحي الذي يسكنون فيه. لم يروا السيارة مرة أخرى.

خلال الطريق، اتصلت نايا بجاد من هاتفها وأخبرته أنهم وجدوا وحدة تخزين في المنزل القديم. لم تذكر تفاصيل المكان الذي كانت محفوظة فيه، لكنها سألته إن كان مروان يستطيع التعرف إليها من صورة.

قال جاد: «سأتواصل معه وأسأله.»

سألته نايا: «هل تعرف شخصًا مختصًا يمكنه فحصها بأمان؟»

«أعرف فادي، لكنه ليس خبيرًا في فحص الأدلة الرقمية. سأبحث عن مختص مناسب.»

قالت تالا من المقعد الخلفي: «لا نريد أن يفتحها أحد قبل أن نعرف كيف نحافظ على محتوياتها.»

أجاب جاد: «أتفق معك. سأكتفي بسؤال مروان عن شكلها.»

أنهت نايا المكالمة، ثم نظرت إلى تالا. كانت صديقتها تبدو مرهقة، لكنها أكثر هدوءًا مما كانت عليه في الأيام الماضية. لم تعد تعتمد على الرسائل المجهولة وحدها، فقد أصبحت لديها أوراق عثروا عليها بأنفسهم، وشاهد ظهر بعد سنوات، وملف يمكن التحقق من محتوياته.

قالت نايا: «هل تشعرين بأننا اقتربنا من الإجابة؟»

أجابت تالا: «اقتربنا من معرفة ما كان والدي يبحث عنه. لكنني لا أعرف بعد ما علاقة ذلك بالحادث.»

«ربما نجد شيئًا في الملفات.»

«وربما لا نجد. لا أريد أن أبني توقعاتي على شيء لم نفحصه.»

ابتسمت نايا، ثم أعادت نظرها إلى الطريق. كانت تعرف أن تالا أصبحت أكثر حذرًا، وأنها بدأت تميز بين ما تعرفه وما تخشاه. لم يكن ذلك يزيل قلقها، لكنه جعل البحث أقل اندفاعًا.

عندما وصلوا إلى المنزل، وضع والد تالا الظرف الذي يحتوي على وحدة التخزين في درج مغلق، ثم جلس أمام ابنته. كان قد بدا متوترًا طوال الطريق، لكنه لم يعد يحاول إنهاء الحديث أو تأجيله.

قال: «هناك أمر لم أخبرك به.»

نظرت إليه تالا وانتظرت.

«بعد الحادث، جاءني شخص يسأل عن الملف الذي كنت أراجعه.»

سألته: «من كان؟»

قال: «لم يذكر اسمه. لكنه عرف تفاصيل لا يعرفها إلا من اطلع على الحسابات.»

«ماذا أراد؟»

«سألني إن كنت احتفظت بنسخة من المستندات. قلت له إنني لا أملك شيئًا.»

توقفت تالا عند الجملة.

«هل كنت تقول الحقيقة؟»

أخفض والدها عينيه.

«كنت أملك بعض الأوراق، لكنني لم أكن أعرف أين أصبحت النسخة الكاملة.»

قالت: «ولماذا لم تخبر الشرطة؟»

أجاب: «كنت خائفًا. وأعرف الآن أن خوفي جعلني أتخذ قرارات لم تكن كلها صحيحة.»

لم ترغب تالا في مواساته أو اتهامه. كانت تحتاج إلى معرفة ما حدث، لا إلى سماع تبريرات جديدة. سألته إن كان الرجل قد هدده، فأجاب بأنه لم يفعل ذلك صراحة، لكنه ذكر اسمها واسم والدتها بطريقة جعلته يشعر بأن عائلته قد تتعرض للأذى.

قالت: «هل كان هذا سبب رحيلنا؟»

نظر إليها طويلًا، ثم قال: «كان أحد الأسباب.»

«وما السبب الآخر؟»

تنهد والدها، ثم أجاب: «الحادث نفسه. كنت أخشى أن يتكرر ما حدث، حتى إن لم أكن أعرف من المسؤول عنه.»

سكتت تالا. كانت تسمع للمرة الأولى اعترافًا واضحًا بأن رحيلهم لم يكن مجرد انتقال بسبب العمل. لكنها لم تعرف بعد لماذا وقع الحادث، ولا ما إذا كان مرتبطًا بالتحذيرات التي تلقاها والدها.

في المساء، وصل إلى نايا رد من جاد. كان قد أرسل صورة وحدة التخزين إلى مروان، وتلقى منه رسالة قصيرة يؤكد فيها أن شكلها يشبه وحدة كان يستخدمها لحفظ نسخ من المستندات. لكنه أوضح أنه لا يستطيع الجزم بأنها القطعة نفسها من الصورة وحدها.

قرأت تالا الرد، ثم طلبت من نايا ألا ترسل صورة جديدة قبل أن يتفقوا على طريقة فحص المحتويات. كانت تريد الحفاظ على ما وجدوه، وألا يتحول البحث إلى تبادل ملفات بين أشخاص لا يعرفون مدى أمان أجهزتهم.

بعد ساعة، اتصل مروان بجاد بنفسه. أخبره أنه يريد رؤية وحدة التخزين، لكنه لا يستطيع الحضور في تلك الليلة. سأله جاد عن سبب اهتمامه بها، فأجاب بأنه كان يحتفظ بنسخة إلكترونية من الملف قبل اختفائه، ثم نقلها إلى مكان اعتقد أنه آمن.

قال جاد: «هل وضعتها في البيت القديم؟»

تردد مروان قليلًا، ثم قال: «نعم.»

«لماذا لم تخبرني بذلك عندما التقينا؟»

«لم أكن أعرف إن كانت ما زالت هناك، ولم أرد أن أرسل أحدًا إلى مكان قد يكون مراقبًا.»

سأله جاد: «هل كنت أنت من أرسل الرسائل إلى تالا؟»

أجاب مروان فورًا: «لا.»

«لكن المرسل عرف أن شيئًا تركته في البيت.»

سكت مروان لحظة، ثم قال: «هذا يعني أن شخصًا آخر يعرف مكان النسخة.»

«من؟»

«لا أعرف. كنت أعتقد أنني الوحيد الذي يعرف أين وضعتها.»

أنهى جاد المكالمة بعد أن اتفقا على الحديث في اليوم التالي. لم يكن مرتاحًا لما سمعه، لكنه أدرك أن مروان لم يعد يستطيع إخفاء التفاصيل بحجة حماية الآخرين. أرسل إلى نايا خلاصة ما قاله شقيقه، وطلب منها إبلاغ تالا دون إضافة استنتاجات.

كانت تالا تجلس أمام مكتبها عندما وصلتها الرسالة. قرأتها مرتين، ثم فتحت دفتر الملاحظات وكتبت حقيقة جديدة: «مروان يؤكد أنه وضع نسخة إلكترونية في البيت القديم». وتحتها كتبت سؤالين: «من عرف مكانها؟ ولماذا بقيت هناك حتى الآن؟»

لم تكن تعرف الإجابة، لكنها شعرت بأن البحث وصل إلى مرحلة مختلفة. لم تعد المسألة مجرد ذكريات ناقصة، بل مستندات يمكن فحصها وأشخاص يمكن سؤالهم عن أفعال محددة. ومع ذلك، بقي الحادث نفسه خارج الصورة الواضحة.

قبل منتصف الليل بقليل، وصلتها رسالة من الرقم المجهول.

«وجدتم النسخة.»

لم تجب تالا. التقطت صورة للرسالة وأرسلتها إلى نايا، ثم وضعت الهاتف على المكتب. كانت تعرف أن المرسل يملك معلومات عن تحركاتهم، لكنها لم تستطع تحديد مصدرها. وقد أصبح ذلك وحده سببًا كافيًا للتعامل مع الأمر بحذر أكبر.

بعد دقائق، وصلت رسالة ثانية:

«لكنها لن تخبرك بكل شيء عن تلك الليلة.»

قرأت تالا الكلمات، ثم أغلقت المحادثة. لم تعد تريد أن يحدد الشخص المجهول خطواتها أو يقرر متى تعرف الحقيقة. كانت لديها الآن طريقة واضحة للمضي قدمًا: فحص المستندات، وسؤال مروان عن شهادته، ومواجهة والدها بما يمكن إثباته.

لكنها قبل أن تنام عادت إلى الصورة القديمة للطريق الساحلي. نظرت إلى اليد التي تظهر قرب المقعد الأمامي، ثم إلى الساعة المعدنية حول المعصم. كانت قد ركزت طوال الأيام الماضية على هوية صاحب اليد، لكنها لاحظت الآن تفصيلًا لم تنتبه إليه من قبل.

كان انعكاس الزجاج يُظهر جزءًا من وجه شخص يجلس في المقعد الأمامي.

كبرت الصورة على شاشة هاتفها، وحاولت تمييز الملامح. لم تكن واضحة بما يكفي للتعرف إليه، لكنها استطاعت رؤية شيء واحد: الشخص لم يكن والدها.

وضعت الهاتف على الطاولة، وبقيت تنظر إلى الصورة. لم تعد متأكدة من عدد الأشخاص الذين كانوا في السيارة ذلك اليوم، لكنها أصبحت تعرف أن والدها لم يخبرها بكل ما يتذكره. وكان عليها أن تسأله عن الشخص الذي جلس أمامها، قبل أن تبحث عن أي تفسير آخر للحادث.

الفصل الثامن: الحقيقة التي تأخرت

«قد نتذكر ما حدث، لكننا نحتاج إلى الشجاعة كي نفهم لماذا حدث.»

استيقظت تالا في الصباح وهي تفكر في الصورة القديمة. كانت قد أمضت جزءًا من الليل تحاول تكبير الانعكاس الظاهر على زجاج السيارة، لكنها لم تستطع تمييز وجه الشخص الجالس في المقعد الأمامي. لم ترغب في تخمين هويته اعتمادًا على صورة غير واضحة، ولذلك قررت أن تعرضها على والدها وتسأله مباشرة. كانت تعرف أنه قد يتردد في الإجابة، لكنها لم تعد تريد أن تبدأ كل يوم بمعلومة جديدة تخفيها عنه أو يخفيها عنها.

وجدته في المطبخ يعد القهوة. جلست أمامه ووضعت الهاتف على الطاولة، ثم فتحت الصورة دون مقدمات طويلة. نظر إليها والدها، وبعد أن رأى الشاشة، أبعد فنجانه قليلًا.

قالت: «أريد أن أعرف من كان يجلس في المقعد الأمامي.»

تناول الهاتف ونظر إلى الصورة. كانت يده ثابتة في البداية، لكنه توقف عندما رأى انعكاس الوجه على الزجاج. قرب الشاشة من عينيه، ثم أعاد الهاتف إليها.

قال: «الصورة غير واضحة.»

«أعرف. لهذا أسألك أنت.»

بقي صامتًا قليلًا، ثم قال: «كان معنا شخص في جزء من الطريق.»

«من هو؟»

نظر إليها والدها، ثم أجاب: «رامي.»

لم تتكلم تالا فورًا. كانت قد توقعت أن يكون الشخص مرتبطًا بالملف المالي، لكنها لم تتوقع أن يذكر والدها الاسم بهذه السرعة. أعادت النظر إلى الصورة، وحاولت تخيل رامي جالسًا أمامها قبل أحد عشر عامًا، لكنها لم تستطع استعادة وجهه.

سألته: «لماذا قلت سابقًا إننا كنا وحدنا؟»

قال: «لأن رامي لم يكن معنا وقت الاصطدام.»

«لكنه كان معنا في ذلك اليوم.»

«نعم.»

«وهذا ما كنت أسألك عنه.»

أطرق والدها برأسه. لم يحاول الدفاع عن إجابته السابقة، بل قال إنه أخطأ حين اختصر التفاصيل وأخفى ما كان يعرفه. أخبرها أن رامي طلب مقابلته في ذلك اليوم لمناقشة المستندات المالية، وأنه وافق على اصطحابه لمسافة قصيرة قبل أن ينزله قرب أحد المباني على الطريق الساحلي.

قالت تالا: «ولماذا كنت أنا معك؟»

«كنت قد اصطحبتك من المدرسة. لم أتوقع أن يستغرق اللقاء وقتًا طويلًا.»

«هل كنت تعرف أن رامي يريد الحديث عن الملف؟»

«نعم.»

«إذن لماذا وافقت على مقابلته وأنا في السيارة؟»

تنهد والدها وقال: «لأنني اعتقدت أن الحديث سيكون قصيرًا، وأننا سنعود إلى المنزل بعدها. لم أتوقع أن يتحول الأمر إلى خلاف.»

نظرت إليه تالا بقلق. كانت تحاول فهم القرارات التي اتخذها في ذلك اليوم، لكنها لم ترغب في أن تكتفي بتفسيره. سألته عن طبيعة الخلاف، فأخبرها أن رامي طلب منه التوقف عن مراجعة بعض التحويلات، وأنه رفض قبل أن يحصل على تفسير للأرقام التي وجدها.

قالت: «هل هددك رامي؟»

«لم يهددني صراحة في السيارة، لكنه قال إن الاستمرار في البحث سيجلب مشكلات لا نحتاج إليها.»

«وماذا فعلت؟»

«أنزلته عند المبنى الذي طلبه، ثم أكملت الطريق معك.»

سكتت تالا قليلًا. كانت تلك أول مرة تسمع تسلسلًا واضحًا للأحداث التي سبقت الحادث، لكنها لاحظت أن والدها لم يذكر ما وقع بعد مغادرة رامي. سألته إن كان قد رأى السيارة الأخرى قبل الاصطدام، فهز رأسه وقال إنه لم ينتبه إليها إلا في اللحظات الأخيرة.

قالت: «هل اصطدمت بنا من الخلف؟»

«من الجانب الخلفي الأيسر.»

«هل كنت تقود بسرعة؟»

«لا أذكر السرعة بدقة، لكنني كنت أسير ضمن حركة المرور.»

«وماذا حدث بعد الاصطدام؟»

نظر والدها إلى النافذة، ثم قال إن السيارة انحرفت نحو جانب الطريق واصطدمت بالحاجز. كان يحاول السيطرة عليها عندما سمع تالا تصرخ، ثم توقف كل شيء خلال ثوانٍ. أخبرها أنه خرج من السيارة بصعوبة، وأنه وجدها واعية لكنها خائفة ومصابة بجرح في جبينها.

وضعت تالا يدها على جبينها دون أن تشعر. كان هناك أثر صغير قرب منبت شعرها، وقد اعتادت اعتباره نتيجة سقوط قديم. لم يخبرها أحد أنه مرتبط بحادث السيارة، ولم تفكر في السؤال عنه من قبل.

قالت: «هل فقدت الوعي؟»

«لفترة قصيرة، بحسب ما أخبرنا الطبيب.»

«وهل كنت أعاني إصابة خطيرة؟»

«لم تظهر إصابة خطيرة في الفحوص التي أجريت لك، لكنك احتجت إلى المراقبة الطبية.»

سألته عن سبب عدم تذكرها الحادث كاملًا، فأجاب بأنه لا يعرف السبب الطبي بدقة، وأنه لا يريد تقديم تفسير لا يستطيع إثباته. أضاف أن الخوف والإصابة ربما أثرا في ذاكرتها، لكن تحديد ذلك يحتاج إلى رأي مختص. شعرت تالا بشيء من الارتياح لأنه لم يحاول تفسير كل ما لا يعرفه.

قالت: «هل احتفظت بالتقرير الطبي؟»

«ربما بين أوراقنا القديمة. سأبحث عنه.»

«وماذا عن تقرير الحادث؟»

«أعتقد أن لدي نسخة.»

رفعت عينيها إليه. كانت قد أمضت أيامًا تبحث عن تفاصيل يستطيع تقرير رسمي أن يساعد في توضيح بعضها. لم تفهم لماذا لم يذكره والدها من قبل، لكنها قررت ألا تحول الحديث إلى مواجهة جديدة قبل أن تراه.

قالت: «أريد أن نراجع التقرير معًا.»

أومأ برأسه، ثم نهض واتجه إلى مكتبه. بقيت تالا في المطبخ تفكر فيما سمعته. لم يكن اعتراف والدها بوجود رامي في السيارة دليلًا على أنه تسبب في الحادث، لكنه أثبت أن خلافًا وقع قبل الاصطدام بوقت قصير. وكانت تريد الآن معرفة ما إذا كانت هناك أدلة مستقلة تدعم بقية روايته.

بعد دقائق، عاد والدها يحمل ملفًا بلاستيكيًا قديمًا. وضعه أمامها وأخرج منه عدة أوراق، بينها نسخة من تقرير أولي عن الحادث وبعض المستندات الطبية. كانت الأوراق تحمل تواريخ متقاربة، وقد بدا أنها احتفظت بترتيبها منذ سنوات.

بدأت تالا بقراءة التقرير. ورد فيه أن سيارتين تعرضتا لاصطدام على الطريق الساحلي، وأن إحدى السيارتين انحرفت نحو الحاجز. لم يتضمن النص الذي أمامها تحديدًا قاطعًا للمسؤولية، لكنه ذكر أن إفادات الأطراف لم تكن متطابقة في بعض التفاصيل.

سألت والدها: «من كان يقود السيارة الثانية؟»

قال: «رجل لم أكن أعرفه.»

«هل ورد اسمه في التقرير؟»

أشار إلى إحدى الصفحات. قرأت تالا الاسم، ثم كتبت ملاحظة في دفترها. لم يكن الاسم مألوفًا لها، ولم يظهر في الأوراق المالية التي راجعتها حتى الآن.

قالت: «هل ثبت أنه تعمد الاصطدام بنا؟»

أجاب والدها: «لا.»

«هل ثبت أنه كان يعرف رامي؟»

«لم أجد دليلًا على ذلك.»

أعادت تالا التقرير إلى الطاولة. كانت هذه الإجابات مهمة، لأنها تمنعها من تحويل الشك إلى اتهام. أدركت أن وجود خلاف مالي قبل الحادث لا يثبت وحده أن الاصطدام كان مدبرًا، حتى لو كان توقيته يثير الأسئلة.

قالت: «إذن نحن نعرف أن خلافًا وقع، ثم وقع الحادث. لكننا لا نعرف إن كانت هناك علاقة بينهما.»

نظر والدها إليها وقال: «هذا صحيح.»

«لماذا جعلتني أعتقد طوال السنوات الماضية أننا انتقلنا بسبب العمل فقط؟»

أخفض رأسه، ثم قال: «لأنني كنت أخشى أن تعودي إلى تلك الليلة، وأن تعيشي الخوف الذي عشته بعدها.»

«لكنني عشت الخوف دون أن أفهم سببه.»

لم يجد والدها ردًا سريعًا. كانت تالا تتحدث بهدوء، لكن كلماتها جعلته ينظر إليها طويلًا. أدرك أنها لم تعد الفتاة التي غادرت بيروت معه، وأن محاولته حمايتها بالصمت حرمتها من حقها في فهم جزء من حياتها.

قال: «أعرف أنني أخطأت.»

«أحتاج إلى أكثر من الاعتراف بذلك. أريد أن أعرف ما الذي حدث فعلًا، وأن أقرر بنفسي كيف أتعامل معه.»

أومأ والدها، ثم دفع الملف نحوها.

«احتفظي بنسخ من هذه الأوراق. وإذا أردت مراجعتها مع مختص، فلن أمنعك.»

شكرتْه تالا، ثم أخذت الصور اللازمة وأعادت الأصول إليه. لم تكن قد سامحته تمامًا، لكنها شعرت بأن الحديث فتح بابًا ظل مغلقًا سنوات طويلة. وكانت تعرف أن ما بقي من الحقيقة لن يظهر بمجرد سؤال واحد.

في الجامعة، التقت نايا بعد المحاضرة الأولى. جلستا في المكتبة، وعرضت تالا عليها تقرير الحادث والصورة القديمة. استمعت نايا إلى رواية والدها، ثم بدأت تقارن التواريخ بما لديهما من مستندات مالية.

قالت نايا: «الخلاف مع رامي وقع في اليوم نفسه، لكن التقرير لا يربطه بالاصطدام.»

أجابت تالا: «أعرف. لا أريد أن أتهمه دون دليل.»

«وماذا عن مروان؟»

«قال إنه وصل بعد الحادث. ربما يستطيع تأكيد بعض التفاصيل.»

فتحت نايا هاتفها وأرسلت إلى جاد رسالة تسأله إن كان مروان مستعدًا للحديث عن شهادته. لم تطلب لقاءً مباشرًا، بل اقترحت أن يجيب عن أسئلة مكتوبة في البداية. وافقت تالا على ذلك، لأنها أرادت الاحتفاظ بإجاباته ومقارنتها بالتقرير دون أن تؤثر عليه بأسئلتها أثناء الحديث.

بعد ساعة، وصل رد من جاد يقول إن مروان وافق. طلب أن ترسل الأسئلة إلى بريده الإلكتروني، ووعد بالإجابة عما يتذكره دون إضافة تخمينات. كتبت تالا الأسئلة بعناية، وركزت على وقت وصوله، ومكان وقوف السيارتين، والأشخاص الذين رآهم، وما إذا كان قد تحدث إلى الشرطة.

لم تسأله عن رامي في البداية. أرادت أن تعرف ما رآه بنفسه قبل أن تطلب منه تفسير علاقات الآخرين. وبعد أن راجعت نايا الأسئلة، أرسلتاها إلى البريد الذي زودهما به جاد.

في تلك الأثناء، كان مروان يجلس في شقة صغيرة استأجرها مؤقتًا. فتح الرسالة وقرأ الأسئلة واحدًا تلو الآخر، ثم وضع هاتفه جانبًا. لم يكن قد تحدث عن تلك الليلة بالتفصيل منذ سنوات، وكان يعرف أن بعض ذكرياته قد تكون ناقصة أو غير دقيقة.

أخرج من حقيبته دفترًا قديمًا احتفظ فيه بملاحظات عن الحادث. كانت الصفحات الأولى تتضمن تواريخ وأسماء، بينما حملت الصفحات الأخيرة ملاحظات كتبها خلال الشهر الماضي. لم تكن كل المعلومات فيه مستندة إلى ما شاهده بنفسه، ولذلك وضع علامة بجانب التفاصيل التي يستطيع تأكيدها.

بدأ يكتب إجاباته. أوضح أنه وصل إلى الطريق بعد الاصطدام بدقائق، وأنه رأى سيارة والد تالا قرب الحاجز وسيارة أخرى متوقفة على مسافة قصيرة. كان هناك رجل يقف قرب السيارة الثانية، وشخص آخر يساعد في إخراج تالا من المقعد الخلفي. لم يستطع معرفة هوية الشخص الثاني، لكنه تذكر أنه كان يرتدي ساعة معدنية عريضة.

توقف مروان عند هذه المعلومة. لم يكن قد فكر في الساعة منذ سنوات، لكنها عادت إلى ذاكرته عندما رأى صورة تالا القديمة التي أرسلها جاد. لم يكن متأكدًا من أن الساعة الظاهرة في الصورة هي نفسها التي رآها بعد الحادث، ولذلك كتب ذلك بوضوح.

ثم أضاف أنه أدلى بإفادته للشرطة، وأنه لم يشاهد لحظة الاصطدام. لم يستطع تحديد سبب الحادث أو المسؤول عنه، ولم ير رامي في الموقع بعد وصوله. راجع إجاباته مرتين، ثم أرسلها إلى البريد الذي وصلته منه الأسئلة.

بعد الإرسال، اتصل بجاد.

قال: «أجبت عن أسئلة تالا.»

سأله جاد: «هل تذكرت شيئًا جديدًا؟»

«تفصيلًا عن شخص كان يساعدها بعد الحادث.»

«من هو؟»

«لا أعرف اسمه. لكنني أتذكر ساعته.»

توقف جاد قليلًا، ثم قال: «الساعة التي ظهرت في الصورة؟»

«ربما. لا أستطيع التأكد.»

«هل تعتقد أنه كان معهما في السيارة؟»

أجاب مروان: «لا أعرف. عندما وصلت، كان خارجها.»

سكت جاد، ثم سأله عن سبب اهتمامه بالملف المالي إذا لم يشاهد الاصطدام نفسه. تنهد مروان وقال إنه بدأ البحث بعد أن وجد اختلافات بين بعض المستندات التي احتفظ بها والد تالا ونسخ أخرى وصلت إليه لاحقًا. لم يكن يعرف إن كانت تلك الاختلافات مرتبطة بالحادث، لكنه أراد فهم سبب اختفاء بعض الأوراق.

قال جاد: «وهل وصلت إلى نتيجة؟»

«وجدت أن بعض التحويلات سُجلت بأرقام مختلفة في نسختين من الملف.»

«هل هذا يعني أن أحدًا زوّرها؟»

«قد يعني وجود تعديل أو خطأ أو تلاعب. لا أستطيع الجزم قبل فحص النسخة الأصلية وسجل التعديلات.»

فكر جاد قليلًا، ثم سأله عن وحدة التخزين التي وجدتها تالا في البيت القديم. أجاب مروان بأنه وضعها هناك قبل اختفائه بفترة قصيرة، وأنها تحتوي على نسخة من المستندات التي جمعها. لكنه لم يعرف إن كانت النسخة كاملة أو إن كانت جميع الملفات سليمة.

قال جاد: «لماذا لم تخبرني بمكانها؟»

«لأنني كنت أخشى أن يصل إليها شخص آخر.»

«وهل تعرف من كان يبحث عنها؟»

«لا أملك اسمًا مؤكدًا.»

أنهى جاد المكالمة بعد أن طلب منه البقاء على اتصال. لم يكن راضيًا عن كل الإجابات، لكنه أدرك أن شقيقه بدأ أخيرًا يميز بين ما يعرفه وما يظنه. وكان ذلك أفضل من استمرار الصمت.

في المساء، اجتمعت تالا ونايا في منزل تالا لمراجعة إجابات مروان. قرأتا الرسالة كاملة، ثم قارنتا التفاصيل بتقرير الحادث. كان وقت وصوله متوافقًا تقريبًا مع التسلسل الوارد في الأوراق، لكن بعض التفاصيل لم تظهر في التقرير الذي احتفظ به والد تالا.

قالت نايا: «مروان لم يشاهد الاصطدام. هذه نقطة مهمة.»

أجابت تالا: «نعم. شهادته تتعلق بما حدث بعده.»

«والشخص الذي كان يساعدك؟»

«لا يعرف هويته.»

نظرت تالا إلى الصورة القديمة مرة أخرى. كان انعكاس الوجه غير واضح، والساعة المعدنية ظاهرة قرب المقعد الأمامي. لم يكن لديها ما يثبت أن الشخص الذي ظهر في الصورة هو نفسه الذي رآه مروان بعد الحادث، لكنها قررت أن تسأل والدها إن كان يتذكر من ساعدها.

ذهبت إلى غرفة المعيشة، فوجدته يقرأ. جلست أمامه وعرضت عليه الجزء المتعلق بالشخص المجهول في رسالة مروان. قرأه ببطء، ثم أعاد الهاتف إليها.

قالت: «هل تتذكر من ساعدني بعد الحادث؟»

فكر قليلًا، ثم قال: «كان هناك أكثر من شخص. بعضهم توقف عندما رأى السيارتين.»

«هل تعرف أسماءهم؟»

«لا أتذكر الجميع.»

«هل كان أحدهم يرتدي ساعة معدنية عريضة؟»

رفع والدها رأسه، وبدا أنه يحاول استعادة صورة قديمة. ثم قال إنه يتذكر رجلًا ساعده في إخراج تالا، لكنه لم ينتبه إلى ساعته. وأضاف أن الرجل غادر قبل وصول سيارة الإسعاف، وأنه لم يحصل على اسمه.

قالت: «هل كان رامي؟»

أجاب فورًا: «لا. لم أر رامي بعد أن أنزلته من السيارة.»

«هل أنت متأكد؟»

«أنا متأكد أن الرجل الذي ساعدنا لم يكن رامي.»

لم تكن لدى تالا وسيلة للتحقق من ذلك بعد، لكنها سجلت إجابته كما قالها. لم ترغب في تحويل كل شخص مجهول إلى رامي لمجرد أن اسمه أصبح مرتبطًا بالملف. وكانت تعرف أن العثور على الحقيقة يحتاج إلى استبعاد الاحتمالات الخاطئة بقدر حاجته إلى جمع الأدلة.

عادت إلى غرفتها وأخبرت نايا بما قاله والدها. اقترحت نايا أن يراجعا تقرير الحادث مع مختص قانوني يستطيع تفسير ما ورد فيه، وأن يطلبا نسخة رسمية من الأوراق إذا كانت متاحة. وافقت تالا، وقررت أن تبدأ بذلك قبل اتخاذ أي خطوة أخرى.

قالت نايا: «وماذا عن وحدة التخزين؟»

«نحتاج إلى فحصها بطريقة آمنة.»

«هل وافق والدك؟»

«نعم. لكنه يريد أن يعرف من سيفحصها وكيف سنحافظ على الملفات.»

بدأتا البحث عن مختص في الأدلة الرقمية، ثم توقفتا عند فكرة الاستعانة بشخص يعرفه أحد أفراد العائلة. لم ترد تالا أن تنتقل الملفات بين أشخاص متعددين، خصوصًا أن محتوياتها قد تتضمن بيانات مالية تخص آخرين. اتفقتا على اختيار جهة مهنية تستطيع توثيق عملية الفحص، بدل فتح الوحدة على جهاز شخصي.

في اليوم التالي، رافقت تالا والدها إلى مكتب مختص بفحص الوسائط الرقمية. شرحا أن لديهما وحدة تخزين قديمة عثروا عليها بين أوراق عائلية، وأنهما يريدان معرفة محتوياتها دون تعديل الملفات الأصلية. أوضح المختص أنه سيستخدم إجراءات مناسبة لحفظ البيانات وتوثيق النسخ، وأنه سيقدم تقريرًا بما يستطيع استخراجه.

سلّم والد تالا وحدة التخزين بعد تسجيل بياناتها وحالتها الظاهرة. احتفظا بإيصال التسليم، ثم غادرا المكتب. لم يكن من الممكن معرفة محتوياتها فورًا، ولذلك عادا إلى المنزل وانتظرا نتيجة الفحص.

مر يومان قبل أن يتصل المختص. أخبرهما أنه تمكن من قراءة معظم الملفات، وأن بعضها يحتوي على جداول مالية ومراسلات قديمة. كانت هناك ملفات غير قابلة للفتح، لكنه استطاع استخراج قائمة بأسمائها وتواريخ تعديلها الظاهرة. طلب منهما الحضور لاستلام نسخة موثقة من البيانات والتقرير.

ذهبت تالا مع والدها ونايا. استمعوا إلى شرح المختص، ثم استلموا التقرير والنسخة المستخرجة. أوضح أن تواريخ الملفات الظاهرة لا تثبت وحدها وقت إنشائها الأصلي أو هوية من عدلها، وأن تحديد وجود تلاعب مالي يحتاج إلى مراجعة المستندات مع سجلات الشركة ومصادر مستقلة.

في المنزل، فتحوا النسخة المستخرجة على جهاز منفصل أعده المختص للعرض، وبدأوا مراجعة الملفات. كانت معظمها جداول تحتوي على أرقام تحويلات وأسماء جهات تجارية. لكن ملفًا واحدًا حمل عنوانًا يشير إلى مراجعة داخلية، واحتوى على ملاحظات تشرح اختلافات بين نسختين من بعض المعاملات.

قرأ والد تالا الملاحظات بتركيز. كان بعضها يشبه ما اكتشفه قبل أحد عشر عامًا، لكنه وجد أيضًا معاملات لم يكن قد رآها من قبل. أشار إلى إحدى الصفحات وقال إن الأرقام الواردة فيها لا تتطابق مع النسخة التي كانت بحوزته.

سألته تالا: «هل هذا يثبت أن أحدًا غيّرها؟»

قال: «يثبت أن لدينا نسختين مختلفتين. نحتاج إلى معرفة أيهما اعتمدت رسميًا، ومن كان يستطيع تعديلها.»

نظرت تالا إلى نايا. لم تكن الإجابة نهائية، لكنها كانت أكثر دقة من كل التخمينات التي سمعتها خلال الأيام الماضية. كان أمامهم الآن مستند يمكن مراجعته، لا مجرد رسائل مجهولة.

واصلوا القراءة حتى وصلوا إلى مراسلة قديمة محفوظة ضمن الملفات. كانت الرسالة موجهة إلى رامي، وتتعلق بطلب مراجعة معاملات محددة قبل اعتمادها. لم يظهر فيها تهديد أو اعتراف بمخالفة، لكنها تضمنت اسم والد تالا بوصفه الشخص الذي أثار الملاحظات.

قالت تالا: «إذن رامي كان يعرف أن والدي اكتشف الاختلافات.»

أجاب والدها: «نعم. هذا ما قلته لك.»

«لكننا لا نعرف ماذا فعل بعد ذلك.»

«صحيح.»

أغلقت تالا الملف، ثم طلبت من والدها أن يحتفظا بنسخة آمنة من التقرير والمستندات. وافق، وقال إنه مستعد لعرضها على مختص قانوني ومالي إذا كان ذلك سيساعد في تحديد ما يمكن إثباته. لم يعد يريد إخفاء الأمر، لكنه بدا قلقًا من النتائج التي قد تترتب على إعادة فتح ملف قديم.

في المساء، اتصلت تالا بنايا بعد أن عادت صديقتها إلى منزلها. تحدثتا طويلًا عن الفرق بين الحقيقة التي يمكن إثباتها والأسئلة التي لا تزال مفتوحة. كانتا تعرفان الآن أن والد تالا اكتشف اختلافات مالية، وأن رامي علم بها، وأن الحادث وقع بعد خلاف بينهما. لكنهما لم تجدا دليلًا يربط رامي بالسيارة الثانية أو يثبت أن الاصطدام كان متعمدًا.

قالت نايا: «ربما لن نجد إجابة لكل شيء.»

أجابت تالا: «ربما. لكنني على الأقل أعرف الآن لماذا كنا خائفين.»

«وهل تشعرين بتحسن؟»

فكرت تالا قليلًا قبل أن تجيب. لم تكن سعيدة بما اكتشفته، لكنها لم تعد تشعر بالعجز نفسه الذي رافقها منذ وصول الرسائل. أصبحت تستطيع أن تسأل وتتحقق وتقرر، بدل أن تنتظر ما يختار الآخرون إخبارها به.

قالت: «أشعر أنني بدأت أفهم حياتي، حتى لو بقيت بعض التفاصيل ناقصة.»

بعد انتهاء المكالمة، جلست تالا أمام نافذتها. كانت شوارع بيروت مضاءة، والناس يعودون إلى منازلهم بعد يوم طويل. تذكرت الفتاة التي غادرت المدينة قبل أحد عشر عامًا، وهي لا تعرف لماذا تغيرت حياتها خلال ليلة واحدة. لم تعد تلك الفتاة تنتظر من يشرح لها العالم، لكنها لم تنسَ ما عانته بسبب الصمت.

فتحت دفترها وكتبت خلاصة ما توصلت إليه: «الحادث وقع بعد خلاف مالي، لكن لا يوجد حتى الآن دليل يثبت أنه مدبر». ثم أضافت: «رامي كان يعرف بالمراجعة، ومروان وصل بعد الاصطدام، ووالدي أخفى تفاصيل مهمة خوفًا علينا».

توقفت قليلًا، ثم كتبت سؤالًا أخيرًا: «من كان الشخص الذي ساعدني بعد الحادث، ولماذا لم نعرف اسمه؟»

أغلقت الدفتر ووضعت القلم جانبًا. كانت قد حصلت على جزء كبير من الحقيقة، لكنها لم تعرف بعد ما إذا كان الشخص المجهول مجرد عابر توقف للمساعدة، أم شاهدًا يستطيع تفسير ما بقي غامضًا.

وفي تلك اللحظة، وصلتها رسالة جديدة من الرقم الذي راسلها طوال الأيام الماضية.

«عرفتِ ما حدث قبل الحادث. بقي أن تعرفي ما حدث بعده.»

نظرت تالا إلى الكلمات، ثم إلى الملف الموضوع على مكتبها. لم تعد مستعدة لأن تتبع كل رسالة دون دليل، لكنها أدركت أن المرسل يشير هذه المرة إلى الجزء الذي لم تتمكن الأوراق من تفسيره.

كتبت ردًا واحدًا:

«إذا كنت شاهدًا، فتقدم بشهادتك. لن أبحث عن الحقيقة من خلال التلميحات بعد الآن.»

أرسلت الرسالة، ثم أغلقت الهاتف. لم تعرف إن كان صاحب الرقم سيجيب، لكنها كانت قد اتخذت قرارها: لن تسمح لشخص مجهول بأن يتحكم في خوفها أو يحدد لها الطريق الذي تسلكه.

بعد دقائق، أضاء الهاتف مرة أخرى.

كانت الرسالة الجديدة تحتوي على صورة قديمة، يظهر فيها رجل يقف قرب سيارة متضررة على الطريق الساحلي. لم يكن وجهه واضحًا تمامًا، لكن الساعة المعدنية حول معصمه ظهرت بوضوح.

وتحت الصورة كُتبت جملة قصيرة:

«هذا هو الشخص الذي أخرجك من السيارة.»

الفصل التاسع: جاد

«لا يمحو الاعتذار ما حدث، لكنه يكشف إن كان صاحبه مستعدًا لتحمل مسؤوليته.»

لم تستطع تالا أن تبعد عينيها عن الصورة التي وصلت إلى هاتفها. كان الرجل يقف قرب السيارة المتضررة، ويمد ذراعه نحو بابها الخلفي، بينما ظهر خلفه جزء من الحاجز الحديدي للطريق الساحلي. لم تكن ملامحه واضحة بما يكفي للتعرف إليه، لكن الساعة المعدنية حول معصمه تشبه الساعة التي ظهرت في صورتها القديمة. حاولت تكبير الصورة، ثم توقفت عندما أدركت أن زيادة حجمها لن تكشف تفاصيل غير موجودة فيها.

أرسلت الصورة إلى نايا، وطلبت منها ألا تشاركها مع أحد قبل أن تعرفا مصدرها. ثم حفظت الرسالة كاملة، بما فيها الرقم والتوقيت، وفتحت دفتر الملاحظات. كان المرسل قد انتقل من التلميحات إلى تقديم صورة يمكن فحصها، لكن ذلك لم يجعله مصدرًا موثوقًا تلقائيًا. فقد تكون الصورة أصلية، وقد يكون الرجل هو من ساعدها، لكن العبارة المكتوبة تحتها لا تثبت هويته ولا دوره.

اتصلت نايا بعد دقائق.

قالت: «هل تعرفين هذا الرجل؟»

«لا. لكن الساعة تشبه التي ظهرت في الصورة القديمة.»

«هل يمكن أن يكون الشخص نفسه؟»

«ممكن، لكنني لا أستطيع التأكد.»

تأملت نايا الصورة على هاتفها، ثم سألت عن مصدرها. أخبرتها تالا أنها وصلت من الرقم المجهول، وأن صاحب الرقم لم يوضح كيف حصل عليها. اقترحت نايا أن تعرضاها على والد تالا، ثم تطلبا من مروان أن يحدد إن كان يتذكر الرجل دون أن تخبراه مسبقًا بما تتوقعان.

قالت تالا: «أريد أيضًا أن أعرف من التقطها. ربما توجد صور أخرى من المكان.»

«هذا أهم من محاولة التعرف إلى الوجه من صورة واحدة.»

«سأسأل والدي أولًا.»

أنهت المكالمة وخرجت إلى غرفة المعيشة. كان والدها يجلس أمام الحاسوب، يراجع المستندات التي استخرجوها من وحدة التخزين. توقف عندما رآها، ثم أغلق الملف الذي أمامه وسألها إن كانت تحتاج إلى شيء.

جلست إلى جانبه وفتحت الصورة.

قالت: «وصلتني هذه قبل قليل. هل تتذكر الرجل؟»

تناول الهاتف ونظر إليه طويلًا. قرب الصورة من عينيه، ثم طلب منها أن تعيدها إلى حجمها الأصلي. بقي صامتًا مدة جعلتها تظن أنه تعرف إلى الشخص، لكنه أعاد الهاتف دون أن يذكر اسمًا.

قال: «أظن أنه الرجل الذي ساعدنا بعد الحادث.»

«هل تعرفه؟»

«لم أكن أعرفه قبل ذلك اليوم.»

«هل تحدثت إليه؟»

«نعم. سألني إن كنت أحتاج إلى مساعدة، ثم ساعدني في إخراجك من السيارة.»

«هل قال اسمه؟»

فكر والدها قليلًا، ثم هز رأسه.

«لا أذكر أنه فعل.»

نظرت تالا إلى الصورة مرة أخرى. كان الرجل يميل نحو الباب الخلفي، لكنها لم تستطع معرفة ما إذا كان قد التقط قبل إخراجها أو بعده. سألت والدها إن كان يعرف من التقط الصورة، فأجاب بأنه لم ينتبه إلى وجود مصور في تلك اللحظات.

قالت: «هل بقي الرجل حتى وصلت الشرطة؟»

«لا أتذكره بين الأشخاص الذين تحدثوا إليهم.»

«لماذا غادر؟»

«لا أعرف. كان هناك أشخاص آخرون يساعدون، وكنت منشغلًا بك.»

سكتت تالا قليلًا، ثم قالت: «هل يمكن أن يكون هذا الرجل مرتبطًا برامي؟»

نظر والدها إليها بجدية.

«لا أملك سببًا يجعلني أعتقد ذلك.»

«ولا أنا. لكنني أريد أن أتأكد.»

أومأ برأسه، ثم طلب منها الاحتفاظ بالصورة وعدم نشرها. وافقت، وأخبرته بأنها ستسأل مروان عما يتذكره، وربما تحاول معرفة مصدر الصورة من خلال القنوات المناسبة. لم يعترض هذه المرة، لكنه طلب أن تخبره قبل التواصل مع أي شخص مجهول.

عادت تالا إلى غرفتها وكتبت رسالة إلى نايا تطلب منها إرسال الصورة إلى مروان عبر جاد، دون إرفاق العبارة التي كتبها المرسل المجهول. أرادت أن ترى إن كان سيتعرف إلى الرجل من تلقاء نفسه. ثم أغلقت الهاتف وبدأت مراجعة ملاحظاتها الجامعية، محاولة استعادة جزء من يومها الطبيعي.

بعد الظهر، وصلت إلى نايا إجابة من مروان. كتب أنه يتذكر الرجل الذي ظهر قرب السيارة، وأنه كان يساعد في إخراج تالا عندما وصل إلى الموقع. لكنه لم يعرف اسمه، ولم يكن متأكدًا من أنه رآه بعد وصول الشرطة. وأضاف أن الصورة تبدو متوافقة مع المكان الذي يتذكره، لكنه لا يستطيع تحديد تاريخ التقاطها من شكلها وحده.

قرأت تالا الإجابة، ثم وضعت الهاتف جانبًا. كانت شهادة مروان تدعم رواية والدها عن وجود شخص ساعدها، لكنها لم تكشف سبب إرسال الصورة الآن. والأهم أن مروان لم يذكر ما يشير إلى أن الرجل تسبب في الحادث أو شارك في التخطيط له.

في المساء، وصلتها رسالة من نايا تقول إن جاد يريد الحديث معها بشأن أمر يتعلق بشقيقه. لم يطلب لقاءً منفردًا، بل اقترح أن يكون الحديث في الجامعة بحضور نايا، وأكد أنه سيحترم رفضها إن لم ترغب في ذلك.

فكرت تالا قليلًا قبل أن تجيب. كانت قد حصلت على معظم المعلومات المتعلقة بالملف من خلال نايا، ولم تكن تحتاج إلى لقاء جديد مع جاد لمجرد أنه يريد الحديث. لكنها تذكرت أن اسمه كان جزءًا من حياتها قبل الحادث، وأن عودته أثارت ذكريات لم تتعامل معها بعد.

كتبت: «أوافق على لقاء قصير غدًا بعد المحاضرة. أريد أن أعرف موضوع الحديث مسبقًا.»

جاء رد جاد عبر نايا بعد دقائق. قال إنه يريد توضيح ما عرفه مروان عن الأوراق، وإن لديه أمرًا شخصيًا يريد الاعتذار عنه دون أن يطلب منها شيئًا في المقابل.

لم تعرف تالا كيف تستقبل الجزء الأخير من الرسالة. كانت قد سمعت منه اعتذارًا مختصرًا في أول يوم التقيا فيه، لكنه لم يغير شعورها تجاه ما حدث في المدرسة. ومع ذلك، قررت أن تستمع إليه مرة واحدة، وأن تنهي الحديث إذا حاول تبرير سلوكه أو التقليل من أثره.

في اليوم التالي، جلست تالا مع نايا في المقهى القريب من المكتبة. وصل جاد في الموعد المحدد، وحمل معه ملفًا صغيرًا لم يفتحه فورًا. بدا متوترًا، لكنه لم يحاول إخفاء ذلك بالحديث أو المزاح كما كان يفعل في سنوات المدرسة.

قالت تالا: «أخبرت نايا أن لديك معلومات عن مروان.»

أجاب: «نعم. تحدثت معه أمس بعد أن رأى الصورة.»

«هل عرف الرجل؟»

«لا يعرف اسمه، لكنه يتذكر أنه كان يساعدك.»

«هذا ما كتبه لنا.»

أومأ جاد، ثم أخرج ورقة من الملف ووضعها أمامهما. كانت نسخة من صفحة في دفتر مروان، تحمل تاريخ الحادث وبعض الملاحظات المكتوبة بخط اليد. أوضح جاد أن شقيقه وجد الصفحة أثناء مراجعة أوراقه القديمة، وأنه سمح بمشاركتها مع تالا.

قرأت تالا الملاحظات. تضمنت وقتًا تقريبيًا لوصول مروان إلى الموقع، ووصفًا للسيارتين، وإشارة إلى رجل ساعد في إخراج فتاة من المقعد الخلفي. لم يكن اسم الرجل مكتوبًا، لكن الوصف أشار إلى معطف داكن وساعة معدنية.

قالت: «هل كتب مروان هذه الملاحظات في الليلة نفسها؟»

أجاب جاد: «يقول إنه كتبها بعد يومين تقريبًا، عندما حاول ترتيب ما يتذكره.»

«هل يمكن التأكد من ذلك؟»

«لا أعرف طريقة مستقلة لإثبات وقت كتابتها. لهذا لم أطلب منك اعتبارها دليلًا قاطعًا.»

أعادت تالا الورقة إلى الطاولة. كانت تقدّر أنه لم يبالغ في قيمتها، لكنها لم ترغب في إظهار امتنان شخصي له على أمر يخص حقها في المعرفة. طلبت من نايا الاحتفاظ بصورة من الصفحة، ثم سألت إن كان مروان مستعدًا لتقديم إفادته رسميًا إذا احتاج الأمر.

قال جاد: «نعم. أخبرني أنه لا يمانع.»

«هذا جيد.»

ساد صمت قصير. كان جاد ينظر إلى يديه، بينما بدأت نايا تجمع الأوراق. شعرت تالا بأنه يريد قول شيء آخر، لكنها لم تساعده على البدء.

قال أخيرًا: «هناك أمر أريد أن أتحدث عنه، لكنه لا يتعلق بالحادث.»

نظرت إليه وقالت: «أعرف. أخبرت نايا بذلك.»

«إذا لم ترغبي في سماعه، يمكنني المغادرة.»

«تحدث. لكنني لا أريد تبريرات.»

أومأ جاد برأسه. بقي صامتًا لحظة، ثم قال إنه فكر كثيرًا في الطريقة التي عاملها بها عندما كانا في المدرسة. لم يكن يقصد خلافًا واحدًا أو مزحة عابرة، بل سنوات من التعليقات التي جعلتها تشعر بأنها مراقبة ومحرجة أمام الآخرين.

قال: «كنت أسخر منك أمام زملائنا، وأكرر لقبًا لم تكوني تحبينه. وعندما كنت تطلبين مني التوقف، كنت أتصرف كأن اعتراضك جزء من المزاح.»

لم تتوقع تالا أن يذكر الأمر بهذه الدقة. كانت تتذكر الممرات المدرسية، وضحكات الطلاب، ومحاولاتها تجنب الأماكن التي يجلس فيها جاد مع أصدقائه. تذكرت أيضًا أنها كانت تعود إلى المنزل غاضبة، ثم تخبر والدتها بأن يومها كان عاديًا لأنها لا تريد شرح ما حدث.

قالت: «كنت تعرف أنني لا أحب ذلك.»

أجاب: «نعم.»

«وكنت تستمر.»

«نعم.»

نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: «لم تكن المشكلة في اللقب وحده. كنت تجعل الآخرين يعتقدون أن من حقهم الضحك عليّ.»

أخفض جاد رأسه.

«أعرف الآن أنني فعلت ذلك.»

«هل كنت تعرفه وقتها؟»

تردد قبل أن يجيب.

«كنت أعرف أنك تتضايقين. لكنني لم أكن مستعدًا للاعتراف بأنني أؤذيك.»

شعرت تالا بالغضب يعود إليها، لكنه لم يكن الغضب المرتبك الذي شعرت به عند لقائهما الأول. كانت تستطيع الآن وصف ما حدث دون أن تخجل منه، ودون أن تبحث عن سبب يجعل سلوك جاد مقبولًا.

قالت: «كنت أغير طريقي في المدرسة حتى لا أمر أمامك. هل تعرف ذلك؟»

رفع رأسه ونظر إليها.

«لم أكن أعرف إلى أي حد وصل الأمر.»

«كنت أطلب من نايا أن تنتظرني عند الصف حتى لا أمشي وحدي. وأحيانًا كنت أختبئ في المكتبة خلال الاستراحة.»

لم تتدخل نايا. كانت تعرف تلك التفاصيل، فقد عاشت بعضها مع تالا، لكنها أرادت أن تسمع صديقتها تتحدث بنفسها. كان جاد ينظر إلى تالا دون أن يقاطعها، وقد بدا أن ما يسمعه أصعب عليه من الاعتراف العام بأنه أخطأ.

قالت تالا: «عندما عدت إلى الجامعة ورأيتك، شعرت بالخوف قبل أن أشعر بالغضب. لم أكن أعرف إن كنت ستعود إلى التصرف بالطريقة نفسها.»

قال جاد: «كان من حقي أن أتوقع رفضك الحديث معي. ولم يكن من حقي أن أطلب منك الثقة بي.»

«صحيح.»

«أعتذر عما فعلته. لا أطلب منك أن تسامحيني، ولا أتوقع أن نعود صديقين.»

سكتت تالا قليلًا. لم تكن تعرف إن كان جاد تغير فعلًا، فالتغير لا يثبت بكلمات تقال في لقاء واحد. لكنها لاحظت أنه لم يحاول تبرير سلوكه بصغر سنه أو بالمشاعر التي كان يخفيها، ولم يطلب منها أن تتجاوز الماضي لمجرد أنه ندم عليه.

قالت: «سمعت اعتذارك.»

رفع عينيه إليها، لكنه لم يتكلم.

تابعت: «لا أستطيع أن أقول إنني سامحتك الآن. وربما لا أريد أن تكون بيننا علاقة شخصية أصلًا.»

أجاب: «أحترم ذلك.»

«إذا احتجنا إلى معلومات عن مروان أو الملف، فسيكون التواصل عبر نايا. أما ما حدث بيننا، فلا أريد أن يتحول إلى موضوع يتكرر كلما التقينا.»

قال جاد: «مفهوم.»

نهضت تالا بعد أن جمعت أوراقها. لم تشعر بالراحة الكاملة، لكنها شعرت بأنها قالت ما كانت تخشى قوله طوال سنوات. لم تعد الفتاة التي تنتظر انتهاء الاستراحة حتى تستطيع المرور في الممر، ولم تعد بحاجة إلى قبول اعتذار لا تشعر بأنها مستعدة له.

قبل أن تغادر، سألها جاد إن كان يستطيع إضافة أمر أخير. توقفت ونظرت إليه، فتابع دون أن يقترب.

قال: «مروان أخبرني أنه يريد تقديم ما لديه إلى جهة مختصة. إذا قررت عائلتك متابعة الملف، فسيتعاون معكم.»

أومأت تالا.

«أخبره أنني أقدّر استعداده للشهادة. لكننا سنقرر الخطوة التالية بعد استشارة مختص.»

غادرت مع نايا، وبقي جاد جالسًا أمام فنجانه. لم يكن يتوقع أن ينتهي اللقاء بمسامحة، لكنه أدرك أن اعتذاره لا يمنحه حقًا جديدًا في حياة تالا. كان عليه أن يثبت تغيره في الطريقة التي يحترم بها قراراتها، لا في محاولاته المتكررة للحديث معها.

في طريق العودة إلى القاعة، سألت نايا صديقتها عن شعورها. فكرت تالا قليلًا قبل أن تجيب، ثم قالت إنها لم تكن تتوقع أن تتحدث عن المدرسة بهذه الصراحة. وأضافت أنها لا تعرف إن كانت ستسامح جاد يومًا، لكنها لم تعد تشعر بأنها مضطرة إلى تجنب ذكر ما حدث.

قالت نايا: «هل ندمتِ على اللقاء؟»

«لا. كنت أحتاج إلى أن يسمعني دون أن يقاطعني.»

«وهل صدقتِ اعتذاره؟»

«أعتقد أنه نادم. لكنني لا أعرف إن كان تغير بما يكفي، وهذا ليس أمرًا يجب أن أحسمه اليوم.»

ابتسمت نايا، ثم قالت إن عدم اتخاذ قرار الآن قرار مقبول أيضًا. وافقتها تالا، وشعرت بأنها بدأت تستعيد مساحة من حياتها لم تكن تعرف أنها فقدتها. لم يعد الماضي يفرض عليها أن تخاف من جاد أو أن تسامحه، بل أصبح بإمكانها أن تحدد ما تريده منه بوضوح.

في المساء، اجتمعت تالا مع والدها لمراجعة الخطوات التالية في ملف الحادث. كان قد تواصل مع مختص قانوني، وحدد موعدًا لعرض تقرير الحادث والمستندات المالية عليه. أخبرها أن إعادة النظر في القضية قد تكون معقدة بسبب مرور السنوات، وأن وجود مستندات مختلفة لا يعني بالضرورة إثبات جريمة.

قالت تالا: «أريد أن نعرف ما يمكن فعله قانونيًا، حتى لو لم نصل إلى كل الإجابات.»

أجاب والدها: «هذا ما أريده أيضًا.»

«وهل ستخبر أمي بكل ما وجدناه؟»

نظر إليها قليلًا، ثم قال: «نعم. كان ينبغي أن أتحدث معها منذ البداية عن بعض التفاصيل التي أخفيتها.»

لم تعلق تالا فورًا. كانت تعرف أن والدتها عاشت الخوف نفسه، وربما احتفظت بذكريات لم تشاركها مع أحد. لكنها لم ترغب في أن يتحول البحث إلى ضغط جديد عليها، ولذلك اقترحت أن يتحدثا معها بهدوء ويتركا لها حرية المشاركة فيما تتذكره.

وافق والدها، ثم سألها إن كانت تريد حضور اللقاء مع المختص القانوني. أجابت بأنها تريد ذلك، لأن القضية تتعلق بحادث كانت طرفًا فيه، ولأنها أصبحت قادرة على اتخاذ قراراتها بشأن المعلومات التي تخصها.

بعد العشاء، دخلت تالا غرفتها وفتحت الحاسوب. كانت لديها محاضرات تحتاج إلى مراجعتها، وواجب جامعي تأخرت في إنجازه بسبب الأيام الماضية. حاولت التركيز في الدراسة، لكنها وجدت نفسها تفكر في حديثها مع جاد.

لم تكن تتذكر كل كلمة قالها، لكنها تذكرت أنه اعترف بأنه كان يعرف أنها تتأذى من سلوكه. كان ذلك الاعتراف مؤلمًا أكثر مما توقعت، لأنه أكد أن ما عانته لم يكن سوء فهم من جانبها. ومع ذلك، شعرت بأن قدرتها على مواجهته جعلت الذكريات أقل سيطرة عليها.

فتحت دفترًا جديدًا وكتبت بعض الأفكار التي تريد الاحتفاظ بها لنفسها. لم تكتب عن جاد وحده، بل عن السنوات التي قضتها وهي تتجنب الحديث عن المدرسة والحادث معًا. كانت قد اعتادت أن تعتبر الصمت وسيلة للحفاظ على هدوئها، لكنها بدأت تدرك أنه جعل بعض الأسئلة تكبر داخلها.

عند التاسعة، وصلتها رسالة من الرقم المجهول.

«هل صدقتِ جاد؟»

توقفت تالا عن الكتابة. لم تكن قد أخبرت المرسل بلقائها مع جاد، ولم تنشر شيئًا عنه. شعرت بالانزعاج لأن السؤال يشير إلى حديث شخصي لا علاقة له مباشرة بالحادث أو الملف المالي.

كتبت: «كيف عرفت أنني تحدثت إليه؟»

لم يصل رد فورًا. انتظرت دقيقة، ثم وضعت الهاتف على الطاولة. لم تكن تريد العودة إلى نمط الأسئلة والتلميحات الذي سيطر على الأيام الماضية، لكنها احتفظت بصورة من الرسالة وأرسلتها إلى نايا.

بعد دقائق، وصل رد من الرقم المجهول.

«جاد لا يعرف كل ما فعله مروان.»

قرأت تالا الكلمات، ثم أغلقت المحادثة. لم تعد مستعدة لقبول اتهامات جديدة دون دليل، خصوصًا أن مروان قدم معلومات يمكن مراجعتها، وأبدى استعداده للتعاون رسميًا. كتبت ردًا قصيرًا وواضحًا.

«إذا كانت لديك معلومات موثقة، فأرسلها إلى جهة مختصة. لن أتعامل مع اتهامات مجهولة.»

أرسلت الرسالة، ثم حظرت الرقم مؤقتًا بعد حفظ المحادثة كاملة. لم يكن قرارها نابعًا من الثقة بجاد أو مروان، بل من رغبتها في ألا يظل شخص مجهول قادرًا على التدخل في حياتها متى شاء.

بعد قليل، اتصلت نايا.

قالت: «هل حظرتِ الرقم؟»

«نعم. احتفظت بكل الرسائل أولًا.»

«هل تعتقدين أن المرسل يعرف جاد؟»

«ربما. لكنه لم يقدم ما يثبت شيئًا.»

«وماذا سنفعل إذا ظهرت معلومات جديدة؟»

«سنراجعها عندما تأتي من مصدر يمكن التحقق منه.»

أنهت تالا المكالمة وعادت إلى دراستها. لم تكن قد حلت لغز الحادث، ولم تعرف هوية الرجل الذي ساعدها، لكنها أدركت أنها لم تعد بحاجة إلى ملاحقة كل إشارة يرسلها شخص مجهول. كان أمامها موعد قانوني، ومستندات يمكن فحصها، وأشخاص يمكن سؤالهم عن شهاداتهم.

وفي مكان آخر من بيروت، كان جاد يجلس مع مروان في شقته الصغيرة. أخبره بما جرى في لقائه مع تالا، دون أن يذكر تفاصيل حديثها الشخصي أو ما قالته عن المدرسة. اكتفى بأنه اعتذر إليها، وأنها طلبت استمرار التواصل بشأن الملف عبر نايا.

قال مروان: «هذا حقها.»

أجاب جاد: «أعرف.»

نظر مروان إلى أخيه، ثم سأله إن كان مستعدًا لمساعدته في ترتيب الأوراق التي سيقدمها إلى المختص القانوني. وافق جاد، لكنه طلب منه أن يكون واضحًا بشأن كل ما يعرفه، وألا يخفي شيئًا بدعوى حماية العائلة.

قال مروان: «هناك أمر لم أخبرك به بعد.»

رفع جاد رأسه.

«ما هو؟»

فتح مروان حقيبته وأخرج ظرفًا صغيرًا، ثم وضعه على الطاولة. كان يحتوي على صورة قديمة لرجل يقف قرب السيارة المتضررة على الطريق الساحلي، وهي الصورة نفسها التي وصلت إلى تالا من الرقم المجهول.

نظر جاد إلى الصورة، ثم إلى شقيقه.

قال: «من أين حصلت عليها؟»

أجاب مروان: «كانت ضمن الأوراق التي جمعتها بعد الحادث.»

«هل أرسلتها إلى تالا؟»

هز مروان رأسه.

«لا. لكنني أعرف من أخذ نسخة منها قبل سنوات.»

توقف جاد عن الكلام. كان قد ظن أن ظهور مروان سيساعد في إنهاء الغموض، لكنه أدرك أن شقيقه لا يزال يحتفظ بمعلومات لم يشاركها معه.

سأله: «من؟»

نظر مروان إلى الصورة مرة أخرى، ثم قال: «رامي.»

الفصل العاشر: بداية أخرى

«لا تبدأ الحياة من جديد حين ننسى الماضي، بل حين نتوقف عن السماح له باتخاذ قراراتنا.»

ظل جاد ينظر إلى الصورة التي وضعها مروان أمامه. كانت الصورة نفسها التي وصلت إلى تالا من الرقم المجهول، وفيها رجل يساعد عند السيارة المتضررة على الطريق الساحلي. لم يكن يعرف كيف حصل المرسل على نسخة منها، لكن شقيقه قال الآن إن رامي امتلك نسخة قبل سنوات. انتظر أن يشرح مروان ما يعرفه، ولم يحاول استنتاج أكثر مما تسمح به المعلومة.

قال جاد: «متى أعطيت رامي الصورة؟»

أجاب مروان: «لم أعطها له. طلب الاطلاع على الصور التي جمعتها بعد الحادث، ثم اكتشفت لاحقًا أنه احتفظ بنسخة منها.»

«كيف اكتشفت ذلك؟»

«رأيتها في ملف كان يحمله عندما التقينا بعد الحادث بأسابيع.»

«ولماذا كان مهتمًا بها؟»

أبعد مروان الصورة عن حافة الطاولة، ثم قال إنه لا يعرف السبب. كان رامي قد أخبره آنذاك بأنه يحاول معرفة ما حدث على الطريق، وإن بعض الصور قد تساعده على تحديد الأشخاص الذين كانوا هناك. لم يشك مروان في الأمر وقتها، لكنه بدأ يتساءل عن دوافع رامي عندما ظهرت الخلافات المتعلقة بالمستندات المالية.

قال جاد: «هل تعرف الرجل الذي في الصورة؟»

«لا. حاولت الوصول إليه، لكنني لم أجد اسمه بين الأوراق التي احتفظت بها.»

«وهل تعتقد أن رامي يعرفه؟»

«ربما. امتلاكه الصورة لا يثبت ذلك.»

أومأ جاد، ثم أعاد الصورة إلى الظرف. لم يكن يريد أن يكرر أخطاء الأيام الماضية، حين ربط بين أشخاص وأحداث لمجرد ظهور أسمائهم في الأوراق نفسها. كان يحتاج إلى معرفة كيف وصلت الصورة إلى الرقم الذي يراسل تالا، لكن ذلك لا يعني أن رامي هو المرسل.

سأل شقيقه: «لماذا لم تخبرني بهذا من البداية؟»

تنهد مروان وقال: «لأنني كنت أظن أنني سأصل إلى تفسير قبل أن أتحدث. وكلما بحثت، وجدت معلومات جديدة جعلتني أؤجل الكلام.»

«وهل ساعدك التأجيل؟»

«لا. بل جعل الأمر أصعب.»

بقي جاد صامتًا قليلًا. كان يسمع في كلام مروان شيئًا يشبه ما فعلته عائلاتهم طوال السنوات الماضية. اعتقد كل واحد منهم أنه يستطيع حماية الآخرين بحجب المعلومات، ثم اكتشفوا أن الصمت تركهم أمام روايات ناقصة وخوف لم يفهموا مصدره.

قال: «تالا قررت ألا تتعامل مع الرسائل المجهولة بعد الآن. علينا أن نحترم ذلك.»

«أتفق معك.»

«إذا كانت لديك معلومات إضافية، فضعها مع بقية الأوراق التي ستراجعها الجهة المختصة.»

نظر مروان إلى الظرف، ثم قال: «سأفعل. وسأوضح كيف حصلت على الصورة ومتى رأيت النسخة التي كانت مع رامي.»

جمع جاد الأوراق ووضعها في الملف، ثم نهض ليستعد للمغادرة. قبل أن يصل إلى الباب، ناداه مروان وسأله عن تالا. توقف جاد، لكنه لم يعرف ما الذي يريد شقيقه سماعه.

قال مروان: «هل هي بخير؟»

أجاب: «تحاول أن تستعيد حياتها. وهذا أهم من كل ما نفعله الآن.»

في صباح اليوم التالي، وصلت تالا إلى الجامعة قبل بدء المحاضرة بنصف ساعة. كانت تحمل كتبها ودفترًا جديدًا، وقد قررت أن تخصص وقتها للدراسة بدل الاستمرار في مراجعة المستندات طوال اليوم. لم تنتهِ الأسئلة المتعلقة بالحادث، لكنها أصبحت تعرف أن الإجابات تحتاج إلى إجراءات ومراجعات قد تستغرق وقتًا طويلًا. ولم تكن تريد أن تتوقف حياتها في انتظارها.

وجدت نايا قرب المدخل، تحمل كوبين من القهوة. أعطتها أحدهما، ثم أخبرتها أن موعدهما مع المختص القانوني قد تأكد بعد يومين. شكرتها تالا، وسألتها إن كانت قد رتبت المستندات التي سيأخذانها معهما.

قالت نايا: «نعم. وضعت تقرير الحادث في ملف مستقل، والمستندات المالية في ملف آخر.»

«وماذا عن رسائل الرقم المجهول؟»

«احتفظت بنسخة منها مع التواريخ، لكننا لن نعتمد على محتواها لإثبات شيء دون تحقق.»

ابتسمت تالا وقالت: «أصبحتِ تتحدثين مثلي.»

أجابتها نايا: «أو ربما تعلمنا معًا ألا نصدق كل ما يصل إلى هواتفنا.»

ضحكت تالا للمرة الأولى منذ أيام دون أن تشعر بأنها تتجاهل أمرًا مهمًا. دخلتا الجامعة وتحدثتا عن المحاضرات والاختبارات القادمة، ثم جلستا في القاعة قبل وصول الأستاذ. كانت تفاصيل اليوم العادية تبدو بسيطة، لكنها أدركت أنها افتقدتها خلال الأسابيع الماضية.

بعد المحاضرة، توجهت تالا إلى مكتب الإرشاد الأكاديمي. كانت قد تأخرت في تسليم أحد الواجبات، وأرادت معرفة إن كان بإمكانها تعويضه. شرحت أنها مرت بظروف عائلية أثرت في تركيزها، دون الدخول في تفاصيل لا تخص دراستها. استمع المرشد إليها، ثم ساعدها على وضع خطة لإنهاء الأعمال المتأخرة خلال الأسبوعين التاليين.

خرجت من المكتب وهي تشعر بأن لديها أمرًا تستطيع إنجازه بجهدها المباشر. لم تكن تحتاج إلى انتظار اعتراف من والدها أو رسالة من شخص مجهول حتى تتقدم خطوة. كان بإمكانها أن تعود إلى دراستها، وأن تلتقي صديقاتها، وأن تخطط لما تريد فعله بعد التخرج.

عند الظهيرة، اتصلت بها والدتها. كانت قد عادت إلى بيروت في الليلة السابقة، وعرفت من والد تالا بعض ما اكتشفوه عن الحادث والملف المالي. سألتها إن كانت تستطيع الجلوس معها في المساء، فأجابت تالا بأنها ستعود بعد انتهاء المحاضرات.

قالت والدتها: «أريد أن أسمع منك أيضًا، لا أن أعرف كل شيء من والدك.»

«وأنا أريد أن أسألك عن أشياء كثيرة.»

«سنتحدث بهدوء عندما تعودين.»

أنهت تالا المكالمة، ثم جلست مع نايا لتناول الغداء. أخبرتها أن والدتها تريد الحديث عن الماضي، وأنها لا تعرف إن كانت مستعدة لسماع تفاصيل جديدة. قالت نايا إن الحديث قد يكون صعبًا، لكنه قد يساعدهما على فهم ما شعرت به كل واحدة منهما خلال تلك الفترة.

في المساء، وجدت تالا والدتها تنتظرها في غرفة المعيشة. كانت قد أعدت الشاي ووضعت بعض الصور العائلية على الطاولة. جلست تالا إلى جانبها، ولاحظت أن والدتها تبدو متوترة رغم محاولتها الابتسام.

قالت والدتها: «أخبرني والدك أنك عرفتِ عن الحادث.»

أجابت تالا: «نعم. وعرفت أيضًا أننا لم نغادر بيروت بسبب العمل وحده.»

أومأت والدتها برأسها، ثم نظرت إلى الصور أمامها.

قالت: «كنت أظن أن عدم الحديث عن تلك الليلة سيساعدك على تجاوزها.»

«لكنه جعلني أشعر بأن هناك شيئًا لا أفهمه في حياتي.»

«أعرف ذلك الآن.»

أخذت والدتها صورة قديمة للعائلة، التقطت قبل الحادث بأشهر. كانت تالا تقف بين والديها وتبتسم، بينما يظهر خلفهم البحر. وضعت الصورة أمام ابنتها، ثم أخبرتها أنها احتفظت بها لأنها تذكرها بفترة كانت فيها حياتهم أكثر هدوءًا.

قالت تالا: «هل كنت تعرفين بالخلاف المالي قبل الحادث؟»

أجابت والدتها: «كنت أعرف أن والدك قلق بشأن عمله، لكنه لم يخبرني بكل التفاصيل.»

«ومتى عرفتِ أن هناك تهديدات؟»

«بعد الحادث. أخبرني أن شخصًا سأله عن الأوراق، وأنه يخشى أن نتعرض لمشكلة أخرى.»

سكتت تالا قليلًا، ثم سألتها لماذا وافقت على الرحيل بهذه السرعة. قالت والدتها إنها كانت خائفة على ابنتها بعد إصابتها، وإن فكرة الابتعاد بدت لها أفضل من البقاء في مكان لم تعد تشعر فيه بالأمان.

قالت: «لم نفكر جيدًا في أثر الصمت عليك. كنا نحاول أن نمنع عنك الخوف، ولم ننتبه إلى أننا تركناك وحدك مع أسئلة لم تعرفي كيف تطرحينها.»

نظرت تالا إلى والدتها. لم تكن تريد أن تعاقبها على قرار اتخذته وهي خائفة، لكنها احتاجت إلى أن تسمع منها اعترافًا بأن ما حدث لم يكن عادلًا. أمسكت بيدها وقالت إنها تفهم خوفها، لكنها لا تريد أن يتكرر الأمر إذا واجهت العائلة مشكلة أخرى.

قالت والدتها: «لن أخفي عنك شيئًا يخصك بعد الآن.»

«لا أطلب أن أعرف كل ما يدور في حياتكما. أريد فقط ألا يقرر أحد نيابة عني ما أستطيع تحمله.»

أومأت والدتها، ثم ضمت يد ابنتها بين يديها. بقيتا تتحدثان عن السنوات التي أعقبت الرحيل، وعن صعوبة الانتقال إلى مدينة جديدة، وعن الأصدقاء الذين ابتعدت عنهم تالا دون أن تفهم السبب. لم يكن الحديث خاليًا من الألم، لكنه لم يتحول إلى مواجهة كما كانت تخشى.

بعد قليل، سألت تالا والدتها عن الصورة القديمة التي وجدتها في صندوق طفولتها. عرضتها عليها، ثم أشارت إلى اليد الظاهرة قرب المقعد الأمامي. نظرت والدتها إلى الصورة، وقالت إنها لا تتذكر رؤيتها من قبل.

قالت تالا: «هل تعرفين كيف وصلت إلى أغراضي؟»

«لا. ربما وضعها والدك مع صورك عندما جمعنا الأغراض.»

«وماذا عن الورقة التي تذكر مروان؟»

هزت والدتها رأسها.

«لم أرها من قبل.»

لم تضغط تالا عليها. كانت تعرف أن عدم تذكر شيء لا يعني بالضرورة إخفاءه، وأن السنوات الطويلة قد تجعل التفاصيل تختلط في الذاكرة. اكتفت بتسجيل ما قالته، ثم أعادت الصور إلى الظرف.

في اليوم التالي، اتصل والد تالا بالمختص القانوني لتأكيد الموعد. كان قد جمع تقرير الحادث، والمستندات المالية، وتقرير فحص وحدة التخزين، وإفادات مروان المكتوبة. طلب منه المختص إحضار الأصول المتاحة، مع توضيح مصدر كل مستند وتاريخ العثور عليه.

جلس والد تالا مع ابنته لترتيب الملفات. كانت هذه أول مرة يعملان فيها معًا على مراجعة ما حدث بدل أن يحاول أحدهما إقناع الآخر بالتوقف. وضعا قائمة بالمعلومات المؤكدة، وأخرى بالأسئلة التي تحتاج إلى تحقق، ثم اتفقا على ألا يقدما استنتاجات لا تدعمها الأوراق.

قال والدها: «أريد أن أعتذر لك مرة أخرى.»

رفعت تالا رأسها.

«اعتذرت بالفعل.»

«أعرف. لكنني أدركت أنني كنت أطلب منك الثقة بي بينما أخفي عنك معلومات مهمة.»

نظرت إليه قليلًا، ثم قالت: «أريد أن نبني الثقة من جديد، لكن ذلك يحتاج إلى وقت.»

«سأحترم ذلك.»

أعادت تالا ترتيب الأوراق، ثم قالت إنها لا تريد أن تصبح القضية محور حياتهما إلى الأبد. وافق والدها، وأخبرها أنه يريد معرفة ما يمكن إثباته قانونيًا، ثم اتخاذ الخطوات المناسبة دون الاستمرار في الخوف من الماضي.

في الموعد المحدد، ذهبت تالا مع والدها ونايا إلى مكتب المختص القانوني. استمع الرجل إلى روايتهم، ثم راجع المستندات التي أحضروها. أوضح أن مرور أحد عشر عامًا قد يؤثر في إمكان اتخاذ بعض الإجراءات، وأن الأمر يعتمد على طبيعة الوقائع والقوانين السارية والمستندات المتاحة. وأضاف أن الاختلاف بين نسختين من ملف مالي يستحق الفحص، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تزوير أو احتيال.

سألته تالا: «وماذا عن الحادث؟»

أجاب: «تقرير الحادث يثبت وقوع الاصطدام وبعض ظروفه، لكنه لا يثبت أن أحدًا تعمد التسبب فيه. إذا ظهرت أدلة جديدة، يمكن تقييمها لمعرفة ما إذا كانت تبرر طلب مراجعة إضافية.»

«هل يمكننا معرفة هوية الرجل الذي ساعدني؟»

«قد تساعد السجلات أو الصور الأصلية أو شهادات الأشخاص الذين كانوا في الموقع، لكن لا أستطيع أن أعدك بالوصول إلى اسمه.»

استمعت تالا بعناية. لم يكن الرجل يقدم إجابات نهائية، لكنه كان واضحًا بشأن حدود ما يستطيع إثباته. شعرت أن هذا النوع من الحديث يساعدها أكثر من الرسائل التي تعدها بكشف أسرار كبيرة دون أن تقدم مصدرًا يمكن التحقق منه.

قال والدها: «ما الخطوة التي تنصحنا بها؟»

أجاب المختص بأنه سيبدأ بمراجعة المستندات المالية مع خبير مناسب، ثم يحدد ما إذا كانت هناك أسس قانونية لاتخاذ إجراء. كما اقترح الاحتفاظ بالرسائل المجهولة وصورها، وعدم التواصل مع مرسلها أو محاولة مواجهته. وطلب منهم عدم نشر اتهامات أو صور أشخاص قبل التحقق من الوقائع.

وافقوا على الخطة، ثم غادروا المكتب. في الطريق إلى المنزل، كانت تالا تشعر بشيء من الهدوء. لم تحصل على نهاية واضحة للقضية، لكنها أصبحت تعرف ما الذي يمكن فعله، وما الذي لا ينبغي الجزم به.

قالت نايا: «هل تشعرين بأننا تأخرنا في طلب المساعدة؟»

أجابت تالا: «ربما. لكننا لم نكن نملك هذه الأوراق من قبل.»

قال والدها: «كان ينبغي أن أطلب المساعدة قبل سنوات.»

نظرت تالا إليه عبر المرآة، ثم قالت: «لا نستطيع تغيير ما حدث. لكننا نستطيع أن نقرر ما نفعله الآن.»

لم يجب والدها، لكنه أومأ برأسه. كانت الجملة بسيطة، لكنها لخصت ما حاولت تالا الوصول إليه منذ بدأت الرسائل تصلها. لم تعد تريد أن تعيش في انتظار تفسير كامل لكل لحظة من الماضي، بل أن تتعامل مع ما تعرفه بطريقة تحمي حاضرها.

في تلك الليلة، جلست تالا أمام حاسوبها لتكمل واجبها الجامعي. كانت قد أنجزت جزءًا كبيرًا منه، وشعرت بالرضا لأنها استطاعت العودة إلى التركيز بعد أيام طويلة من القلق. وضعت هاتفها بعيدًا عنها، وأغلقت الإشعارات غير الضرورية، ثم بدأت الكتابة.

بعد ساعة، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. دخلت والدتها تحمل كوبًا من الشاي، ووضعته قرب الحاسوب. سألتها إن كانت تحتاج إلى شيء، فأجابت تالا بأنها بخير، ثم طلبت منها الجلوس قليلًا.

تحدثتا عن الجامعة وخطط تالا بعد التخرج. أخبرتها أنها تفكر في التقدم إلى برنامج تدريبي خارج بيروت، وأنها لم تحسم قرارها بعد. ابتسمت والدتها وقالت إنها ستدعمها أيًا كان المكان الذي تختاره، ما دامت تفكر فيه بهدوء وتعرف ما تريده.

قالت تالا: «كنت أخشى أن أبتعد مرة أخرى عن كل ما أعرفه.»

أجابت والدتها: «هذه المرة لن يكون الرحيل هربًا. سيكون قرارك أنت.»

ابتسمت تالا، وشعرت بأن الكلمات أعادتها إلى معنى لم تفكر فيه من قبل. كانت قد غادرت بيروت في الخامسة عشرة دون أن تفهم السبب، ثم عادت إليها بعد سنوات لتكتشف أن جزءًا من حياتها بُني على قرارات اتخذها الآخرون. أما الآن، فقد أصبحت قادرة على اختيار المكان الذي تريد أن تعيش فيه والطريق الذي تريد أن تسلكه.

بعد خروج والدتها، فتحت تالا دفترها وكتبت قائمة بالأشياء التي تريد إنجازها خلال الأشهر المقبلة. وضعت الدراسة في المقدمة، ثم التدريب، ثم السفر إذا حصلت على فرصة مناسبة. وفي أسفل الصفحة كتبت عبارة قصيرة: «لن أؤجل حياتي حتى تنتهي كل الأسئلة.»

أغلقت الدفتر، ثم فتحت هاتفها لتراجع رسائلها. وجدت رسالة من نايا تخبرها بأن جاد أرسل مستندًا إضافيًا يتعلق بالصورة القديمة، وأنه طلب منها عرضه على المختص القانوني بدل إرساله إلى أشخاص آخرين. لم يطلب لقاءً، ولم يحاول فتح حديث شخصي.

فتحت تالا الملف المرفق. كان يحتوي على ملاحظة كتبها مروان عن تاريخ حصول رامي على نسخة من الصورة، مع توضيح أن مروان لم يعرف كيف استخدمها لاحقًا. لم يكن المستند دليلًا على أن رامي أرسل الرسائل المجهولة، لكنه قد يساعد في تتبع مصدر الصورة إذا أمكن العثور على نسختها الأصلية.

أرسلت تالا إلى نايا: «أضيفيه إلى الملف المخصص للمراجعة. لا حاجة إلى أي خطوة أخرى الآن.»

ثم وضعت الهاتف جانبًا وعادت إلى واجبها. لم تكن تعرف إن كانت ستصل يومًا إلى هوية الرجل الذي ساعدها، أو إن كان الخلاف المالي مرتبطًا بالحادث. لكنها لم تعد تسمح لهذه الأسئلة بأن تبتلع كل يوم من حياتها.

في صباح اليوم التالي، وصلت إلى الجامعة ووجدت نايا تنتظرها عند المدخل. كان الجو معتدلًا، والطلاب يتجمعون في الساحة قبل المحاضرات. وقفت تالا لحظة تنظر إلى المبنى الذي شعرت فيه بالخوف عندما رأت جاد للمرة الأولى، ثم دخلت دون أن تبحث عنه بين الوجوه.

قالت نايا: «هل أنت مستعدة للاختبار؟»

ابتسمت تالا.

«أكثر مما كنت أتوقع.»

دخلتا القاعة وجلستا في الصف الثالث. فتحت تالا دفترها وراجعت الملاحظات الأخيرة، ثم أغلقت الهاتف ووضعته في حقيبتها. كانت تعرف أن الماضي لم ينتهِ تمامًا، وأن هناك مستندات تنتظر المراجعة وأشخاصًا لم يقولوا كل ما يعرفونه.

لكنها أدركت أيضًا أن حياتها لا تبدأ بعد انتهاء التحقيق، بل تبدأ كل صباح تختار فيه ألا تتوقف بسببه.

وبينما كانت تستعد للاختبار، وصل إلى هاتف والدها اتصال من المختص القانوني. لم تكن تالا تعرف به بعد، لكن الرجل كان قد انتهى من مراجعة أولية لأحد المستندات، ووجد اختلافًا يحتاج إلى تفسير عاجل.

كان الاختلاف يتعلق بتاريخ تحويل مالي سُجل بعد الحادث بثلاثة أيام، رغم أن صاحبه كان قد أبلغ عن إغلاق حسابه قبل ذلك بأسبوع.

الفصل الحادي عشر: الرسالة الأخيرة

«لا تنتهي الأسرار حين نعرف أصحابها، بل حين نتوقف عن الخوف مما سيقولونه.»

كان والد تالا يستعد لمغادرة المنزل عندما تلقى اتصالًا من المختص القانوني. عاد إلى مكتبه وأخرج الملف الذي جمع فيه المستندات المالية القديمة، ثم فتح الصفحة التي طلب منه المتصل مراجعتها. كان هناك تحويل مالي مسجل بعد الحادث بثلاثة أيام، لكنه لم يظهر في النسخة الإلكترونية التي استخرجها المختص من وحدة التخزين. والأغرب أن الحساب الذي خرج منه المبلغ كان قد قُدم طلب لإغلاقه قبل ذلك بأسبوع.

قال والد تالا: «هل يعني هذا أن أحدًا استخدم الحساب بعد إغلاقه؟»

أجابه المختص: «لا نستطيع قول ذلك بعد. لدينا تاريخ طلب الإغلاق، وليس ما يثبت تاريخ تنفيذه. نحتاج إلى السجل المصرفي الأصلي قبل تحديد ما حدث.»

«وهل وجدت شيئًا آخر؟»

«هناك اختلاف في وصف الجهة المستفيدة بين النسختين. قد يكون خطأ في إعداد المستندات، وقد تكون هناك معاملة لم تُدرج في إحداهما. الخبير المالي يراجع الأمر.»

أنهى والد تالا المكالمة وترك الملف مفتوحًا أمامه. كان قد أمضى أحد عشر عامًا يحاول الابتعاد عن تلك الأوراق، ثم عاد إليها ليكتشف أنه لم يفهم جميع تفاصيلها. تذكر الخلاف الذي دار بينه وبين رامي قبل الحادث، وتذكر خوفه حين بدأ يسأل عن التحويلات. لكنه لم يستطع أن يتذكر إن كان قد راجع هذه المعاملة تحديدًا.

عادت تالا من الجامعة بعد الظهر، فوجدته في المكان نفسه. وضعت حقيبتها قرب الباب وجلست أمامه، ثم سألته عن نتيجة المراجعة. شرح لها ما قاله المختص، وأراها الصفحتين المختلفتين دون أن يقدم تفسيرًا من عنده.

قالت: «هل يمكن أن يكون التحويل قد بدأ قبل إغلاق الحساب؟»

«هذا أحد الاحتمالات.»

«وهل يعرف المختص من اعتمد المعاملة؟»

«ليس بعد. يحتاج إلى مستندات إضافية.»

نظرت تالا إلى الورقتين. كان الاختلاف واضحًا، لكنه لم يفسر حادث السيارة ولا سبب ظهور الصورة القديمة في الرسائل المجهولة. أدركت أن الملف المالي قد يكشف مخالفات تستحق التحقيق، لكنه ليس بالضرورة المفتاح الذي يفسر كل ما حدث لعائلتها.

قالت: «أريد أن نتابع هذه المعاملة، لكنني لا أريد أن نربطها بالحادث قبل أن نجد دليلًا.»

أغلق والدها الملف وقال: «أتفق معك.»

سكتت لحظة، ثم سألته: «هل كنت تتوقع أن نصل إلى هذه المرحلة عندما وافقت على الذهاب إلى البيت القديم؟»

ابتسم ابتسامة متعبة.

«كنت أتوقع أن نجد بعض الأوراق. لم أتوقع أن أعود إلى كل هذه التفاصيل.»

«وأنا لم أتوقع أن أستطيع الحديث معك عنها دون أن تطلب مني التوقف.»

نظر إليها طويلًا، ثم قال: «كان ينبغي أن أستمع إليك منذ البداية.»

لم تجبه تالا، لكنها لم تشعر بالحاجة إلى الابتعاد عنه كما كانت تفعل في الأيام الأولى. كان بينهما الكثير مما يحتاج إلى إصلاح، غير أن الحديث لم يعد ينتهي عند أول سؤال صعب.

في اليوم التالي، التقى مروان بالمختص القانوني بحضور جاد. أحضر دفتر ملاحظاته القديم، والصورة التي يظهر فيها الرجل قرب سيارة تالا، ونسخًا من المراسلات المالية التي جمعها خلال بحثه. طلب منه المختص أن يشرح مصدر كل مستند، وأن يحدد ما شاهده بنفسه وما عرفه من أشخاص آخرين.

بدأ مروان بوصف وصوله إلى موقع الحادث. قال إنه رأى السيارتين بعد الاصطدام، وإن رجلًا كان يساعد والد تالا في إخراجها من المقعد الخلفي. لم يشاهد لحظة التصادم، ولم يعرف هوية الرجل، لكنه تذكر الساعة المعدنية العريضة التي كان يرتديها.

سأله المختص: «هل تستطيع تأكيد أن الرجل الظاهر في الصورة هو نفسه الذي رأيته؟»

أجاب مروان: «أعتقد ذلك، لكن الصورة لا تسمح لي بالجزم.»

«هل تعرف من التقطها؟»

«لا. حصلت عليها مع مجموعة صور جُمعت بعد الحادث.»

«ومن أعطاك المجموعة؟»

تردد مروان قليلًا قبل أن يجيب.

«شربل.»

رفع جاد رأسه ونظر إلى شقيقه. كان يعرف أن عمهما تحدث مع مروان عن بعض الأوراق القديمة، لكنه لم يسمع من قبل أنه أعطاه صورًا للحادث.

سأله: «لماذا لم تخبرني؟»

قال مروان: «لأنني لم أكن أعتقد أن مصدر الصور مهم. كنت أبحث عما يظهر فيها.»

تدخل المختص وسأله عن تاريخ حصوله عليها. أوضح مروان أن شربل سلّمه المجموعة بعد الحادث بأسابيع، عندما علم أنه يسأل عن الأشخاص الذين كانوا في الموقع. وأضاف أنه شاهد لاحقًا نسخة من إحدى الصور بين أوراق رامي، لكنه لم يعرف كيف وصلت إليه.

قال المختص: «إذن لا تستطيع تحديد من أعطى رامي الصورة.»

«لا.»

«ولا تعرف إن كان شربل قد احتفظ بنسخ أخرى.»

«أعرف أنه كان يحتفظ ببعض الأوراق، لكنني لا أعرف ما بقي لديه الآن.»

دوّن المختص الإجابة، ثم انتقل إلى المستندات المالية. شرح مروان أنه بدأ مراجعتها قبل سنوات، ثم عاد إلى البحث فيها عندما وجد اختلافات بين بعض النسخ. كان قد أخفى وحدة التخزين في البيت القديم قبل اختفائه، لكنه لم يكن يعرف أن شخصًا آخر سيخبر تالا بمكانها.

قال جاد: «هل أخبرت شربل بأنك وضعتها هناك؟»

فكر مروان قليلًا.

«لم أخبره بالمكان. لكنني سألته قبل اختفائي عن البيت القديم، وعن الشخص الذي كان يحتفظ بمفاتيحه.»

«وماذا قال؟»

«قال إن البيت ما زال ملكًا لعائلة تالا، وإنه لا يعرف من يدخله.»

سجل المختص هذه المعلومة، ثم سأله كيف تمكن من وضع وحدة التخزين داخل المنزل. أوضح مروان أنه طلب الإذن من والد تالا قبل أشهر لتفقد بعض الأوراق القديمة، وأنه دخل معه في زيارة قصيرة. وفي أثناء ترتيب الملفات، وضع الصندوق المعدني داخل الخزانة، ثم غادر دون أن يخبره بمحتواه.

قال المختص: «هل تستطيع إثبات تاريخ الزيارة؟»

«ربما من رسائل تحديد الموعد. سأبحث عنها.»

نظر جاد إلى شقيقه باستغراب. كان مروان قد أخبره سابقًا بأنه أخفى النسخة في مكان آمن، لكنه لم يشرح كيف دخل المنزل. ولم يكن جاد مرتاحًا إلى أن شقيقه استغل زيارة مأذونًا بها لإخفاء مستندات دون علم صاحب البيت.

قال له بعد انتهاء الأسئلة: «كان عليك أن تخبر والد تالا بما وضعت في منزله.»

أجاب مروان: «أعرف. كنت أخشى أن يرفض الاحتفاظ بها.»

«وهذا كان حقه.»

أومأ مروان دون اعتراض. لم يكن يستطيع إصلاح ما فعله قبل أشهر، لكنه وافق على كتابة إفادة توضح ظروف الزيارة ومكان الصندوق. كما وافق على أن يراجع المختص مراسلاته مع والد تالا لتحديد التاريخ بدل الاعتماد على ذاكرته وحدها.

بعد انتهاء اللقاء، خرج جاد ومروان إلى الشارع. كان الجو حارًا، والسيارات تتحرك ببطء أمام المبنى. توقف جاد قرب سيارته وسأل شقيقه إن كان قد أخفى عنه شيئًا آخر يتعلق بالقضية.

قال مروان: «هناك أمور لا أعرف كيف أفسرها، لكنني أخبرتك بما أستطيع إثباته.»

«هذا ما أريده منك. لا أريد أن تختفي مرة أخرى لأنك تعتقد أنك وحدك تستطيع حل المشكلة.»

نظر مروان إلى أخيه، ثم قال: «لم يكن اختفائي قرارًا جيدًا.»

«لقد أقلقتنا جميعًا.»

«أعرف. ولن أكرر ذلك.»

ركبا السيارة وعادا إلى المنزل. لم يتحدثا كثيرًا خلال الطريق، لكن جاد شعر بأن علاقته بشقيقه بدأت تتغير. كان قد اعتاد النظر إلى مروان بوصفه الأخ الأكبر الذي يعرف ما يفعل، ثم اكتشف أنه قد يخطئ ويخاف ويتخذ قرارات تؤذي الآخرين. لم يجعله ذلك أقل قربًا منه، لكنه جعله يراه بصورة أكثر واقعية.

في المساء، اتصل المختص القانوني بوالد تالا وطلب منه تأكيد زيارة مروان إلى البيت القديم. تذكر والدها أنه اصطحبه بالفعل قبل أشهر للبحث عن مراسلات تتعلق بالشركة، لكنه لم يعرف أنه ترك شيئًا في الخزانة. راجع رسائله القديمة، فعثر على موعد الزيارة وأرسله إلى المكتب.

كانت تالا تجلس بجانبه عندما أنهى المكالمة. سألته لماذا لم يخبرها سابقًا بأن مروان دخل المنزل، فأجاب بأنه لم يربط الزيارة باختفائه أو بوحدة التخزين التي عثروا عليها. اعترف بأن ذاكرته لم تكن دقيقة عندما قال إنه لم يستخدم المنزل منذ سنوات، فقد كان يقصد أنه لم يعد يستخدمه بصورة منتظمة.

قالت: «هذا التفصيل كان سيوفر علينا كثيرًا من الأسئلة.»

أجاب: «صحيح. وكان عليّ أن أراجع مواعيدي قبل أن أجيبك.»

«أريد أن نتوقف عن الاعتماد على الذاكرة وحدها عندما توجد رسائل أو أوراق يمكن الرجوع إليها.»

وافق والدها، ثم أرسل إلى المختص نسخة من المراسلات التي تؤكد الزيارة. شعرت تالا بأن الصورة أصبحت أوضح، ولو قليلًا. فقد عرفت كيف وصلت وحدة التخزين إلى البيت القديم، لكنها لم تعرف بعد كيف عرف المرسل المجهول بوجودها.

في اليوم التالي، كانت تالا في المكتبة الجامعية عندما وصلتها رسالة بريد إلكتروني من عنوان لا تعرفه. ظهر في خانة الموضوع: «الرسالة الأخيرة». توقفت عن فتحها، ثم صورت بياناتها وأرسلتها إلى نايا.

اتصلت صديقتها بعد دقائق.

قالت: «هل تعتقدين أنه الشخص نفسه؟»

«لا أعرف. لكن العنوان جديد، والموضوع يشبه الرسائل السابقة.»

«أرسليها إلى المختص قبل الرد.»

«لن أرد.»

أعادت تالا توجيه الرسالة إلى المكتب القانوني، ثم عادت إلى دراستها. لم تكن تريد أن تتحول كل رسالة مجهولة إلى حدث يوقف يومها. كانت قد تعلمت أن انتظار الإجابات من شخص يرفض التعريف بنفسه يجعلها أكثر اعتمادًا عليه، وهذا ما لم تعد تقبله.

بعد ساعات، اتصل بها المختص وأخبرها أن الرسالة لا تحتوي على مرفقات، وأن نصها لا يتضمن تهديدًا مباشرًا. أوضح أنه لا يستطيع تحديد هوية المرسل من عنوان البريد الظاهر وحده، وأنه سيحتفظ بالبيانات المتاحة مع سجل المراسلات السابقة. ثم قرأ لها النص بعد أن سألها إن كانت ترغب في سماعه.

قالت: «نعم.»

بدأ يقرأ:

«تالا، أعرف أن رسائلي سببت لك الخوف، ولم يكن من حقي أن أطلب منك الذهاب إلى أماكن أو سؤال أشخاص دون أن أخبرك من أنا. كنت أظن أنني أساعدك على معرفة ما أخفاه الآخرون، لكنني أدرك الآن أنني جعلتك تعيشين قلقًا جديدًا. لا أطلب منك مسامحتي، ولا أطلب منك أن تصدقي كل ما أرسلته. أردت فقط أن تعرفي أنني لم أكن أحاول إيذاءك.»

توقف المختص قليلًا، ثم أكمل:

«الصورة التي أرسلتها حقيقية، لكنني لا أعرف اسم الرجل الذي يظهر فيها. حصلت على نسخة منها ضمن أوراق قديمة، ولم أكن شاهدًا على الحادث. أما ما قلته عن رامي ومروان، فكان بعضه مبنيًا على مستندات رأيتها، وبعضه الآخر على استنتاجات لم أتحقق منها كما ينبغي. هذه رسالتي الأخيرة، ولن أتواصل معك مرة أخرى.»

انتهى المختص من القراءة، ثم سألها إن كانت تريد الاحتفاظ بنسخة. أجابت بأنها تريد حفظها مع بقية الرسائل، لكنها لا تنوي الرد عليها. لم تكن الرسالة اعترافًا بهوية المرسل، ولم تقدم مصدرًا واضحًا للصور، لكنها تضمنت إقرارًا بأن بعض ما قيل لها لم يكن مبنيًا على معرفة مباشرة.

بعد انتهاء المكالمة، بقيت تالا جالسة أمام مكتبها. شعرت بالغضب أكثر من الارتياح، لأن شخصًا مجهولًا اعترف بأنه دفعها إلى البحث اعتمادًا على استنتاجات غير مؤكدة. كانت قد عاشت أسابيع من القلق، وواجهت والدها، وعادت إلى البيت القديم، ثم اكتشفت أن صاحب الرسائل نفسه لا يعرف بعض الإجابات التي أوحى بأنه يملكها.

اتصلت بنايا وأخبرتها بمحتوى الرسالة.

قالت نايا: «على الأقل اعترف بأنه لم يكن شاهدًا.»

أجابت تالا: «لكنه لم يخبرنا من هو.»

«ربما يخشى أن يتحمل مسؤولية ما فعل.»

«وهذا لا يبرر ما فعله.»

سكتت نايا قليلًا، ثم سألتها إن كانت تريد متابعة محاولة معرفة هويته. فكرت تالا قبل أن تجيب، فقد كانت ترغب في معرفة من تدخل في حياتها بهذه الطريقة. لكنها لم تكن تريد أن تبحث عنه بنفسها أو أن تعود إلى مراسلته.

قالت: «سأترك الأمر للمختص إذا رأى أن هناك ما يستدعي إجراءً. أما أنا فلن أطارده.»

«أعتقد أن هذا أفضل.»

أنهت تالا المكالمة وخرجت من المكتبة. كان الطلاب يتجمعون في الساحة، وبعضهم يتحدث عن الاختبارات المقبلة، بينما كان آخرون ينتظرون أصدقاءهم قرب المقهى. وقفت لحظة تراقبهم، ثم اتجهت إلى القاعة التالية. لم تكن قد نسيت الرسالة، لكنها لم تسمح لها بأن تحدد بقية يومها.

بعد يومين، وصلت نتيجة أولية من الخبير المالي. أكد أن المستندات تتضمن اختلافات تحتاج إلى سجلات مصرفية وشركاتية أصلية لتفسيرها، وأن البيانات المتاحة لا تسمح بتحديد المسؤول عن تلك الاختلافات. وأوضح أن التحويل المسجل بعد الحادث لا يثبت بحد ذاته وجود مخالفة، لأن تاريخ إغلاق الحساب الفعلي لم يكن موثقًا في الأوراق التي راجعها.

قرأ والد تالا التقرير معها، ثم وضعه في الملف.

قال: «كنت أتمنى أن نجد جوابًا واضحًا.»

أجابت: «وجدنا ما يستحق المراجعة، وهذا يكفي لاتخاذ الخطوة التالية.»

«وماذا عن الحادث؟»

«ما زلنا لا نملك دليلًا على أنه كان متعمدًا.»

أومأ والدها، ثم قال إنه سيواصل الإجراءات التي ينصح بها المختص دون أن يجعلها مسؤولة عن متابعة كل تفصيل. شكرته تالا، وأخبرته أنها تريد الاطلاع على النتائج المهمة، لكنها تحتاج أيضًا إلى التركيز على دراستها.

في نهاية الأسبوع، ذهبت تالا مع والدتها إلى البحر. اختارتا ممشى هادئًا بعيدًا عن موقع الحادث، وجلستا على مقعد يطل على الماء. كانت والدتها تحمل صورة قديمة للعائلة، التقطت قبل انتقالهم من بيروت بأشهر، وأخرجتها من حقيبتها عندما بدأ الحديث عن الماضي.

قالت: «كنت أحتفظ بهذه الصورة لأنك تبدين سعيدة فيها.»

أخذتها تالا ونظرت إليها. كانت تقف بين والديها، وتضحك بينما تحاول منع الريح من إبعاد شعرها عن وجهها. لم تتذكر لحظة التقاط الصورة، لكنها أحبت أنها تظهر يومًا عاديًا لم يكن فيه أحد يفكر في الحادث أو الرحيل.

قالت: «هل كنت تعرفين أننا سنغادر عندما التقطناها؟»

ابتسمت والدتها بحزن.

«لا. لم نكن نفكر في الرحيل أصلًا.»

«وأنا لم أكن أعرف أنني سأقضي سنوات أحاول فهم ما حدث بعدها.»

أمسكت والدتها بيدها، ثم قالت إنها لا تستطيع تغيير القرارات التي اتخذتها مع والد تالا، لكنها تريد أن تكون أكثر صدقًا معها فيما تبقى من حياتهما. لم تطلب منها أن تنسى، ولم تحاول إقناعها بأن الخوف كان سببًا كافيًا لإخفاء الحقيقة.

قالت تالا: «أفهم أنكما كنتما خائفين. لكنني احتجت إلى أن أعرف لماذا تغيرت حياتي.»

«أعرف ذلك الآن.»

«وأريد أن نتحدث عن الأمور الصعبة بدل أن نخفيها عن بعضنا.»

وافقت والدتها، ثم بقيتا تتحدثان عن السنوات التي عاشتاها بعيدًا عن بيروت. تذكرتا المدرسة الجديدة، والأصدقاء الذين تعرفت إليهم تالا، والأيام التي حاولت فيها التأقلم مع مكان لم تختره. لم يكن الحديث كله حزينًا، فقد ضحكتا على مواقف قديمة، واكتشفت تالا أن حياتها خلال تلك السنوات لم تكن مجرد انتظار للعودة.

عندما عادتا إلى المنزل، وجدت تالا رسالة من الجامعة تؤكد قبولها في برنامج تدريبي كانت قد تقدمت إليه قبل أسابيع. قرأت التفاصيل بعناية، ثم أخبرت والديها بالخبر. كان البرنامج يبدأ بعد شهرين، ويتطلب منها الانتقال إلى مدينة أخرى لفترة محددة.

قال والدها: «هل تريدين الذهاب؟»

أجابت: «نعم. أعتقد أنها فرصة جيدة.»

«إذن سنساعدك في الاستعداد.»

نظرت إليه تالا وابتسمت. لم يسألها إن كانت تخشى الابتعاد عن بيروت، ولم يربط قرارها بالحادث أو بما جرى قبل سنوات. كان يتعامل مع رغبتها بوصفها قرارًا يخص مستقبلها، وهذا ما كانت تحتاج إليه.

في تلك الليلة، جلست تالا أمام مكتبها وفتحت الدفتر الذي سجلت فيه تفاصيل البحث. قرأت الصفحات الأولى، حيث كتبت الأسئلة التي بدأت برسالة مجهولة عن البحر. ثم انتقلت إلى الصفحات الأخيرة، حيث رتبت المستندات والشهادات والنتائج التي أمكن التحقق منها.

كانت تعرف الآن أن والدها دخل في خلاف مالي مع رامي، وأن الحادث وقع بعد ذلك الخلاف، وأن مروان وصل إلى الموقع بعد الاصطدام وساعد في توثيق بعض ما رآه. كما عرفت أن شخصًا مجهولًا أرسل إليها صورًا ومعلومات، ثم اعترف بأن بعض تفسيراته لم تكن مؤكدة. أما سبب الحادث وهوية الرجل الذي ساعدها، فبقيا دون جواب حاسم.

أغلقت الدفتر، ثم وضعت فوقه رسالة قبولها في البرنامج التدريبي. لم تكن تريد أن تمحو الماضي أو تتظاهر بأنه لم يؤثر فيها، لكنها لم تعد مستعدة لتأجيل مستقبلها حتى تحصل على إجابة لكل سؤال.

وقبل أن تنام، كتبت في الصفحة الأخيرة:

«عرفت ما يكفي لأتوقف عن الخوف من الأسئلة. وما بقي منها سأواجهه عندما يظهر له دليل، لا عندما يقرر شخص مجهول أن يذكرني به.»

أغلقت الدفتر ووضعته في درج مكتبها، ثم أطفأت المصباح. كانت الرسالة الأخيرة قد وصلت، لكن تالا لم تعد تنتظر رسالة أخرى. كان أمامها طريق جديد، وهذه المرة كانت هي من اختار أن يسلكه.

الفصل الثاني عشر: حين رحل الظل

«لا يختفي الماضي من حياتنا، لكنه يفقد سلطته حين نكف عن العيش في انتظاره.»

وصلت تالا إلى الجامعة قبل موعد محاضرتها بساعة. كانت تحمل ملف البرنامج التدريبي الذي قُبلت فيه، وتريد مراجعة بعض الإجراءات قبل بدء الفصل الدراسي الأخير. مرّت بالساحة التي التقت فيها جاد بعد عودتها إلى بيروت، وتذكرت كيف شعرت يومها بأن السنوات الإحدى عشرة لم تغير شيئًا. لكنها تابعت طريقها دون أن تتوقف، فقد أصبح المكان مرتبطًا بأيام أخرى أيضًا، وبأصدقاء ودراسة وخطط لم تكن موجودة في حياتها القديمة.

وجدت نايا تنتظرها قرب المكتبة، وبيدها كوبان من القهوة. جلستا إلى طاولة تطل على الحديقة، وبدأتا مراجعة الأوراق المطلوبة للبرنامج. كانت تالا ستغادر بيروت بعد شهرين لمدة ستة أشهر، ثم تعود لإنهاء الإجراءات المتعلقة بتخرجها. لم تكن قد قررت ما ستفعله بعد التدريب، لكنها شعرت بالارتياح لأنها تستطيع التفكير في المستقبل دون أن تبحث عن سبب للخوف منه.

قالت نايا: «هل بدأتِ تبحثين عن سكن؟»

أجابت تالا: «وجدت ثلاثة خيارات قريبة من مقر التدريب. سأقارن بينها هذا الأسبوع.»

«وماذا عن والديك؟»

«أمي تساعدني في تجهيز الأوراق، وأبي يريد الاطلاع على عقد السكن قبل أن أوقعه.»

ابتسمت نايا وقالت: «هذا يبدو طبيعيًا.»

ضحكت تالا.

«نعم. للمرة الأولى منذ مدة طويلة، نتحدث عن قرار يخصني دون أن يتحول الحديث إلى الماضي.»

فتحت نايا ملفًا على هاتفها وأرتها بعض الصور التي التقطتاها خلال السنوات الماضية. ظهرت فيهما في الجامعة، وفي رحلة قصيرة إلى الجبل، وفي احتفال صغير بعيد ميلاد تالا. توقفتا عند صورة قديمة التقطت قبل عودة جاد، ثم بدأتا تتذكران تفاصيل ذلك اليوم.

قالت تالا: «نسيت أننا كنا نضحك بهذا القدر.»

أجابتها نايا: «لأن الأسابيع الماضية جعلتك تشعرين بأن حياتك كلها كانت مرتبطة بالحادث.»

نظرت تالا إلى الصور مرة أخرى. أدركت أن السنوات التي عاشتها بعيدًا عن بيروت لم تكن فراغًا ينتظر أن تملأه الحقيقة، فقد درست وأحبت أماكن وتعرفت إلى أشخاص وصنعت ذكريات لا علاقة لها بما حدث على الطريق الساحلي. كان الماضي جزءًا من حياتها، لكنه لم يكن حياتها كلها.

بعد انتهاء المحاضرة، اتصل بها والدها وطلب منها العودة مبكرًا إن استطاعت. أخبرها أن المختص القانوني أرسل تحديثًا بشأن المستندات المالية، وأنه يريد مناقشته معها قبل اتخاذ الخطوة التالية. لم يكن صوته قلقًا كما اعتادت سماعه، بل بدا هادئًا، فوافقت على العودة بعد إنهاء موعدها الجامعي.

عندما وصلت إلى المنزل، وجدت والدها ووالدتها في غرفة المعيشة. كان الملف القديم موضوعًا على الطاولة، وإلى جانبه تقرير جديد من المختص القانوني. جلست تالا أمامهما وانتظرت أن يبدأ والدها الحديث.

قال: «انتهت المراجعة الأولية للوثائق التي استطعنا الحصول عليها.»

سألته: «هل عرفوا سبب اختلاف التحويلات؟»

«ليس بصورة نهائية. بعض الاختلافات يتعلق بطريقة إعداد النسخ، لكن هناك معاملات أخرى تحتاج إلى سجلات أصلية لم نحصل عليها بعد.»

«وماذا عن التحويل الذي ظهر بعد الحادث؟»

«تأكدوا أن طلب إغلاق الحساب قُدم قبل التحويل، لكنهم لم يتمكنوا من إثبات تاريخ تنفيذ الإغلاق. لذلك لا يمكن اعتبار المعاملة مخالفة اعتمادًا على هذا التفصيل وحده.»

قرأت تالا خلاصة التقرير. كان المختص يوصي باستكمال طلب المستندات المتاحة من الجهات المعنية، وتقييم إمكان اتخاذ إجراءات بشأن الاختلافات المالية بعد معرفة مصدرها. ولم يتضمن التقرير ما يربط هذه المعاملات بحادث السيارة أو يثبت أن الاصطدام كان متعمدًا.

قالت: «إذن لا توجد نتيجة نهائية.»

أجاب والدها: «لا. لكننا نعرف ما الذي يحتاج إلى متابعة.»

«وهل ستواصل الأمر؟»

نظر إلى زوجته، ثم عاد إلى تالا.

«نعم. سأتابعه بالطريق القانوني، لكنني لن أطلب منك أن تضعي حياتك جانبًا بسببه.»

شعرت تالا بالارتياح. لم تكن تريد من والدها التخلي عن حقه في معرفة ما حدث للملف المالي، لكنها لم ترغب أيضًا في أن تعود العائلة إلى العيش تحت ضغط القضية كل يوم. كان بإمكانه متابعة الإجراءات، وكان بإمكانها أن تكمل دراستها، دون أن يتعارض الأمران.

قالت والدتها: «اتفقنا على أن نخبرك بأي تطور مهم، وأن نترك لك حرية المشاركة فيما تريدين.»

ابتسمت تالا وقالت: «هذا كل ما أطلبه.»

بعد قليل، أعاد والدها ترتيب الأوراق داخل الملف. كانت هناك نسخة من تقرير الحادث، وصور الطريق الساحلي، والمراسلات المالية، وإفادة مروان المكتوبة. وضعها في خزانة المكتب، ثم أغلق الباب بالمفتاح.

لم يكن إغلاق الخزانة محاولة جديدة لإخفاء الحقيقة. فقد أخبر تالا بمكان الأوراق، واحتفظت هي بنسخ من المستندات التي تخصها. كان الأمر مجرد طريقة لحفظ ملف لا يزال قيد المراجعة، بدل تركه مفتوحًا على الطاولة كل يوم.

في المساء، خرجت تالا مع والدتها لشراء بعض الأشياء التي تحتاج إليها خلال التدريب. دخلتا متجرًا للحقائب، ثم جلستا في مقهى صغير قريب من المنزل. تحدثتا عن السكن والمواصلات والطعام، وعن المدينة التي ستنتقل إليها تالا للمرة الأولى بإرادتها.

قالت والدتها: «هل تشعرين بالخوف من السفر؟»

فكرت تالا قليلًا.

«أشعر ببعض القلق. لكنني متحمسة أيضًا.»

«هذا طبيعي.»

«الفرق أنني أعرف لماذا سأذهب، ومتى سأعود، وما الذي أريده من التجربة.»

نظرت والدتها إليها، ثم قالت: «كنت في الخامسة عشرة عندما رحلنا. لم نمنحك فرصة لفهم ما يحدث.»

أجابت تالا: «أعرف أنك نادمة. ولا أريد أن نقضي السنوات المقبلة في تكرار الاعتذار.»

«وماذا تريدين؟»

«أن نعيش بطريقة مختلفة.»

ابتسمت والدتها، ثم بدأت تسألها عن تفاصيل البرنامج. تحدثتا طويلًا حتى نسيتا الوقت، وعادتا إلى المنزل تحملان بعض المشتريات وقائمة بالأشياء التي بقيت. كانت تالا سعيدة بأن الحديث عن المستقبل أصبح ممكنًا دون أن ينتهي دائمًا عند الحادث.

في اليوم التالي، التقت تالا بنايا في الجامعة لتسليم أحد المشاريع. كانتا تسيران في الممر عندما رأت جاد واقفًا قرب لوحة الإعلانات. لم يكن وحده، فقد كان يتحدث إلى أحد زملائه، لكنه انتبه إلى وجودهما عندما اقتربتا.

توقفت تالا لحظة، ثم تابعت السير. لم تشعر بالخوف الذي أصابها عندما رأته في اليوم الأول، لكنها لم ترغب في الحديث معه. كانت قد أوضحت حدود العلاقة بينهما، ولم يتجاوزها منذ لقائهما الأخير.

قالت نايا بصوت منخفض: «هل تريدين أن نسلك الممر الآخر؟»

أجابت تالا: «لا. هذا طريقنا إلى القاعة.»

مرّتا بالقرب منه، فألقى تحية قصيرة. ردت تالا التحية ومضت مع صديقتها، دون أن تتوقف أو تنتظر حديثًا آخر. لم يحاول جاد اللحاق بهما، وعاد إلى زميله.

بعد دقائق، قالت نايا: «هل لاحظتِ أنك لم تتوتري؟»

أجابت تالا: «لاحظت.»

«هل تغير شعورك تجاهه؟»

فكرت قليلًا، ثم قالت: «لم أنسَ ما فعله، ولا أعرف إن كنت سامحته تمامًا. لكنني لم أعد أخاف من وجوده في المكان نفسه.»

ابتسمت نايا.

«هذا يكفي الآن.»

أومأت تالا. لم تكن بحاجة إلى صداقة جديدة مع جاد، ولا إلى قصة عاطفية تنهي ما حدث بينهما بطريقة سهلة. كان اعتذاره خطوة تخص مسؤوليته عن الماضي، أما قرارها بشأن علاقتهما فبقي حقًا لها وحدها.

في مكان آخر من بيروت، كان جاد يساعد مروان في ترتيب بعض أغراضه. عاد شقيقه إلى عمله تدريجيًا بعد شهر من الغياب، وبدأ يتعامل مع المشكلات التي تركها خلفه. لم يكن كل شيء قد عاد إلى طبيعته، لكنه توقف عن الاختفاء كلما واجه سؤالًا لا يعرف إجابته.

قال جاد وهو يضع مجموعة من الكتب على الرف: «هل تواصلت مع المختص القانوني؟»

أجاب مروان: «نعم. أرسلت إليه ما تبقى من المراسلات التي طلبها.»

«وهل يحتاج إلى حضورك مرة أخرى؟»

«ربما. قال إنه سيتصل إذا احتاج إلى توضيح.»

جلس جاد على الكرسي المقابل له، ثم سأله عن الرجل الذي ظهر في صورة الحادث. كان مروان قد حاول معرفة هويته طوال السنوات الماضية، لكنه لم يصل إلى اسم مؤكد.

قال مروان: «لم أجد شيئًا جديدًا.»

«وهل ستواصل البحث عنه وحدك؟»

«لا. قدمت ما أعرفه، وإذا ظهرت معلومة يمكن التحقق منها فسأتابعها بالطريقة المناسبة.»

نظر جاد إلى شقيقه وابتسم ابتسامة خفيفة.

«هذا أفضل من أن تختفي شهرًا آخر.»

ضحك مروان، ثم قال إنه استحق هذه الملاحظة. لم يكن فخورًا بما فعله، لكنه أصبح قادرًا على الاعتراف بخطئه دون أن يبحث عن عذر لكل قرار اتخذه. وكان جاد يتعلم منه شيئًا مشابهًا، فقد بدأ يفهم أن تحمل المسؤولية لا يعني الحصول على المسامحة، بل قبول نتائج ما فعل.

بعد أسبوع، اجتمعت تالا مع نايا وبعض زميلاتهما في مقهى قريب من الجامعة. كن يحتفلن بانتهاء مشروع دراسي طويل، وتحدثن عن التدريب والتخرج والوظائف التي يأملن الحصول عليها. لم تذكر تالا الحادث أو الرسائل المجهولة، ولم تشعر بأنها تخفي شيئًا عن صديقاتها. كانت تريد أن تقضي أمسية عادية، وهذا ما فعلته.

عندما عادت إلى المنزل، وجدت على مكتبها صندوقًا صغيرًا أعدته والدتها. فتحته، فوجدت داخله بعض الصور القديمة ورسائل من طفولتها، بينها بطاقة كتبتها إحدى صديقات المدرسة قبل انتقالهم من بيروت. كانت البطاقة تتمنى لها حياة جميلة في مدينتها الجديدة، وتطلب منها ألا تنسى أصدقاءها.

جلست تالا تقرأ الرسائل واحدة تلو الأخرى. تذكرت أسماء لم تنطق بها منذ سنوات، ومواقف صغيرة كانت قد نسيتها. لم تكن كل ذكرياتها عن المدرسة مرتبطة بجاد أو بالخوف منه، فقد عرفت فيها أيضًا صديقات أحببنها وأيامًا شعرت فيها بالسعادة.

وجدت في أسفل الصندوق صورة لها وهي تقف أمام المدرسة القديمة. كانت تحمل حقيبتها وتبتسم للكاميرا، وخلفها مجموعة من الطالبات. لم تتذكر من التقط الصورة، لكنها أحبت أن ترى نفسها في تلك السن دون أن تحاول البحث عن أثر الحادث في وجهها.

وضعت الصور على المكتب، ثم فتحت الحاسوب وبدأت ترتيب الملفات التي ستحتاج إليها في سفرها. كانت قد حجزت موعدًا لاستكمال الإجراءات، وحددت قائمة بالأشياء التي ستأخذها معها. وبينما كانت تعمل، وصلتها رسالة من نايا تسألها إن كانت تريد الذهاب إلى البحر في نهاية الأسبوع.

أجابت بالموافقة.

في صباح الجمعة، خرجت تالا مع نايا إلى ممشى قريب من الساحل. كان الجو معتدلًا، والبحر هادئًا، والناس يتجولون على امتداد الطريق. اشترتا القهوة وجلستا على مقعد يطل على الماء، ثم تحدثتا عن الرحلة المقبلة.

قالت نايا: «هل تتذكرين أول رسالة وصلتك؟»

نظرت تالا إلى البحر.

«نعم. سألني المرسل إن كنت أتذكره.»

«هل كنت تتوقعين أن تقودك إلى كل ما حدث؟»

«لا. كنت أظن أنني سأعرف اسم الشخص الذي يراسلني، ثم ينتهي الأمر.»

سكتت قليلًا، ثم تابعت: «لكنني اكتشفت أشياء عن عائلتي، وعن الحادث، وعن نفسي أيضًا.»

قالت نايا: «ولم تعرفي هوية المرسل.»

«صحيح.»

«هل ما زال ذلك يزعجك؟»

فكرت تالا قبل أن تجيب. كانت ترغب في معرفة من أرسل الصور، ولم تنسَ القلق الذي تسبب فيه. لكنها لم تعد مستعدة لأن تمنح شخصًا مجهولًا مساحة أكبر من حياتها لمجرد أنه احتفظ باسمه لنفسه.

قالت: «يزعجني أنه تدخل في حياتي بهذه الطريقة. لكنني احتفظت بالرسائل وسلمتها للمختص، وهذا ما أستطيع فعله الآن.»

«وماذا لو عاد؟»

«سأتعامل مع الأمر كما ينبغي، ولن أسمح له بأن يقودني من جديد.»

نظرت نايا إلى صديقتها، ثم ابتسمت. كانت قد رافقتها منذ الرسالة الأولى، ورأتها تنتقل من الخوف إلى الغضب، ثم إلى البحث عن الأدلة. لكنها كانت تعرف أن التغير الأكبر لم يكن في عدد المعلومات التي حصلت عليها تالا، بل في الطريقة التي أصبحت تتعامل بها مع ما لا تعرفه.

بعد قليل، نهضتا وسارتا على امتداد الممشى. مرّتا بعائلة تلتقط الصور قرب الماء، وبطفل يحاول الإمساك بطائر صغير هبط على السور. توقف الطفل عندما طار الطائر، ثم ضحك وركض نحو والده.

راقبته تالا لحظة، وتذكرت اللقب الذي كان جاد يناديها به في المدرسة. كان ذلك الاسم يثير غضبها وخوفها، لأنها لم تختره ولم تسمح له باستخدامه. لكنها لم تشعر الآن بالحاجة إلى الهرب من الذكرى، فقد أصبحت تعرف أن الكلمات التي استخدمها الآخرون لإيذائها لا تحدد من تكون.

قالت نايا: «بماذا تفكرين؟»

ابتسمت تالا.

«بأشياء قديمة. لكنها لم تعد تبدو قريبة كما كانت.»

واصلتا السير حتى وصلتا إلى نهاية الممشى، ثم عادتا إلى السيارة. لم تكن تالا قد نسيت ما حدث قبل أحد عشر عامًا، لكنها شعرت بأن المسافة بين الماضي وحاضرها أصبحت أكبر. لم يعد كل طريق ساحلي يذكرها بالحادث، ولا كل رسالة مجهولة تجعلها تتوقع خطرًا جديدًا.

قبل سفرها بأسبوع، اجتمعت العائلة على العشاء. كان والد تالا قد انتهى من مراجعة عقد السكن، وساعدتها والدتها في تجهيز حقيبتها. تحدثوا عن موعد الرحلة، وعن الأيام الأولى في المدينة الجديدة، وعن طريقة التواصل بينهم خلال فترة التدريب.

قال والدها: «إذا واجهتِ مشكلة، اتصلي بنا.»

أجابت تالا: «سأتصل. لكنني سأحاول حل الأمور التي أستطيع التعامل معها بنفسي.»

ابتسم وقال: «هذا ما أريده.»

نظرت تالا إلى والديها. كانا قد ارتكبا أخطاء في الماضي، وبعض آثارها لم تختفِ تمامًا، لكنهما أصبحا أكثر استعدادًا للاستماع إليها واحترام قراراتها. لم تعد تنتظر منهما أن يكونا بلا أخطاء، بل أن يتعاملا معها بصدق عندما تقع.

بعد العشاء، دخلت غرفتها وفتحت الدرج الذي احتفظت فيه بدفتر البحث. أخرجته ووضعت أمامها الأوراق التي جمعتها خلال الأسابيع الماضية. كانت هناك صور قديمة، ونسخ من تقرير الحادث، وملاحظات عن المستندات المالية، وسجل الرسائل المجهولة.

راجعت الصفحة الأخيرة، حيث كتبت أنها لن تؤجل حياتها حتى تنتهي كل الأسئلة. ابتسمت عندما قرأتها، ثم أضافت تاريخ ذلك اليوم تحت العبارة. لم تكن القضية قد أغلقت قانونيًا، ولم يظهر دليل حاسم على أن الحادث كان مدبرًا، لكن حياتها لم تعد معلقة بنتيجتها.

وضعت الدفتر في صندوق صغير، وأعادت معه الصور والنسخ التي لا تحتاج إليها في سفرها. احتفظت بالملفات الرقمية في مكان آمن، وتركت لوالدها المستندات الأصلية التي يتابع بها الإجراءات. ثم أغلقت الصندوق ووضعته في الخزانة.

لم يكن إغلاق الصندوق نهاية البحث أو إنكارًا للماضي. كان اعترافًا بأن هناك أمورًا لا تزال تحتاج إلى وقت، وأنها تستطيع مواصلة حياتها دون أن تحملها معها في كل لحظة.

في صباح السفر، استيقظت تالا قبل المنبه. كانت حقيبتها جاهزة قرب الباب، ووالدتها تعد الإفطار في المطبخ، بينما يراجع والدها موعد الرحلة. جلست معهما قليلًا، ثم نهضت لتتفقد أغراضها للمرة الأخيرة.

قبل أن تغادر غرفتها، وقفت أمام النافذة ونظرت إلى بيروت. كانت المدينة التي غادرتها خائفة في الخامسة عشرة قد أصبحت المكان الذي عادت إليه لتواجه أسئلة قديمة. لم تمنحها جميع الإجابات، لكنها منحتها فرصة لتفهم ما حدث وتختار ما تريد فعله بعده.

سمعت والدتها تناديها، فأخذت حقيبتها وخرجت.

في السيارة، كانت الشوارع تستيقظ ببطء. مروا بمقاهٍ تفتح أبوابها، وطلاب ينتظرون الحافلات، وعمال يتجهون إلى أعمالهم. نظرت تالا من النافذة، ثم أخرجت هاتفها لتقرأ رسالة وصلت من نايا.

«سأفتقدك. أخبريني عندما تصلين.»

ابتسمت وكتبت: «سأفعل. وسنلتقي قريبًا.»

وضعت الهاتف في حقيبتها، ثم نظرت إلى الطريق أمامها. لم تكن تعرف كل ما ينتظرها في المدينة الجديدة، لكنها لم تشعر بالحاجة إلى معرفة ذلك مسبقًا. كانت مستعدة لأن تخطئ وتتعلم وتغير خططها إذا احتاجت، دون أن تسمح للخوف باتخاذ القرارات بدلًا منها.

وعندما ابتعدت السيارة عن شوارع بيروت، لم تلتفت تالا إلى الخلف بحثًا عن شيء تركته. كانت تعرف أن الماضي سيبقى جزءًا من قصتها، وأن بعض أسئلته قد تجد إجاباتها يومًا ما، لكن ذلك لم يعد شرطًا لكي تعيش.

هذه المرة، لم تكن ترحل هربًا من شيء.

كانت تمضي نحو حياة اختارتها بنفسها.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات