عصفورتي… بعد أحد عشر عاماً
عصفورتي… بعد أحد عشر عاماً
التصنيف: رواية — غموض وتشويق نفسي ودراما عائلية
الفصل الأول
الذي كان يجب ألّا يعود
«بعض الذكريات لا تعود لتؤلمنا، بل لتسألنا لماذا تركناها تحكم حياتنا.»
كانت بيروت تبدو في ذلك الصباح كمدينة تحاول أن تتذكر حلمًا نسيته عند الفجر.
المطر الخفيف يلمع فوق الأرصفة، والسيارات تتحرك ببطء في شوارع الأشرفية، بينما كانت رائحة القهوة تتسلل من المقاهي الصغيرة المختبئة بين الأبنية القديمة.
وقفت تالا حدّاد أمام بوابة الجامعة، تضم حقيبتها إلى صدرها، وتراقب المطر وهو يرسم دوائر صغيرة على الإسفلت.
لم تكن تعرف أن ذلك الصباح سيقسم حياتها إلى نصفين.
قبل أن تدخل، سمعت صوتًا خلفها.
— تالا!
التفتت.
كانت نايا تقترب منها وهي تحمل كوبين من القهوة.
قالت وهي تلهث:
— انتظرتك عشر دقائق. كنت على وشك الاتصال بك.
أخذت تالا الكوب.
— صباح الخير.
حدقت نايا فيها لحظة.
— أنتِ شاحبة.
— لم أنم جيدًا.
— بسبب ماذا؟
هزت تالا كتفيها.
— لا شيء.
ابتسمت نايا بسخرية.
— أعرفك منذ سنوات. عندما تقولين «لا شيء»، فهذا يعني عادة أن هناك شيئًا كبيرًا جدًا.
لم تجب تالا.
كانت عيناها تتجهان إلى البوابة.
ثم قالت نايا، وكأنها تذكرت شيئًا فجأة:
— بالمناسبة… عاد.
تجمدت يد تالا حول كوب القهوة.
— من؟
رفعت نايا حاجبها.
— لا تفعلي ذلك.
— ماذا؟
— لا تتظاهري أنك لا تعرفين.
شعرت تالا ببرودة لا علاقة لها بالمطر.
— جاد؟
أومأت نايا.
— جاد ناصر.
ساد الصمت.
قبل أحد عشر عامًا، كان اسمه يكفي لجعل تالا تبحث عن أقرب طريق للهروب.
كان في السادسة عشرة، وهي في الخامسة عشرة.
كان أكبر منها بعام واحد، لكنه كان يبدو آنذاك أكبر بكثير.
كان يعرف كيف يحاصرها بالكلمات، وكيف يحوّل خوفها إلى لعبة، وكيف يضحك عندما يرى عينيها تمتلئان بالغضب.
وكان يملك اسمًا خاصًا لها.
«عصفورتي».
كانت تكرهه.
أو هكذا أقنعت نفسها طوال السنوات الماضية.
قالت نايا:
— سجل هذا الفصل هنا. لم أكن أعرف أنه سيعود.
— وأنا لم أكن أعرف أنني سأراه.
— يمكنك تجاهله.
ضحكت تالا ضحكة قصيرة بلا فرح.
— بعض الناس لا يمكن تجاهلهم.
دخلتا إلى المبنى.
حاولت تالا أن تقنع نفسها أن الأمر انتهى.
أن جاد أصبح جزءًا من ماضٍ بعيد.
أن السنوات كافية لقتل أي شيء.
لكن عندما دخلت قاعة المحاضرات، رأته.
كان جالسًا في المقعد الأخير.
معطف أسود، شعر داكن، ووجه لم يعد وجه الفتى الذي تتذكره.
تغير كثيرًا.
لكن عينيه لم تتغيرا.
التقت عيناه بعينيها.
وللحظة، شعرت تالا أن القاعة كلها اختفت.
نهض جاد ببطء.
لم يبتسم.
قال بصوت منخفض، حين مر بجانبها:
— مر وقت طويل، عصفورتي.
توقفت أنفاسها.
استدارت نحوه.
لكنه كان قد تابع طريقه.
بعد انتهاء المحاضرة، خرجت تالا بسرعة.
لكنها وجدته ينتظر في الممر.
قال:
— نحتاج إلى الحديث.
— لا أعتقد ذلك.
— أنا أعتقد.
— ما تريده انتهى منذ سنوات.
نظر إليها طويلًا.
— أنتِ لا تعرفين ما الذي انتهى.
ثم أضاف:
— ولا تعرفين لماذا غادرت عائلتك بيروت.
تغير وجهها.
— ماذا تعرف عن عائلتي؟
— أكثر مما ينبغي.
اقتربت منه خطوة.
— إذا كنت تحاول إخافتي، فقد تأخرت أحد عشر عامًا.
ظهر شيء يشبه الألم في عينيه، لكنه اختفى بسرعة.
— لم أعد أريد إخافتك.
— إذن ماذا تريد؟
صمت.
ثم قال:
— أن تعرفي الحقيقة.
وغادر.
وقفت تالا مكانها.
كان قلبها يخفق بعنف.
وعندما عادت إلى المنزل مساءً، وجدت رسالة على هاتفها من رقم مجهول.
هل تذكرين البحر؟
حدقت في الشاشة.
وصلت رسالة أخرى.
غدًا، السادسة مساءً.
ثم رسالة ثالثة:
إذا أردتِ الحقيقة، عودي إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء.
الفصل الثاني
البحر لا ينسى
«ما لا تقوله الذاكرة، قد تقوله الأشياء التي بقيت في مكانها.»
لم تخبر تالا والدها.
ولم تخبر نايا بكل شيء. كانت تخشى أن يتحول خوفها إلى سؤال، وأن يتحول السؤال إلى اعتراف لا تستطيع التراجع عنه.
جلست أمام شاشة هاتفها حتى الثالثة صباحًا. كتبت لوالدها أكثر من رسالة، ثم مسحتها. وفي كل مرة كانت تصل إلى جملة «هل تعرف رامي؟» تتراجع.
لم يكن الصمت يحميها كما أقنعت نفسها طوال السنوات الماضية؛ كان يؤجل فقط اللحظة التي ستضطر فيها إلى معرفة ثمنه.
كلما أغمضت عينيها، عاد إليها صوت البحر.
لماذا البحر؟
كانت هناك ذكرى قديمة تحاول الصعود إلى ذاكرتها، لكنها كانت مشوشة.
مطر.
صرخة.
ضوء سيارة.
جاد.
ورجل آخر.
ثم شيء لم تستطع تذكره.
في السادسة إلا خمس دقائق مساءً، كانت تالا تقف على الكورنيش.
كان البحر هائجًا.
السماء رمادية، والهواء يحمل رائحة الملح.
سمعت خطوات خلفها.
— كنت أعرف أنك ستأتين.
استدارت.
جاد.
— لماذا أنا؟
— لأنك الوحيدة التي بقيت.
— بقيتِ ماذا؟
اقترب، لكنه حافظ على مسافة بينهما.
— من القصة.
— تكلم.
أخرج هاتفه وفتح صورة قديمة.
رجل في منتصف الأربعينيات يقف بجانب والد تالا.
وراءهما رجل آخر.
حدقت تالا في الصورة.
— هذا…
— مروان.
رفعت عينيها إليه.
— أخوك؟
أومأ.
— كان يعمل مع والدك.
— أبي لم يقل شيئًا عن ذلك.
— لأن هناك أشياء كثيرة لم يقلها أحد.
سكت لحظة.
— والدك لم ينتقل إلى طرابلس بسبب العمل فقط.
شعرت تالا بقبضة في صدرها. تذكرت صناديق السفر التي ظهرت في البيت فجأة، ووالدتها وهي تطوي الملابس دون أن ترفع عينيها، ووالدها الذي قال إن المدينة لم تعد مناسبة لهم.
— ماذا تقصد؟
— تلقى تهديدًا.
— ومن أخبرك؟
صمت جاد لحظة.
— مروان.
— إذن أنت لا تعرف، بل تكرر ما قاله لك.
رفع عينيه إليها.
— أعرف ما يكفي لأقول إن والدك لم يكن بريئًا تمامًا، ولا مذنبًا تمامًا.
ضحكت بمرارة.
— ومن؟
— رجل اسمه رامي.
الاسم لم يكن غريبًا تمامًا.
كانت قد سمعته قديمًا.
لكنها لم تعرف أين.
قال جاد:
— كان شريكًا سابقًا لوالدك. وكانت هناك ملفات مالية اختفت.
— وما علاقتي أنا؟
نظر إليها.
— رأيتِ شيئًا في تلك الليلة.
تجمدت.
— أي ليلة؟
— ليلة الحادث.
تراجعت خطوة.
بدأت الذكرى تظهر.
طريق مبلل.
مصابيح سيارة.
صوت رجل يقول:
«أعطني الملف.»
وضعت يدها على رأسها.
— لا…
اقترب جاد غريزيًا.
— تالا…
رفعت يدها.
— لا تقترب.
توقف.
ثم قال بهدوء:
— أنا لا أريد أن أؤذيك.
— لكنك فعلت ذلك من قبل.
خفض عينيه.
— أعرف.
كان اعترافه أكثر إزعاجًا من أي تبرير.
وقبل أن تقول شيئًا، ظهر ضوء سيارة سوداء عند نهاية الطريق.
نظر جاد إليها.
تغير وجهه.
— علينا أن نغادر.
— لماذا؟
— لأننا لسنا وحدنا.
الفصل الثالث
مروان
«الهروب يؤجل الحساب، لكنه لا يلغي الدين.»
في تلك الليلة، عاد جاد إلى منزل عائلته في الأشرفية.
كان عمه شربل ينتظره في الصالون.
قال دون مقدمات:
— ذهبت إليها.
— نعم.
— لم أقل لك أن تذهب.
— ولم أطلب إذنك.
وقف شربل.
— جاد، انسَ الأمر.
— أين مروان؟
ساد الصمت.
— لا أعرف.
— كاذب.
شد شربل فكه.
— أنت لا تفهم ما تتعامل معه.
— أفهم أكثر مما تعتقد.
اقترب جاد.
— أخي اختفى قبل شهر. والآن رامي ظهر من جديد. وتالا بدأت تتذكر. قل لي شيئًا واحدًا يجعلني أثق بك.
لم يجب شربل.
في اليوم التالي، التقى جاد بفادي، صديقه القديم.
وضع فادي ملفًا على الطاولة.
— بحثت عن مروان.
فتح جاد الملف.
صور قديمة.
سجلات شركات.
أسماء.
ثم صورة لرجل.
قال فادي:
— هذا رامي.
تجمد جاد.
كان الرجل نفسه الذي تذكره من تلك السنوات.
ثم أشار فادي إلى صورة أخرى.
— وهذا مروان.
— أعرفه.
— انظر إلى الرجل الذي يقف خلفهما.
حدق جاد.
كان والد تالا.
وفي أسفل الصورة تاريخ يعود إلى عام الحادث.
في تلك اللحظة، وصلته رسالة.
لا تثق بجاد.
ثم رسالة ثانية:
هو لم يخبرك بكل شيء.
قرأها مرة.
ثم مرة ثانية.
كان السؤال الوحيد الذي يدور في رأسه:
من يراقبهم؟
الفصل الرابع
نصف الحقيقة
«الحقيقة الناقصة ليست كذبة كاملة، لكنها قد تجرح بالطريقة نفسها.»
واجهت تالا جاد في الجامعة.
— لماذا كان أخوك في مكان الحادث؟
لم يحاول الإنكار.
— لأن مروان كان يعرف أن رامي يخطط لشيء.
— وما الشيء؟
— كان يريد الحصول على ملف.
— أي ملف؟
— لا أعرف كل ما فيه.
حدقت فيه.
— قبل دقائق قلت إنك تعرف.
— أعرف أنه كان مهمًا. أما محتواه، فلم أره كاملًا.
للمرة الأولى، بدا جاد أقل ثقة مما اعتاد أن يبدو.
— ملف يثبت سرقة أموال من الشركة، هذا ما قاله مروان. لكنه كان يعتقد أن الملف يخفي شيئًا آخر.
حدقت فيه.
— ولماذا لم تخبرني؟
— لأنك كنت صغيرة.
— هذا ليس جوابًا.
— كنت أحاول حمايتك.
ضحكت بمرارة.
— الجميع يستخدم هذه الجملة عندما يقررون الكذب علينا.
سكت.
قالت:
— ماذا حدث في تلك الليلة؟
أخذ نفسًا طويلًا.
— كنت مع مروان.
— وأنت رأيتني؟
— نعم.
— لماذا لم تساعدني؟
أغلق عينيه لحظة.
— حاولت.
— حاولت؟
— كنت خائفًا.
كانت تلك أول مرة تراه يعترف بشيء كهذا.
قال:
— رامي كان يقود السيارة.
— وهل صدمنا؟
— لا أملك دليلًا.
— لكنك تعرف.
— أعرف أنه كان هناك.
صمتت تالا.
ثم قالت:
— كنت تكرهني.
— كنت غبيًا.
— هذا لا يمحو ما فعلته.
— أعرف.
نظرت إليه.
— إذن لا تطلب مني أن أثق بك.
قال بهدوء:
— لن أطلب.
الفصل الخامس
الملف
«الدليل الذي يُخفى طويلًا لا يحمي أحدًا؛ إنه يختار فقط موعد انفجاره.»
كانت نايا أول من اقترح البحث في مستودع قديم قرب المرفأ.
قالت:
— إذا كانت هناك ملفات فعلًا، فلا بد أن أحدًا أخفاها.
فادي أضاف:
— والمكان ظهر في سجل قديم باسم شركة كان مروان يتعامل معها.
ذهبت تالا معهما.
لم تخبر جاد.
كان المستودع مهجورًا.
رائحة الحديد والملح والرطوبة تملأ المكان.
وجد فادي بابًا صغيرًا خلف مجموعة من الصناديق.
— هنا.
فتحوه.
كانت غرفة ضيقة، وعلى الجدار المقابل آثار رفوف أزيلت حديثًا. لم يكن المكان مهجورًا كما بدا من الخارج؛ كان الغبار كثيفًا في كل شيء ما عدا مقبض باب داخلي.
قالت نايا:
— سبقنا أحد.
وفي زاويتها صندوق معدني.
فتحته تالا.
وجدت ملفات.
صورًا.
إيصالات.
نسخًا من عقود.
وفي أسفل الصندوق ظرف يحمل اسمها.
تالا حدّاد.
تجمدت.
فتحت الظرف.
كانت بداخله ورقة واحدة:
إذا قرأتِ هذا، فقد فشلنا في حمايتك.
وقبل أن تكمل، سمعت صوتًا.
— لأنكم لم تكونوا وحدكم أصلًا.
استدارت.
كان جاد واقفًا عند الباب.
قالت بغضب:
— كيف عرفت أننا هنا؟
— لأنني كنت أبحث عن المكان نفسه.
— ولماذا لم تخبرني؟
— لأنني لم أكن أعرف إن كان المكان مراقبًا.
رفع فادي أحد الملفات.
— وجدنا هذا.
أخذ جاد الورقة.
قرأها.
ثم قال:
— مروان كتبها.
في تلك اللحظة، سمعوا صوت سيارة تتوقف في الخارج.
ثم خطوات.
قال جاد:
— أطفئوا الأنوار.
انخفض الجميع.
ظهر ظل رجل خلف النافذة.
ثم اختفى.
اندفع جاد نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يفتحه. كان على الأرض هاتف فادي، وشاشته مضاءة برسالة جديدة.
«اتركوا الصندوق، وخذوا الورقة إن شئتم.»
همست نايا:
— هل هذا رامي؟
أجاب جاد:
— لا أعرف.
قالت تالا وهي تنظر إلى الورقة التي تحمل اسمها:
— لكنه يعرف أننا هنا.
لم يأخذوا الصندوق كله. حملت تالا الظرف فقط، بينما أخفى فادي نسخة مصورة من الأوراق في معطفه. وحين خرجوا، اكتشفوا أن القرص الصغير الذي كان داخل الصندوق قد اختفى. لم يخرج أحد من الغرفة قبلهم.
لكن للمرة الأولى، لم تكن تالا خائفة من الظلام.
كانت غاضبة.
الفصل السادس
مروان يظهر
«حين يعود الغائب، لا يعود وحده؛ يعود ومعه كل ما حاولنا دفنه.»
خرجوا من المستودع بعد منتصف الليل.
وعندما وصلوا إلى السيارة، ظهر رجل من خلف الجدار.
قال:
— جاد.
توقف الجميع.
كان مروان.
حدق جاد فيه وكأنه يرى شبحًا.
— أين كنت؟
— أهرب.
— من ماذا؟
— من رامي.
اقترب جاد منه.
— ظننت أنك ميت.
— كان هذا أسهل للجميع.
قالت تالا:
— هل أنت من أرسل الرسائل؟
هز مروان رأسه.
— لا.
— من إذن؟
— رامي.
أخرج مروان ورقة قديمة.
— هذا الرمز…
نظرت تالا إليها.
ثلاثة خطوط متقاطعة.
نفس الرمز الذي وجدته في منزلها.
قال مروان:
— والدك أخفى النسخة الأصلية من الملف في منزل العائلة القديم.
— لماذا؟
— لأنه كان يعلم أن أحدًا سيبحث عنها.
سأل جاد:
— لماذا لم تخبرني؟
ابتسم مروان بحزن.
— لأنك كنت تظن أن القوة تعني أن تواجه الجميع.
نظر إلى تالا.
— وأنت كنت تظنين أن الصمت يحميك.
ثم قال:
— كنا جميعًا مخطئين.
الفصل السابع
البيت القديم
«للبيوت ذاكرة لا تحفظ الوجوه، بل تحفظ ما عجز أصحابها عن قوله.»
كان منزل عائلة تالا في الأشرفية مهجورًا منذ سنوات.
عندما دخلته، شعرت بأن الزمن توقف داخله.
الأثاث مغطى بالأقمشة.
رائحة الخشب القديم.
ساعة حائط توقفت عند السادسة وثلاث عشرة دقيقة.
توقفت تالا أمامها.
همست:
— السادسة وثلاث عشرة.
قال جاد:
— ماذا؟
— لا أعرف.
لكنها بدأت تتذكر.
تقدمت نحو المكتبة.
كانت يدها ترتجف.
مررت أصابعها على رف خشبي، ثم ضغطت على زاوية صغيرة.
صدر صوت نقرة.
تحرك جزء من الرف.
ظهر تجويف مخفي.
وفي داخله وحدة تخزين صغيرة.
قال فادي:
— وجدناها.
مد جاد يده، فأمسكت تالا بمعصمه.
— لا.
نظر إليها.
— ماذا؟
— طوال الوقت، كان الجميع يقررون متى أرى وماذا أعرف. هذه المرة سأفعلها أنا.
أخرجت من حقيبتها القفاز الذي أعطتها إياه نايا، والتقطت وحدة التخزين بنفسها. كان القرار صغيرًا، لكنه جعل الخوف ينتقل من جسدها إلى يدها، حيث تستطيع رؤيته.
لكن قبل أن تخفيها، انطفأت الأنوار.
ثم جاء صوت من خلفهم:
— أعطوني إياها.
استداروا.
رامي.
كان يقف عند الباب.
قال:
— انتهت اللعبة.
تراجعت تالا.
رفع رامي يده مهددًا.
لكن جاد وقف أمامها.
— لن تأخذ شيئًا.
ضحك رامي.
— ما زلت تلعب دور البطل؟
قال مروان:
— هذه المرة لن تهرب.
حدث كل شيء بسرعة.
اندفع مروان نحوه.
سقطت الوحدة على الأرض.
حاول رامي الوصول إليها.
أمسكت بها تالا.
ثم سمعت صوت نايا تصرخ:
— الشرطة في الطريق!
نظر رامي إليها.
— ماذا فعلتِ؟
قالت نايا:
— اتصلت بهم قبل أن ندخل.
توقفت المواجهة.
وبعد دقائق، امتلأ المنزل بأصوات رجال الشرطة.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت تالا أن الباب الذي أغلقه الماضي قد فُتح.
لكن هذه المرة كانت هي من يقف على الجانب الصحيح منه.
الفصل الثامن
الحقيقة التي تأخرت
«المعرفة لا تصلح الماضي، لكنها تمنح الحاضر حقًا جديدًا في الاختيار.»
لم تفتح تالا وحدة التخزين في منزلها. أخذتها إلى مكتب المحامي الذي اقترحه فادي، وطلبت أن تُنسخ محتوياتها أمام شاهدين. كانت تعرف أن الدليل الذي يبقى في يد شخص واحد يمكن أن يختفي بالطريقة نفسها التي اختفى بها كل شيء من قبل.
ظهرت على الشاشة جداول حسابات، وتحويلات مالية، ورسائل بين رامي وموظف في الشركة. لم تكن الأوراق تثبت الاختلاس وحده؛ كانت تكشف أن والدها عرف بالأمر، ثم حاول إخفاء جزء من السجلات حتى لا تنهار الشركة وتُتهم العائلة كلها.
قالت نايا:— كان يحميكم، لكنه حماكم بالكذب.
لم تجب تالا. كانت تنظر إلى سطر يحمل تاريخ ليلة الحادث.
في ذلك اليوم، واجه والدها رامي بوجود نسخة من الملف. خرج رامي خلفه. كان مروان قد عرف بما سيحدث، فتبعه، وكان جاد معه. أما تالا، فقد وصلت إلى المكان مع أمها بالصدفة بعد أن رأتهما من نافذة السيارة.
لم يكن رامي قد صدم السيارة عمدًا، كما ظنت تالا في إحدى ومضات ذاكرتها. لكنه قاد بسرعة، وحاول قطع الطريق على والدها، فانحرفت السيارة واصطدمت بالحاجز. سقطت تالا، ورأت رامي ينتزع حقيبة والدها. ثم رأته جاد واقفًا، مترددًا، يمد يده نحوها قبل أن يركض خلف مروان.
كان ذلك الجزء هو الجرح الحقيقي: لم يتركها جاد لأنه لم يرها، بل لأنه اختار للحظات أن يلحق بالملف.
في المساء، جلست تالا أمام والدها. وضعت نسخة من السجلات على الطاولة.
— كنت تعرف.
أخفض رأسه.
— عرفت جزءًا.
— وعرفت أنني كنت هناك.
— نعم.
— وتركتني أعتقد أنني نسيت لأنني ضعيفة.
رفع عينيه إليها.
— كنت خائفًا من أن تتذكري.
— لا. كنت خائفًا من أن تتذكري ما فعلناه نحن أيضًا.
لم يجد جوابًا.
أخبرها أنه حاول إيقاف رامي، لكنه خشي أن يؤدي فتح الملف إلى سجن موظفين آخرين وانهيار الشركة. وأخبرها أن الانتقال إلى طرابلس كان حمايةً من تهديدات رامي، لكنه كان أيضًا هروبًا من مسؤوليته.
قالت تالا:— كنت طفلة تستحق أن تعرف لماذا اختفت حياتها فجأة.
— سامحيني.
— لا أستطيع الآن. وربما لن أستطيع يومًا بالطريقة التي تريدها. لكنني لن أسمح لك بعد اليوم أن تتحدث باسمي أو تخفي عني ما يخصني.
في اليوم التالي، سُلّمت النسخ إلى الشرطة والنيابة. لم يكن ذلك انتصارًا نظيفًا؛ فقد ظهر اسم والدها في التحقيق، واضطرت العائلة إلى مواجهة أسئلة الصحافة والشركاء والموظفين. لكن تالا للمرة الأولى لم تكن غائبة عن القصة. كانت هي من قرر أن تبدأها من الحقيقة.
بعد انتهاء التحقيقات الأولية، قالت لمروان:— كنت تعرف أنني رأيتك.
— نعم.
— وتركتني أعيش أحد عشر عامًا وأنا أظنك ميتًا.
— ظننت أن موتي أقل خطرًا من وجودي.
— كان أقل خطرًا عليك.
قبِل مروان الجملة دون دفاع. وفي تلك اللحظة فهمت تالا أن الاعتراف لا يمحو الضرر، لكنه يمنع الكذبة من الاستمرار في النمو.
الفصل التاسع
جاد
«الندم بداية، لا برهان.»
بعد أشهر، كانت بيروت قد عادت إلى إيقاعها الطبيعي.
المقاهي ممتلئة.
الجامعة مزدحمة.
البحر كما هو.
أما تالا، فلم تعد كما كانت.
كانت تقف على الكورنيش حين سمعت جاد.
— هل يمكنني الجلوس؟
نظرت إليه.
— يمكنك، لكنني سأغادر إذا حاولت أن تتحدث نيابةً عني.
أومأ.
جلس بعيدًا عنها.
لم يقل شيئًا في البداية.
ثم قال:
— لن أطلب منك أن تسامحيني.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— لماذا تقول ذلك لي؟
— لأنني كنت أقول لنفسي إن الاعتذار يكفي.
— ولا يكفي.
— أعرف الآن.
صمتا.
قال:
— كنت أؤذيك لأنني كنت غاضبًا من أشياء لم تفهميها.
— وهذا لم يكن ذنبي.
— أعرف.
نظرت إليه.
— لماذا عدت؟
أجاب بعد لحظة:
— في البداية بسبب مروان.
ثم نظر إلى البحر.
— وبعد ذلك اكتشفت أنني تركت شيئًا هنا.
— ماذا؟
نظر إلى البحر.
— ذنبًا لم أسمّه باسمه. تركتك في تلك الليلة لأنني كنت أريد أن أكون الشخص الذي ينقذ الجميع. لكنني كنت خائفًا، وتصرفت بأنانية.
— وهذا ليس شيئًا يمكن إصلاحه بجملة.
— أعرف. لذلك لن أطلب منك أن تثقي بي. إن حدث ذلك، فسيكون لأنني أثبتُّ لك شيئًا بمرور الوقت.
لم تجبه.
قال:
— ولا أطلب منك أن تكوني جزءًا من هذه الفرصة.
سألته:
— وهل تغيرت؟
ابتسم.
— لا أعرف.
ثم قال:
— لكنني أعرف أنني لن أعود إلى الشخص الذي كنت عليه.
الفصل العاشر
بداية أخرى
«لا تبدأ الحياة حين نعود إلى الوراء، بل حين نتوقف عن طلب الإذن من الماضي.»
كانت نايا تجلس أمام تالا في مقهى صغير في الحمرا.
قالت:
— أنتِ تفكرين فيه.
— لا.
— كذابة.
ضحكت تالا.
— ربما.
وصل فادي وهو يحمل ثلاثة أكواب.
— لدي خبر.
قالت نايا:
— إذا كان عن جاد، اخرج.
ضحك.
— ليس كل شيء في العالم يتعلق بجاد.
قالت تالا:
— هذا خبر جديد.
جلسوا.
كانت الحياة قد بدأت تستعيد شكلها.
لكن تالا أدركت شيئًا.
لم تكن تريد العودة إلى الماضي.
ولا الانتقام منه.
كانت تريد فقط أن تتوقف عن السماح له بتحديد حاضرها.
قالت نايا:
— هل ستعطينه فرصة؟
نظرت تالا من النافذة.
كان الشارع مزدحمًا.
قالت:
— لا أعرف.
— وماذا تريدين؟
فكرت طويلًا.
ثم قالت:
— أريد أن أختار بنفسي.
ابتسمت نايا.
— هذا أول جواب يعجبني.
الفصل الحادي عشر
الرسالة الأخيرة
«أقسى الحدود تلك التي نضعها لمن نحب، وأصدقها.»
في صباح اليوم التالي، وجدت تالا جاد ينتظر قرب بوابة الجامعة.
توقفت.
قال:
— لا تقلقي. لن أحتجزك.
ابتسمت رغمًا عنها.
— جيد.
— أردت أن أسألك شيئًا.
— اسأل.
— هل تقبلين أن نشرب قهوة؟
صمتت.
ثم قالت:
— قهوة فقط؟
— قهوة فقط.
— وأين؟
ابتسم.
— أنتِ تختارين.
نظرت إليه طويلًا.
كان الأمر بسيطًا.
لكنها أدركت أن بساطته هي ما جعله مختلفًا.
لم يعد يفرض المكان.
لم يعد يقرر عنها.
لم يعد يحاصرها.
قالت:
— سأفكر.
— خذي وقتك.
ثم ابتعد.
راقبته تالا وهو يغادر.
للمرة الأولى، لم تشعر أنه يملك شيئًا منها.
الفصل الثاني عشر
حين رحل الظل
«ليس كل باب يُفتح دعوةً إلى الدخول؛ أحيانًا يكفي أن نعرف أننا نملك مفتاحه.»
في المساء، وقفت تالا أمام البحر.
كانت بيروت مضاءة خلفها.
والأمواج أمامها تضرب الصخور بهدوء.
وصلتها رسالة من جاد.
هل نبدأ من جديد؟
قرأت الرسالة.
ثم أغلقت الهاتف.
لم تكن بحاجة إلى إجابة فورية.
لأنها فهمت أخيرًا أن البداية الجديدة لا تعني بالضرورة العودة إلى الشخص نفسه.
قد تعني العودة إلى نفسك.
أغلقت عينيها.
تذكرت الفتاة التي كانت هنا قبل أحد عشر عامًا.
فتاة خائفة.
غاضبة.
تحاول أن تفهم لماذا حدث كل شيء.
لو استطاعت تالا أن تقول لها شيئًا الآن، لقالت:
لم يكن ما حدث ذنبك.
فتحت عينيها.
كان البحر أمامها واسعًا، مظلمًا، لكنه لم يعد مخيفًا.
أخرجت هاتفها مرة أخرى.
فتحت رسالة جاد.
كتبت:
ربما. لكن هذه المرة، لا عودة إلى ما كان. سنبدأ ببطء، وبحدود واضحة، أو لا نبدأ.
ترددت قبل أن تضغط إرسال.
ثم فعلت.
وضعت الهاتف في حقيبتها.
وسارت.
لم تنظر خلفها.
كانت تعرف أن بعض الأبواب لا نغلقها لأننا نخاف ما وراءها، بل لأننا أدركنا أننا لم نعد بحاجة إلى العودة إليها.
أما الظل الذي ظل يطاردها سنوات…
فقد بقي هناك.
في الماضي.
هذه المرة، لم يكن الماضي يطارد تالا.
كانت هي التي تركته خلفها.
النهاية
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك
تعليقات
إرسال تعليق