ما تركناه يمرّ
التصنيف: رواية أدبية — دراما نفسية اجتماعية وتأملية عن الفقد والندم واللحظات المؤجلة.
الفصل الأول: 11:40
«بعض الأشياء لا تتوقف حين تتعطل، بل حين لا يعود أحد ينتبه إلى أنها كانت تعمل.»
في الليلة التي ماتت فيها أمينة، توقفت ساعة المطبخ عند الحادية عشرة وأربعين دقيقة.
لكن ياسر لم ينتبه إلى ذلك إلا في اليوم التالي.
كانت الساعة معلقة فوق الثلاجة منذ سنوات، بإطار أبيض بدأ لونه يميل إلى الصفرة، وعقرب ثوانٍ يصدر صوتًا خافتًا لا يكاد يُسمع إلا في الليل. لم تكن ساعة مميزة. كانت فقط الساعة التي اعتادت أمينة أن تنظر إليها وهي تنتظر أن يغلي الماء.
في الصباح دخل ياسر المطبخ وأشعل الغلاية. ظل واقفًا أمامها، ثم رفع عينيه إلى الساعة.
11:40.
صعد على الكرسي، وأنزلها، وفتح الغطاء الخلفي. استبدل البطارية. تحرك العقرب مرة واحدة ثم توقف.
قال:
«حتى أنتِ؟»
منذ وفاة أمه صار البيت هادئًا أكثر مما ينبغي. ثلاثة أيام مرت على الدفن، وهو يفتح الأدراج ثم يغلقها، يدخل غرفتها ثم يخرج، يأخذ قطعة من ملابسها ثم يعيدها.
كان ياسر يعرف كيف يصلح الأشياء. في المطبعة يستطيع إصلاح كتاب قديم، غلاف ممزق، أو صفحات انفصلت عن بعضها. أما الأشياء التي لا يمكن إصلاحها، فكان يتركها على طرف الطاولة ويعود إليها في اليوم التالي.
كان يقول دائمًا: «بعد قليل»، أو «خلها لبكرة»، أو «إذا فضيت».
بعد وفاة أمه، صارت كلمة «بعد قليل» ثقيلة.
أخرج كوبها الأزرق من الخزانة، غسله، ثم أعاده. وبعد ثوانٍ أخرجه مرة أخرى.
رن هاتفه. مريم.
تركه يرن.
بعد قليل وصلت رسالة: «أنت صاحي؟»
قرأها ولم يرد.
دخل غرفة أمه. فتح درجًا عالقًا. سحبه بقوة، فسقط مفتاح صغير نحاسي على الأرض.
التقطه.
لا رقم. لا اسم. مجرد معدن قديم وخدش طويل.
جربه في الخزانة، وفي درج المكتب، وفي صندوق الخياطة. لم يعمل.
خرج إلى المخزن. خلف رف خشبي وجد قفلًا صغيرًا لم ينتبه إليه من قبل. أدخل المفتاح. دخل نصفه وتوقف.
ابتسم:
«طبعًا.»
ووضعه في جيبه.
في المساء اتصلت مريم. تحدثا قليلًا. سألته إن أكل، فقال نعم.
قالت:
«كذاب.»
ضحك.
ثم قالت:
«ياسر، لا تقعد لحالك طول الوقت.»
قال:
«أنا مو لحالي.»
ردت:
«أدري.»
بعد المكالمة سمع احتكاك معدن بمعدن.
دخل المخزن.
خلف الرف كان هناك باب ضيق بلا مقبض.
أخرج المفتاح.
هذه المرة دخل بسهولة.
أدار يده.
انفتح الباب.
كان خلفه درج حجري ينزل إلى الأسفل.
نزل ياسر الدرجة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة.
وأغلق الباب خلفه.
كان الضوء يتغير على الجدران مع مرور الساعات، بينما بقيت الأشياء في أماكنها. أحيانًا كان ياسر يشعر أن البيت ينتظر منه قرارًا، ثم يكتشف أن البيت لا ينتظر شيئًا أصلًا؛ هو الذي كان يبحث عن قرار حتى لا يجلس مع نفسه.
تقدم ببطء. كانت خطواته على الحجر تصدر صدى خفيفًا، وكل صدى يعود إليه كأنه سؤال. لم يكن يعرف ماذا يريد أن يجد، لكنه كان يعرف أنه لم يعد قادرًا على تجاهل الباب.
في الطريق إلى البيت مرت عليه وجوه كثيرة. لم يعرف أصحابها، ومع ذلك بدا له كل وجه وكأنه يحمل شيئًا مؤجلًا: اتصالًا لم يُجب عنه، زيارة لم تتم، أو جملة بقيت في الرأس ولم تصل إلى صاحبها.
الفصل الثاني: الغرفة الأولى
«ما ننساه لا يختفي دائمًا؛ أحيانًا ينتظر أن نصير مستعدين لرؤيته.»
بعد الدرجة الأخيرة وجد نفسه في ممر طويل مضاء بمصابيح صغيرة. كان المكان باردًا ورائحته تشبه الورق القديم والحبر.
على الجدران رفوف، وعلى الرفوف صناديق وملفات وأغراض صغيرة، وكل شيء يحمل تاريخًا أو وصفًا.
في نهاية الممر جلست امرأة في الستين تقريبًا خلف مكتب خشبي. شعرها رمادي، وبجانبها كوب شاي.
رفعت عينيها.
«ياسر؟»
توقف.
«كيف تعرفين اسمي؟»
«لأنك جئت بالمفتاح.»
قال:
«وش هذا المكان؟»
«أرشيف.»
«أرشيف وش؟»
«اللحظات التي تركها أصحابها تمر.»
لم يفهم.
قادتْه إلى غرفة صغيرة. على الطاولة صندوق فيه صورة وتذكرة ورسالة.
قالت:
«هذه لحظة لرجل اسمه سامي.»
رأى في الصورة رجلًا أمام محل، وبجانبه امرأة تضحك.
قالت هالة:
«كان يستطيع أن يقول لها شيئًا، لكنه لم يفعل.»
«وش صار؟»
«بعد سنوات عرف أنها أخته التي ظن أنها لا تريد رؤيته.»
«يعني هذه اللحظة غيرت حياتهم؟»
«لا أعرف.»
أعاد الصورة.
قالت:
«الأرشيف لا يحفظ الأشياء لأنها عظيمة. يحفظها لأن أحدًا لم يستطع تركها.»
في طريق العودة رأى بطاقة تحمل الرقم 11:40.
توقف.
«هذا الرقم نفسه في ساعة أمي.»
قالت هالة:
«أعرف.»
«أمي كانت هنا؟»
«نعم.»
«متى؟»
«منذ سنوات.»
«ليش ما قالت لي؟»
ترددت هالة.
«ربما لأنها لم تجد الوقت.»
خرج ياسر من الغرفة وهو يشعر أن السؤال أصبح أكبر من المكان.
تقدم ببطء. كانت خطواته على الحجر تصدر صدى خفيفًا، وكل صدى يعود إليه كأنه سؤال. لم يكن يعرف ماذا يريد أن يجد، لكنه كان يعرف أنه لم يعد قادرًا على تجاهل الباب.
في الطريق إلى البيت مرت عليه وجوه كثيرة. لم يعرف أصحابها، ومع ذلك بدا له كل وجه وكأنه يحمل شيئًا مؤجلًا: اتصالًا لم يُجب عنه، زيارة لم تتم، أو جملة بقيت في الرأس ولم تصل إلى صاحبها.
كان الصمت بينهما يتغير من دقيقة إلى أخرى. في البداية كان ثقيلًا، ثم صار مجرد صمت، وهذا فرق لم يلاحظه ياسر إلا بعد أن توقف عن مقاومته.
الفصل الثالث: ما لم يسأل عنه
«أحيانًا لا يكون السؤال مؤلمًا؛ المؤلم هو أن نعرف أننا كان يمكن أن نسأل.»
في الصباح جاءت مريم إلى البيت. كانت تحمل خبزًا وقهوة.
قالت:
«أنت ما نمت.»
«نمت.»
«متى؟»
لم يجب.
قال:
«أمي كانت تخبي أشياء.»
«كلنا نخبي أشياء.»
أخبرها عن الباب والأرشيف وهالة.
صمتت طويلًا.
ثم قالت:
«وأنت متأكد أنك ما تستخدم هذا كله عشان تهرب من شيء ثاني؟»
انزعج.
«أنا أحاول أفهم.»
«أنت دائمًا تحاول تفهم قبل ما تسمع.»
«وش الفرق؟»
«الفرق أنك لما تشرح، ما تحتاج تقول إنك خايف.»
خرجت إلى الحديقة. تبعها.
قالت:
«تذكر يوم كنت أبي أسافر للعمل؟»
«إيه.»
«كنت خايفة، وأنت جلست تعطيني حلولًا وقوائم.»
«كنت أحاول أساعد.»
«كنت أحتاج أخًا يسمعني، مو شخصًا يحل مشكلتي.»
سكت.
لأول مرة فهم أن عادته في إصلاح الأشياء لم تكن شجاعة دائمًا. أحيانًا كانت طريقة للابتعاد عن لحظة لا يعرف كيف يتصرف فيها.
عاد إلى الأرشيف.
قال لهالة:
«أبغى أشوف الشيء المرتبط بأمي.»
قالت:
«ليس كل ما تركته أمك رسالة لك.»
في الغرفة الثانية وجد درجًا يحمل: «11:40 — عشر دقائق».
كانت هناك ورقة بخط أمه:
«طلب مني ياسر أن أنتظر عشر دقائق. قلت له تعال بعد ما تخلص. عاد متأخرًا. لم يحدث شيء كبير. فقط عشر دقائق. لكنني لاحظت بعدها أنني بدأت أقول لنفسي: لا بأس، لدينا وقت.»
توقف ياسر.
تحتها سطر آخر:
«إذا قرأ ياسر هذا يومًا، أتمنى ألا يفهمه كاتهام.»
أغلق الورقة.
قال:
«أنا ما أذكر.»
هالة قالت:
«أحيانًا لا ننسى الحدث، ننسى حجمه.»
رفع عينيه إليها.
«كانت مريضة؟»
«لا.»
«إذن لماذا؟»
«ربما لأنها أرادتك أن تجلس معها.»
لم يكن هناك لغز كبير.
وهذا جعله أكثر ألمًا.
الفصل الرابع: عشر دقائق
«أقصر اللحظات قد تصبح أطول الذكريات حين نعرف متأخرين أننا لم نكن حاضرين.»
عاد ياسر إلى الأرشيف في الليلة التالية.
وجد هالة خارج الغرفة.
قال:
«من متى وأنتِ هنا؟»
«سنوات.»
«ليش؟»
«لأنني بقيت.»
أخبرته عن أخيها عادل. اتصل بها ليلة وفاته، لكنها لم ترد لأنها كانت غاضبة منه.
قالت:
«قضيت سنة أقول لنفسي إنني لو رددت، ربما كنت سأمنع ما حدث.»
«لكن ما كنتِ تعرفين.»
«أعرف.»
«إذن ليش بقيتِ؟»
نظرت إلى الممر.
«كنت أظن أن البقاء هنا يجعلني قريبة منه.»
«وصار؟»
«صار يجعلني عالقة.»
ثم ابتسمت بحرج.
«أنا أيضًا كنت أقول: لاحقًا. سأخرج لاحقًا. سأعيش لاحقًا.»
جلس ياسر.
قال:
«أنتِ مو مثل ما توقعت.»
«وش توقعت؟»
«شخص يعرف الإجابة.»
ضحكت.
«لو كنت أعرف الإجابة، ما جلست هنا كل هذه السنوات.»
شعر ياسر براحة غريبة.
الأرشيف لم يعد يبدو مكانًا يملك الحقيقة.
كان مكانًا يجمع آثار الناس فقط.
قالت هالة:
«أمك لم تأتِ لتعرف المستقبل، ولا لتغير الماضي. جاءت لأنها كانت تعرف أن بعض الأشياء تحتاج أن تُرى قبل أن تتركها.»
ثم سكتت.
قال ياسر:
«وهل أقدر أتركه؟»
«إذا قررت.»
«وأنتِ؟»
«أنا أيضًا.»
في تلك الليلة، لم يدخل ياسر غرفة جديدة.
عاد إلى البيت.
جلس في المطبخ وحده.
نظر إلى الكوب الأزرق.
ولأول مرة لم يشعر بحاجة إلى أن يفعل شيئًا.
الفصل الخامس: هالة
«نحن لا نحرس الأماكن التي أحببناها؛ نحرس أحيانًا الأشياء التي لم نستطع مغادرتها.»
في اليوم التالي دخل ياسر الغرفة الثالثة.
لم تكن فيها أسماء كثيرة.
أشياء متفرقة: تذكرة سينما، حذاء طفل، ملعقة، رسالة ناقصة، ساعة بلا عقارب.
قال:
«وش هذه؟»
«لحظات لم نعرف أصحابها.»
«كيف تعرفون أنها مهمة؟»
«لا نعرف.»
نظر إلى هالة.
«يعني ممكن ما تكون مهمة أصلًا؟»
«نعم.»
مشى بين الأدراج.
قرأ رسالة تنتهي عند كلمة «انتظريني».
وجد تذكرة قطار لم تُستخدم.
وجد صورة لرجل ينظر من نافذة.
لم تحدث له صدمة.
ولم يسمع تفسيرًا.
بدأ يكتشف أن الأرشيف لا يعمل كآلة تمنح كل شيء معنى. بعض الأشياء بقيت لأنها كانت آخر ما احتفظ به شخص ما، وبعضها لأن أحدًا ظل يفكر فيها، وبعضها ربما لأن صاحبها لم يجد مكانًا آخر يضعها فيه.
جلس طويلًا.
قال:
«كنت أعتقد أن كل لحظة هنا لازم يكون لها سبب.»
هالة:
«ولماذا؟»
«عشان أقدر أفهمها.»
«يمكن المشكلة أنك تريد أن تفهم قبل أن تعيش.»
صمت.
لم يعجبه الكلام، لكنه لم يجادل.
عاد إلى البيت.
في الطريق اتصل بمريم.
قال:
«إذا احتجتِ تتكلمين، أنا أسمع.»
سكتت.
«وش صار؟»
«ما صار شيء.»
«طيب.»
«كنت بس أبي أقول لك إني موجود.»
قالت:
«هذه جديدة.»
ضحك.
وفي المساء جاءته منها رسالة طويلة. لم يعطها نصيحة. قرأها كاملة، ثم كتب:
«فهمت.»
بعد دقائق ردت:
«شكرًا.»
كانت كلمة صغيرة.
لكنها بقيت معه.
الفصل السادس: ما بينهما
«بعض المسافات لا تُقاس بعدد الخطوات، بل بعدد المرات التي قلنا فيها: ليس الآن.»
بعد أسبوع اتصلت مريم.
«جاني قبول في وظيفة خارج الرياض.»
كان أول شيء فكر فيه ياسر هو المسافة والسكن والراتب.
ثم توقف.
قال:
«وش تحسين؟»
قالت:
«خايفة.»
«وأبغى أروح.»
«إذن روحي.»
«بهذه السهولة؟»
«مو سهلة. بس هذا اللي تبينه.»
ضحكت.
«أنت فعلًا تتغير.»
في المساء ذهب إلى بيت أمه القديم، وجلس تحت شجرة الليمون.
تذكر مرة قديمة، قبل سنوات، حين كان طفلًا. كان قد كسر كأسًا في المطبخ. خاف أن تغضب أمه، فاختبأ في الحديقة.
خرجت أمينة إليه ولم تسأله عن الكأس.
جلست بجانبه.
قالت:
«تبغى نتكلم؟»
هز رأسه.
جلست معه عشر دقائق.
لم تصلح الكأس.
لم تعطِه درسًا.
فقط بقيت.
كان ياسر قد نسي هذه الذكرى تمامًا.
الآن فهم لماذا كانت عشر دقائق مهمة.
لم تكن لأن شيئًا كبيرًا حدث خلالها.
بل لأن شخصًا بقي.
أغمض عينيه.
قال لنفسه:
«أنا أيضًا كنت أعرف هذا، ثم نسيته.»
في اليوم التالي عاد إلى الأرشيف.
قال لهالة:
«أريد أن أرى آخر شيء تركته أمي.»
قالت:
«لا أملك آخر شيء.»
«إذن ماذا أملك؟»
«ما اختارت أن تتركه.»
فتحت درجًا.
وجد ورقة صغيرة:
«لا تجعل العشر دقائق تبدو قليلة.»
كان هذا كل شيء.
لم يطلب المزيد.
أعاد الورقة.
ثم قال:
«أعتقد أني فهمت.»
هالة:
«ماذا؟»
«أنني كنت أبحث عن اللحظة الكبيرة، لأن اللحظات الصغيرة لا تعطيني عذرًا.»
نظرت إليه.
هذه المرة لم تصحح كلامه.
الفصل السابع: الغرفة التي لا تخص أحدًا
«ليس كل ما يمر بنا يحمل رسالة؛ أحيانًا تكون اللحظة مجرد لحظة، وهذا وحده يكفي.»
في الأيام التالية بدأ ياسر يلاحظ الأشياء التي كان يمر عليها بسرعة.
عامل النظافة الذي اعتاد أن يسلم عليه من بعيد.
الرجل في المخبز الذي صار يعرف طلبه.
صوت مريم حين تكون متعبة وتحاول أن تبدو بخير.
حتى المطبعة بدت مختلفة.
صار يسمع صوت الورق حين يدخل الآلة، ورائحة الحبر حين يفتح الغطاء، واحتكاك الغلاف القديم بأصابعه.
لم يتوقف عن العمل.
لكنه لم يعد يستخدم العمل ليختفي.
في أحد الأيام أخطأ عامل جديد في ترتيب صفحات كتاب.
غضب ياسر.
ثم توقف.
قال:
«تعال. نصلحها معًا.»
نظر العامل إليه بدهشة.
«آسف.»
«أعرف.»
جلسا عشر دقائق لإعادة ترتيب الصفحات.
لم يكن الأمر مهمًا.
لكنه لم يستعجل.
في المساء وجد رسالة من مريم:
«اشتقت للبيت.»
كتب:
«تعالي.»
جاءت.
جلسا في المطبخ.
قالت:
«تذكر أمي لما كانت تقول إن الشاي صار أثقل؟»
ضحك.
«كانت تبالغ.»
«كانت تحرقه ثم تلوم الشاي.»
ضحكا.
تحدثا عن أشياء كثيرة.
ثم قالت مريم:
«أنت كنت تحب أمي، صح؟»
نظر إليها.
«أكيد.»
«أعرف. بس أحيانًا حبنا لشخص ما يعني أننا نعرف كيف نكون معه.»
لم يجب.
كان الكلام هذه المرة لا يحتاج إلى دفاع.
قبل أن تنام، قالت:
«أنا بسعد إذا شفتك موجودًا.»
قال:
«وأنا بعد.»
في الصباح، عاد إلى المطبعة.
وجد ساعة قديمة على رف جانبي.
كانت تشير إلى 11:40.
ابتسم.
لم يلمسها.
الفصل الثامن: المفتاح
«قد نحمل مفتاحًا طويلًا دون أن نعرف أن الباب الحقيقي كان في داخلنا منذ البداية.»
مر شهر.
اتصلت هالة.
قالت:
«أنا خرجت.»
«من الأرشيف؟»
«نعم.»
«وينك؟»
«عند أختي.»
ضحك.
«وأخيرًا.»
«لا تضحك. الأمر ليس سهلًا.»
«أعرف.»
قالت:
«الباب سيبقى.»
«هل سيأتي أحد بعدي؟»
«ربما.»
«وهل يحتاجون المفتاح؟»
سكتت.
«المفتاح كان عند أمك، ثم عندك. لكنه ليس ملكًا لأحد.»
نظر ياسر إلى المفتاح الموضوع على مكتبه.
قال:
«أفكر أن أتركه.»
«أين؟»
«تحت شجرة الليمون.»
صمتت هالة طويلًا.
ثم قالت:
«أظن أن أمك كانت ستفهم.»
في الليل حفر ياسر حفرة صغيرة بجانب جذع الشجرة.
وضع المفتاح في يده.
كان يمكنه الاحتفاظ به كتذكار.
لكنه اكتشف أنه لم يعد يحتاج إلى شيء يفتح له الماضي.
دفنه.
غطاه بالتراب.
لم يحدث شيء.
لا ضوء.
لا صوت.
لا باب ظهر من الأرض.
فقط ريح خفيفة حركت الأوراق.
عاد إلى البيت.
أنزل ساعة المطبخ.
نظر إليها.
11:40.
ثم حرّك العقرب.
11:41.
شعر براحة بسيطة.
لا انتصار.
فقط حركة صغيرة.
في تلك الليلة اتصلت مريم.
قالت:
«أحتاج عشر دقائق.»
جلس.
«أنا معك.»
وتحدثت.
استمع.
الفصل التاسع: تحت شجرة الليمون
«حين نتوقف عن محاولة امتلاك الماضي، يصبح بإمكاننا أخيرًا أن نعيش ما بقي.»
بعد أسابيع بدأت مريم تجهيز سفرها.
كانت متحمسة وخائفة في الوقت نفسه.
في آخر ليلة قبل سفرها، جلست مع ياسر تحت شجرة الليمون.
قالت:
«تدري وش أكثر شيء يخوفني؟»
«وش؟»
«إني أبدأ حياة جديدة وأكتشف أني تركت أشياء كان لازم أقولها.»
قال:
«قوليها الآن.»
ضحكت.
«مو كذا.»
«طيب.»
صمتا.
ثم قالت:
«أنا زعلت منك سنوات.»
«أعرف.»
«لا، ما كنت تعرف.»
«الآن أعرف.»
قالت:
«كنت أظن أنك ما تهتم.»
«كنت أهتم. بس ما كنت أعرف كيف أظهره.»
«وأنا كنت أظن أن لازم أفهمك وحدي.»
قال:
«كان المفروض تسألين.»
«وأنت كان المفروض تسمع.»
«صحيح.»
لم يحتج أي منهما إلى اعتذار كبير.
بعض الأشياء لا تصلحها جملة.
لكن الاعتراف بها يخفف ثقلها.
في اليوم التالي ودعها ياسر.
عندما ابتعدت السيارة، بقي واقفًا قليلًا.
لم يقل: «سأفتقدك» بصوت مرتفع.
لكنه اتصل بها بعد عشر دقائق.
«وصلتِ؟»
قالت:
«لسه.»
«تمام. اتصلي إذا وصلتي.»
«حاضر.»
أغلق.
ثم ابتسم.
كان سابقًا سيترك الاتصال إلى وقت لاحق.
الآن لم يفعل.
في البيت، وجد الساعة تشير إلى 11:40.
انتظر.
11:41.
ثم 11:42.
قال:
«أحسن.»
وأكمل ما كان يفعله.
الفصل العاشر: البقاء
«ليست الشجاعة أن تعرف ماذا سيحدث؛ الشجاعة أن تبقى حين لا تعرف.»
في صباح الجمعة استيقظ ياسر قبل المنبه.
دخل المطبخ.
كانت الساعة تعمل.
لم تعد 11:40.
كانت 7:18.
فتح النافذة.
دخل هواء بارد.
في الحديقة تحركت شجرة الليمون.
ذهب إلى المطبعة.
رائحة الورق والحبر ملأت المكان.
كان هناك كتاب يحتاج إلى إصلاح. أمسكه، ثم وضعه جانبًا عندما رن هاتفه.
مريم.
«وصلت أمس.»
«كيف المكان؟»
«غريب.»
«خايفة؟»
«قليل.»
«أنا هنا.»
سكتت.
ثم قالت:
«كنت أتمنى تقولها لي من زمان.»
«وأنا كنت أتمنى أقولها.»
تحدثا.
لم يعطها حلولًا.
لم يحاول أن يجعل خوفها يختفي.
تركه يكون موجودًا.
بعد المكالمة عاد إلى الكتاب.
هذه المرة أصلح الغلاف ببطء.
في الظهيرة مر عليه رجل مسن يحاول حمل صندوق إلى سيارته.
ساعده.
قال الرجل:
«ما قصرت.»
«العفو.»
كان الأمر بسيطًا.
دقيقة واحدة.
لكن ياسر لم يشعر أنه ضيع وقته.
في المساء جلس تحت شجرة الليمون.
مد يده إلى التراب.
لم يجد المفتاح.
ابتسم.
لم يكن يريد أن يجده.
كان يريد فقط أن يعرف أنه تركه هناك.
دخل البيت.
وضع الكوب الأزرق أمامه.
بدأ المطر.
كانت الساعة 11:39.
ثم 11:40.
نظر إليها.
تحرك العقرب.
11:41.
ظل واقفًا.
لم يعد الرقم بابًا.
صار مجرد وقت.
وقت يمر.
وهو موجود فيه.
رن جرس الباب.
كان الجار المسن.
قال:
«عندي شاي، قلت أمر عليك.»
ابتسم ياسر.
«تفضل.»
جلسا في المطبخ.
تحدثا عن المطر والحي وشجرة الليمون.
أشياء صغيرة.
أشياء لا تحتاج إلى تفسير.
نظر ياسر إلى الساعة.
لم يعد يعد الدقائق.
لم يعد ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن يقول: لاحقًا.
كان حاضرًا.
فقط حاضرًا.
وفي الخارج كانت شجرة الليمون تتحرك تحت المطر.
أما المفتاح الصغير فبقي تحت التراب.
وأما ياسر...
فبقي.
الآن.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك
تعليقات
إرسال تعليق