رواية اصداء الحجر
رواية «أصداء الحجر» — واقعية سحرية / غموض نفسي. رواية قصيرة عن تميم، الطبيب النفسي العائد إلى بلدة المنزلة بعد اختفاء ريم، حيث يبدأ بسماع صوت تنفس يصدر من الحجارة نفسها، وعن حنان، المعلمة التي تكتب رسائل بلا عنوان لابنتها المفقودة، وتكتشف أن الكتابة وحدها تحمي ذاكرتها من التلاشي.
الفصل الأول: ليلة التنفس
وصل تميم إلى المنزلة مساء يوم أربعاء، قبل موعد عمله بأسبوعين. كان قد طلب إجازة من مستشفى المدينة دون أن يخبر أحدًا بالسبب الحقيقي. قال لزملائه إنه يحتاج إلى راحة بعد ثلاث سنوات من العمل المتواصل، وهذا نصف الحقيقة على الأقل. أما النصف الآخر، فكان شيئًا لم يستطع قوله حتى لنفسه: إنه يريد العودة إلى المكان الذي ارتبط باختفاء ريم، ليس للبحث عنها، بل لأن كل مكان آخر أصبح يذكّره بها أكثر من هذا المكان.
انحرفت السيارة عن الطريق الرئيسي عند لافتة مهترئة كُتب عليها «المنزلة» بحروف بيضاء باهتة. أصبح الطريق بعدها ترابيًا، ثم ضيقًا بين جدران حجرية منخفضة لم تعد تعرف لون الطلاء الأصلي. كانت رائحة الملح أول ما استقبله؛ ليست رائحة البحر القريب، بل رائحة ملح قديم تتسلل من داخل الحجارة نفسها، كأن الحجارة تفرزه ببطء عبر مئات السنين.
أوقف السيارة أمام بيت صغير من الحجر الرمادي، سقفه مسطح ومغطى بطبقة رقيقة من الغبار الأبيض. كان هذا البيت يخص عائلته منذ أجيال، لكنه لم يزره منذ وفاة والده قبل عشر سنوات. كان الباب الخشبي مفتوحًا جزئيًا، كما لو كان ينتظره.
دخل وأغلق الباب خلفه بصوت ثقيل. كانت الغرفة الداخلية فارغة تقريبًا: سرير قديم، وطاولة خشبية صغيرة، وخزانة مغلقة. النافذة الوحيدة تطل على حائط الجار الذي يقف على مسافة متر واحد فقط. كان الضوء يتسرب من الشقوق بين الحجارة في شكل خطوط رفيعة ذهبية، ثم يختفي تدريجيًا مع غروب الشمس.
جلس على السرير وأغلق عينيه. لم يكن يعرف ماذا يبحث عنه هنا. ربما هدوءًا. ربما نسيانًا. ربما شيئًا لم يستطع العثور عليه في أي مكان آخر منذ ذلك اليوم على الشاطئ.
حاول ألا يفكر في ريم. لكن الذاكرة لا تحتاج إلى إذن لتعود.
كانت الليلة الثانية في المنزلة عندما بدأ الصوت.
استيقظ تميم فجأة دون صوت منبه أو حركة مفاجئة. كان شيء آخر هو الذي سحبه من النوم؛ ليس صراخًا ولا ضجيجًا، بل صوتًا منخفضًا جدًا، أقرب إلى التنفس منه إلى الكلام. فتح عينيه ووجد نفسه مستلقيًا في الظلام، والنوافذ مغلقة، والبيت هادئ.
ثم سمعه مرة أخرى.
كان يأتي من كل اتجاه في آن واحد: من الجدار الأيمن، والجدار الأيسر، والسقف، والأرضية. كأن البيت كله يتنفس بالإيقاع نفسه. طنين خفيف، منتظم، لا يتغير في سرعته أو ارتفاعه. مثل نبض قلب كبير جدًا، بعيد جدًا.
قام من السرير ومشى نحو النافذة. فتحها ببطء. دخل الهواء البارد مع رائحة الملح المعتادة، لكن الصوت لم يتوقف. لم يكن من الخارج. كان من الداخل، من الحجارة نفسها.
وضع يده على الجدار. كان الحجر باردًا ورطبًا رغم أن الجو لم يكن ممطرًا. تحت راحته، شعر بذبذبة خفيفة؛ ليست اهتزازًا يمكن رؤيته، بل إحساسًا داخليًا يشبه ما يشعر به المرء عندما يضع يده على صدر شخص يسعل في السرير بجانبه.
عاد إلى السرير وأغلق عينيه مجددًا. ربما كان حلمًا. ربما كان ضغط العمل. ربما كان شيئًا طبيعيًا تمامًا.
لكن الصوت لم يتوقف.
في الصباح التالي، ذهب تميم إلى المسجد القديم. كان يعرف طريقه منذ طفولته: أزقة ضيقة تتقاطع بشكل لا يبدو عشوائيًا، لكنها لا تتبع نظامًا واضحًا أيضًا. كانت البيوت كلها من النوع نفسه: حجر رمادي، وأسقف مسطحة، وأبواب خشبية منخفضة. بعض الجدران كانت مائلة قليلًا، وبعضها يحمل شقوقًا عميقة لا تبدو طبيعية.
كان المسجد في وسط القرية، أكبر قليلًا من البيوت المحيطة به. جدرانه مصنوعة من حجارة ضخمة مختلفة الحجم واللون؛ بعضها رمادي فاتح، وبعضها بني محمر، وبعضها أسود تقريبًا. لم يكن يعرف مصدر هذه الحجارة. لم يكن أحد يتحدث عن مصدرها. وكأن عدم المعرفة كان جزءًا من اتفاق غير مكتوب.
دخل المسجد ووقف في منتصف الصحن. كان المكان فارغًا. الشيخ مبارك لم يكن قد وصل للصلاة بعد. نظر تميم إلى الجدران من حوله. كانت الحجارة هنا أكبر وأكثر وضوحًا في آثار الزمن؛ على بعضها نقوش قديمة لا يمكن قراءتها، وعلى بعضها علامات تشبه آثار أدوات مجهولة.
كان الصمت تامًا. لا صوت تنفس. لا طنين. لا شيء.
أخذ نفسًا عميقًا. ربما كان فعلًا شيئًا في رأسه. الإرهاق المزمن، واضطراب النوم، والانتقال المفاجئ بين اليقظة والنوم؛ كل هذه عوامل معروفة طبيًا تُنتج إدراكات سمعية خاطئة. هو طبيب نفسي؛ يعرف كيف يعمل الدماغ تحت الضغط. يعرف أن العقل يُنتج أصواتًا عندما يكون مرهقًا بما يكفي.
خرج من المسجد وبدأ يمشي نحو الشاطئ.
كان الشاطئ مختلفًا عن بقية القرية. الرمال هنا داكنة، سوداء تقريبًا، وتلتقي بالمياه في خط غير واضح. كانت الحجارة المبعثرة على الشاطئ من نوع مختلف؛ أصغر حجمًا، وأكثر نعومة، وكأن البحر كسر حدة حوافها عبر قرون.
وقف تميم قرب مجموعة من الحجارة الكبيرة تقع عند نقطة التقاء الرمل بالصخور. كانت هذه الحجارة مما أحبت ريم الوقوف قربه. تذكر ذلك الآن وبشكل مفاجئ؛ كانت تقف هنا لساعات، تحدق في الأفق حيث يختفي البحر في السماء، وتقول إنها تشعر بشيء هنا لا تستطيع وصفه.
«ما الذي تشعرين به؟» كان يسألها.
«شيء يشبه الانتظار»، كانت تجيب.
لم يأخذ كلامها بجدية. كان يعتقد أنها تخيلاتها المعتادة؛ ريم كانت دائمًا تميل إلى التأمل بطريقة تجعل الآخرين يشككون في واقعية أفكارها. الآن، وهو يقف أمام الحجارة نفسها، أدرك أنه لم يكن هو من يجب أن يشك.
وضع يده على إحدى الحجارة الكبيرة. باردة. رطبة. لا ذبذبة. لا صوت.
هز رأسه. عاد إلى البيت.
مرت أيام قليلة. بدأ تميم يتحرك في القرية بشكل طبيعي. زار السوق الصغير، وتحدث مع بعض السكان، واشترى طعامًا من محل قريب. لاحظ أن الناس هنا يتحدثون بصوت منخفض، وأنهم ينظرون إليه بتقدير مختلط بالفضول. بعضهم عرفه باسم ابن العمري. وبعضهم لم يعرفه.
في المساء، كان يعود إلى البيت ويغلق النافذة وينام. وكان الصوت يعود كل ليلة.
لم يكن متزامنًا تمامًا؛ أحيانًا يبدأ مبكرًا، وأحيانًا متأخرًا. لكن نمطه كان ثابتًا: تنفس منخفض، منتظم، يأتي من كل الاتجاهات. وضع يده على الجدران عدة مرات، ولم يعد يشعر بالذبذبة. ربما كان ذلك في المرة الأولى فقط.
بدأ يسجل ملاحظات في دفتر صغير. وقت البدء. مدة الاستمرار. شدة الصوت. لم يجد نمطًا واضحًا. لم يجد علاقة بالطقس أو الوقت أو أي عامل خارجي.
يومًا ما، أثناء تسجيل ملاحظاته، لاحظ شيئًا غريبًا: كان الصوت أقوى عندما يكون قريبًا من المسجد. حاول التحقق من ذلك؛ نام في غرفة قريبة من المسجد، فكان الصوت أعلى. انتقل إلى غرفة أبعد، فانخفض. لم يكن الفرق كبيرًا، لكنه كان موجودًا.
كتب في الدفتر: «الأقرب إلى المسجد = أعلى». ثم شطب العبارة؛ لأنه لم يكن يريد أن يبدو كمجنون يسجل بيانات عن أصوات وهمية.
في صباح أحد الأيام، صادف تميم سالمًا عند بوابة المسجد. كان سالم صيادًا وميكانيكيًا في آن واحد، رجلًا بسيطًا يرتدي قميصًا أبيض اتسخ بالزيت والملح. كان يجلس على حجر عند المدخل، يدخن سيجارة طويلة.
«ابن العمري»، قال سالم دون أن يرفع عينيه. «رجعت.»
«نعم.»
أطفأ سالم سيجارته ونظر إليه.
«هل سمعت؟»
«سمعت ماذا؟»
«الأصوات. اللي ليلًا.»
توقف تميم. تسارعت ضربات قلبه.
«أي أصوات؟»
حدق سالم فيه لحظة، ثم ابتسم ابتسامة قصيرة.
«كلنا نسمعها. بس الواحد يقول إنها رياح، والآخر يقول إنها بحر. أنا أقول إنها حجارتنا.»
«متى بدأت؟»
«من زمان. بس لماذا تسأل؟»
لم يجبه تميم. مشى بعيدًا. كان يحتاج إلى أن يعرف ما إذا كان وحده.
في ليلة الرابع عشر من أكتوبر، حدث شيء مختلف.
كان تميم مستيقظًا. لم يكن نائمًا. كان يجلس على السرير، يقرأ كتابًا طبيًا لم يكن يقرأه حقًا؛ عيناه تمران على الصفحات بينما عقله في مكان آخر. كانت الساعة تشير إلى الثالثة وثلاث وعشرين دقيقة فجرًا.
ثم توقف كل شيء.
ليس الصوت. بل كل شيء آخر.
صمت مطلق.
لا رياح. لا حيوانات. لا حتى صوت البحر الذي كان دائمًا موجودًا في الخلفية. كان الصمت ثقيلًا، كثيفًا، كأن العالم كله احتبس أنفاسه.
ثلاث ثوانٍ. ربما أربع.
ثم بدأت الحجارة تتنفس.
لكن ليس بالتنفس المعتاد. هذه المرة كان الصوت أعلى؛ ليس بكثير، لكنه كان واضحًا بما يكفي لأن يسمعه كل شخص في القرية. وقف تميم من مكانه ومشى نحو النافذة. فتحها.
كانت القرية مظلمة. لكن من نافذة الجار المجاور، رأى ضوءًا خافتًا. ثم نافذة أخرى. ثم أخرى. كان الجميع مستيقظين.
كان الصوت متزامنًا تمامًا هذه المرة. ليس من بيته فقط؛ كان يأتي من كل بيت في القرية، من كل جدار، من كل حجر. كأن الأرض كلها تتنفس بالإيقاع نفسه. السرعة نفسها. العمق نفسه.
وضع تميم يده على الزجاج. كان باردًا. ثم شعر بالذبذبة؛ أقوى مما كانت عليه من قبل. واضحة. حقيقية.
استمر الصوت فترة بدت أطول مما كانت عليه في الحقيقة. ربما دقيقتين. ربما خمسًا. لم يكن متأكدًا. ثم بدأ يتلاشى ببطء. أولًا انخفضت شدته. ثم اختفت الذبذبة. ثم عاد صوت البحر. ثم عاد صوت رياح خفيفة. ثم عاد الليل إلى طبيعته.
بقي تميم واقفًا أمام النافذة. كان قلبه ينبض بسرعة غير طبيعية. يداه ترتعشان قليلًا.
عاد إلى السرير. أغلق عينيه. حاول النوم.
لم يستطع.
نام أخيرًا عند الخامسة صباحًا. وعندما نام، حلم.
كان يحلم بأنه يقف على الشاطئ. الرمال السوداء تحت قدميه. الحجارة الكبيرة أمامه. البحر هادئ. السماء رمادية.
ثم سمع صوتًا.
ليس صوت التنفس. ليس الطنين. كان صوتًا مختلفًا تمامًا.
صوت امرأة.
كان ينادي اسمه.
«تميم.»
فتح عينيه فجأة. كان في سريره. البيت هادئ. لا صوت تنفس. لا ذبذبة. لا شيء.
لكن الصوت ظل معه. ليس في أذنيه، بل في رأسه. في مكان أعمق.
جلس على السرير في الظلام. لم يحرك ساكنًا. لم يتنفس بقوة. كان يستمع.
لم يسمع شيئًا.
لكنه كان يعرف صاحبة الصوت.
ريم.
الفصل الثاني — رسائل بلا عنوان
كانت حنان تكتب كل ليلة قبل النوم. لم تكن رسائل عادية؛ كانت صفحات طويلة، مكتوبة بخط يد متوتر أحيانًا، ومرتب أحيانًا أخرى، على أوراق بيضاء لا تحمل عنوانًا ولا تاريخًا ولا اسم مستلم. كانت تضعها في علبة كرتونية قديمة بجانب سريرها، ثم تغلق الغطاء وتنام. أو تحاول أن تنام.
كانت الليلة مثل الليالي السابقة. جلست على كرسي خشبي أمام طاولة صغيرة مغطاة بقطعة قماش زرقاء باهتة، وأخذت القلم بين أصابعها. لم تبدأ فورًا. كانت تحدق في الورقة البيضاء حتى تشعر بأن الكلمات ستبدأ بنفسها.
«يا لينا»، كتبت.
ثم توقفت. لم تكن تعرف ماذا تقول بعد ذلك. كل ليلة كان الأمر نفسه: تبدأ باسم ابنتها، ثم تجد نفسها عاجزة عن ملء الفراغ الذي يليه.
كتبت: «يا لينا، اليوم مررت بالمسجد القديم. الحجارة تبدو مختلفة قليلًا. لا أعرف لماذا.»
أغمضت عينيها لحظة. تذكرت وجه لينا آخر مرة رأتها فيها؛ كانت تسألها عن شيء ما، لكن حنان لم تستمع حقًا. كانت تفكر في شيء آخر. الآن لا تتذكر ماذا كانت تسأل. هذا يزعجها أكثر من أي شيء آخر: أنها فقدت اللحظة الأخيرة التي سمعت فيها صوت ابنتها وهي تسأل سؤالًا لم تجبه.
اختفت لينا منذ سنتين. فتحت الشرطة تحقيقًا، ثم أغلقته. قال الجيران إنها ربما ذهبت بعيدًا واختارت ألا تعود. لم تصدقهم حنان. لكنها أيضًا لم تعرف ماذا تفعل. كانت الكتابة كل ما تبقى لها.
أكملت الرسالة: «يا لينا، أسمع أشياء ليلًا. أصواتًا من الجدران. ربما تكون رياحًا. ربما تكون شيئًا آخر. لا أعرف. لكنني أريد أن أعرف؛ لأنني أشعر أنك قد تعرفين.»
لم تكن هذه الجملة الأخيرة حقيقية تمامًا. حنان لا تعرف ما إذا كانت لينا تعرف شيئًا عن الأصوات. لكنها كتبتها لأنها تحتاج إلى أن يكون هناك شخص يعرف. شخص يمكنه أن يقول لها: نعم، أنا أسمعها أيضًا. أنتِ لستِ وحيدة.
كان بيت حنان يقع في طرف القرية، بعيدًا عن المسجد، قريبًا من الشاطئ. جدرانه مصنوعة من الحجارة الرمادية نفسها التي بُنيت بها كل البيوت في المنزلة، لكنها هنا كانت أقل سمكًا وأكثر تشققًا. كانت النوافذ صغيرة ومغطاة بشبكات معدنية صدئة تحمي من الرياح المالحة.
في الصباح، كانت حنان تذهب إلى مدرسة القرية لتعليم اللغة العربية. كانت المدرسة مبنى حديثًا نسبيًا؛ أسمنت وجبس ونوافذ كبيرة. وكان هذا أحد الأسباب التي جعلتها تفضل العمل هناك. في المدرسة، لا توجد أصوات. لا ذبذبات. لا رطوبة غريبة على الجدران. فقط أصوات أطفال يقرؤون دروسًا ويضحكون ويتجادلون حول قواعد النحو.
كانت هذه الساعات الأربع هي الوحيدة التي تشعر فيها بالهدوء.
لكن الهدوء كان كاذبًا؛ لأنه بمجرد أن تغادر المدرسة وتعود إلى بيتها، كان الصوت ينتظرها. ليس الصوت العالي الذي وصفه لها بعض السكان، بل صوت منخفض، خافت، كأنه يهمس بدلًا من أن يتنفس. وكانت تلاحظ أنه أقوى عندما تكون قرب الجدار الخلفي لبيتها، وهو الجدار الأقدم والأكثر تشققًا.
لم تخبر أحدًا بهذا التفصيل. لم تخبر أحدًا بأي شيء.
في صباح أحد الأيام، خرجت حنان من بيتها ومشت نحو السوق الصغير. كانت تحمل كيسًا ورقيًا يحتوي على دقيق وسكر وزيت. كان الطريق يمر عبر أزقة ضيقة تعترضها أكوام حجارة مهروسة وقطع خشبية قديمة.
عند زاوية الزقاق الثالث، صادفت امرأة عجوز تجلس على باب بيتها وتنظف الفاصوليا. رفعت المرأة رأسها ونظرت إلى حنان نظرة طويلة.
«حنان»، قالت. «الحجر يتكلم أكثر من ذي قبل.»
توقفت حنان. «ماذا قلتِ؟»
«الحجر. يتكلم أكثر. هل أنتِ تسمعين؟»
«أنا أسمع... أشياء.»
ابتسمت العجوز ابتسامة قصيرة. «كلنا نسمع. بعضهم يقول إنها الريح، وبعضهم يقول إنها البحر. المهم أنك تسمعين. هذا يعني إن الحجر يعرفك.»
«يعرفني؟»
«يعرفك. يعرف كل واحد منا. بس لا يقول إلا لمن يستحق.»
مشت حنان بعيدًا دون أن تجيب. كان قلبها ينبض بسرعة غير معتادة. لم تكن المرة الأولى التي يربط فيها أحد الأصوات بشيء شخصي، لكنها كانت المرة الأولى التي جعلتها تشعر بأن الأمر يتعلق بها تحديدًا.
في المساء، جلست حنان أمام الطاولة الزرقاء وأخذت ورقة جديدة. بدأت تكتب:
«يا لينا، اليوم قابلت امرأة عجوز عند الزقاق. قالت لي إن الحجر يعرفني. لم أفهم ماذا تقصد. لكنني سألت نفسي سؤالًا لم أسأله من قبل: هل أنتِ تعرفين هذا الحجر؟ هل كنتِ تسمعين شيئًا قبل أن تختفي؟»
توقفت. ارتجف القلم قليلًا بين أصابعها. وضعته جانبًا. نهضت من الكرسي ومشت نحو النافذة. كان الليل هادئًا. لا صوت تنفس الليلة. لا طنين. لا ذبذبة. فقط صوت البحر البعيد وصوت رياح خفيفة تمر فوق الأسطح المسطحة.
ثم لاحظت شيئًا.
على الجدار الخلفي لبيتها، الجدار الأقدم والأكثر تشققًا، كان هناك حرف محفور. لم تكن قد انتبهت إليه من قبل. كان صغيرًا، مخفيًا في إحدى الزوايا العليا، كأنه نُقش بعناية ليصعب اكتشافه.
ابتعدت عن النافذة ومشت نحو الجدار. وضعت يدها على الحرف. كان عميقًا، محفورًا بحافة حادة. شكله يشبه حرف «ل» العربي.
لم تربطه بشيء. لم تربطه بأحد. هذا مجرد حرف. مئات الحروف المحفورة موجودة في حجارة هذه القرية. لكنها بقيت واقفة أمام الجدار، تلمس الحرف بإصبعها، وتشعر بأن شيئًا ما بداخلها تحرك؛ ليس ذاكرة واضحة، بل إحساسًا غامضًا بأن هذا الحرف مرتبط بشيء أكبر مما تستطيع فهمه الآن.
في صباح اليوم التالي، ذهبت حنان إلى المسجد. لم تكن قد دخلته منذ سنوات؛ كانت تصلي في بيتها. لكن الليلة الماضية، بعد اكتشاف الحرف، شعرت بأنها تحتاج إلى أن ترى الحجارة الأكبر.
كان المسجد فارغًا، كما هو دائمًا في هذا الوقت. لم يكن الشيخ مبارك قد وصل بعد. دخلت حنان الصحن ووقفت في المنتصف. نظرت إلى الجدران من حولها. كانت الحجارة هنا ضخمة جدًا؛ يصل ارتفاع بعضها إلى متر ونصف. ألوانها مختلفة: رمادي فاتح، وبني محمر، وأسود تقريبًا. وعلى بعضها نقوش لا يمكن قراءتها.
ما جذب انتباهها لم يكن النقوش. كان شيئًا آخر.
كانت الجدران هنا باردة. ليست برودة الطقس؛ فالجو كان دافئًا في الصباح، بل برودة داخلية، كأن الحجارة تحتفظ ببرودة من مكان آخر. وضعت يدها على حجر كبير عند الركن الشمالي. بارد. رطب. لا ذبذبة.
لكنها شعرت بشيء مختلف عن البرودة. شعرت بأن الحجر ينظر إليها. ليس بشكل حرفي؛ لا يمكن للحجر أن ينظر، لكن الإحساس كان قويًا بما يكفي ليجعلها تسحب يدها بسرعة.
تنقلت بين الحجارة. بعضها بارد وبعضها دافئ. بعضها رطب وبعضها جاف. لم تجد نمطًا واضحًا. لكن كان هناك حجر واحد، حجر كبير أسود اللون عند المدخل الشرقي، مختلفًا تمامًا. كان دافئًا. ليس دافئًا كحرارة الشمس، بل دافئًا كحرارة جسم حي.
لم تلمسه. لم تستطع. مشت بعيدًا عنه.
خرجت من المسجد وبدأت تمشي نحو بيتها. كان قلبها ينبض بسرعة. لم تكن تعرف لماذا. لم تكن تعرف ماذا حدث بالضبط. لكنها كانت تعرف أن شيئًا ما تغير.
في المساء، جلست حنان أمام الطاولة الزرقاء مرة أخرى. هذه المرة لم تبدأ باسم ابنتها. بدأت بكلمات مختلفة:
لا أعرف لمن أكتب هذا. ربما لأنني أحتاج إلى أن أكتب. ربما لأنني أشعر أنني لو توقفت عن الكتابة، سأفقد شيئًا لا أستطيع استرجاعه. لا أعرف ما هو هذا الشيء. لا أعرف إذا كان اسمًا أو وجهًا أو ذكرى. لكنني أشعر به. أشعر بأنه يختفي ببطء، وأنا أحاول الإمساك به بالقلم.
كتبت كثيرًا تلك الليلة. أكثر من أي ليلة سابقة. كتبت عن الطفولة في القرية. عن أول يوم عملت فيه معلمة. عن يوم ولادة لينا. عن آخر مرة احتضنتها. عن الأسئلة التي لم تُجب. عن الأصوات الليلية. عن الحرف المحفور. عن الحجر الدافئ.
كلما كتبت، شعرت بأن شيئًا ما يُعاد ترتيبه داخلها. ليس ذاكرة واضحة، بل إحساس بأن الكتابة نفسها هي التي تمنع النسيان. كأن القلم حبل يربطها بشيء ما، وإذا توقفت عن الكتابة، سينقطع الحبل.
لم تكن هذه فكرة منطقية. كانت حنان تعرف ذلك. لكنها لم تستطع التوقف.
في صباح اليوم التالي، ذهبت حنان إلى المدرسة. كان الأطفال ينتظرونها في الصفوف. قرؤوا درسًا عن الشعر العربي. ضحكوا عندما أخطأ طفل في قراءة كلمة. اختلفوا حول معنى جملة شعرية. كل هذا كان طبيعيًا. عاديًا. آمنًا.
لكن أثناء الدرس، حدث شيء غريب.
كانت تشرح للأطفال مفهوم الذاكرة في نص أدبي. قالت: «الذاكرة ليست مجرد تسجيل للأحداث. هي اختيار. نحن نتذكر ما نريد أن نتذكره، وننسى ما لا نريد.»
رفع طفل صغير يده. «أستاذة، هل ممكن ننسى أشياء بدون ما نريد؟»
تجمدت حنان. جاء السؤال من طفل عمره عشر سنوات، لكنه ضربها بقوة لم تكن تتوقعها.
«نعم»، أجابت بصوت مرتبك. «أحيانًا.»
«هل ممكن ننسى أشخاص؟»
نظرت حنان إلى الطفل. ثم نظرت إلى بقية الصف. كان الأطفال ينتظرون جوابها. لكنها لم تكن قادرة على الكلام.
«نعم»، قالت أخيرًا. «ممكن.»
«هل هذا سيئ؟»
«...لا أعرف.»
بعد انتهاء الدرس، جلست حنان في مكتبها. لم تكن تستطيع التركيز. ظل سؤال الطفل يدور في رأسها: هل ممكن ننسى أشخاص؟
فجأة، حاولت أن تتذكر اسم ابن أخيها. كان يسكن في المدينة. لم تره منذ ثلاث سنوات. حاولت أن تتذكر اسمه.
لم تستطع.
لم يكن الاسم قد اختفى تمامًا؛ كان هناك شيء يشبه الاسم في ذهنها، لكنه كان ضبابيًا، كأنه مكتوب بحبر مبتل. حاولت مرة أخرى. لم تستطع.
جلست في المكتب. كان قلبها ينبض بسرعة. لم تكن خائفة؛ كانت مرتبكة. مرتبكة بطريقة لم تكن تعرف كيف تصفها.
حاولت أن تتذكر أشياء أخرى. اسم شارع منزلها القديم في المدينة. اسم معلمتها في المرحلة الابتدائية. لون السيارة التي كانت تركبها مع والدتها. كلها موجودة. كلها واضحة.
لكن اسم ابن أخيها كان مفقودًا.
في المساء، جلست حنان أمام الطاولة الزرقاء. هذه المرة لم تأخذ ورقة جديدة. أخذت أقدم رسالة كتبتها لابنتها، واحدة من الرسائل الأولى في العلبة الكرتونية. بدأت تقرأها بصوت منخفض.
«يا لينا، اليوم مررت بمحل الحلويات. تذكرت أنك تحبين القطايف. اشتريت لك بعضًا، لكنني لم أعرف أين أطبخها.»
قرأت الصفحة كاملة. ثم الصفحة الثانية. ثم الثالثة.
في الصفحة الرابعة، وجدت شيئًا لم تكن تتذكره. كانت قد كتبت: «يا لينا، اليوم سمعت صوتًا غريبًا من الجدار. لا أعرف ما هو. لكنني شعرت وكأنه يحاول أن يقول شيئًا.»
توقفت. لم تكن تتذكر أنها كتبت هذا. لم تكن تتذكر أنها سمعت صوتًا في ذلك اليوم.
وضعت الرسالة جانبًا. نظرت إلى الجدار الخلفي. كان الحرف المحفور هناك. حرف «ل».
«لينا»، همست.
ثم حاولت أن تتذكر اسم ابن أخيها مرة أخرى.
لم تستطع.
لكنها تذكرت شيئًا آخر: أنها كانت تعرفه. أنه كان موجودًا. وأنه كان مهمًا لها. لكنها لا تعرف اسمه.
هذا الشعور، معرفة أن شيئًا موجود دون القدرة على الوصول إليه، كان جديدًا عليها. لم تكن قد عاشته من قبل. كان أشبه بفقدان شيء لم تفقده بعد.
في تلك الليلة، لم تكتب حنان رسالة. جلست أمام الطاولة الزرقاء وحدقت في الورقة البيضاء. القلم بين أصابعها. الكلمات لم تأتِ.
ثم جاءت فكرة واحدة فقط:
أنها تشعر بأن شيئًا ما يختفي منها. ليس شيئًا واحدًا، بل أشياء كثيرة. أسماء. وجوه. لحظات. كل شيء يختفي ببطء، كأنه يتسرب من خلال شقوق في جدار داخلي لا تستطيع رؤيته.
والكتابة... الكتابة هي التي تمنعه. الكتابة هي الحبل.
لو توقفت عن الكتابة، سيختفي كل شيء.
لم تكن هذه فكرة عقلانية. كانت حنان تعرف ذلك. لكنها لم تستطع أن تتجاهلها.
أخذت القلم. بدأت تكتب:
لا أعرف لمن أكتب هذا. لا أعرف إذا كان هناك أحد سيقرأه. لكنني أكتب لأنني أشعر أنني لو توقفت، سأفقد شيئًا لا أستطيع استرجاعه. لا أعرف ما هو. لا أعرف إذا كان اسمًا أو وجهًا أو ذكرى. لكنني أشعر به. أشعر بأنه يختفي.
وأنا أخاف.
كتبت هذه الكلمة الأخيرة بحروف أكبر من المعتاد. ثم أغلقت الدفتر. أغلقت العلبة. أغلقت النافذة.
وخلال الليل، بينما كانت تنام، أو تحاول أن تنام، سمعت صوتًا.
ليس صوت التنفس المعتاد. كان صوتًا مختلفًا. صوتًا يشبه الهمس. لا يمكن فهم كلماته. لكن يمكن الشعور بأنه موجه إليها.
لم تستيقظ. لم تفتح عينيها. لكنها شعرت بالحرف المحفور في الجدار، حرف «ل»، وكأنه ينبض في الظلام.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق