قصة ناصر
قصة ناصر - جريمة وتشويق
الفصل الأول: الكتاب الأزرق
التاسعة صباحًا.
الطابق الثالث، وزارة المالية. نافذتان تطلان على شارع الملك فهد، وزجاج عاكس.
خمسة أشخاص حول الطاولة. ناصر السادس.
جلس في الزاوية البعيدة، وكتاب أزرق مفتوح أمامه. لم يقرأ الصفحة منذ عشرين دقيقة. الصفحة نفسها، لكن عينيه تتحركان. تتبعان سطرًا، ثم تعودان إلى الأعلى. حركة بطيئة، منتظمة.
قال فهد بنبرته المعتادة:
«المبلغ المفقود أربعة ملايين وستمئة ألف ريال. اختفى من حساب الشركة يوم الثاني عشر من سبتمبر. التحويلات بدأت الساعة الثانية والنصف ظهرًا.»
جلست سارة مقابل ناصر مباشرة. محققة تقنية في الثلاثين من عمرها، شعرها قصير، ونظارتها سوداء الإطار. كانت تعرض البيانات على الشاشة المتصلة بجهازها اللوحي.
قالت:
«الذاكرة الإلكترونية التي كانت تحتوي على سجلات التحويل كاملة مفقودة. مازن الحربي كان يحملها. ومازن نفسه... غائب منذ ثلاثة أيام.»
نظر فهد إلى ناصر.
«يا ناصر، أنت هنا؟»
أغلق ناصر الكتاب ببطء. وضع إصبعه على آخر صفحة قرأها فعلًا: صفحة ١٤، من فصل بعنوان «تتبع التحويلات المشفرة».
«نعم.»
«هل عندك خطة؟»
«ليس بعد. لكن غالبًا الخطة تأتي عندما أجد صاحبها.»
صدرت ضحكة قصيرة من أحد الحاضرين.
فهد لم يضحك، لكنه ابتسم ابتسامة لا تعني شيئًا.
«اذهب إلى الميناء. ابحث عن مازن. استرد الذاكرة.»
وقف ناصر.
لم يسأل لماذا اختاره فهد تحديدًا.
قال فهد: «لأنهم إذا رأوك، لن يظنوا أننا أرسلنا أحدًا.»
أومأ ناصر وخرج من الغرفة.
لم يتجه نحو المدخل الرئيسي.
انحرف جانبًا، مر عبر الباب الخلفي، نزل الدرج الداخلي، وتوجه إلى موقف السيارات.
كان يعرف أن هناك سيارة أسفل المبنى.
رآها قبل أسبوعين.
سيارة سوداء تحمل اللوحة: خـ ٤٧٢٩ ر
توقفت أمام المبنى مرتين. لم ينزل منها أحد.
لكنها كانت هناك.
والآن كانت متوقفة في المكان نفسه.
لم ينظر ناصر إليها.
مشى مباشرة نحو سيارته، فتح الباب وجلس.
نظر إلى المرآة الجانبية.
بعد لحظات، اشتغل محرك السيارة السوداء.
ثم غادرت.
الفصل الثاني : الاسم الخطأ
مدينة الميناء.
مساء اليوم التالي.
رائحة الملح ممزوجة برائحة الأسماك المتعفنة. مبانٍ صفراء باهتة، وجدران يتقشر طلاؤها بفعل الرطوبة والسنوات. صوت الموج يضرب الصخور كنبض بطيء.
فندق الميناء.
طابقان. واجهة صفراء باهتة. باب خشبي ثقيل.
جلس أبو تركي خلف مكتب الاستقبال، يرتدي قميصًا أبيض اتسخت أكمامه، ويأكل تمرًا وهو يشاهد التلفاز.
قال دون أن يرفع عينيه:
«الغرفة سبعة. المفتاح على الطاولة.»
أخذ ناصر المفتاح.
رفع أبو تركي عينيه إليه.
«وأنت... من الرياض؟ وجهك مو وجه بحر.»
«نعم.»
عاد أبو تركي إلى التلفاز.
كانت الغرفة السابعة صغيرة.
سرير واحد. نافذة تطل على البحر. طاولة خشبية. مكتب صغير.
رائحة الملح تدخل حتى والنافذة مغلقة.
وضع ناصر حقيبته على السرير وفتح هاتفه.
رسالة واحدة من سارة:
«مازن، آخر ظهور له كان في حي السوق القديم.»
مسح ناصر الرسالة.
ثم لاحظ ورقة صغيرة مثبتة بشريط لاصق أبيض على حافة الطاولة.
ورقة فندقية.
رقم التسجيل: ١٤٧
قلبها.
على ظهرها جملة مكتوبة بخط يد وحبر أزرق:
«لا تثق.»
لم يعرف من كتبها.
الخط غير مألوف.
وضع الورقة جانبًا.
نام متأخرًا.
صباح اليوم التالي
كانت المدينة شبه فارغة.
صيادون يجهزون قواربهم. رجل يكنس الرمل أمام متجر للأسماك. ورائحة القهوة تنتشر من مقهى صغير عند زاوية الشارع.
جلس ناصر في المقهى.
طلب قهوة عربية وسكرًا.
وانتظر.
بعد نصف ساعة، دخل رجلان.
الأول طويل ومرتب، يرتدي بدلة داكنة تبدو جديدة أكثر مما ينبغي لرجل يزعم أنه محقق. وجهه واسع، وابتسامته أوسع.
تحدث بصوت مرتفع:
«أنا رائد العتيبي. وهذا زميلي بدر. نحن من وحدة التحقيق المالي.»
الثاني، بدر، لم يتكلم.
وقف خلف رائد، ساكنًا، يراقب الغرفة بعينين لا تبتسمان. كان يرتدي قميصًا رماديًا بسيطًا، من دون شعار أو بطاقة ظاهرة.
أشار رائد إلى ناصر.
«أنت ناصر؟»
«نعم.»
«ممتاز. وصلنا أمس. بدأنا التحري. مازن... لدينا معلومات عنه.»
لم يسأل ناصر شيئًا.
نظر إلى رائد.
ثم إلى بدر.
ثم عاد إلى رائد.
أخرج رائد بطاقته المهنية من جيبه ووضعها على الطاولة.
أخذها ناصر.
قرأ:
راشد العتيبي
محقق مالي أول
وحدة الجرائم السيبرانية
الرياض
لاحظ شيئًا.
خطأ صغيرًا.
لم يقل شيئًا.
أعاد البطاقة إلى رائد.
ضحك رائد.
«ماذا؟»
«لا شيء.»
تكلم بدر أخيرًا. صوته منخفض وهادئ.
«متى وصلت؟»
«أمس.»
«هل وجدت شيئًا؟»
«لا.»
أومأ رائد.
«سنبحث معًا. لكن أخبرني... هل عندك فكرة أين يمكن أن يكون مازن؟»
فكر ناصر لحظة.
«ليس بعد.»
ضحك رائد مرة ثانية.
هذه المرة أطول.
«أنت رجل مضحك.»
بدر لم يضحك.
بعد مغادرته المقهى، مشى ناصر وحيدًا نحو الفندق.
في الطريق مر بمقهى صغير اسمه «النخيل».
واجهة زرقاء باهتة. كرسيان بلاستيكيان خارج الباب. والمكان يبدو شبه مهجور.
توقف أمامه لحظات.
نظر إليه.
ثم تابع طريقه.
عندما وصل إلى الفندق، وجد رسالة جديدة من سارة:
«تحققت من سجلات الفندق. رائد وبدر سجلا في الغرفتين الثالثة والرابعة. أرسل لي اسم الجهة المسجلة على بطاقاتهم.»
قرأ ناصر الرسالة مرتين.
ثم حذفها.
مساء ذلك اليوم
جلس ناصر في غرفته.
أمسك ورقة التسجيل الفندقية.
الرقم: ١٤٧
وعلى ظهرها الجملة نفسها:
«لا تثق.»
ظل ينظر إليها.
من كتبها؟
ولماذا تركها في الغرفة السابعة تحديدًا؟
ومن الذي يُفترض ألا يثق به؟
وضع الورقة على الطاولة.
ثم استلقى على السرير وحدق في السقف.
لم يكن لديه جواب بعد.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك

تعليقات
إرسال تعليق