رواية قوس القزح

رواية 📅 أكتوبر 13, 2026

رواية قوس القزح، رواية اجتماعية إنسانية ذات أبعاد نفسية ولمسات من الغموض، تتناول أثر الفقد والعزلة والصداقة القديمة، وكيف يمكن لعلاقة غير متوقعة مع كائن صغير أن تدفع الإنسان إلى استعادة صوته وشغفه بالحياة. تجمع الرواية بين السرد الواقعي الهادئ والبحث التدريجي عن سر يرتبط بالماضي.

الفصل الأول: ليلة رمضان

كانت الحرارة لا تزال تلتصق بالجدران حتى بعد المغرب بثلاث ساعات. فاطمة أغلقت النافذة الصغيرة التي تطل على أزقة حي الصفا، ووضعت المروحة أمامها على الأرض لتحرّك الهواء نحو الأريكة. كانت قد تركت التلفاز مغلقًا منذ وقت طويل؛ لم يعد هناك أحد يشاهده معها، والبرامج المسائية كلها تتحدث عن أشياء لا تهمها.

أخذت من الرف دفترًا جلديًا بني اللون — كان دفتر ملاحظات من أيام التدريس، صفحاته مليئة بخط يدها القديم وملاحظات طلابها — وفتحته دون أن تقرأ حرفًا واحدًا. كانت تعرف أنه لن يقرأ نفسه اليوم أيضًا. لكنها فعلت ذلك كل مساء، كأن فتح الدفتر هو طقس يُذكّرها بأنها كانت ذات يوم شخصًا يكتب.

ثم سمعته.

لم يكن صوتًا عاديًا. لم يكن مواء قط أو صرير فأرة. كان صوتًا قصيرًا، حادًا بعض الشيء، كأن شيئًا صغيرًا يحاول أن يقول كلمة لكنه لا يعرف كيف.

— كراك!

توقفت فاطمة. رفعت رأسها من الدفتر. الغرفة صامتة إلا من دوران المروحة.

— كراك!

هذه المرة كان الصوت أوضح. وأقرب.

نهضت ببطء. كانت ترتدي ثوب نوم أبيض بسيطًا، وكانت قد ربطت شعرها الأسود المتخلل بالرمادي بعقدة فضفاضة خلف رقبتها. مشيت نحو الشرفة بخطوات بطيئة، ثم توقفت عند الباب الزجاجي.

الصوت يأتي من خارج الشرفة.

لم تكن تعرف ماذا يوجد هناك سوى أكياس النفايات التي تضعها كل مساء قبل أن تغلق الشرفة. لكن هذا الصوت... لم يكن صوت حيوان معروف.

فتحت الباب ببطء.

الحرارة ضربتها فورًا. رائحة رطوبة مختلطة برائحة المطر الذي هطل قبل ساعة ثم توقف فجأة. نظرت إلى الزاوية حيث تترك الأكياس قرب الجدار. بين كيس بلاستيك أسود وصندوق ورقي مهمل، لمحت شيئًا يتحرك.

ألوان.

في ذلك الظلام الرطب، لمحتها عيناه أولًا — سوداوان لامعتان تنظران إليها بتعب واضح. ثم ألوان الريش: أخضر زمردي، أصفر ذهبي، أزرق سماوي، أحمر قرمزي. وعلى جبهته بقعة زرقاء صغيرة، كأنها نقطة حبر.

كان التناقض صارخًا: جمال مذهل محاصر في مكان قذر. شيء نادر ملقى بين مخلفات الناس اليومية.

ببغاء.

لم تكن فاطمة تعرف شيئًا عن الطيور الملونة. كانت تعرف العصافير التي تأتي على حافة النافذة صباحًا، والحمائم التي تجلس على الأسطح. لكن هذا... هذا شيء آخر تمامًا.

— كراك!

ردّدت فاطمة دون تفكير:

— كراك.

ثم رد عليها بحماس مفاجئ:

— كراك! كراك!

ماذا كان يفعل هنا؟ لماذا محبوس في صندوق مهمل بين القمامة؟ هل هو مريض؟ هل ألقى به أحد؟

نظرت إليه مرة أخرى. كان جالسًا على حافة الصندوق، جناحه الأيسر مطويًا بشكل غير طبيعي. ربما مكسور. ربما مكث هناك أيامًا بلا طعام ولا ماء.

لم تكن تعرف ماذا تفعل. لكنها تذكّرت أنها كانت معلمة ثلاثين عامًا، وأن المعلمة لا تمرّ بجانب طفل يبكي دون أن تتوقف.

عادت إلى الداخل بسرعة. فتحت خزانة المطبخ وأخرجت منشفة قطنية بيضاء. ثم رجعت إلى الشرفة.

— كراك، كراك.

تنهدت بصوت ضعيف.

مدّت فاطمة المنشفة ببطء شديد. الببغاء لم يهرب. لم تكن لديه قوة للهروب. أمسكت به بلطف — كان أخف مما توقعت، باردًا مثل قطعة ثلج صغيرة — وضمّته إلى صدرها تحت المنشفة.

رجعت إلى داخل الشقة وأغلقت الباب.

جلست على الأرض في وسط غرفة المعيشة، وفككت المنشفة ببطء. خرج رأس الببغاء من القماش وبدأ ينظر حوله بفضول. كان وجهه الصغير ملونًا بألوان مذهلة، ومنقاره رمادي قصير، وعيناه كبيرتان وسوداوان.

— ماذا فعلوا بك؟ همست فاطمة.

لم يُجب الببغاء. فقط أغلق عينيه قليلًا، ثم فتحهما مرة أخرى.

— كراك.

هل كان يشكرها؟ أم يطلب شيئًا؟

بحثت في الثلاجة. وجدت تفاحة واحدة وبضع حبات من العنب. قطعت التفاحة إلى شرائح رفيعة ووضعتها في طبق صغير. وضعت الطبق أمام الببغاء.

انتظرت.

ثم مدّ لسانه الطويل الرمادي وأخذ شريحة التفاح. أكلها بسرعة، ثم نظر إليها مرة أخرى.

— كراك، كراك!

ابتسمت فاطمة لأول مرة تلك الليلة.

بينما كانت تمسح وجهه بمنديل رطب، لاحظت شيئًا لم تنتبه له من قبل. حول ساقه اليمنى حلقة معدنية صغيرة، نحاسية اللون، تبدو قديمة. قرّبتها من ضوء المصباح.

كان على الحلقة رقم محفور، وتحته حرفان بالكاد يظهران.

توقفت أصابعها.

لم يكن الرقم هو ما أثار قلقها. بل الحرفان.

فقد رأتهما من قبل، قبل سنوات طويلة، في مكان ظنت أنها لن تعود إليه أبدًا.

الفصل الثاني: اسم وعلامة

استيقظت فاطمة مع الفجر كما اعتادت، لكن شيئًا كان مختلفًا هذه المرة. لم تكن المروحة هي أول ما سمعته. كان صوتًا صغيرًا يتردد من المطبخ:

— كراك!

نهضت من فراشها ببطء. كانت الساعة الخامسة وخمس دقائق. رتّبت شعرها بعقدة خلف رقبتها، ثم مشيت نحو المطبخ.

كان الببغاء جالسًا على حافة صندوق الأحذية الذي أعدّته لها في الزاوية. رأسها مرفوع، وعيناها مفتوحتان، كأنها تنتظر.

— كراك!

ردّت فاطمة بصوت خافت:

— صباح الخير.

لم تكن تعرف تلك الكلمات بعد. لكنها ردّت بنفس الصوت:

— كراك!

وضعت لها صحن ماء جديدًا وشريحة تفاح. شربت أولًا رشفات صغيرة، تغلق عينيها استمتاعًا بكل رشفة. ثم أكلت التفاحة بسرعة، وأخيرًا نظرت إلى فاطمة مرة أخرى.

— كراك، كراك!

ابتسمت فاطمة. بدأت تشعر أن هذا الكائن الصغير ليس مجرد حيوان تحتاج إلى إنقاذه — بل شيء أكثر تعقيدًا.

جلست أمامها على الأرض. كانت تنظر إليها بتلك العيون السوداء الكبيرة التي لا تخفي شيئًا. انعكس ضوء الصباح على ريشها المتوهج، وعلى جبهتها تلك البقعة الزرقاء الصغيرة كأنها نقطة حبر.

— أنتِ جميلة، همست لها.

ثم فكرت: ماذا سأسميها؟

لم تكن تعرف شيئًا عن تسمية الطيور. لكنها تذكّرت أنها كانت معلمة لغة عربية ثلاثين عامًا، وأن المعلمة تعرف أن الاسم هو أول كلمة نمنحها للآخرين.

نظرت إلى ألوانها مرة أخرى. الأخضر والأصفر والأزرق والأحمر — كلها متداخلة ومتناسقة، كأنها جزء من شيء أكبر.

— قوس، قالت بصوت واضح. قوس قزح.

حرّكت قوس رأسها من جهة إلى أخرى. فتحت منقارها وحرّكت لسانها الرمادي القصير ببطء.

— قوس، كررت فاطمة. اسمكِ قوس.

— كراك!

بعد أن انتهت من ترتيب المطبخ، جلست فاطمة مرة أخرى أمام قوس. كانت قد أعدّت لها طعامًا وماءً، ووضعت قوس على مجثم خشبي صغير بجوار النافذة. الآن تريد أن تنظر إلى الحلقة المعدنية التي لاحظتها الليلة الماضية.

مدّت يدها ببطء. لم تهرب قوس. ربما لأنها كانت ضعيفة جدًا، أو ربما لأنها شعرت بأن فاطمة لن تؤذيها. أمسكت بساقها اليمنى بلطف شديد.

الحلقة نحاسية اللون، صغيرة، تبدو قديمة. السطح مصقول من الاستخدام، لكن الحفر لا يزال واضحًا. الرقم: ٤٧. وتحته حرفان بالكاد يظهران:

سـ.ر

توقفت فاطمة.

الرقم وحده لا يعني شيئًا. يمكن أن يكون رقم تسجيل، أو رقم مستودع، أو أي شيء آخر. لكن الحرفان...

«سـ.ر» ليس اختصارًا طبيعيًا لأي اسم. فاطمة تذكر أن سارة كانت تستخدم هذين الحرفين كتوقيع في نهاية قصائدها المدرسية — رمز خاص بها، علامة تميزها عن زميلاتها. كانت تقول حينئذٍ: «أنا سارة، وهذا سرّي.»

سارة بنت سالم. صديقتها القديمة من مدرسة البنات في جدة. كانت سارة الشاعرة، المتمرّدة، التي كانت تقول دائمًا: «لا أريد أن أكون نسخة من أحد. أريد أن أكون الشيء الوحيد الذي لا يُعاد إنتاجه.»

انقطعت الصداقة قبل ثلاثين عامًا. لم تكن هناك مشاجرة كبيرة، ولا خلاف علني. كانت فقط... لحظة. لحظة واحدة لم تفهم فاطمة أسبابها حتى اليوم. لم تكتب لسارة بعد ذلك اليوم. ولم تكتب سارة لها.

لكن لماذا تحمل هذه الببغاء علامة مرتبطة بسارة؟ هل كانت ملكًا لها؟ هل أرسلتها سارة إلى جدة؟ هل هناك قصة لم تعرفها فاطمة؟

أسئلة كثيرة. إجابات معدومة.

نظرت إلى قوس. كانت تجلس على المجثم الهش، تنظر إلى الخارج عبر النافذة. جناحها الأيسر لا يزال مطويًا بشكل غير طبيعي.

— قوس، همست فاطمة. من أرسلكِ إليّ؟

الببغاء أغلقت عينيها قليلًا.

— كراك.

أمسكت فاطمة الدفتر الجلدي البني من الرف. فتحت صفحة فارغة في النهاية — الصفحات الأخيرة كانت بيضاء، لم تستخدمها منذ سنوات — وكتبت بخط يدها الرقيق:

سـ.ر — ٤٧

ثم توقفت. كتبت تحتها:

سارة بنت سالم — المدينة المنورة

ثم محت السطر الأخير.

لم تكن جاهزة بعد. لكنها كتبت سطرين آخرين:

ماذا فعلوا بكِ يا قوس؟ ومن كنتِ قبل أن تأتي إليّ؟

أغلقت الدفتر. نظرت إلى قوس مرة أخرى. كانت تجلس هادئة، تنظر إلى الشمس التي تدخل من النافذة.

في تلك اللحظة، أدركت فاطمة شيئًا لم تكن تدركه الليلة الماضية: لعل وراء وصولها حكاية لا تعرفها.

في المساء، اتصلت فاطمة برقم طبيب بيطري وجدته في دليل الحي. كانت قد تأخرت عن ذلك طوال الليل، لكن الآن لا تستطيع تجاهل جناح قوس المطوي.

— نعم، لدي ببغاء أمازوني. يبدو أن جناحها مكسور. متى يمكنني إحضارها؟

— غدًا صباحًا، الساعة التاسعة.

أغلقت الهاتف. نظرت إلى قوس. كانت تجلس على المجثم، تنظر إليها بتلك العيون السوداء.

— غدًا سنذهب إلى الطبيب، قالت لها.

— كراك.

فاطمة لم تكن تعرف إن كانت تتفهم أم لا. لكنها تذكرت شيئًا آخر: إذا كان الجناح مكسورًا فعلًا، فكيف وصلت هذه الببغاء إلى صندوق مهمل في حي الصفا؟ من تركها هناك؟ ولماذا؟

لم تجد إجابة. لكنها قررت ألا تسأل نفسها هذا السؤال الليلة. ستذهب إلى الطبيب غدًا، ثم تبدأ البحث عن صاحب العلامة. حتى لو قادها ذلك إلى مكان ظنت أنها لن تعود إليه.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات