رواية سراب الوادي

رواية 📅 أكتوبر 10, 2026


رواية «سراب الوادي» — دراما اجتماعية. رواية قصيرة عن هند التي تعود مع ابنها سامي إلى وادي السكون بعد اختفاء زوجها، لتواجه عزلة المكان وقسوة الحياة، بينما يكتشف سامي سرّ الكهف والحجارة السوداء التي تحترق، ويجد في ليلى رفيقة تخبئ خلف ضحكها ألمًا قديمًا.

العودة

صوت الريح في الكهف لا يشبه صوت الريح في أي مكان آخر. إنه ليس همسًا، ولا زفرة، بل شيء أعمق — كأن الجبل نفسه يتنفس ببطء شديد، وتنفسه يخرج من فتحة واسعة في وجه الصخر الأسود. تسمعها إذا وقفت عند الحافة وأغمضت عينيك، لكنك لن تعرف إن كانت ريحًا فعلًا أم صوتًا قديمًا لم ينتهِ بعد.

وصلوا إلى وادي السكون في مساء ربيعي بارد، والسماء ممتلئة بسحب رقيقة لا تكاد تُرى فوق قمم الجبال. هند تقود حمارًا صغيرًا يسحب عربة خشبية متداعية، وجلس سامي — ابن الثانية عشرة — فوق العربة ممسكًا بحافتها الخشبية حتى لا يسقط. العربة محمّلة بصندوقين من الخشب الرخيص وبعض الأثاث البسيط الذي كان يملكه زوجها قبل أن يختفي.

سامي ينظر إلى الجوانب دون أن يقول شيئًا. ما يراه لا يشبه المكان الذي وصفته له أمه. لا شوارع، لا بيوت مرتبة، لا حتى طريق حقيقية — فقط أثر غبار ملتوي بين الصخور، وعربات ترابية مهترئة هنا وهناك، وأشجار شوك قليلة تتشبث بالحياة على منحدرات الجبل. كل شيء يبدو وكأنه تم التخلي عنه منذ زمن طويل.

«هل أنت متأكدة من الطريق يا يمّ؟» قال سامي وهو ينزل من العربة. قدماه لامستا التراب لأول مرة منذ أيام طويلة، وكان البرد قد بدأ يخترق نعل حذائه المتهالك. شعر بأن الأرض تحت قدميه ليست أرضًا عادية — إنها تراب جاف ومتشقق، كأن الوادي نفسه عطشان.

هند نظرت حولها بتوتر خفيف. «عمر كان يعرف هذا المكان. قال إنه جميل.»

«لكنه تركه وهو ابن ثلاث عشرة سنة.»

«ربما تغير كثيرًا.» قالت هند لنفسها أكثر منه لسامي.

لم يكن هناك أحد يستقبلهم. القرية — إذا جاز تسميتها كذلك — كانت مجموعة من الحجارة المتراصة بشكل عشوائي، بعضها يرتفع ليكون جدارًا والبعض الآخر يسقط أرضًا بلا أحد ليرفعه. البيوت مصنوعة من صخور كبيرة ملصقة ببعضها دون ملاط تقريبًا، وأسقفها من ألواح حجرية مسطحة تحمل عليها الرياح والغبار طبقات سميكة من الرماد.

وقف سامي أمام أول بيت مرّ به. الباب مفتوح، والجدران الداخلية مكشوفة للريح. لم يكن فيه أثاث ولا علامة حياة. بدا وكأن أهله رحلوا أمس أو قبل خمسين عامًا — لا فرق. لاحظ أن بعض النوافذ محاطة بشباك حديدية صدئة، وأن أحدًا لم يحاول إصلاحها.

«هذا هو بيت عمّك»، قالت هند وهي تشير إلى بيت بعيد في نهاية الوادي، أقرب إلى المنحدر. «أخو عمر. كان يعيش هنا.»

سامي مشى خلفها بصعوبة. قدمه اليسرى تؤلمه قليلًا من السير الطويل، لكنه لم يشتكِ. كان قد اعتاد على الألم منذ وقت طويل — اعتاد عليه كما يعتاد المرء على رائحة المكان الذي يعيش فيه.

بيت العمّ كان أكبر من غيره، لكنه لم يكن أفضل حالًا بكثير. الجدران الخارجية سليمة نسبيًا، لكن الداخل كان فريسة الزمن. الأرضية ترابية، والسقف يحمل ثقوبًا صغيرة تسمح بدخول ضوء القمر. في الزاوية، مدفأة طينية قديمة مليئة برمال الشتاء الماضي. التشققات امتدت على الجدران مثل خطوط خريطة مجهولة.

هند بدأت فورًا في ترتيب ما يمكن ترتيبه. فكّت الصندوقين، وأخرجت بطانية مخملية باهتة اللون، وسجادة صغيرة مطرزة يدويًا كانت أمّها أعطتها لها قبل الزواج. وضعت السرير البسيط في الغرفة الداخلية، ووضعت بعض القمح المجروش في وعاء فخاري. كل حركة منها كانت سريعة وحاسمة، كأنها تحاول إكمال المهمة كلها قبل أن يُغلق الليل أبوابه.

سامي جلس على الأرض قرب المدفأة القديمة. نظر من النافذة الصغيرة المكسورة إلى الخارج. الوادي كله أمامه الآن — البيوت المهجورة، المسار الترابي الذي يمتد نحو أسفل الجبل، ومجرى ماء جاف يكاد يكون مجرد خط فضي رفيع بين الصخور.

«هل سنبقى هنا؟» سأل سامي فجأة.

هند توقفت عن ترتيب الأشياء. نظرت إليه بوجهها الشاحب. «عمر أراد ذلك. قال إن الهواء هنا يشفّي الصدر.»

«لكنه مات.»

«هو اختفى»، صححت هند بسرعة، ثم استمرت في ترتيب الأشياء بصمت.

سامي لم يفهم الفرق بين الاختفاء والموت. كلاهما يعني أن رجلًا لن يعود. لكنه لم يقل شيئًا. كان يعلم أن أمه تكره أن يذكّرها بما حدث لعمر.

خلال تلك الليلة الأولى، لم يستطع سامي النوم. البرد كان يدخل من ثقوب السقف ويجعل بخار أنفاسهما يعلق في الهواء مثل دخان خفيف. هند لفّت نفسها بالبطانية المخملية البالية، لكنها كانت ترتجف رغم ذلك. سامي حاول أن يغطيها بجزء من وشاحه، لكنها رفضت وقالت بصوت منخفض:

«أبوك يرجع بكرة.»

كانت المرة الأولى التي يسمع فيها هذه الجملة. قال لها: «يمّ، لا تقلقي. أنا هنا.»

«أبوك يرجع بكرة.» كررتها بنفس النبرة، كأنها لا تسمع كلامه.

سامي أغلق عينيه. سمع صوت الريح يأتي من أعلى الجبل — نفس الصوت الغريب الذي كان يظنه تنفس الجبل. لم يكن يعرف أنه سيُعيد سماعه كل ليلة. فكّر في أبيه — في الذكريات الضبابية التي كانت لديه عنه. رجل قوي، ضخم، يمسكه بيده الكبيرة ويأخذه إلى الحقول. كان عمره ست سنوات عندما اختفى الأب. كان يتذكر وجهه — لحية سوداء قصيرة، وعينين رماديتين، ويدًا دافئة يضعها على كتفه ويقول: «سامي، كن رجلًا.»

ثم اختفى. ولم يعد.

في صباح اليوم التالي، خرج سامي من البيت مبكرًا. كان الجو باردًا جدًا، والضباب يغطي الوادي بالكامل. مشى نحو أسفل الوادي بحثًا عن الماء. لم يكن هناك نهر — فقط مجرى جاف بين الصخور. وجد مصدر الماء قريبًا من المسجد الطيني: بئر قديمة محاطة بحجارة دائرية. وقف عند حافتها ونظر إلى الأسفل. الماء موجود لكنه ضحل، ومغطى بطبقة رقيقة من الطحالب الخضراء.

استخدم دلوًا قديمًا مربوطًا بحبل، ونزّله إلى أسفل. انتظر حتى امتلأ بالماء، ثم سحبه ببطء. الماء كان باردًا جدًا، لكنه صالح للشرب — كان أهل القرية يستخدمونه، وهذا يكفي.

عاد إلى البيت ليسقي أمه. وعندما وصل، وجد امرأة واقفة أمام الباب. كانت امرأة كبيرة السن، بشرتها سمراء داكنة، وجبينها محفور بخطوط عميقة. ترتدي ثوبًا قديمًا ملطخًا بالرماد، وتبدو كأنها لم تغسله منذ أسابيع. رائحة الدخان والعرق تفوح منها.

«من أنتِ؟» قال سامي.

المرأة نظرت إليه بنظرة حادة. «أنا جنى. أخت هند.»

«أنتِ...»

«نعم. أختها. أتيت لأعرف ماذا فعلتم.»

دخلت البيت دون انتظار دعوة. نظرت إلى السرير، وإلى البطانية، وإلى التشققات التي امتدت على الجدران. «هنا؟» قالت بصوت منخفض. «هنا ستعيشان؟»

هند جاءت من الغرفة الداخلية. «يا جنى.»

«أخبرتكم أن هذا البيت سيئ. السقف يتسرب. والبرد هنا يقتل.»

«عمر كان يريد العودة إلى هذا البيت»، قالت هند بهدوء.

«عمر اختفى قبل سبع سنين ولم يعد. كيف يعرف ماذا يريد الآن؟»

سامي شعر بغضب خفيف لكنه لم يقل شيئًا. جلست جنى على الأرض، وشربت ماءً من الوعاء الفخاري، ثم نهضت وقالت: «إذا بقيتما هنا، ستحتاجان إلى وقود تتدفآن به. أغصان الشوك اليابسة لا تكفي في الشتاء القادم.»

«ماذا يعني ذلك؟»

«يعني أنكما ستتجمدان من البرد.» قالت جنى بكلماتها البسيطة، ثم خرجت.

بعد يومين، عرف سامي حدود القرية. هي ليست قرية بالمعنى الحقيقي — لا سوق، لا مسجد يعمل، لا طبيب، لا مدرسة. الناس قليلون: عائلات معدودة تعيش في بيوت حجرية متباعدة، بعضهم يزرع القليل من القمح والشعير في حقول صغيرة، وبعضهم يعتمد على الرعي. الرجال قليلو الكلام، والنساء يعملن طوال اليوم. الأطفال يلعبون في الوحل ويصرخون بأصوات عالية.

المسجد الطيني يقع في وسط الوادي. بُني من الطين والحجارة، وبابه مفتوح دائمًا. داخله سجادة واحدة قديمة، ومحراب بسيط. لا إمام يصلي بالناس، فلا أحد يعرف متى يأتي أحد للصلاة. سامي دخله مرة واحدة ورأى رجلًا عجوزًا يصلي منفردًا في الزاوية، ثم خرج دون أن يلتفت إليه. رائحة المكان كانت خليطًا من التراب والعرق القديم، وصمته كان أثقل من أي صوت.

وقف سامي في منتصف المسجد الطيني. السقف منخفض، والأرضية ترابية ومغطاة بالغبار. السجادة الوحيدة كانت في زاوية المحراب، وبها بقع داكنة لا يعرف هل هي زيت أو عفن. لم يجد أثرًا لأي شخص آخر — لا آثار أقدام حديثة، لا بقايا طعام، لا حتى ذرات رماد من نار. المكان كان فارغًا تمامًا، كأنه لم يُستخدم منذ سنوات.

في بيت جنى، رأى صندوق راديو قديمًا مكسورًا يغطيه الغبار. لم يكن يعمل منذ سنوات، لكنه كان شاهدًا على أن العالم الخارجي موجود — بعيدًا، لكن موجودًا.

في اليوم الثالث، التقى سامي بالحداد خالد.

خالد الحداد كان يقف أمام ورشته — غرفة صغيرة من الحجر مع مدخنة قصيرة تنبعث منها رائحة الحديد المحروق. كان رجلًا ضخمًا، وجهه أسود من الدخان والسخام، وشعره قصير ومتشابك. ارتدى قميصًا قديمًا ملطخًا بالرماد، وكانت يداه كبيرتين ومتشققتين.

كان يضرب قطعة حديد حمراء على السندان بقوة، والمطرقة تصدر صوتًا حادًا يصدح في الوادي. وقف سامي على بعد خطوات يراقب عمله. لم يرَ حدادًا من قبل.

«ماذا تريد؟» قال خالد دون أن يرفع رأسه.

«لا شيء. كنت أشاهد.»

خالد لم يرد. استمر في ضرب الحديد. المطرقة تصطدم بالسندان، والشرر يطير، والدخان يتصاعد. بعد دقيقتين، توقف وألقى القطعة الحديدية في الماء. ثم نظر إلى سامي بنظرة طويلة.

«أنا سامي بن عمر.»

«أعرف من أنت. ابن الرجل الذي اختفى.»

«كيف تعرف؟»

«كل من يدخل هذا الوادي يعرف أنه ابن الرجل الذي اختفى. لأنه لا أحد يدخله إلا من يعرف عنه.»

سامي شعر بأن الكلمات تحمل معنى أعمق مما تبدو عليه. «أين هو؟»

خالد نظر إليه بنظرة طويلة. ثم عاد إلى عمله. لم يقل شيئًا آخر.

في أيامه الأولى، تعلّم سامي أشياء كثيرة لم يكن يعرفها. تعلّم أن الماء في البئر يصبح أبرد في الصباح، وأن أغصان الشوك تجف أسرع من غيرها من النباتات لكنها لا تحترق طويلًا. تعلّم أن جاره الأقرب — عائلة جنى — تبعد عنه نصف ساعة سيرًا، وأن أقرب شخص يتحدث معه هو خالد الحداد الذي نادرًا ما يكمل جملة.

تعلّم أيضًا أن أمه تبدأ بالنظر إلى الأفق في كل مساء. تقف عند نافذة البيت المكسورة، وتنظر إلى الطريق الترابي الذي يؤدي إلى أسفل الوادي، وتقول بصوت منخفض:

«أبوك يرجع بكرة.»

في البداية، كان سامي يعتقد أنها تقول ذلك لأنها تأمل. لكن بعد أيام، لاحظ أن هند تقول الجملة نفسها في كل مساء، بنفس النبرة، بنفس الإيقاع، كما لو كانت تكررها من ذاكرة لا تستمع إليها.

في الليلة الخامسة، جاء البرد فجأة. لم يكن بردًا عاديًا — كان هواءً شفافًا وقاسيًا يخترق الملابس والجلد والعظام. هند حاولت إشعال النار في المدفأة الطينية، لكن الوقود الذي جمعته — قطع حطب يابس وأغصان شوك صغيرة — لم يكن كافيًا. النار اشتعلت لبضع دقائق ثم انطفأت.

سامي لفّ نفسه بالبطانية المخملية البالية، لكنه لم يستطع النوم. البرد كان يضغط على صدره، ويشعر كأنه يبتلع الغرفة بأكملها.

نظر من النافذة. السماء سوداء تمامًا، والجبال حولهم تبدو كجدران عملاقة تحاصر الوادي. وفي أعلى الجبل — حيث لم يكن قد ذهب بعد — رأى شيئًا غريبًا.

كانت فتحة في الصخر، واسعة وعميقة، تخترق وجه الجبل مثل عين مغلقة. لم يكن يرى تفاصيلها من هذه المسافة، لكنه شعر بأنها مختلفة عن أي كهف طبيعي. حوافها مستقيمة أكثر مما ينبغي، كأنها صُنعت بيد بشرية.

الريح جاءت من اتجاه الكهف. حملت معها صوتًا — ليس همسًا، وليس زفرة — بل شيئًا أعمق، كأن الجبل نفسه يتنفس ببطء شديد.

سامي لم يفهم ما يسمعه. لكنه شعر بأن الصوت ليس جديدًا. كأنه سمعه من قبل في حلم لم يتذكره.

في الصباح، كان البرد قد تراجع قليلًا. هند كانت جالسة على الأرض، وجهها شاحب، وعيناها مغمضتان. سامي أحضر لها ماءً من البئر، لكنه غلاه على النار قبل أن يقدمه لها — كان قد رأى أمه تسعل طوال الليل، ولم يكن يريد أن يعرّضها للمرض.

«يمّ، هل أنت بخير؟»

«أبوك يرجع بكرة»، قالت هند بصوتها المعتاد.

سامي نظر إليها. كانت تقولها الآن في الصباح، وليس في المساء كما اعتادت.

وقف سامي عند النافذة المكسورة. الكهف كان هناك، في أعلى الجبل، مفتوحًا كالعادة. والريح تأتي منه.

لم يعرف سرّ ذلك الصوت، لكنه لم يستطع صرف تفكيره عن الكهف.

الكهف

في صباح اليوم السادس، بعد ليلة لم ينم فيها سامي جيدًا — كان البرد قد عاد في منتصف الليل وجعل هند ترتجف تحت البطانية المخملية البالية — استيقظ على صوت غريب لم يسمعه من قبل في وادي السكون. كان صوت ضحكة — ضحكة فتاة صغيرة، حادة وممتلئة بالحيوية، تأتي من اتجاه أعلى الوادي.

وقف عند النافذة المكسورة ونظر إلى الأعلى. فوق المنحدر، حيث تبدأ الصخور في الانحدار نحو الجبل، كانت هناك فتاة تلعب مع مجموعة من الأطفال. كانت أصغر منهم قليلًا، لكنها تتحرك بسرعة أكبر، وتصرخ بأعلى صوت، وتطارد الآخرين وكأنها لا تعرف معنى الخوف.

«من هي؟» سأل سامي أمه.

هند كانت جالسة قرب المدفأة الطينية، وجهها شاحب وعيناها مغمضتان. «ليلى. ابنة خالد الحداد.»

«هل هي صديقة لي؟»

«كل الأطفال هنا أصدقاء بعضهم بعضًا. لأنهم لا يعرفون أحدًا آخر.»

عندما نزلت ليلى إلى أسفل الوادي بعد الظهر، كانت تمشي بخطوات سريعة ورشيقة. شعرها الأسود الكثيف يتطاير خلفها، وعيناها السوداوان اللامعتان تنظران إلى كل شيء بحدة. كانت ترتدي ثوبًا قديمًا ملطخًا بالغبار، لكن جمالها الطبيعي كان واضحًا رغم كل شيء — بشرة سمراء ناعمة، وشفتين حمراوين، وجبين صغير يناسب وجهها الصغير.

وقفت أمام بيت سامي وأمه، ونظرت إليه بنظرة مباشرة.

«أنت ابن الرجل الذي اختفى.» قالتها كحقيقة، لا كسؤال.

سامي لم يعرف كيف يجيب. «نعم.»

«أنا ليلى. هل تريد أن تلعب؟»

«أنا لا أعرف كيف ألعب.»

«كل شخص لا يعرف كيف يلعب. هذا هو السبب في أننا نحتاج بعضنا.»

سامي لم يفهم ما تقوله بالضبط، لكنه وافق.

صعدوا إلى أعلى الوادي، حيث يبدأ المنحدر في الارتفاع نحو الجبل. الطريق كان غير واضح — مجرد ممر ضيق متعرج بين الحجارة والشجيرات الصغيرة. ليلى تسبقه بثقة، كأنها تعرف كل حجر وكل فجوة.

«لا تمشِ هنا»، أشارت ليلى إلى منطقة قريبة من الحافة. «الحجارة تنزلق.»

سامي انتبه. كان المنحدر أشد مما يبدو من الأسفل. إذا سقط أحد هنا، لن يصل إلى القاع إلا بعد رحلة طويلة بين الصخور. فكّر في نفسه: لو سقطت ليلى الآن، من سيحملها إلى أسفل؟ لا أحد. لا طبيب، لا سيارة، لا حتى طريق. فقط هذا الممر المتعرج بين الحجارة.

«أين تذهبين؟» سأل.

«إلى مكان لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.»

«لماذا لا يجرؤون؟»

«لأنه مخيف.»

«ماذا فيه؟»

«كلام الناس يقول إن فيه أرواحًا.»

سامي توقف للحظة. لم يكن خائفًا من الأرواح — لم يكن يعرف عنها شيئًا — لكنه شعر بأن كلمات ليلى تحمل تحديًا أكثر مما تحمل خوفًا. كأنها تقول له: جرّب أنت.

«هل أنت خائفة؟»

«لا. أنا فقط أقول لك كلام الناس.»

وصلوا إلى منطقة مسطحة نسبيًا فوق المنحدر. كانت محاطة بصخور كبيرة وأشجار شوك قليلة. الأرض هنا كانت مختلفة عن بقية الوادي — أكثر نعومة، وأكثر خضرة، كأن المطر يتركز فيها أكثر.

«هنا»، قالت ليلى وهي تشير إلى فتحة في الصخر.

سامي اقترب منها. الفتحة كانت واسعة بما يكفي ليدخل فيها رجل بسهولة، وعميقة بحيث لا يمكن رؤية نهايتها. داخلها ظلام كثيف، والريح تدخل منه وتخرج منه بشكل مستمر — نفس الصوت الذي سمعه سامي الليلة الماضية من بعيد.

«هذا هو الكهف»، قالت ليلى. «لا أحد يدخله.»

«لماذا؟»

«الأرواح.»

سامي نظر إلى الداخل. الظلام كان كثيفًا، لكنه رأى شيئًا غريبًا — ضوءًا خافتًا جدًا يأتي من أعماق الكهف. لم يكن ضوء الشمس، لأن الشمس كانت خلفهم. كان نوعًا آخر من الضوء — باهتًا، رماديًا، كأنه انعكاس من سطح أملس.

«ماذا ترى؟» سألت ليلى.

«شيئًا... لا أعرف.»

«لا تدخل.»

«لماذا؟»

«لأنني قلت لك لا تدخل.»

سامي لم يدخل. لكنه لاحظ شيئًا آخر — على حافة الكهف، وعلى الأرض القريبة، كانت هناك قطع سوداء صغيرة منتشرة هنا وهناك. التقط واحدة منها. كانت ثقيلة بالنسبة لحجمها، وسوداء لامعة، وتشبه الحجر لكنها ليست حجرًا عاديًا.

وعلى حافة الكهف نفسها، رأى شيئًا غريبًا — بقايا خشبية متآكلة، وكتابات محفورة على الصخر بحروف لا يعرفها. كانت الحروف مستقيمة ومتشعبة، كأنها رُسمت بيد أجنبية. لم يسأل عنها. لكنه تذكرها.

«ما هذا؟» قال وهو يشير إلى القطعة السوداء.

«لا أحد يعرف. ربما تراب أسود.»

سامي فرك القطعة بإصبعه. تركت أثرًا أسود على بشرته. وضعها في جيبه دون أن يقول شيئًا.

عادوا إلى أسفل الوادي في وقت متأخر. كانت الشمس قد بدأت في الغروب، والجبال حولهم تأخذ لونًا بنفسجيًا غامقًا. سامي مشى بجانب ليلى بصمت، يفكر في القطعة السوداء التي في جيبه.

«سامي»، قالت ليلى فجأة. «هل تعلم أنني أصغر منك بسنتين؟»

«نعم.»

«هل تعلم أنني جميلة؟»

سامي لم يعرف كيف يجيب. «أنت جميلة.»

«هل تعلم أنني سأكون زوجتك عندما نكون كبارًا؟»

«ماذا؟»

«قلت لك. سأكون زوجتك.»

«لم أقل نعم.»

«لن تقول لا.»

سامي لم يقل شيئًا. كان يشعر بأن الكلام يخرج من ليلى بسرعة كبيرة، وبشكل لا يستطيع اللحاق به.

«لماذا؟» سأل أخيرًا.

«لأنك الوحيد الذي لا يضربني.»

سامي توقف. نظر إلى ليلى. كانت تبتسم، لكن عينيها حملتا شيئًا مختلفًا — شيئًا يشبه الألم المخبأ تحت الضحك.

«من يضربك؟»

«لا أحد. لا تقل شيئًا.»

في المساء، عندما عاد سامي إلى البيت، وجد أمه جالسة عند النافذة كما اعتادت. لكن هذه المرة كانت تنظر إلى الأفق في وقت مبكر — قبل الغروب.

«أبوك يرجع بكرة»، قالت بصوت منخفض.

«يمّ، لقد ذهب النهار.»

«أبوك يرجع بكرة.»

سامي جلس بجانبها. لم يكن يعرف ماذا يفعل. كان يشعر بأن هناك شيئًا يتغير في هند — شيئًا بطيئًا وغير مرئي، مثل التآكل الذي يأكل الحجر بمرور الوقت.

ثم تذكر القطعة السوداء في جيبه. خرج إلى المدفأة الطينية، وأخرج القطعة من جيبه. النار كانت قد انطفأت — لم يكن لديه وقود كافٍ لإشعالها مجددًا. لكنه تذكر جمرة صغيرة تحت الرماد، لم تكن قد ماتت بالكامل. أزال طبقة الرماد ببطء، وكشف عن بقايا نار حمراء باهتة. وضع أغصانًا يابسة فوقها، ثم وضع القطعة السوداء على الجمر.

انتظر.

القطعة بدأت تدخن. ثم انبثق منها لهب صغير — ضعيف في البداية، لكنه نما تدريجيًا. النار التي كانت ستنطفئ خلال دقائق أصبحت أقوى، وأطول عمرًا، وأدفأ بكثير.

سامي نظر إلى القطعة المتوهجة في دهشة. لم يكن يعرف ما هي بالضبط، لكنه أدرك شيئًا واحدًا: هذه المادة تحترق أفضل من أي شيء استخدمه في حياته.

«يمّ»، نادى أمه. «انظري.»

هند فتحت عينيها ببطء. نظرت إلى النار المتوهجة. لم تقل شيئًا. لكن شفتيها تحركتا قليلًا.

«أبوك يرجع بكرة.»

سامي لم ينتبه. كان منشغلًا بالنار.

في صباح اليوم التالي، لم تكن ليلى في الوادي. سامي بحث عنها في الصباح، لكنه لم يجدها. ذهب إلى ورشة خالد، فوجد الحداد يضرب الحديد كما اعتاد.

«أين ليلى؟»

خالد لم يرفع رأسه. «في البيت.»

«هل يمكن أن تخرج ليلى لتلعب معي؟»

«قل لها ذلك.»

«أنا لا أريد أن أقول لها. أريد أن أجدها.»

خالد توقف عن ضرب الحديد. نظر إلى سامي بنظرة طويلة. «أنت كثير الأسئلة.»

ثم عاد إلى عمله.

بعد فترة، سمع سامي صوتًا غريبًا يأتي من اتجاه بيت خالد. كان صوتًا حادًا، لكنه لم يكن صوت مطرقة. شيء يشبه صرخة مختنقة.

وقف سامي في مكانه. لم يكن يريد أن يقترب، لكنه لم يستطع أن يبتعد.

ثم جاء صوت آخر — صوت ضرب. قوي، متكرر، مؤلم حتى من هذه المسافة.

سامي مشى نحو بيت خالد ببطء. وصل إلى الباب، وقف على بعد خطوات. لم يدخل. لكنه سمع.

«...قلت لك لا تذهبي إلى هناك مرة أخرى...» صوت خالد، غاضب ومتوتر.

«...أنا لم أفعل...» صوت ليلى، مرتجف.

ثم صوت ضرب آخر. أقوى.

سامي تراجع. مشى بعيدًا بسرعة. لم يكن يعرف ماذا فعلت ليلى بالضبط، لكنه عرف شيئًا واحدًا: خالد يضرب ابنته. وخطر لسامي أن خالدًا ربما عرف بذهابها إلى الكهف.

في ذلك المساء، جاءت ليلى إلى بيت سامي. كانت تبدو مختلفة — هادئة أكثر، وجهها يحمل آثارًا خفيفة لم تكن موجودة صباحًا. جلست على الأرض بجانب سامي دون أن تقول شيئًا.

«هل أنت بخير؟» سأل.

«نعم.»

«لكن...»

«لا تسأل.»

سامي لم يسأل. جلس معها في الصمت. كانت الشمس تغرب، والبرد بدأ يعود.

«سامي»، قالت ليلى فجأة. «هل تذكر ما قلته لك أمس؟»

«ماذا؟»

«عن الزواج.»

«أتذكر.»

«هل ستقول لا؟»

سامي فكّر في الأمر. لم يكن يعرف ماذا يعني الزواج. لكنه عرف أن ليلى تحتاج شيئًا — شيئًا لا يستطيع تقديمه بالكلمات.

«لن أقول لا.»

ليلى ابتسمت. ابتسامة حقيقية هذه المرة — دون ألم مخبأ.

خلال الأيام التالية، أصبح سامي وليلى يصعدان إلى أعلى الوادي معًا كل يوم. اكتشفا أماكن جديدة — صخورًا عالية يمكن الجلوس عليها ومشاهدة الوادي كاملًا، ومجرى ماء صغير ينبع من بين الصخور، ومكانًا مليئًا بالأزهار البرية الحمراء التي كانت ليلى تجمعها وتُزين بها شعرها.

سامي تعلّم أشياء كثيرة من ليلى. تعلّم أين تنمو أغصان الشوك الأفضل للتدفئة، وكيف يجمع روث الحيوانات المجفف من المراعي العليا، وأين يجد الماء الأنظف.

وكل يوم، كان يضع قطعة سوداء أخرى في جيبه — لم يحرقها بعد. كان يحتفظ بها سرًا، لأنه لم يخبر أحدًا بمكان العثور عليها — لا أمه، ولا العمّة جنى. كان يشعر بأن هذا السر يخصّه وحده. أما ليلى، فكانت تعرف مكان العثور على الحجارة السوداء، لكنها لم تشاهد احتراقها بعد.

في مساء أحد الأيام، بينما كانوا جالسين فوق الصخرة العالية، نظر سامي إلى الكهف من بعيد. الفتحة كانت واضحة الآن — عين مغلقة في وجه الجبل.

«هل دخلتِ فيه؟» سأل ليلى.

«لا. لا أحد يدخل.»

«لماذا؟»

«لأنه يوجد شيء في الداخل لا ينبغي أن يُرى.»

«ماذا؟»

«حفرة سوداء.»

سامي لم يسأل المزيد. لكنه شعر بأن الكلمات تترتب في ذهنه بطريقة جديدة. حفرة سوداء. ضوء خافت. شيء يحترق.

بعد أن غفا سامي، أيقظه صوت الريح من الكهف. لكن هذه المرة، بدا الصوت مختلفًا. لم يكن تنفسًا عاديًا للجبل — كان أقرب إلى همس، أو ربما سؤال.

وقف عند النافذة المكسورة. الكهف كان هناك، في أعلى الجبل، مفتوحًا كالعادة. والريح تأتي منه.

لم يعرف سرّ ذلك الصوت. لكنه عرف أنه لن ينتظر طويلًا. في المرة القادمة، سيدخل.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات