رواية محو تام
يشهد الملازم هيزن ظاهرة غامضة في نيويورك، حيث يختفي الضوء فجأة عن مناطق كاملة دون انقطاع الكهرباء. وعندما يكتشف ارتباط الظاهرة بمجرم خطير واختراع علمي يُستخدم لتنفيذ الجرائم، يبدأ سباقًا لكشف المسؤولين وإيقافهم. فكيف يواجه سلاحًا يحجب كل شيء عن الأنظار؟
الفصل الأول: محو تام
لم يكن الملازم هيزن يتوقع أن تنتهي ليلته بمطاردة مجرم خطير. كان يسير وحده في حديقة سنترال بارك بنيويورك، عائدًا من حفلة غادرها قبل نهايتها. أشعل سيجارًا وأخذ طريقه بمحاذاة البحيرة، حيث انعكس ضوء القمر على الماء. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، ولم يكن في الحديقة سوى عدد قليل من المارة.
«هل تهرب من أحد يا ملازم؟»
توقف هيزن والتفت نحو الصوت. كانت امرأة تجلس على مقعد خشبي قرب البحيرة، وترتدي فستانًا فاتح اللون. لم يتعرف إليها في البداية، لكن ابتسامتها الساخرة أعادت إلى ذاكرته قضية قديمة.
«كاثرين بوش! ماذا تفعلين هنا؟»
ضحكت الصحافية وأشارت إلى المقعد المجاور لها.
«السؤال الأهم: لماذا يغادر محقق مشهور حفلة جميلة ليتجول وحده في منتصف الليل؟»
«لأنني أريد بعض الهدوء. وأظن أنني اخترت المكان الخطأ.»
«لا تقلق. لن أكتب عنك هذه المرة.»
جلس هيزن إلى جانبها، وهو يتذكر المقال الذي نشرته عنه بعد قضية بولسون. كانت كاثرين تعمل في جريدة النجمة، وقد اشتهرت بقدرتها على الوصول إلى الأخبار قبل غيرها. لم يكن يحب طريقتها في طرح الأسئلة، لكنه كان يعرف أنها صحافية ذكية.
قالت وهي تنظر إلى البحيرة: «هل تعمل على قضية جديدة؟»
«أنا خارج الخدمة الليلة.»
«إذن يمكننا الاستمتاع بالهدوء.»
لم يدم الهدوء طويلًا. سمع هيزن محرك سيارة يقترب من الطريق خلف الأشجار، ثم تباطأ حتى كاد يتوقف. لم يكن ذلك غريبًا، لكن صوت رجل غاضب وصل إليهما بوضوح.
«كم سننتظر؟ قلت إنك مستعد!»
اعتدل هيزن في جلسته. كان يعرف ذلك الصوت، لكنه احتاج إلى لحظات ليتذكر صاحبه.
أجابه رجل آخر بهدوء: «كل شيء جاهز. أوقف السيارة هنا.»
توقفت السيارة، وبقي محركها يعمل. التفتت كاثرين نحو هيزن عندما لاحظت اهتمامه المفاجئ.
همست: «هل تعرفهما؟»
«اصمتي لحظة.»
جاء صوت الرجل الثاني مرة أخرى.
«انظر إلى القمر الآن.»
رفع هيزن رأسه تلقائيًا. كان القمر ظاهرًا فوق الأشجار، والسماء صافية تمامًا. لم يلاحظ شيئًا غير مألوف، حتى حدث أمر لم يستطع تفسيره.
اختفى الضوء.
لم يرَ هيزن المقعد ولا الطريق ولا الأشجار القريبة. اختفى القمر والنجوم من أمام عينيه، وكأن أحدًا وضع حاجزًا أسود حول المكان. شعر بيد كاثرين تقبض على ذراعه بقوة.
«هيزن! لا أرى شيئًا!»
نهض وأخرج مسدسه، لكنه لم يستطع تحديد مكان السيارة. كان يسمع محركها على مسافة قصيرة، ويسمع أنفاس كاثرين المضطربة إلى جواره. مد يده الأخرى أمام وجهه، فلم يرَ أصابعه.
ثم لاحظ شيئًا أغرب.
على الجانب البعيد من البحيرة، ظل الضوء ظاهرًا فوق الماء. كانت المباني خلفه مضاءة أيضًا، بينما بقي المكان الذي يقف فيه غارقًا في ظلام كامل.
لم يكن الظلام يغطي المدينة كلها. كان محصورًا في مساحة محددة.
سمع الرجل الأول يضحك داخل السيارة.
«مذهل! هل تستطيع فعل ذلك مرة أخرى؟»
«أستطيع فعل أكثر من ذلك.»
عاد الضوء فجأة. ظهرت الأشجار والمقعد والبحيرة كما كانت قبل ثوانٍ، وسمع هيزن السيارة تتحرك مبتعدة.
عندها تذكر صاحب الصوت.
«ليفيت دان!»
نظرت إليه كاثرين بدهشة.
«من؟»
«مجرم مطلوب في عدة قضايا قتل وسرقة. تعاملت معه قبل سنوات، وكنت أظنه في شيكاغو.»
«وما علاقته بما حدث؟»
راقب هيزن الطريق الذي اختفت فيه السيارة.
«لا أعرف. لكن الرجل الذي معه طلب منه النظر إلى القمر قبل اختفاء الضوء. وبعدها سأله إن كان راضيًا عن النتيجة.»
تأملت كاثرين السماء، ثم أخرجت دفترًا صغيرًا من حقيبتها.
«إذا كان ما تقوله صحيحًا، فهذا أكبر خبر سأنشره في حياتي.»
أمسك هيزن بيدها قبل أن تبدأ الكتابة.
«لا تنشري شيئًا الآن. دان رجل خطير، وإذا عرف أننا سمعنا حديثه فقد يحاول التخلص منا.»
«وهل تريد أن نتظاهر بأن شيئًا لم يحدث؟»
«أريد أن أعرف ما الذي رأيناه قبل أن يتعرض أحد للأذى.»
نهض الاثنان واتجها نحو الطريق المؤدي إلى أقرب هاتف للشرطة. كان هيزن يفكر في صوت الرجل الثاني، وفي الطريقة التي اختفى بها الضوء ثم عاد. لم يسمع في حياته عن وسيلة تستطيع فعل ذلك، لكنه كان متأكدًا من أن دان لم يأت إلى الحديقة لمشاهدة القمر.
وصلا إلى ممر ضيق يتصل بطريق السيارات. وقبل أن يعبراه، ظهر ضوء مصباحين من خلف المنعطف. اقتربت سيارة كبيرة بسرعة، وأطلق سائقها البوق بعنف.
أمسك هيزن بكاثرين وسحبها إلى الخلف. مرت السيارة على مسافة قصيرة منهما، وسمعا رجلًا يصرخ من داخلها:
«ابتعدا عن الطريق!»
تعرف هيزن إلى الصوت فورًا.
«إنه دان!»
أخرج دفتره بسرعة، وكتب رقم اللوحة الذي استطاع رؤيته. كانت كاثرين لا تزال تنظر خلف السيارة.
«هل تعتقد أنهم رأونا عند البحيرة؟»
«لا أعرف، لكنني سأعرف لمن تعود هذه السيارة.»
رفع رأسه نحو الطريق، فرأى سيارة دان تقترب من تقاطع تمر فيه سيارتان من اتجاهين مختلفين. كان شرطي مرور يقف بالقرب منه، يراقب حركة السيارات.
فجأة تباطأت سيارة دان.
قالت كاثرين: «لماذا توقفوا؟»
لم يجب هيزن. كان ينظر إلى الطريق أمام السيارة، حيث بدأ الضوء يختفي مرة أخرى. خلال لحظات، اتسعت بقعة سوداء فوق التقاطع حتى حجبت السيارتين وشرطي المرور عن الأنظار.
سمع صوت بوق طويل، ثم صراخًا، ثم اصطدامًا عنيفًا تبعه تحطم زجاج.
أسرع هيزن نحو التقاطع، لكن الظلام كان لا يزال يغطيه. لم يستطع رؤية السيارات أو معرفة ما حدث للركاب.
وبينما كان يحاول تحديد مكان المصابين، سمع صوت كاثرين خلفه.
«هيزن! سيارة دان تتحرك!»
التفت نحو الصوت، فرأى المصابيح الخلفية للسيارة تظهر خارج المنطقة المظلمة. كان دان ورجاله يبتعدون، تاركين خلفهم أشخاصًا لا يستطيعون حتى رؤية الطريق أمامهم.
وفي تلك اللحظة، فهم هيزن شيئًا مرعبًا.
لم يكن اختفاء الضوء عند البحيرة حادثًا غريبًا.
كان اختبارًا.
أما ما حدث في التقاطع، فكان دليلًا على أن ليفيت دان وجد وسيلة يستطيع بها ارتكاب جرائمه أمام أعين الشرطة، دون أن يرى أحد ما يفعله.
لكن السؤال الذي لم يعرف هيزن إجابته كان أخطر من ذلك كله:
ماذا سيحدث عندما يقرر دان استخدام هذا الظلام لارتكاب جريمة أكبر؟
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك
جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات
إرسال تعليق