رواية ذئبة الهلال
رواية فانتازيا عربية تمزج الغموض بالرومانسية النفسية. تعثر قبيلة القمر الأزرق على ذئبة بيضاء تحمل علامة هلال غامضة، لتبدأ رحلة كشف أسرار الماضي وسط صراع بين الحب والحماية وحرية الاختيار.
الفصل الأول: الغريبة في الثلج
وقف آسر عند نافذة غرفته، يراقب الثلج الذي يغطي الساحة أمام مقر القبيلة. بدأ تساقطه منذ الفجر، وازدادت كثافته حتى اختفت الطرق تحت طبقة بيضاء سميكة. كان يحب هدوء الشتاء في الأيام العادية، لكنه تمنى لو تأخرت العاصفة هذه المرة؛ فقد ازدادت الهجمات على الحدود، وأصبح تحرك الدوريات أصعب مع تراكم الثلوج فوق الممرات. مرر أصابعه في شعره الأسود الذي يصل إلى كتفيه، ثم ابتعد عن النافذة. مضى أسبوع كامل وهو يشعر بقلق لا يفارقه، حتى صار النوم أصعب من مواجهة الرجال الذين ينتظرون قراراته.
عاد إلى مكتبه ونظر إلى التقارير المتراكمة فوقه. كانت أمامه أسماء الحراس المفقودين، ومواقع الدوريات، وقائمة بالمصابين الذين نُقلوا إلى العيادة. اختفى ثلاثة من رجاله خلال الأسبوع، وكان أحدهم شابًا لم يتجاوز العشرين، التحق بالحراسة في الشتاء الماضي. تذكر آسر وجهه، ثم تذكر والدته التي تعمل في المطبخ المركزي، ولم يعرف ماذا سيقول لها إن سألته عن ابنها. كانت الهجمات الأخيرة منظمة على نحو يثير القلق؛ تقع في أوقات محسوبة، ويختفي المهاجمون قبل وصول التعزيزات. والأسوأ أن الدوريات لم تعثر على آثار واضحة تساعدها على معرفة عددهم أو اتجاه انسحابهم.
ارتدى آسر معطفه الرمادي الثقيل، وجمع شعره وربطه خلف رأسه. قرر الخروج رغم البرد، فقد ضاق بالبقاء بين الجدران والتفكير في الاحتمالات نفسها. عبر الممر الطويل المؤدي إلى البهو، فوجده هادئًا بعد العاصفة الليلية التي أبقت معظم أفراد القبيلة في منازلهم. خرج إلى الساحة، وشعر بلسعة الهواء المتجمد على وجهه، ثم اتجه نحو البوابة الشمالية. أثناء سيره، تذكر الهلال الذي وجده أحد الحراس محفورًا على شجرة قرب الحدود قبل أيام. كان نقشًا بسيطًا، بخطوط واضحة، ولم يستطع أحد ممن سألوهم أن يحدد معناه أو سبب ظهوره في ذلك المكان.
عادت أفكاره إلى والده، الذي يعيش في جناح منفصل داخل المقر، تحت رعاية ممرضتين وطبيب يتابع حالته كل صباح. منذ وفاة مريم، والدة آسر، قبل سنوات، تدهورت ذاكرته وأصبح يخلط بين الماضي والحاضر. أحيانًا يتعرف إلى ابنه، وفي أيام أخرى يسأله عن مريم كأنها خرجت من الغرفة منذ دقائق. زاره آسر قبل يومين، آملًا أن يستفيد من خبرته في فهم الهجمات التي تتعرض لها القبيلة، لكن الحديث لم يدم طويلًا؛ فقد طلب والده إحضار مريم، ثم صرخ في وجه الممرضة عندما حاولت تهدئته. غادر آسر يومها مثقلًا بالحزن والخوف من أن يفقد قدرته على اتخاذ قراراته كما حدث لوالده. وكان يخشى أيضًا أن يتعلق بشخص إلى الحد الذي يجعل غيابه قادرًا على هدم حياته.
وصل إليه صوت نديم عبر الرابط الذهني الذي يجمع أفراد القبيلة. كان نائبه وصديقه منذ الطفولة، وقد اعتاد آسر أن يميز من نبرة صوته ما إذا كان يحمل خبرًا عاديًا أو مشكلة تستدعي تدخله. سأله نديم: «آسر، أين أنت الآن؟» أجاب وهو يواصل السير: «قرب البوابة الشمالية. ماذا حدث؟» قال نديم: «وجد الحراس شيئًا غريبًا في قطاع الشمال. أحتاج أن تأتي بنفسك.» سأل آسر بسرعة: «هل تعرض أحد لهجوم؟» فأجابه: «لا توجد إصابات جديدة. عثروا على شيء وسط الثلج، ولا أعرف كيف أصفه لك. تعال وانظر.»
أسرع آسر نحو الموقع الذي حدده نديم، فوجد عددًا من الحراس يقفون في نصف دائرة حول شيء ممدد على الأرض. ابتعد الرجال عندما اقترب، وظهرت أمامه ذئبة بيضاء صغيرة الحجم، يغطي الثلج نصف جسدها. كان فراؤها ناصعًا إلى درجة يصعب معها تمييزه عن الأرض المحيطة بها. ظنها ميتة في البداية، ثم لمح حركة خفيفة في صدرها. جثا قربها وسأل نديم: «منذ متى وهي هنا؟» أجابه: «عثر عليها الحارس المسؤول عن هذا الموقع قبل نحو ساعة. كانت فاقدة الوعي حين وجدها، ولم تتحرك منذ ذلك الوقت.»
مد آسر يده ليزيح الثلج عن كتف الذئبة، وما إن لامست أصابعه فراءها حتى شعر بحرارة مفاجئة تسري في جسده. تسارعت دقات قلبه، واندفعت إليه رغبة قوية في حملها وإبعادها عن البرد. أربكه الشعور، فهو لا يعرف هذه الذئبة، ولا يعلم إن كان ظهورها مرتبطًا بما يحدث على الحدود. ومع ذلك، وجد نفسه يخشى عليها كما لو كانت شخصًا يعرفه منذ زمن. سحب يده قليلًا، ثم لاحظ علامة داكنة على كتفها الأيسر، ظاهرة بين خصلات الفرو الأبيض. اقترب ليراها بوضوح، فوجد أنها تشبه الهلال المحفور على الشجرة، حتى في انحناءة الخط وطرفيه. لم يستطع تحديد ما إذا كان التشابه مصادفة، لكنه أدرك أن عليه تذكر تفاصيله.
في تلك اللحظة، سمع صوت ذئبه الداخلي يهدر بكلمة واحدة: «رفيقة». نهض آسر وابتعد خطوة، وقد ازداد اضطراب نبضه. يعرف معنى هذه الكلمة، ويعرف ما يقال عن الرابط الذي يجمع الرفيقين، لكنه لم يتوقع أن يواجهه بهذه الطريقة. كان قد أمضى سنوات يرفض فكرة أن يحدد هذا الرابط مستقبل حياته، وها هو يشعر بقوته أمام ذئبة مجهولة عُثر عليها عند حدود مضطربة. حاول استعادة هدوئه، وأجبر نفسه على النظر إلى الموقف بعين القائد. فالذئبة تحتاج إلى العلاج، والقبيلة تحتاج إلى معرفة من تكون وكيف وصلت إلى هناك. لاحظ نديم تغير وجهه، فاقترب وسأله: «هل أنت بخير؟» أجابه آسر: «انقلوها إلى العيادة. أريد أن يفحصها الطبيب ويخبرني بحالتها كاملة. وتعاملوا معها بحذر، فلا أريد أن يصيبها أذى.»
غادر آسر الموقع واتجه إلى الغابة بدلًا من العودة إلى المقر. احتاج إلى بعض الوقت بعيدًا عن أنظار رجاله، ليفهم ما حدث له عندما لمس الذئبة. كانت هناك أسئلة كثيرة تنتظره: الهجمات المنظمة، والحراس المفقودون، والهلال المحفور على الشجرة، والعلامة التي ظهرت على كتف الغريبة. والآن أضيف إليها رابط لم يطلبه، مع امرأة لا يعرف عنها شيئًا بعد. سار بين الأشجار حتى خفتت أصوات الحراس خلفه، ثم وقف وأغمض عينيه. سمع ذئبه الداخلي يهمس: «لن تستطيع تجاهلها.» فتح آسر عينيه ونظر إلى الطريق المؤدي إلى المقر، مدركًا أن عليه العودة قريبًا، وأن أول ما ينتظره هناك هو معرفة إن كانت الذئبة ستنجو.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك

تعليقات
إرسال تعليق