رواية ثمن اليقين

رواية 📅 أكتوبر 19, 2026

رواية نفسية اجتماعية معاصرة تتناول العلاقات الإنسانية والمسؤولية والصراع بين الحاجة إلى اليقين والخوف من ثمنه.

 الفصل الأول: ضيق

في التاسعة وسبع عشرة دقيقة صباحًا، كان زياد المعتصم واقفًا أمام مكتب كاتب الضبط في المحكمة التجارية بجدة، يحمل ملفًا أعده بعناية طوال الليلة السابقة. بقيت ثلاث عشرة دقيقة على موعد الجلسة، وكان يعرف أن ما سيحدث خلالها قد يحدد موعد حصوله على أتعاب انتظرها أربعة أشهر.

أشار الموظف إلى الصفحة الأخيرة من المستند المعروض على الشاشة، وقال إن النسخة المرفقة لا تتضمن التوقيع المطلوب. فتح زياد الملف المحفوظ في هاتفه وأراه الصفحة التي تحمل توقيع مدير الشركة، لكن الموظف أوضح أن النسخة الموقعة تختلف عن النسخة التي أُودعت في ملف القضية.

قال زياد: «المحتوى واحد. الاختلاف في ترتيب الصفحات فقط.»

أجابه الموظف: «قد يكون ذلك صحيحًا، لكنني لا أستطيع اعتماد نسخة لم تُقدَّم وفق الإجراء المطلوب. يمكنك توضيح الأمر في الجلسة.»

ابتعد زياد عن المكتب واتصل بمدير الشركة. انتظر حتى انتهى الرنين، ثم أرسل إليه صورة الصفحة الناقصة، طالبًا إعادة المستند بعد توقيعه. ظهرت علامة قراءة الرسالة، وبعد دقيقة وصل الرد: «أنا خارج المكتب. تصرف.»

ظل ينظر إلى الكلمات الثلاث. كان الرجل قد أمضى أسبوعين يَعِده بإرسال النسخة النهائية، ثم بعثها قبل منتصف الليل مع عبارة: «تفضل يا أستاذ، انتهينا.» والآن كان على زياد أن يدخل القاعة ويشرح للمرة الثالثة لماذا لم تكتمل الأوراق.

حين نودي على القضية، تقدم إلى مكانه وطلب مهلة قصيرة لتقديم النسخة الصحيحة. لم يعترض محامي الطرف الآخر، لكن القاضي ذكّره بأن التأجيل السابق كان للغرض نفسه. شرح زياد ما حدث دون أن يحمّل موكله المسؤولية صراحة، ثم استمع إلى تحديد موعد جديد.

خرج من القاعة قبل العاشرة بقليل. لم يخسر القضية، ولم يصدر حكم ضده، ومع ذلك شعر بأن ساعات العمل التي أمضاها خلال الأسبوعين الماضيين قد عادت إلى نقطة البداية. وقف عند نافذة في نهاية الممر وأرسل إلى موكله إشعارًا بموعد الجلسة الجديدة، ثم أضاف طلبًا واضحًا بإرسال المستند الصحيح خلال يومين.

لم يكن الرد الذي وصله متعلقًا بالمستند.

«وبالنسبة إلى الأتعاب، نحتاج إلى الانتظار حتى تنتهي القضية.»

قرأ زياد الرسالة، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه. لم يكن هذا ما اتفقا عليه، لكنه لم يجد فائدة في مناقشة الأمر وهو لا يزال داخل المحكمة.

في موقف السيارات اتصل به ناصر، صاحب المكتب الذي يستأجر منه غرفة صغيرة قرب شارع فلسطين. لم يرفع الرجل صوته، ولم يهدده بإخلاء المكان؛ اكتفى بتذكيره بأن إيجار الشهر لم يصل.

قال زياد: «لدي مستحقات تأخر صرفها. سأحوّل المبلغ قريبًا.»

«قلت لي ذلك الأسبوع الماضي.»

«أعرف. أحتاج إلى مهلة حتى الخميس.»

«الخميس آخر موعد يا زياد. لدي التزامات أيضًا.»

أنهى المكالمة بعد أن شكره، ثم جلس في سيارته وفتح تطبيق البنك. كان الرصيد المتاح 2,846 ريالًا. انتقل إلى قائمة المدفوعات التي سجلها في هاتفه: 4,500 ريال لإيجار المكتب، و1,380 ريالًا لقسط السيارة، و2,170 ريالًا للبطاقة الائتمانية. أما إيجار الشقة فكان مستحقًا بعد اثني عشر يومًا.

حاول ترتيب المبالغ بحسب أهميتها. إذا دفع جزءًا من إيجار المكتب، فقد يقبل ناصر التأجيل. وإذا سدد الحد الأدنى من البطاقة، فسيتحمل رسومًا إضافية. وإذا تأخر قسط السيارة، فقد تصله مكالمات أخرى لا يرغب في سماعها. كتب ثلاثة احتمالات، ثم حذفها؛ لم يكن أي منها يحل المشكلة، بل ينقلها إلى الأسبوع التالي.

حين حصل على رخصة المحاماة قبل ست سنوات، كان يتصور أن نجاح المحامي يتوقف على معرفته بالقانون وقدرته على الدفاع عن موكليه. اكتشف لاحقًا أن المهنة تحتاج أيضًا إلى من يستطيع دفع الإيجار حين يتأخر العملاء، وإلى من يملك رفاهية رفض القضايا التي لا تستحق الوقت الذي تستهلكه.

رن هاتفه برسالة من سُهى تسأله إن كان قد انتهى من المحكمة. أخبرها بأن الجلسة تأجلت، ثم سأل عن اجتماعها الصباحي. أجابت بأن لديها أخبارًا جيدة، وأنها تفضل الحديث عنها حين يلتقيان مساءً.

أعاد قراءة رسالتها، وابتسم. كان يحب فيها أنها لا تطلب منه تفسير كل تأخير، لكنها لا تتظاهر أيضًا بأن الأمور تسير على ما يرام. وقد بدأ يخشى أن يأتي يوم لا يعود فيه قادرًا على إقناعها بأن الانتظار يستحق العناء.

شغّل السيارة وغادر الموقف. وفي الطريق إلى مكتبه، اتخذ قرارًا صغيرًا: سيطلب من ناصر قبول نصف الإيجار يوم الخميس، وسيحاول الحصول على الباقي خلال الأسبوع التالي. لم يكن القرار مريحًا، لكنه أفضل من البقاء أمام قائمة الأرقام دون أن يفعل شيئًا.

قضى زياد ما تبقى من النهار بين مكتبه واتصالات العملاء. أرسل مطالبتين بأتعاب متأخرة، وراجع مذكرة دفاع لقضية جديدة، ثم تلقى اعتذارًا من عميل كان قد وعده بالحضور لتوقيع عقد الوكالة. وعندما أغلق الحاسوب، كانت الساعة قد تجاوزت السادسة، ولم يصل أي تحويل إلى حسابه.

التقى سُهى بعد المغرب في مقهى بحي الروضة. كانت تجلس إلى طاولة قريبة من النافذة، وأمامها ملف أبيض وحاسوب صغير. رفعت رأسها حين اقترب، ولاحظت من طريقة وضعه حقيبته على الكرسي أن يومه لم يكن جيدًا.

قالت: «هل انتهت المشكلة في المحكمة؟»

«تأجلت الجلسة.»

«بسبب المستند؟»

أومأ، ثم سألها عن اجتماعها. لم تحاول إطالة الحديث عن القضية؛ كانت تعرف أنه لا يحب مناقشة التفاصيل المهنية حين يشعر بأنه أخفق في أمر كان يستطيع تجنبه.

فتحت الملف ودفعته إليه. حمل الغلاف عنوان «ذاكرة جدة»، وتحته وصف مختصر لمشروع يهدف إلى حفظ المراسلات والصور والوثائق الخاصة بمؤسسات وشخصيات أسهمت في الحياة الثقافية للمدينة.

قالت: «حصلنا على موافقة مبدئية لتمويل المرحلة الأولى. ليست الموافقة النهائية، لكنها خطوة مهمة.»

«هذا خبر ممتاز.»

«ما زال أمامنا عمل كثير. أريد أن أكون مسؤولة عن المرحلة التالية، لا مجرد منسقة للمشروع.»

نظر إليها باهتمام. كانت تعمل منذ سنوات في إدارة المشاريع الثقافية، لكنها كثيرًا ما وجدت نفسها تنفذ قرارات اتخذها أشخاص لا يعرفون تفاصيل العمل الذي تقوم به. هذه المرة أرادت أن تثبت أنها تستطيع قيادة المشروع من بدايته إلى نهايته.

سألها: «ما الذي يمنعك؟»

«الميزانية أولًا، ثم لجنة الإشراف. أحد الأعضاء يرى أن المشروع سيصبح أكثر جاذبية إذا أتحنا بعض الوثائق الشخصية للجمهور. وأنا لا أريد أن نَعِد بشيء قبل معرفة ما يحق لنا نشره.»

أخذ زياد يقرأ الصفحة الخاصة بالحقوق. وجد بندًا يسمح للمشروع بعرض المواد التي يتسلمها بعد موافقة أصحابها، لكنه لم يجد تحديدًا واضحًا لمن يملك حق منح الموافقة حين تكون الوثيقة رسالة بين شخصين.

أشار إلى البند وقال: «يجب الفصل بين ملكية النسخة الورقية وحق نشر محتواها. الشخص الذي يحتفظ برسالة لا يستطيع بالضرورة التصرف في كلمات كاتبها كما يشاء.»

سجلت سُهى ملاحظته، ثم قالت: «هذا ما أخشاه. بعض المتبرعين يظنون أن تسليم الوثائق يمنحنا الحق في استخدامها بأي طريقة.»

«وما رأي لجنة الإشراف؟»

«لم تحسم الأمر. يريدون أولًا معرفة حجم المواد التي يمكن جمعها.»

قلب زياد الصفحة التالية. كانت تضم قائمة بالمؤسسات التي تنوي سُهى التواصل معها خلال الأشهر المقبلة. لم يتوقف عند الأسماء كلها، لكنه لاحظ أن بعضها يرتبط بأرشيفات خاصة لعائلات قديمة، وأن المشروع قد يحتاج إلى محامٍ يراجع الاتفاقيات.

قال مبتسمًا: «يبدو أنكم تحتاجون إلى مستشار قانوني.»

«ربما. لكن لا تتوقع أن أحصل لك على عقد لمجرد أنك تعرف مديرة المشروع.»

«لم تصبحي مديرته بعد.»

«ولهذا لا أريد أن أبدأ بتوزيع العقود على من أعرفهم.»

ضحك. كانت هذه إحدى الصفات التي أحبها فيها، وإن كانت تسبب له الحرج أحيانًا: لا تسمح لعلاقتها به بأن تصبح استثناءً من القواعد التي تطبقها على الآخرين.

أغلقت الملف بعد أن أخذت ملاحظاته، ثم نظرت إليه.

«والآن أخبرني عنك.»

«ماذا تريدين أن تعرفي؟»

«ما الذي يحدث في مكتبك؟»

تناول فنجان القهوة. كان يستطيع أن يحدثها عن تأجيل القضية، لكنه يعرف أنها لا تسأل عن الجلسة وحدها.

قال: «الأمور بطيئة هذه الفترة.»

«أعرف. لكنك لم تعد تتحدث عن خططك كما كنت تفعل.»

«لأنني لا أريد أن أعدك بشيء ثم أتراجع عنه.»

«أنا لا أطلب وعدًا.»

سكت قليلًا، ثم قال: «أريد أن أرتب وضعي قبل أن نحدد موعد الزواج.»

«ونحن متفقان على ذلك. لكننا لم نتفق على أن تنتظر حتى تختفي كل مشكلة من حياتك.»

كانت قد تحدثت مع والدتها قبل أسبوع عن تأجيل الموعد، واضطرت إلى تقديم تفسير عام. لم تطلب من زياد أن يشرح ظروفه لعائلتها، لكنها لم تكن مستعدة لأن تتحول إلى الشخص الذي يعتذر نيابة عنه كلما تغيرت خططه.

قالت: «أريد أن نقرر معًا. إذا احتجنا إلى سنة أخرى، فلنتفق على ذلك. وإذا كان علينا تقليل بعض المصاريف، يمكننا مناقشتها. لكن لا تتركني أجيب عن أسئلة لا أعرف إجاباتها.»

أطرق زياد. لم يكن اعتراضها على التأجيل نفسه، بل على الطريقة التي فرض بها التأجيل عليهما.

قال: «أخشى أن أبدأ حياتنا وأنا غير قادر على الوفاء بالتزاماتي.»

«وأنا أخشى أن نبدأها ونحن نخفي عن بعضنا ما يقلقنا.»

رفع عينيه إليها. لم تبدُ غاضبة، لكنها لم تكن مستعدة لإنهاء الحديث بعبارة مطمئنة لا تعني شيئًا.

سألته: «هل هناك أمر لا أعرفه؟»

كان السؤال مباشرًا إلى حد أربكه. فكر في إيجار المكتب والبطاقة الائتمانية والمستحقات التي ينتظرها. لم تكن هذه أسرارًا بالمعنى المعتاد؛ كانت تفاصيل أخجل من تكرارها.

قال: «لا شيء غير ما أخبرتك به. العمل لا يسير كما أريد.»

أجابت بعد لحظة: «حسنًا. لكن حين يتغير شيء، أريد أن أعرفه منك.»

انتقلا إلى الحديث عن موعد اجتماعها المقبل، ثم عن زيارة عائلية كانا يخططان لها في نهاية الأسبوع. وعندما غادرا المقهى، لم يكن الخلاف قد انتهى تمامًا، لكنه لم يتحول إلى خصومة.

في الطريق إلى شقته، تذكر زياد سؤالها الأخير. لم يكذب عليها بشأن أمر محدد، لكنه عرف أنه اختار من الحقيقة الجزء الذي يستطيع قوله.

كان الصندوق البني فوق خزانة غرفة النوم منذ انتقال زياد إلى الشقة. وضعه هناك في أول يوم، بين حقيبة سفر قديمة وملفات لم يعد يحتاج إليها، ثم تركه دون أن يفتحه.

في تلك الليلة، صعد على كرسي المطبخ وأنزله.

لم يكن قد فكر في سُميّة الرفاعي أثناء لقائه بسُهى. ما أعاده إليها كان أمرًا آخر: رسالة بريد إلكتروني وصلته قبل يومين، ولم يفتحها إلا بعد عودته من المقهى.

كان عنوانها: «تحديث بشأن أرشيف الأستاذة سُميّة الرفاعي».

ظهرت الرسالة بين الإشعارات القديمة حين بحث عن مراسلة من أحد عملائه. فتحها بدافع الفضول، فوجد أن مؤسسة الرفاعي الثقافية تستعد لإقامة معرض تذكاري، وأنها تتواصل مع الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في سجلات المراسلات القديمة. طلبت المؤسسة ممن يحتفظ بوثائق أو رسائل ذات صلة أن يتواصل معها لمناقشة إمكان حفظ نسخ منها.

لم تكن الرسالة موجهة إليه وحده. ظهر في أسفلها أنها جزء من حملة أُرسلت إلى عدد من الأشخاص والمؤسسات. ومع ذلك، شعر زياد بأنها وصلت إلى مكان لم يكن يريد لأحد أن يعرفه.

وضع الصندوق على السرير ورفع غطاءه.

كانت الأظرف مرتبة بحسب السنوات، وإلى جانبها دفتران صغيران وصور وبطاقات بريدية. اختلطت رائحة الورق القديم برائحة خفيفة من العطر الذي كانت سُميّة تستخدمه. لم يكن متأكدًا إن كانت الرائحة باقية فعلًا، أم أن ذاكرته أعادتها حين رأى خطها.

تناول الظرف الأول. كُتبت عليه عبارة بخط مائل: «إلى زياد، حين تجد وقتًا لا تتظاهر فيه بأنك مشغول.»

ابتسم رغمًا عنه.

كان قد تلقى هذه الرسالة بعد أشهر من لقائهما الأول. في ذلك الوقت كان متدربًا في مكتب محاماة، وكانت سُميّة قد بدأت تحظى باهتمام واسع بعد صدور مجموعتها القصصية الثالثة. التقيا في ندوة عن الملكية الفكرية، ثم استمر الحديث بينهما عبر رسائل قصيرة ولقاءات متباعدة.

لم تكن سُميّة تتعامل معه بوصفه شابًا يحتاج إلى النصيحة. كانت تسأله عن رأيه، وتختلف معه، وتعيد إليه أحيانًا كلمات قالها في نقاش سابق لتثبت له أنه يناقض نفسه.

تذكر مساءً جلسا فيه في مكتبة صغيرة بعد ندوة أدبية. كان يتحدث بحماس عن قضية يتمنى أن يتولاها يومًا، فقاطعته قائلة: «أنت تصف المحامي الذي تريد أن تصبحه، لا المحامي الذي أنت عليه الآن.»

انزعج يومها، لكنه لم يظهر ذلك.

سألها: «وما المشكلة في أن يكون للإنسان طموح؟»

«لا مشكلة. المشكلة أن تنشغل بالصورة حتى تنسى الشخص الذي يقف داخلها.»

لم تعتذر عن الجملة، ولم يطلب منها ذلك. وبعد أيام وصلته رسالة طويلة تحدثت فيها عن عملها وعن خوفها من أن تصبح الكتابة وسيلة لإرضاء توقعات الآخرين.

قرأ زياد سطرًا من تلك الرسالة الآن، ثم توقف.

لم تكن الرسائل كلها عاطفية، ولم تكن جميعها موجهة إلى الشخص الذي أصبح عليه. بعضها يحمل أسئلة عن الكتابة والحياة، وبعضها الآخر يكشف جانبًا من سُميّة لم يكن يظهر في مقابلاتها الصحفية. وكانت هناك صفحات لا تزال تزعجه لأنه يعرف الظروف التي كُتبت فيها.

في السنة الأخيرة من علاقتهما، بدأت تطلب منه وضوحًا لم يستطع تقديمه. كانت تعرف أنه متعلق بها، لكنها أدركت أيضًا أنه لا يريد أن يربط مستقبله بعلاقة لا يعرف كيف يشرحها للآخرين. لم يكن فارق العمر وحده هو المشكلة؛ كان اختلاف ما ينتظرانه من العلاقة.

في آخر لقاء بينهما، قالت له إنها تعبت من محاولة فهم ما لا يقوله.

لم يجبها.

ثم انقطعت الرسائل تدريجيًا.

بعد وفاتها بسنوات، ظل يتذكر صمته أكثر مما يتذكر كلماتها.

أعاد الورقة إلى ظرفها، ثم تناول صورة التقطت لهما في أمسية ثقافية. كان يقف إلى جوارها، ينظر إلى المصور، بينما التفتت هي نحوه في اللحظة التي التُقطت فيها الصورة. لم ينتبه إلى ذلك يومها.

قلب الصورة ووضعها أسفل الدفتر.

كان يستطيع أن يغلق الصندوق ويعيده إلى مكانه. لكنه تذكر البريد الإلكتروني، وفتح هاتفه ليقرأه كاملًا.

في نهاية الرسالة، ورد اسم هناء، مسؤولة التنسيق في المؤسسة، ورقم هاتف مخصص للاستفسارات. لم يُذكر أي مقابل مالي، ولا أي التزام بنشر الوثائق. كان الطلب يتعلق بالحفظ والتوثيق.

نظر زياد إلى الأظرف المصفوفة أمامه. قبل سنوات، كان يظن أن احتفاظه بها أمر لا يحتاج إلى تفسير. الآن لم يعد متأكدًا مما ينبغي أن يفعله بها، ولا مما كانت سُميّة ستريده لو استطاع سؤالها.

أعاد الغطاء إلى مكانه، لكنه ترك الصندوق على السرير.

في صباح الخميس، وصل زياد إلى مكتبه قبل الثامنة. كان المبنى هادئًا، والممر الذي تقع فيه غرفته لم تُفتح معظم أبوابه بعد. وضع حقيبته على المكتب، وشغّل الحاسوب، ثم أخرج من درج جانبي ظرفًا يحتوي على إيصالات قديمة.

بحث عن آخر تحويل تلقاه من موكله، وقارن تاريخه ببنود اتفاق الأتعاب. كان يستطيع إرسال مطالبة رسمية، وربما ينجح في الحصول على جزء من المبلغ، لكنه عرف أن ذلك قد ينهي العلاقة مع العميل قبل انتهاء القضية.

فتح رسالة جديدة، وكتب مطالبة مختصرة تحدد المبلغ المستحق والموعد المتفق عليه. راجعها مرتين، ثم أرسلها.

بعد ذلك اتصل بناصر.

قال: «أستطيع تحويل نصف الإيجار اليوم، والباقي خلال أسبوع.»

لم يجب الرجل فورًا.

«أنت تعرف أنني لا أحب تقسيم الإيجار.»

«أعرف. وهذه المرة لن أطلب أكثر من أسبوع.»

«حسنًا. لكن أريد أن يصل النصف اليوم.»

شكره زياد، وأنهى المكالمة. كان الاتفاق أقل مما أراد، لكنه منحه بضعة أيام يستطيع خلالها التفكير في بقية التزاماته.

في العاشرة وصلته رسالة من مكتب المحاماة الذي أجرى معه مقابلة العمل. شكروا له حضوره، وأبلغوه أنهم قرروا متابعة إجراءات التوظيف مع مرشحين آخرين.

قرأ الرسالة دون أن يتحرك.

لم يكن الرفض مفاجئًا، لكنه جاء في توقيت سيئ. وضع الهاتف جانبًا، ثم عاد إلى العمل على مذكرة دفاع كان عليه تسليمها قبل نهاية اليوم.

عند الظهيرة، تلقى اتصالًا من سُهى. أخبرته أنها ستقابل لجنة الإشراف على مشروع «ذاكرة جدة» الأسبوع المقبل، وأنها تريد مراجعة ملاحظاته القانونية قبل الاجتماع.

قال: «أرسلي النسخة الجديدة وسأراجعها مساءً.»

«هل أنت متأكد أن لديك وقتًا؟»

«سأجد وقتًا.»

«لا أريد أن أضيف إلى ضغطك.»

«هذا العمل مختلف. يسعدني أن أساعدك فيه.»

شكرته، ثم أخبرته أنها تفكر في إضافة بند يسمح للعائلات بسحب موافقتها على عرض بعض المواد قبل افتتاح المعرض. ناقشا الفكرة دقائق، وانتهت المكالمة دون أن يسألها عن علاقتها بمؤسسة الرفاعي؛ فقد تذكر أن اسمها لم يكن ضمن الجهات التي عرضتها عليه في الملف.

بعد الظهر، فتح زياد البريد الإلكتروني الخاص بالمؤسسة الثقافية مرة أخرى. كان يريد أن يعرف لماذا ظهر اسمه في قائمة المراسلات، وما إذا كانت المؤسسة تعرف طبيعة ما يحتفظ به.

كتب إلى هناء: «وصلتني رسالتكم بشأن أرشيف الأستاذة سُميّة الرفاعي. أود معرفة نوع المواد التي تبحثون عنها، والإجراءات المتبعة للاطلاع على المراسلات الخاصة.»

أرسل الرسالة قبل أن يغير رأيه.

لم ينتظر طويلًا. جاءه رد يشكره على اهتمامه، ويوضح أن المؤسسة تسعى إلى حصر المواد المتاحة أولًا، ثم مناقشة شروط حفظها مع أصحابها. وأشارت هناء إلى أن فريق المشروع يضم مختصين في التوثيق والحقوق، وأن بإمكانه ترتيب لقاء إذا رغب في معرفة المزيد.

كان الرد واضحًا ومهنيًا. لم يتضمن ما يدعوه إلى القلق، لكنه لم يبدد تردده أيضًا.

في المساء، عاد زياد إلى الشقة ووجد الصندوق في المكان الذي تركه فيه. لم يفتحه هذه المرة. جلس إلى مكتبه، وأخرج ورقة وكتب عليها أسماء الأشخاص الذين يمكنه طلب المشورة منهم بشأن المراسلات.

كان أول اسم هو سُهى.

توقف عنده، ثم وضع خطًا تحته. كانت تعرف في حقوق الأرشيف أكثر مما يعرف هو عن تفاصيل العمل الثقافي، وكانت ستقدم له رأيًا صريحًا. لكنه لم يكن مستعدًا لأن يخبرها الآن عن علاقته القديمة بسُميّة، ولا عن سبب احتفاظه بهذه الرسائل طوال السنوات الماضية.

كتب اسمًا ثانيًا: فراس البركات.

تعرف إليه في فعالية مهنية قبل عامين. كان يعمل في إدارة المشاريع والاستثمارات الثقافية، ويتحدث كثيرًا عن الشراكات بين المؤسسات والقطاع الخاص. لم تكن بينهما صداقة، لكن زياد تذكر أنه عرض عليه يومًا المساعدة إذا احتاج إلى استشارة تتعلق بمشروع ثقافي.

فتح قائمة جهات الاتصال، ووجد رقمه محفوظًا.

كتب رسالة قصيرة: «مساء الخير أستاذ فراس. معك زياد المعتصم. التقينا سابقًا في فعالية غرفة التجارة. لدي استفسار يتعلق بأرشيف أدبي خاص، وأرغب في معرفة رأيك المهني إذا كان لديك وقت.»

قرأ الرسالة قبل إرسالها. لم يذكر اسم سُميّة، ولم يوضح طبيعة الوثائق. كان يريد أن يعرف أولًا إن كان فراس مستعدًا للحديث.

وصل الرد بعد دقائق: «أهلًا أستاذ زياد. أتذكرك بالتأكيد. يسعدني أن نلتقي غدًا بعد العصر إذا كان الوقت مناسبًا لك.»

وافق زياد، ثم وضع الهاتف على الطاولة.

لم يكن قد قرر تسليم الرسائل إلى المؤسسة، ولم يكن يعرف ما الذي سيقوله لفراس. لكنه كان قد فتح بابًا جديدًا، ووجد نفسه ينتظر ما سيأتي منه.

بعد قليل، اتصلت سُهى لتسأله إن كان قد راجع ملف المشروع. أخبرها بأنه سيبدأ العمل عليه بعد العشاء. تحدثا عن اجتماعها المقبل، ثم سألته عن نتيجة مقابلة العمل.

قال: «اختاروا مرشحين آخرين.»

«آسفة يا زياد.»

«لا بأس. سأبحث عن فرصة أخرى.»

«هل تريد أن نتحدث عن الأمر؟»

نظر إلى الورقة الموضوعة أمامه، وإلى اسمها الذي تحته خط.

قال: «ليس الآن. أنا متعب قليلًا.»

تفهمت ذلك، واتفقا على اللقاء في نهاية الأسبوع.

بعد انتهاء المكالمة، طوى زياد الورقة ووضعها في درج المكتب. كان يستطيع أن يخبرها عن رسالة المؤسسة وعن الموعد الذي حدده مع فراس. لم يكن هناك اتفاق يمنعه من الحديث، ولا سر جديد يحتاج إلى حمايته.

ومع ذلك، ترك الأمر إلى وقت آخر.

في غرفة النوم، بقي الصندوق فوق السرير. حمله وأعاده إلى الرف العلوي، لكنه لم يربط الشريط الأزرق كما كان من قبل.

أغلق باب الخزانة، ثم عاد إلى مكتبه ليبدأ مراجعة ملف سُهى.

الفصل الثاني: رسائل قديمة

في عصر السبت، وصل زياد المعتصم إلى مكتب فراس البركات قبل الموعد بعشر دقائق.

كان المكتب في الطابق الثالث من مبنى تجاري قريب من شارع التحلية بجدة. على الجدار المقابل للمدخل عُلّقت صور لمعارض ثقافية، وتحتها خزانة زجاجية تضم كتبًا قديمة وكتالوجات فنية. لم يجد زياد موظف استقبال؛ كانت هناك امرأة تعمل خلف مكتب صغير، أشارت إليه بالجلوس بعدما عرفت اسمه.

أخرج هاتفه وراجع الرسالة التي أرسلها قبل يومين. كتب فيها أنه يريد استشارة بشأن أرشيف أدبي خاص. لم يذكر اسم سُميّة الرفاعي، ولا عدد الرسائل، ولا طبيعة علاقته بها.

خرج فراس من غرفة جانبية وهو يحمل ملفًا أزرق.

«زياد المعتصم؟ أهلًا بك. تأخرت عليك؟»

«وصلت مبكرًا.»

صافحه فراس وأدخله إلى غرفة تطل على الشارع. كان في أواخر الثلاثينيات، يتحدث بسرعة رجل لديه مواعيد متتابعة، لكنه أغلق حاسوبه ووضع هاتفه جانبًا قبل أن يجلس.

«قرأت رسالتك. أرشيف أدبي خاص، صحيح؟»

«نعم.»

«هل تريد حفظه أم معرفة قيمته؟»

فوجئ زياد بسرعة السؤال.

«أريد أن أفهم الخيارات المتاحة.»

«هذا جواب محامٍ.»

ابتسم فراس، ثم أشار إلى الخزانة خلفه.

«قبل سنوات كنت أعمل في إدارة المشاريع لدى مؤسسة ثقافية. الآن أدير شركتي. أتعامل مع مقتنيات ومعارض وأصحاب مجموعات خاصة، وأحيانًا مع ورثة لا يعرفون ماذا يفعلون بما تركه أصحابها.»

سأله زياد: «وهل هناك سوق حقيقية للمراسلات؟»

«هناك سوق لكل شيء تقريبًا. لكن وجود مشترٍ لا يعني أن كل شيء يستحق البيع.»

قالها فراس وهو يقلب قلمًا بين أصابعه.

«بعض الرسائل مهمة للباحثين. بعضها مهم لهواة الاقتناء. وأحيانًا تكون قيمة الاسم أكبر من قيمة الكلام المكتوب.»

شعر زياد بضيق خفيف عند العبارة الأخيرة.

«تقصد أن الشهرة وحدها تكفي؟»

«أحيانًا. هل لديك اسم معروف؟»

«لم أقل ذلك.»

«ولم أقل إنك قلت.»

ترك فراس القلم، وانتظر.

نظر زياد إلى الصور المعلقة. في إحداها رجل مسن يقف أمام مجموعة من المخطوطات. أسفل الصورة لوحة صغيرة تحمل اسم الجهة التي أقامت المعرض.

قال: «لنفترض أن شخصًا يحتفظ برسائل وصلته قبل سنوات. هل يمكن تقييمها دون الكشف عن مضمونها؟»

«يمكن تقديم تقدير أولي بناءً على صاحب الرسائل وعددها وتواريخها وحالتها. لكن التقييم الجاد يحتاج إلى معاينة. والملكية المادية شيء، وحقوق النشر والخصوصية شيء آخر.»

أومأ زياد. لم يحتج إلى شرح قانوني إضافي.

سأله فراس: «هل تواصلت مع جهة أرشيفية؟»

«وصلني بريد من مؤسسة ثقافية.»

«حسنًا. لا يلزم أن تختار بين الاحتفاظ والتبرع والبيع اليوم. لكن قبل أي خطوة، اسأل نفسك سؤالًا.»

«ما هو؟»

«لماذا تحتفظ بها؟»

قال زياد: «لأنها أُرسلت إليّ.»

«هذا يفسر كيف وصلت إليك. لا يفسر لماذا بقيت عندك.»

لم يجد زياد ردًا مناسبًا.

كان يتوقع من فراس أن يسأله عن الاسم، أو أن يطلب رؤية الأوراق، أو أن يلمح إلى مبلغ محتمل. أما السؤال عن سبب احتفاظه بها، فقد أعاده إلى أمر تجنب التفكير فيه منذ وفاة سُميّة.

نهض فراس ليحضر بطاقة عمل من درج مكتبه.

«لا تخبرني بالتفاصيل الآن. إذا قررت طلب تقييم، أستطيع تعريفك بمتخصص مستقل. ولن أطلب منك إرسال صور خاصة قبل أن نحدد ما الذي سيُفعل بها.»

تناول زياد البطاقة.

«وهل تتقاضى عمولة؟»

ضحك فراس.

«إذا عملت وسيطًا في صفقة، نعم. أما الحديث الذي دار بيننا اليوم فمجاني.»

عند الباب، استوقفه فراس.

«بالمناسبة، هل للأرشيف علاقة بمؤسسة الرفاعي؟»

تجمدت يد زياد على مقبض الباب.

«لماذا تسأل؟»

«لأنهم أعلنوا مؤخرًا مشروعًا لجمع مراسلات الكاتبة. توقعت أن يكون استفسارك مرتبطًا به. ربما أخطأت.»

قال زياد بعد لحظة: «أفضل ألا أتحدث عن الأسماء الآن.»

«كما تشاء.»

خرج إلى الممر، وانتظر المصعد.

كان فراس قد وصل إلى اسم سُميّة من استفسار عام، أو هكذا بدا. ومع ذلك، شعر زياد بأنه كشف أكثر مما أراد، رغم أنه لم ينطق باسمها.

وفي طريقه إلى السيارة، أخرج البطاقة مرة أخرى.

على ظهرها كتب فراس بخط صغير: «التقييم قبل القرار».

احتفظ بها في محفظته.

في مساء السبت، كانت سُهى تقف أمام شاشة العرض في مقر مشروع «ذاكرة جدة». بقيت مع رُبى بعد انصراف بقية الفريق لمراجعة المواد المرشحة للمعرض الأول.

على الشاشة صورة رسالة قديمة كتبتها امرأة إلى زوجها أثناء سفره. كان الخط واضحًا، وفي أسفل الصفحة جملة تتحدث عن طفل مريض.

قالت رُبى: «هذه أقوى وثيقة لدينا. الناس سيتوقفون عندها.»

«لدينا إذن باستخدام الصورة لأغراض البحث فقط.»

«يمكننا إخفاء الأسماء.»

«والطفل؟»

التفتت رُبى إليها.

«ماذا عن الطفل؟»

«الرسالة تذكر مرضه وتاريخ علاجه. ربما لا يريد أن يقرأ غرباء تلك التفاصيل الآن.»

تنهدت رُبى وأغلقت الصورة.

«إذا واصلنا استبعاد كل وثيقة فيها حياة بشرية، فلن يبقى لنا سوى فواتير الكهرباء.»

ضحكت سُهى رغم انزعاجها.

«فواتير الكهرباء جزء من تاريخ المدينة أيضًا.»

«رائع. سنفتتح المعرض بعنوان: كيف دفع أجدادنا الفواتير.»

جلست سُهى أمام الحاسوب. كانت رسالة المدير تنتظرها منذ الصباح: أسبوعان لتقديم مواد بصرية مقنعة للجنة التمويل. وإذا لم ينجح العرض، فقد يُعاد توزيع جزء من الميزانية على مشروع آخر.

قالت رُبى: «أنت تعرفين أن اللجنة لا تقرأ التقارير الطويلة. يريدون شيئًا يرونه.»

«وأنا أريد أن يستمر المشروع.»

«إذن أعطيني مادة واحدة نستطيع نشرها.»

فتحت سُهى ملف الموافقات. كانت فيه وثائق أقل جاذبية، لكنها صالحة للاستخدام. اختارت مجموعة صور لدفاتر جمعية أهلية قديمة، ثم توقفت عند اسم متبرع وافق على إتاحة مراسلاته بشرط حذف صفحة كاملة.

قالت رُبى: «لو تركنا الصفحة، ستصبح القصة أفضل.»

«سنحذفها.»

«أحيانًا أشعر أنك تحمين الوثائق من الجمهور بدل أن توصليها إليه.»

لم تجب سُهى فورًا.

كانت تعرف أن رُبى محقة في شيء واحد: حرصها قد يجعل المشروع باهتًا. وإذا فشل المعرض، فلن تنفع أصحاب الوثائق كل السياسات التي كتبتها. كما أنها كانت تطمح إلى قيادة المشروع بعد مرحلته التجريبية، وقد أخبرت المدير بأنها قادرة على تحقيق أثر جماهيري واضح.

أعادت فتح الرسالة، ثم قالت: «سأتواصل مع المتبرع غدًا. سأطلب إذنًا جديدًا لاستخدام مقطع محدد، وأشرح له أين سيظهر. إذا رفض، نبحث عن مادة أخرى.»

«وإذا وافق؟»

«تجهزين التصميم الذي تريدينه.»

ابتسمت رُبى.

«هذا كلام يمكن العمل به.»

بعد انصرافها، بقيت سُهى وحدها دقائق إضافية. كتبت إلى المدير أنها ستقدم قائمة نهائية خلال خمسة أيام، مع بيان بالموافقات المطلوبة.

كان بإمكانها أن تطلب أسبوعين كاملين، لكنها لم تفعل. أرادت أن تثبت قدرتها على إنجاز العمل بسرعة، حتى لو اضطرها ذلك إلى قضاء بقية عطلة الأسبوع في المكتب.

عند خروجها، اتصلت بزياد.

«هل أنت مشغول؟»

«قليلًا. ما الأمر؟»

«لا شيء مهم. أردت الاطمئنان عليك.»

سألها عن يومها، فأخبرته بمشكلة الوثائق والمهلة الجديدة.

قال: «خمسة أيام؟ ظننت أن أمامكم أسبوعين.»

«أمامنا أسبوعان، لكنني وعدتهم بخمسة.»

«لماذا؟»

«لأنني أريد إنهاء الأمر.»

«أم لأنك تريدين أن يلاحظوا أنك تستطيعين إنجازه أسرع من الآخرين؟»

ابتسمت رغم أنها لم تحب السؤال.

«الاثنان.»

سمعته يضحك بخفة.

قالت: «وماذا عنك؟ كيف سار لقاء اليوم؟»

نظر زياد إلى الصندوق الموضوع قرب خزانة غرفة نومه.

«كان مفيدًا.»

«مع من التقيت؟»

«شخص يعمل في المشاريع الثقافية.»

«بخصوص العمل؟»

تردد.

«بخصوص بعض الأوراق القديمة.»

«أي أوراق؟»

«أشياء أحتفظ بها منذ سنوات. سأشرح لك لاحقًا.»

قالت: «حسنًا.»

لم تضغط عليه. لكنها انتظرت أن يضيف شيئًا، وحين لم يفعل، أنهت المكالمة بعد أن اتفقا على الحديث بشأن الزيارة العائلية في اليوم التالي.

ظل زياد ممسكًا بالهاتف بعد انقطاع الاتصال.

كان يستطيع أن يقول لها اسم سُميّة. وكان يعرف أنها ستسأله بعدها أسئلة لا يملك لها إجابات مرتبة.

وضع الهاتف على الطاولة، واتجه إلى غرفة النوم.

كانت الساعة تقترب من العاشرة حين فتح زياد الصندوق البني.

أخرج الأظرف ورتبها على الأرض بحسب التواريخ. بعضها يحمل عنوان شقته القديمة، وبعضها أُرسل إلى مكتب كان يتدرب فيه قبل حصوله على رخصة المحاماة. تغيرت العناوين، وبقي خط سُميّة كما هو: مائلًا قليلًا إلى اليمين، مع حروف متباعدة كأنها لا تريد أن تتزاحم.

اختار رسالة من صيف قديم.

«زياد،

أعرف أنك لا تحب أن يسألك أحد عما تشعر به. تفضل الأسئلة التي يمكن الإجابة عنها بحجة أو مادة قانونية أو مثال من قضية سابقة. لكنني لا أكتب إليك لأطلب مرافعة. أريد فقط أن أعرف إن كنت سعيدًا حين نلتقي، أم أنك تأتي لأنك لا تعرف كيف تعتذر عن الغياب.»

قرأ الفقرة مرة أخرى.

لم يحتفظ بنسخ من رسائله إليها. كان لديه ما كتبته هي وحدها، ولذلك بدت العلاقة على الورق حديثًا طويلًا لم يصل منه إلا صوت واحد.

تذكر حفل توقيع كتابها الثالث.

كان قد وصل متأخرًا. بقيت في القاعة رائحة القهوة الباردة، وصوت عامل يسحب الكراسي على الأرض. كانت سُميّة تجمع النسخ المتبقية، وقد نزعت حذاءها الضيق ووضعته أسفل الطاولة.

قال لها: «أعتذر، تأخرت في المكتب.»

«أعرف.»

«لم أستطع المغادرة.»

رفعت كتابًا من الأرض ووضعته فوق الكومة.

«لا أطلب تفسيرًا.»

ساعدها في حمل الكتب إلى سيارتها. وعندما عرض أن يوصلها، أشارت إلى سيارتها الواقفة على بعد خطوات وقالت: «جئت وحدي، وسأعود وحدي.»

لم تكن غاضبة بالمعنى الذي اعتاد التعامل معه. لم ترفع صوتها، ولم تطلب منه أن يعدها بشيء. وهذا ما جعل الطريق إلى منزله أطول مما توقع.

عاد إلى الرسالة.

في صفحتها الثانية، كتبت سُميّة: «أحيانًا أظن أنك تحب أن تكون الشخص الذي ألجأ إليه، أكثر من حبك لوجودي فعلًا في حياتك. وربما أكون ظالمة. أنا أيضًا أحب أن أشعر بأن هناك من ينتظر كلماتي. لا أعرف إن كنت أكتب إليك دائمًا لأن لدي ما أقوله، أم لأنني لا أحتمل أن يبقى يومي بلا شاهد.»

توقف عند الجملة الأخيرة.

لم يتذكر هذا الاعتراف. أو لعله قرأه يومها على أنه عتاب آخر، ولم ينتبه إلى أنها كانت تتحدث عن نفسها أيضًا.

في سنوات شهرتهـا الأخيرة، أصبحت سُميّة أكثر حساسية تجاه صمت الآخرين. كانت تراقب مبيعات كتبها، وتسأل عن المراجعات، وتدّعي أحيانًا أنها لا تهتم بما يقال عنها. وإذا قرأت نقدًا قاسيًا، بقيت تتحدث عنه أيامًا.

ذات مرة، أرسلت إليه مقالًا ينتقد روايتها الجديدة، ثم اتصلت لتسأله عن رأيه.

قال إنه لم يجد وقتًا لقراءته.

أجابته بحدة: «تجد وقتًا لقراءة مئات الصفحات في قضية لا تعنيك، ولا تجد عشر دقائق لما أكتبه.»

أغلق المكالمة غاضبًا. وبعد ساعات وصلته رسالة اعتذار قصيرة، تبعتها رسالة أطول تشرح فيها أنها كانت خائفة من فشل الكتاب.

لم تكن سهلة دائمًا. وكان زياد يعرف أنه هو أيضًا لم يكن سهلًا.

وضع رسالة الصيف جانبًا، وأخرج دفترًا صغيرًا ذا غلاف أخضر.

احتوى الدفتر على ملاحظات لرواية لم تكتمل. شخصيات، وأماكن، ومشاهد مشطوبة، وأسئلة كتبتها سُميّة في هوامش الصفحات.

وجد عبارة تقول: «أخشى أن يقرأ الناس ما أكتبه بحثًا عن حياتي، لا عن الشخصيات التي صنعتها.»

وفي صفحة لاحقة: «لكن ماذا يريد الكاتب من قارئه إذا كان يخاف أن يعرفه؟ أكتب أحيانًا كأنني أضع رسالة في مكان عام، ثم أغضب حين يفتحها أحد.»

ابتسم زياد ابتسامة باهتة.

كانت هذه سُميّة التي عرفها؛ تريد أن تُفهم، ثم تنزعج حين يقترب أحد أكثر مما تحتمل. تحب الظهور في المناسبات الأدبية، لكنها تكره الأسئلة التي تلي التصفيق. وتطلب الصراحة، ثم تحتاج وقتًا لتغفرها.

قلب صفحة أخرى فوجد وصفًا لشخصية محامٍ شاب يتجنب الإجابة عن سؤال بسيط. لم يكن الاسم مكتوبًا، ولم تتجاوز الملاحظة بضعة أسطر.

أغلق الدفتر.

لم يكن متأكدًا إن كانت تقصده. ولم يشأ أن يفتش في بقية الصفحات عن أدلة تؤكد ظنه.

رن هاتفه.

رسالة من فراس: «سعدت بلقائك. إذا رغبت في تقييم أولي للأرشيف، أستطيع تزويدك باسم مختص مستقل.»

قرأ زياد الرسالة ثم أعاد الهاتف إلى مكانه.

أخرج رسالة الصيف من ظرفها، ووضعها فوق الدفتر الأخضر. كان الورق قد اصفر عند الحواف، وفي أسفل الصفحة بقعة صغيرة لا يعرف مصدرها.

تذكر أن سُميّة كانت تكتب رسائلها بالحبر الأزرق، حتى بعد أن صار البريد الإلكتروني أسهل. قالت له مرة إنها تحب أن تصل كلماتها في شيء يستطيع أن يضعه على مكتبه.

أما الآن، فقد صار الشيء نفسه قابلًا لأن يوضع في خزانة عرض، أو في يد شخص لا يعرفها.

أعاد الأوراق إلى الصندوق، باستثناء الدفتر الأخضر. وضعه في درج مكتبه، وأغلق الدرج بالمفتاح.

في صباح الأحد، فتح زياد البريد الإلكتروني الذي وصل إليه من مؤسسة الرفاعي الثقافية. وجد رقم هناء أسفل الرسالة، واتصل بها قبل أن يبدأ عمله.

أجابت بعد رنتين.

«صباح الخير، أستاذ زياد.»

«صباح النور. لدي سؤال عن الأسماء التي تواصلتم معها.»

«تفضل.»

«كيف وصلتم إلى اسمي؟»

«من سجل قديم أعدته الأستاذة سُميّة بنفسها. كان ضمن ملفاتها التنظيمية التي انتقلت إلى المؤسسة.»

اعتدل في جلسته.

«هل سجلت أسماء الأشخاص الذين راسلتهم؟»

«بعض الأسماء والعناوين. لا توجد أمامي تفاصيل عن طبيعة العلاقة بكل شخص.»

«وهل تركت تعليمات تخص هذه المراسلات؟»

«لا أعرف. السجل الذي اطلعت عليه لا يتضمن تعليمات.»

سكت زياد، ثم سأل عن إمكانية حفظ مسودات أدبية غير منشورة.

«هل لديك مسودات؟» سألت هناء.

نظر إلى الدرج المقفل.

«ربما. لم أفحص كل ما لدي بعد.»

قالت هناء إنها تستطيع ترتيب لقاء مع مسؤول الأرشيف حين يقرر ذلك. شكرها وأنهى المكالمة.

بقيت أمامه ورقة كتب عليها اسم سُميّة قبل الاتصال. رسم تحت الاسم خطًا، ثم شطبه.

بعد قليل فتح موقعًا متخصصًا في المقتنيات الأدبية. كان قد عثر عليه بنفسه أثناء البحث عن طرق توثيق الرسائل، لا عبر رابط أرسله أحد.

عرض الموقع صورًا لمخطوطات وطبعات أولى ومراسلات قديمة. إلى جانب كل قطعة وصف لحالتها وتاريخها، وفي بعض الصفحات تقديرات مالية.

بحث عن اسم كاتبة عربية معروفة، فوجد رسالة قصيرة بيعت قبل أعوام ضمن مجموعة خاصة. لم يكن مضمونها مهمًا في نظره: اعتذار عن حضور مناسبة أدبية، مع تحية إلى صاحب الدعوة.

ومع ذلك، كان الثمن أعلى مما توقع.

أغلق الصفحة، ثم فتحها مجددًا.

قرأ وصف الرسالة، ولاحظ أن عدد الأسطر وتاريخ الكتابة وحالة الورق كلها عناصر تدخل في التقييم.

مد يده إلى محفظته وأخرج بطاقة فراس.

كتب إليه: «أريد اسم المختص الذي ذكرته. أحتاج إلى معرفة إجراءات التقييم الأولي، دون إرسال أي صور في هذه المرحلة.»

وصل الرد بعد دقائق: «سأرسل بياناته. والأفضل أن تبدأ بقائمة وصفية للمواد، دون محتواها.»

كانت تلك أول خطوة اتخذها زياد من تلقاء نفسه.

لم يعرض شيئًا للبيع، ولم يكشف اسم سُميّة. لكنه طلب طريقًا لمعرفة القيمة.

عند الظهيرة، اتصل به أخوه مازن بشأن الزيارة العائلية المتفق عليها. تحدثا عن والدتهما وترتيبات نهاية الأسبوع، ثم سأله مازن إن كان يحتاج إلى مساعدة في مصروفات الزواج.

قال زياد: «لا، الأمور تحت السيطرة.»

«لم أسألك إن كانت تحت السيطرة.»

ابتسم زياد.

«أعرف. شكرًا لك.»

«إذا احتجت شيئًا، قل لي قبل أن تتورط في دين.»

وعده بأنه سيفعل.

بعد المكالمة، تذكر المشروع الصغير الذي بدأه مازن قبل أشهر، والقرض الذي ما زال يسدده. لم يشأ أن يضيف إلى أعبائه، لكنه لم يكن مستعدًا أيضًا لأن يشرح له وضع المكتب بالتفصيل.

في المساء، عاد إلى الصندوق.

وضع على الأرض ثلاث مجموعات: رسائل تتعلق بالكتب والعمل، ورسائل عن تفاصيل الحياة اليومية، ورسائل شخصية لم يقرأ معظمها منذ سنوات.

أحضر دفترًا جديدًا، وكتب في الصفحة الأولى: «مراسلات سُميّة الرفاعي».

ثم بدأ الإحصاء.

سجل تاريخ كل رسالة، وعدد صفحاتها، وحالة الظرف. في البداية كتب الملاحظات بخط واضح، ثم صار يتوقف طويلًا عند بعض التواريخ. كان أحدها يوافق اليوم الذي تشاجرا فيه بعد حفل التوقيع، وآخر يسبق سفرها الأخير إلى القاهرة.

حين وصل إلى الرسائل الشخصية، أمسك أحد الأظرف دون أن يفتحه. كان عليه اسمه وحده، بلا عنوان. تذكر أنها أعطته إياه بيدها في لقاء قصير.

ترك خانة الوصف فارغة.

ثم تابع العد.

عند الانتهاء، كتب في أسفل الصفحة: «المجموع: 47 رسالة.»

ظل القلم بين أصابعه. كان الرقم صالحًا لقائمة أرشيفية، وربما لتقرير تقييم يقرأه شخص غريب.

نظر إلى الأظرف المصفوفة أمامه، وإلى الخط الذي يعرفه على كل واحد منها.

سبع وأربعون رسالة.

سبع وأربعون مرة اختارت فيها سُميّة أن تكتب إليه.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات