رواية ظلال النيون

رواية 📅 أكتوبر 05, 2026



رواية ظلال النيون - رواية | تشويق نفسي | إثارة رقمية | جريمة إلكترونية | دراما اجتماعية

الفصل الأول: وميض الشاشة

في الزاوية القصية من الغرفة، حيث ينحسر ضوء النهار قبل أن يصل إلى بقية الشقة، كانت ريم تجلس مطوية على نفسها كصفحةٍ لم يفتحها أحد منذ زمن. أمامها شاشة الكمبيوتر الكبيرة تنبض بألوانها الزاهية، تعرض تصميمها الأخير الذي كانت تعمل عليه منذ ثلاثة أيام متواصلة. كانت اللوحة خليطاً من الظلال السماوية والبنية الداكنة، تشبه غروباً لا يشبه أي غروب حقيقي، غروباً اخترعته من خيالها لأنها لم تجرؤ يوماً على مشاهدة غروب حقيقي من نافذة مفتوحة. كانت ستارة الشرفة مسدلة دائماً، لا تسمح للعالم الخارجي بالتسلل إلى مملكتها الصغيرة.

كانت ريم تعرف أن هذه العزلة ليست طبيعية، لكنها كانت مريحة. مريحة إلى درجة أنها لم تعد تعرف كيف تتصرف بين الناس. كلما خرجت من شقتها إلى الجامعة، شعرت أن ثيابها ليست ثيابها، وأن صوتها ليس صوتها، وأن الضحكات التي تضحكها ليست ضحكاتها. كانت تؤدي دوراً، ثم تعود إلى شاشتها لتلتقط أنفاسها.

ناداها والدها من الصالة بصوتٍ حادٍ اعتادت عليه:

— ريم! ألم أطلب منك أن تخرجي؟ غداً حفل التخرج. يجب أن تختاري فستانك.

رفعت رأسها عن الشاشة بتثاقل. كان والدها رجلاً يعتقد أن الحياة عبارة عن سلسلة من المهام التي يجب إنجازها في مواعيدها المحددة. كان يعمل في التجارة ويسافر كثيراً، وكان يعود من كل رحلة بثروة جديدة وقسوة جديدة. لم يكن قاسياً عليها بالمعنى الجسدي، لكنه كان يعني أنه لا يجب أن يكون هناك وقت للضعف أو الحزن أو التردد. كانت أمها، رغم حضورها الجسدي، غائبة إلى حدّ كبير في بحوثها ومحاضراتها. كانت ريم تشعر أحياناً أنها ابنة إحدى النظريات الاجتماعية التي تدرسها أمها، لا ابنة حقيقية تعيش بين يديها.

كانت سارة، زميلتها في الجامعة، هي المنفذ الوحيد الذي وجدته ريم من هذا العالم المنغلق. كانت سارة فتاة اجتماعية وثرية، تعيش حياة تبدو مثالية من الخارج. جمعتهما مادة التصميم الجرافيكي، واستطاعت ريم، بموهبتها المبدعة، أن تلفت انتباه سارة. أنشأت سارة مجموعة صغيرة على تطبيق المحادثة، دعت فيها ريم، وبعض الفتيات الأخريات من الجامعة، لمشاركة تصاميمهن وآرائهن. كانت المجموعة تشعر ريم بأنها جزء من شيء أكبر، ولو كان افتراضياً.

في تلك الليلة، كانت ريم تضيّق فستانها الجديد أمام المرآة. كان الفستان الأزرق الداكن يبرز ملامحها الهادئة، لكن عينيها كانتا تحملان تعباً لم يظهر على وجهها. أخبرت أمها أنها ستذهب إلى حفل التخرج بصحبة صديقاتها. لم تبدِ أمها اهتماماً كبيراً، سوى أنها طلبت منها ألا تتأخر. وافقت ريم، وكذبت كذبة صغيرة، كالعادة.

كان الحفل أقيم في فندقٍ فاخر في وسط الرياض. كانت القاعة غاصة بالضيوف، وامتلأ المكان بضحكاتٍ عالية وموسيقى صاخبة. وقفت ريم في زاوية القاعة، تتأمل وجوه الناس الذين يتحدثون بثقة، وكأنهم يعرفون بالضبط ماذا يقولون وماذا يفعلون. بينما كانت هي واقفة، تحاول أن تندمج، أخذت سارة صورة لها بجانب بعض الزهور البيضاء، وأرسلتها إلى المجموعة. لم تكن ريم تحب الصور، لكنها لم تجد طريقة للرفض.

في تلك الليلة، وبينما كانت ريم تعود إلى شقتها في سيارة الأجرة، شعرت بشيء غريب يتحرك في صدرها، ليس قلقاً كالذي اعتادت عليه، بل نوعاً من الإحساس بأنها كانت تحت أنظار أحد ما. لكنها تجاهلت الشعور، ونسيت الأمر مع زحام اليوم التالي.

وفي صباح اليوم التالي، وبينما كانت ريم تحضر لنفسها كوباً من القهوة، أومض هاتفها برسالة نصية من رقم غريب. فتحتها بلا اهتمام، وكان النص يقول:

«أنت رائعة بالفستان الأزرق. لكن الصورة الثانية أجمل. لديك 24 ساعة.»

تجمدت ريم في مكانها. عادت لتقرأ الرسالة مرة أخرى، ومرة ثالثة. ثم ضغطت على الرابط المرفق. فتحت الصفحة على هاتفها، وظهرت صورة لها من الحفل، بفستانها الأزرق. لكنها لم تكن الصورة التي أرسلتها سارة إلى المجموعة. كانت صورة أخرى، من زاوية أخرى، وهي تبتسم بابتسامة غريبة. صورة التُقطت لها من خلفها دون علمها.

ارتجف جسدها. لم تعرف كيف تتعامل مع هذا الموقف. من أين جاء هذا الرقم؟ من أين جاءت هذه الصورة؟ ولماذا يهددها أحد؟

مسحت الرسالة وحظرت الرقم، ومشت إلى غرفتها. كانت تتظاهر بأنها لم ترَ شيئاً، لكن شيئاً ما كان قد انكسر في داخلها. جلست أمام المرآة، ونظرت إلى وجهها، وتذكرت كلمات والدها: «يجب أن تكوني قوية.» لكنها لم تكن قوية. كانت خائفة.

في تلك الليلة، لم تنم. كلما أغمضت عينيها، رأت الصورة. كلما حاولت أن تنسى، عاد الرقم ليومض في ذاكرتها. كانت تعرف أن شيئاً ما بدأ، ولم يكن بإمكانها إيقافه. كانت تشعر أن فراشها ليس فراشها، وأن غرفتها ليست غرفتها. كان الظلام الذي اعتادت عليه غير كافٍ لإخفائها هذه المرة.

في الصباح، حاولت أن تصلي، لكن الدموع سبقتها. لم تكن تعرف ماذا تقول. لم تكن تعرف لمن تتحدث. فقط كانت تعرف أن ما كانت تخشاه في سرها قد بدأ يتحقق. وأن أول قطرة من المطر الثقيل كانت قد نزلت على وجهها.

وفي نفس اللحظة، ومع كل قطرة، كانت تشعر أن هناك من يراقبها. ليس من خلال النافذة، وليس من خلف الباب، بل من داخل الشاشة.

الفصل الثاني: أول قطرة

لم تكن ريم تعرف كم من الوقت مرّ وهي جالسة على الأرض، ظهرها مستند إلى حافة السرير، وساقاها ممدودتان أمامها بلا حياة. كان الهاتف ملقى بعيداً عنها على السجادة، شاشته لا تزال مضاءة، والرابط لا يزال مفتوحاً على الصورة التي قلبت عالمها رأساً على عقب.

حاولت أن تفكر. حاولت أن ترتب أفكارها كما ترتب طبقات تصميماتها، طبقة فوق طبقة، حتى تصل إلى صورة واضحة. لكن كل شيء كان مشوشاً. لم تكن تعرف من أين تبدأ، ولا إلى أين تنتهي.

الرقم كان غريباً. لا اسم، لا صورة، لا أي شيء يدل على هوية صاحبه. مسحت الرسالة، وحظرت الرقم، ثم أغلقت الهاتف تماماً. لكن الصورة كانت قد انتقلت من الشاشة إلى عقلها، ومن عقلها إلى جسدها. كانت تشعر بها تحت جلدها، مثل شظية زجاج لا يمكن إخراجها.

في الساعة الثالثة فجراً، استيقظت من نوم لم تكن متأكدة إن كانت قد دخلته أصلاً. كان قلبها يخفق بعنف، وكأنها كانت تجري في حلمٍ لم تتذكره. أخذت هاتفها بيدٍ مرتجفة، وأعادت تشغيله. لم تكن هناك رسائل جديدة. تنفست الصعداء، لكن الراحة لم تدم. كانت تعرف أن الصمت ليس علامة على الأمان، بل على انتظار ما هو أسوأ.

في الصباح، وبينما كانت تجلس في المطبخ تحاول أن تتناول قطعة خبز جافة، رنّ الهاتف. رقم مجهول. ترددت. ثم أجابت.

صوت رجل. هادئ. بارد. ليس غاضباً ولا متعجلاً، بل يتحدث وكأنه يشرح مسألة حسابية بسيطة.

— صباح الخير يا ريم.

تجمدت. لم تكن تعرف كيف عرف اسمها. لم تكن تذكر أن أحداً من الغرباء قد ناداها باسمها في ذلك الحفل. لكنه كان يعرفه.

— من أنت؟ - قالت بصوت مبحوح.

— لا يهم من أنا. يهم أنني أملك شيئاً تريدينه.

— ماذا تريد؟

— أريد أن نتحدث. فقط. لا شيء أكثر.

— لا أفهم.

— ستين ثانية من وقتك. فقط استمعي.

صمتت. لم تكن تعرف ماذا تقول. كان الخوف قد سرق قدرتها على الكلام.

— لديّ صور أخرى. أكثر من التي رأيتِها. صور من الحفل، ومن أماكن أخرى. صورة لك وأنتِ في الجامعة. صورة لكِ وأنتِ خارجة من السيارة. أنتِ لا تلاحظين الكثير من حولك، أليس كذلك؟

شعرت ريم أن الأرض تتحرك تحت قدميها. كان يعرف عنها أكثر مما تعرف هي عن نفسها.

— لماذا تفعل هذا؟

— لأنني أريد أن أكون صديقك. وأصدقاءك يسمعونني. أنتِ لا تسمعينني.

— أنت مجنون.

— لا. أنا فقط أعرف قيمة ما أملكه. وأنتِ أيضاً ستعرفين قريباً.

أغلقت الخط. لم تكن تعرف كيف أغلقت، لكنها وجدت نفسها واقفة في منتصف المطبخ، والهاتف في يدها، والدم يتجمد في عروقها.

مرّت الساعات التالية كأنها سنوات. حاولت أن تعمل، لكن يديها كانتا ترتجفان. حاولت أن تتصل بأمها، لكنها تذكرت أن أمها في الجامعة، وأنها ستسأل أسئلة لا تريد الإجابة عليها. حاولت أن تتصل بسارة، لكنها تذكرت أن سارة لم تكن تعرف شيئاً عن حياتها الحقيقية. كانت سارة تعرف فقط الريم المبتسمة، الريم التي تبدو هادئة وواثقة. لم تكن تعرف الريم التي تختبئ تحت الأغطية وتنتظر أن يمر اليوم دون أن يحدث شيء.

في الخامسة مساءً، رنّ الهاتف مرة أخرى. نفس الرقم. لم تجب. ثم وصلت رسالة نصية:

«أعرف أنك خائفة. هذا طبيعي. لكنك ستعتادين. في النهاية، كلنا نعتاد على الأشياء التي نخافها.»

مسحت الرسالة بسرعة، وكأنها تريد أن تمنع الكلمات من الدخول إلى عقلها. لكن الكلمات كانت قد دخلت بالفعل. كانت تتردد في رأسها، مثل صدى لا ينتهي.

في تلك الليلة، اتصلت بنورة. نورة كانت صديقتها منذ الثانوية. كانت الفتاة الوحيدة التي لم تحاول يوماً أن تغيّر ريم، ولم تطلب منها أن تكون شخصاً آخر. كانت تعمل في مجال الأمن السيبراني، وكانت دائماً تقول لريم إنها في العالم الخطأ. كانت تعرف أن ريم تحب العزلة، لكنها كانت تحذرها من أن العزلة ليست دائماً أماناً.

— ريم؟ كل هذا الوقت؟ ما الذي حدث؟

— لا أعرف من أين أبدأ يا نورة.

— من البداية. خذي نفساً.

أخذت ريم نفساً، وبدأت تحكي. حكت عن الحفل، عن الصورة، عن الرسالة، عن المكالمة. حكت عن الخوف الذي كان يعصر قلبها، وعن الشعور بأنها تحت المراقبة في كل لحظة.

صمتت نورة لفترة. ثم قالت:

— أرسلي لي الرقم.

— لقد حظرته.

— لا يهم. الرقم موجود في سجل المكالمات. أرسليه. وأرسلي لي الرابط أيضاً. سأرى ما يمكنني فعله.

— هل تعتقدين أنه مجرد شخص متهور؟

— لا. من يهدد بهذه الطريقة، ويعرف كل هذه التفاصيل، ليس متهوراً. هذا شخص منظم.

— ماذا يعني ذلك؟

— يعني أنك لستِ أول فتاة يفعل بها هذا. ويعني أيضاً أن الحل لن يكون بسيطاً.

شعرت ريم ببرودة تتسلل إلى صدرها. كانت تعرف أن نورة لا تجامل. كانت تقول الحقيقة دائماً، حتى عندما تكون الحقيقة مؤلمة.

— ماذا أفعل؟

— في الوقت الحالي، لا تفعلي شيئاً. لا تردي على الرسائل، ولا تجيبي على المكالمات. سأفحص الرقم. لكن في الوقت نفسه، لا تحذفي أي شيء. قد نحتاج إليه لاحقاً.

— حسناً.

— وأنتِ بخير؟

لم تكن ريم تعرف كيف تجيب على هذا السؤال. لم تكن بخير. لكنها لم تكن تعرف أيضاً كيف تشرح ما تشعر به. فقط قالت:

— سأكون.

بعد أن أغلقت الخط، نظرت ريم إلى هاتفها. كان الرقم لا يزال موجوداً في سجل المكالمات. نظرت إليه طويلاً، ثم أغلقت الهاتف. كانت تعرف أن الصمت الذي كانت تعيش فيه قد انتهى. وأن الفصل الأول من حياتها الجديدة قد بدأ، بلا استئذان.

وفي الخارج، كانت أضواء النيون تتراقص على واجهات المباني، تنير الطرقات، وتخفي في ظلالها ما لا يريد أحد أن يراه. كانت ريم تنظر إليها من خلف الستارة المسدلة، وتتساءل: كم من الناس يمرون تحت هذه الأضواء كل ليلة، وهم يحملون أسراراً لا يجرؤون على البوح بها؟

لم تكن تعرف أن الإجابة كانت: كثيرون. وأن أحدهم كان يراقبها في تلك اللحظة من خلف شاشة، مبتسماً ابتسامة باردة، وهو يعدّ الأيام حتى تنضج الفاكهة.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات