رواية الحمولة الأخيرة
الحمولة الاخيرة - دراما نفسية / تشويق / أدب الطريق / دراما إنسانية
الفصل الأول — الحمولة
الفجر لم يكن قد وصل بعد، لكن الديزل كان قد استيقظ.
اهتزاز خفيف يمر عبر أرضية المقصورة، ثم يزداد قوة حتى يصبح نبضًا يُحَسّ في الكعبين. صوت المحرك يتحول من همسة إلى زئير منخفض، كأن حيوانًا كبيرًا يمدّ ظهره قبل النهوض.
ناصر فتح عينيه.
المقصورة كانت ضيقة كما دائمًا. رائحة قديمة من الجلد المتآكل والمطاط والبنزين القديم الذي يتسلل من كل مكان. على الجدار الأمامي، صورة صغيرة لابنته ريم ملتصقة بالزجاج الأمامي — وجهها مبتسم، شعرها قصير، تلبس قميص المدرسة الأزرق. التقطت الصورة قبل ثلاث سنوات عندما كانت لا تزال في الرياض. الآن تدرس في المدينة، وناصر لم يرها منذ شهرين.
نظر إلى الساعة. الرابعة وخمس عشرة.
كان عليه أن يكون خارج المدينة قبل أن يستيقظ أحد.
أخرج هاتفه. شاشة مضيئة في الظلام. رسالة واحدة من راشد:
العقد ينتهي يوم الخميس. لا تأخير.
ناصر أغلق الهاتف دون أن يرد. الرسالة نفسها أرسلها راشد أمس، وأول أمس، وكل يوم منذ أسبوع. كان يعرف ماذا يعني ذلك: إذا لم يصل إلى تبوك في الموعد، ستخصم الشركة أجره بالكامل. وإذا لم يتقاضَ أجرًا هذا الشهر، فلن يستطيع إصلاح المحور الخلفي الذي بدأ يصدر صوتًا غريبًا منذ ثلاثة أسابيع.
وضع يده على المقود.
«العنز» — هكذا كان يسمي شاحنته. شاحنة ثقيلة، حمراء اللون، مسنّة لكنها قوية. محورها الخلفي يحتاج إلى تغيير، ونظام التبريد في المقطورة الثانية أعطى تنبيهًا قبل يومين، فتجاهله ناصر. قال لنفسه إن الأمر بسيط. قال «غدًا».
ثم نظر إلى المقعد المجاور.
فارغ.
لم يصبح فارغًا إلا منذ ستة أشهر، لكنه بدا فارغًا منذ زمن طويل.
سالم كان يقف خلف الشاحنة.
لا يزال يرتدي معطفه الثقيل رغم أن البرد كان قد خف قليلًا. يداه داخل جيب المعطف. عيناه تتابعان الدخان الأبيض الذي يخرج من عادم الشاحنة.
الدخان الأبيض.
رائحته معدنية. حلوة قليلاً. مثل رائحة البطاريات التي يحملها في المقطورة الثانية.
لم يكن يخاف من الشاحنة. لم يكن يخاف من الطريق. لم يكن يخاف من البرد أو المطر أو العواصف الرملية.
لكنه يخاف من الدخان الأبيض.
منذ حريق عام 2019، أصبح هذا اللون مرتبطًا بشيء لا يريد تذكره.
تنفس بعمق.
— صباح الخير يا سالم.
صوت ناصر جاء من نافذة المقصورة.
— صباح النور.
— تعال، خلنا نمشي.
سالم أومأ برأسه. مشى نحو المقصورة. صعد. جلس في المقعد الأمامي.
المقصورة ضيقة. مقعده قريب جدًا من ناصر. يمكنه شم رائحة القهوة التي يشربها ناصر كل صباح. يمكنه سماع تنفسه. يمكنه رؤية الخطوط العميقة حول فمه التي تظهر عندما يكون متوترًا.
اليوم كانت الخطوط واضحة.
الشاحنة تحركت.
بطيئة أولًا. ثم تسارعت تدريجيًا. الإطارات الواسعة تدحرجت فوق الأسفلت البارد، والصوت الذي يصدره الاحتكاك كان مألوفًا لناصر أكثر من أي صوت آخر في حياته.
خارج النافذة، الرياض كانت لا تزال نائمة. أضواء قليلة. سيارات نادرة. السماء رمادية فاتحة، تنتظر الشمس.
ناصر وضع يده اليمنى على المقود واليسرى على ناقل الحركة. يداه كبيرتان، خشنتان، مليئتان بالندوب الصغيرة التي تركتها سنوات العمل بالمعادن والزيوت والحبال.
— كم باقي لنا؟
سؤال سالم جاء بهدوء.
— إلى تبوك؟
— إيه.
— اليوم واليوم اللي بعده. إذا ما صار شي.
— وما يصير شي.
— الله يعين.
صمت.
ناصر لم يحب الصمت. لكنه لم يكن يعرف كيف يكسره أيضًا.
سالم ينظر من نافذته إلى الطريق.
الرياض بدأت تختفي خلفهم. المباني العالية تتحول إلى منازل منخفضة. المنازل تتحول إلى صحراء. الصحراء تبدأ بأرض حمراء، ثم تتحول إلى بني فاتح، ثم إلى رمادي.
هذا هو المسار الأحمر. طريق الشحن الرئيسي بين الرياض وتبوك. ألف وثلاثمائة كيلومتر تقريبًا. يمر بالقصيم، ثم المدينة المنورة، ثم يدخل منطقة تبوك الساحلية حيث يبدأ الضباب.
سالم يعرف هذا الطريق جيدًا. مرّ فيه عشرات المرات. يعرف كل منعطف، كل نقطة توقف، كل محل وقود. يعرف أين تكون الرياح قوية وأين يكون الطريق أملس.
لكنه لا يعرف شيئًا عن الحمولة التي تحملها المقطورة الثانية.
لا يسأل.
يعرف أنها بطاريات ليثيوم. يعرف أنها خطرة. يعرف أن نظام التبريد يجب أن يعمل طوال الرحلة. يعرف أن التنبيه الذي ظهر قبل يومين يعني أن شيئًا ما ليس طبيعيًا.
لكنه لا يسأل.
لأن السؤال يعني الاهتمام. والاهتمام يعني المسؤولية. والمسؤولية تعني أنه لو حدث شيء سيحمل جزءًا من اللوم.
وهو لا يريد أن يحمل لومًا جديدًا.
الظهيرة.
الشاحنة وصلت إلى محطة وقود في القصيم. ناصر نزل. ملأ خزان الوقود. فحص الزيت. نظر إلى المحور الخلفي.
الصوت الغريب كان موجودًا.
ليس قويًا. ليس مزعجًا. لكنه موجود.
وضع يده على الإطار. شعور خفيف بالاهتزاز غير الطبيعي. كأن شيئًا ما داخل المحور لا يعمل كما ينبغي.
— لازم أشيك عليها.
قالها لنفسه.
ثم فكر في العقد. في راشد. في الغرامة. في الوقت.
— غدًا.
قالها لنفسه مرة أخرى.
ثم عاد إلى المقصورة.
سالم رأى ناصر يفحص المحور. رأى يده على الإطار. رأى تعبير وجهه.
عرف أن هناك مشكلة.
لكنه لم يقل شيئًا.
لأنه يعرف ناصر. يعرف أن ناصر لا يحب أن يُقال له ماذا يفعل. يعرف أن ناصر يفضل أن يقول «غدًا» ثم يأمل أن المشكلة ستختفي بنفسها.
وهذا بالضبط ما سيفعله.
سالم نظر إلى المقطورة الثانية.
البطاريات.
التبريد.
التنبيه.
كل شيء يشير إلى خطر. وكل شيء يشير إلى أن ناصر سيتجاهله.
تنهد.
ثم نظر إلى الطريق أمامه.
طويل.
قبل منتصف الليل بقليل، أوقف ناصر الشاحنة في موقف واسع خارج المدينة المنورة. لم يكن في المكان سوى ثلاث شاحنات بعيدة ومصباح أصفر يهتز ضوؤه فوق مبنى الخدمات.
فتح شاشة المراقبة. ظهر تنبيه أصفر لنظام تبريد المقطورة الثانية.
قال سالم من المقعد المجاور:
— التنبيه رجع.
حدق ناصر في الرقم. كان أعلى من المعتاد، لكنه لم يصل إلى منطقة الخطر.
— أعرف.
— نوقف ونفحص؟
تردد ناصر. نظر إلى الساعة، ثم إلى رسالة راشد، ثم إلى الطريق الذي بقي أمامهما.
— نفحصها الصباح.
لم يجبه سالم.
أغلق ناصر الشاشة، لكن انعكاس اللون الأصفر بقي على الزجاج الأمامي لحظة أطول مما ينبغي.
في الخارج كانت المقطورات ساكنة. وفي الداخل، بين الرجلين، بدأت كلمة «غدًا» تفقد قدرتها على طمأنة أحد.
الفصل الثاني — الرائحة
قبل الفجر بساعة، كان سالم يقود وناصر نائمًا إلى جواره.
الطريق خالٍ، والأنوار الأمامية تشق الظلام في خطين قصيرين. خلفهما تمتد ثلاث مقطورات ثقيلة، وفي الثانية منها بطاريات ليثيوم لا يحب سالم حتى النظر إلى أوراقها.
شم الرائحة أولًا.
معدنية. حلوة قليلًا.
شد يديه على المقود.
حاول أن يقنع نفسه بأنها رائحة عادم أو مطاط ساخن. فتح النافذة، فدخل الهواء البارد ولم يأخذ الرائحة معه.
استيقظ ناصر على حركة سالم.
— وش فيك؟
— فيه ريحة.
— من وين؟
— من الخلف.
نظر ناصر إلى شاشة المراقبة. تنبيه أصفر. درجة الحرارة ارتفعت درجتين فقط.
— ما هي مشكلة.
لم يرد سالم.
بعد دقائق قال:
— وقف.
— سالم...
— وقف يا ناصر.
كان صوته مختلفًا. لا رجفة فيه هذه المرة، بل حدّ واضح لم يسمعه ناصر منه من قبل.
أوقف ناصر الشاحنة في مساحة ترابية آمنة. نزلا معًا. قرب المقطورة الثانية كانت الرائحة أوضح، لكن لا دخان، ولا حرارة خطرة. وضع ناصر كفه على جسم الصندوق ثم سحبها.
— دافئة شوي.
قال سالم:
— وهذا يكفي.
— التبريد شغال.
— والتنبيه موجود.
عاد ناصر إلى المقصورة وأجرى اتصالًا سريعًا بالدعم. أخبروه أن يراقب الحرارة وأن يتوقف فورًا إذا تجاوزت الحد المحدد. أغلق الهاتف وقال:
— نقدر نكمل.
ظل سالم واقفًا خارج الشاحنة.
— اركب.
لم يتحرك.
— سالم، لا نكبر الموضوع.
رفع سالم عينيه إليه.
— أنت ما تعرف وش قاعد تكبر.
صمت ناصر.
جلس سالم على الدرجة المعدنية عند باب المقصورة، ومرر كفيه على وجهه.
— أخوي مات في حريق بطاريات.
لم يقل ناصر شيئًا.
— مازن. 2019. بدأ الموضوع بريحة زي هذي. بعدين دخان أبيض. وبعدها ما عاد فيه وقت لأحد.
جلس ناصر خلف المقود، لكنه لم يشغل المحرك.
— ليش ما قلت لي؟
ضحك سالم ضحكة قصيرة بلا فرح.
— قلت لك إني ما أحب هالشحنات.
— هذا مو نفس الشي.
— بالنسبة لي هو نفس الشي.
حاول ناصر أن يجد جملة مناسبة. لم يجد سوى الجملة التي يعرفها دائمًا:
— لازم نوصل.
رفع سالم رأسه.
— وأنا لازم ما أعيشها مرة ثانية.
— ما راح يصير شيء.
— أنت ما تقدر تضمن.
— أقدر أتصرف.
— مثل المحور؟ مثل التبريد؟ كل شيء عندك «غدًا».
ضربت الكلمة ناصر أكثر مما توقع.
— لا تدخل أشياء ببعض.
— هي داخلة ببعض من زمان.
وقف سالم. فتح الباب وأخرج حقيبته الصغيرة من خلف المقعد. ثم أخرج مفتاح صندوق الأدوات من جيبه ووضعه على المقعد المجاور.
— وش تسوي؟
— أنزل.
— هنا؟
— أوصل المدينة بأي طريقة.
— سالم، لا تسويها.
توقف سالم عند الباب. كان وجهه شاحبًا، لكن صوته بقي ثابتًا.
— أنا ما أخاف أموت يا ناصر... أنا أخاف أعيش الحريق مرة ثانية.
نزل.
أغلق الباب.
بقي ناصر ينظر إلى المفتاح فوق المقعد.
لم يلحق به. لم يعتذر. لم يقل له ابق.
شغّل المحرك بعد دقائق طويلة.
وعندما تحركت الشاحنة، كان المقعد المجاور فارغًا للمرة الأولى منذ سنوات.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك

تعليقات
إرسال تعليق