ثلاثة عشر يومًا في وداي
لم يكن فوغل تاجرًا يبحث عن الربح، ولا جنديًا يحمل السلاح. كان مستكشفًا يريد أن يرى ويكتب ويرسم ويسجل ما يمر به، ثم يعود يومًا إلى بلاده بما جمعه من ملاحظات عن أراضٍ لم تكن معروفة جيدًا للأوروبيين في ذلك الوقت.
لكن أبشر لم تكن مكانًا يسهل على الغريب أن يعيش فيه. كان الناس شديدي الحذر من الغرباء، وكانت أخبار الجواسيس والإعدامات والعداوات السياسية تجعل الشك أسرع من الثقة. ولم يكن فوغل يدرك ذلك إدراكًا كافيًا.
استقبله الملك محمد شريف استقبالًا مقبولًا، وأُسكن في منزل العقيد جرما، أحد رجال الدولة. وفي الأيام الأولى بدا كل شيء هادئًا، لكن الهدوء لم يدم طويلًا.
كان فوغل يستيقظ مبكرًا كل يوم، فيتناول شيئًا من الطعام، ويحمل أوراقه وأدواته، ثم يخرج من المدينة. يمشي لمسافات طويلة، وأحيانًا يمتطي حصانه، ويتجول في المناطق المحيطة بأبشر. إذا رأى منظرًا لافتًا توقف، وإذا رأى شيئًا جديدًا كتبه، وإذا احتاج إلى تسجيل شكل مكان أو طريق أخرج أدواته ورسمه.
بالنسبة إليه كان هذا عملًا طبيعيًا، فهذه مهمته. لكن الناس لم ينظروا إليه بالعين نفسها. رأوا رجلًا غريبًا يخرج كل صباح، ويتجول وحده، ويكتب ويرسم طوال النهار، فبدأ السؤال يتردد: لماذا يفعل ذلك؟ وماذا يكتب؟ وماذا يرسم؟
في البداية كانت مجرد أسئلة، ثم تحولت إلى شكوك، ثم إلى أحاديث، وبدأت هذه الأحاديث تصل إلى رجال السلطة. كان العقيد جرما يراقب ضيفه، وبعد أيام قليلة من وصول فوغل أخبر الملك أن تصرفاته تبدو غريبة ومريبة. لم يكن لدى جرما دليل على أنه جاسوس، لكنه لم يحتج إلى دليل؛ فقد كفاه أن يرى ما يفعله الرجل بعين الريبة.
وكان هناك ما زاد الأمر سوءًا. فقد أعدم الملك محمد شريف قبل ذلك رجلًا من بنغازي اشتُبه في تجسسه لحساب الأتراك، وبعد تلك الحادثة أصبح وجود أجنبي جديد في البلاد أكثر إثارة للشك. وكان فوغل مختلفًا عن معظم من حوله؛ عيناه زرقاوان، وشعره أشقر، ويحمل أوراقًا وأدوات للكتابة والرسم. وبالنسبة إلى رجل خائف، كانت هذه التفاصيل كافية لصناعة قصة كاملة.
بدأ بعض الناس يربطون بين فوغل والرجل الذي أُعدم من قبل. قال بعضهم إنه ربما جاء ليعرف تفاصيل موته، وقال آخرون إنه ربما يريد متابعة ما كان ذلك الرجل يفعله. ومع تكرار الكلام بدأت الشائعة تبدو كأنها حقيقة.
لم يسأل أحد فوغل عن سبب رحلته، ولم يجلس أحد معه ليعرف ما يكتب، ولم يحاول أحد أن يقرأ دفاتره ليتأكد من الحقيقة. كان الحكم أسرع من السؤال، والخوف أقوى من الفضول.
أما فوغل فلم يكن يعلم شيئًا عن العاصفة التي تتشكل من حوله. استمر في عادته، وربما لاحظ أن بعض الوجوه أصبحت أكثر تحفظًا، لكنه لم يعرف السبب. كان غريبًا في أرض غريبة، لا يتقن العربية إلا قليلًا، فلم يكن قادرًا على فهم ما يدور حوله بسهولة. وهكذا أصبح الصمت بينه وبين أهل المدينة جزءًا من المشكلة: هو لا يفهمهم، وهم لا يفهمونه.
ازداد الشك مع مرور الأيام. كان فوغل يقضي معظم النهار خارج مسكنه، وكلما رآه الناس ازدادت قناعتهم بأن وراء سلوكه شيئًا خفيًا. حتى عاداته الشخصية صارت موضع حديث؛ فقد كان يأكل البيض بكثرة، ويستخدم عودًا للكتابة بدل الحبر الذي اعتاده أهل المكان. أمور بسيطة لا تحمل في ذاتها أي معنى، لكنها في أجواء الخوف أصبحت مادة للسخرية والريبة.
كان بعض الناس يتساءلون: كيف يمكن لرجل عاقل أن يأكل البيض تقريبًا طوال الوقت؟ ولماذا يكتب بهذه الطريقة الغريبة؟ أسئلة تبدو تافهة، لكن التافه حين يدخل عقلًا خائفًا قد يتحول إلى دليل، وهذا بالضبط ما حدث.
كان الملك محمد شريف شديد الحذر من أي شخص يُشتبه في أنه يعمل لحساب خصومه. وعندما نقل إليه جرما شكوكه، لم يحتج الملك إلى تحقيق طويل. قيل له إن الرجل جاء ليبحث في قضية الرجل الذي أُعدم في بنغازي، وقيل إنه ربما يجمع معلومات عن البلاد. لم تكن هناك أدلة حقيقية، لكن الشك كان كافيًا. وقال الملك لجرما، بوضوح، إنه إن كان الرجل جاسوسًا فالأسهل التخلص منه، وكانت تلك الكلمات كافية. منذ تلك اللحظة أصبح مصير فوغل شبه محسوم.
لكن فوغل لم يكن يعلم. استمر في حياته اليومية، يخطط لما سيكتبه ولما سيشاهده في اليوم التالي، ولم يكن يعرف أن أيامه في أبشر أصبحت معدودة.
في أحد الأيام خرج فوغل كعادته، برفقة رجال تابعين للعقيد جرما. لم يثر وجودهم قلقه، فربما ظن أنهم يرافقونه بحكم مكانته كضيف أجنبي. ابتعدوا عن المدينة حتى وصلوا إلى مجموعة من الصخور الجرانيتية القريبة منها، وتوقف الرجال هناك.
لم يكن فوغل يعرف أن هذا المكان سيكون آخر ما تطأه قدماه، ولا أن رحلته التي بدأها بحثًا عن المعرفة قد انتهت هنا. هاجموه، وضربوه حتى الموت بالهراوات والعصي الثقيلة التي كانت تُستخدم في تنفيذ أحكام الإعدام في ذلك الوقت. لم تكن هناك محاكمة، ولا فرصة للدفاع، ولم يُمنح الرجل وقتًا ليشرح سبب وجوده. لم يكن هناك سوى شك تحول إلى حكم.
وهكذا انتهت حياة إدوارد فوغل. والأكثر إيلامًا أنه لم يمكث في أبشر سوى ثلاثة عشر يومًا فقط. وصل إليها ليكتب عن عالم جديد، ثم خرج منها إلى موته قبل أن تتاح له فرصة حقيقية لإكمال ما جاء من أجله.
مرت السنوات، لكن قصة فوغل لم تختفِ. ظل موته أحد الأحداث التي يعرفها بعض أهل وداي، وإن كان الحديث عنه محفوفًا بالخوف.
ثم جاء مستكشف آخر إلى المنطقة، هو غوستاف نختغال. وصل إلى وداي بعد سنوات من موت فوغل، وكان يعرف أن مستكشفًا سبقه إلى هذه البلاد انتهى نهاية مأساوية. كان يستطيع أن يتجاهل الأمر، لكنه لم يفعل، فقد كانت لديه رغبة في معرفة الحقيقة، وكان هناك سبب أهم: أوراق فوغل.
أراد نختغال أن يعرف هل ما زالت دفاتر المستكشف ورسائله وملاحظاته موجودة. فربما بقي شيء من عمله، وربما استطاع إعادة بعضه إلى أوروبا ليصل إلى والد فوغل العجوز. لم يكن يطلب مالًا ولا ممتلكات، بل الأوراق فقط. لكن السؤال عن جريمة قديمة لم يكن أمرًا بسيطًا.
كان لنختغال صديق اسمه الحاج أحمد، يعرف طبيعة البلاد والملك جيدًا. وعندما علم أن نختغال يفكر في الحديث مع الملك عن موت فوغل، حذّره بشدة، وقال له إن الأمر خطير، وإن عليه أن يترك الموضوع إن كان يريد الحفاظ على حياته. كان الحاج أحمد يخشى أن يؤدي فتح القضية القديمة إلى إثارة غضب الملك، وكرر تحذيره أكثر من مرة.
لكن نختغال كان يرى الأمر بطريقة أخرى. كان مستكشفًا مثله، ويعرف الفرق بين البحث عن الحقيقة والبحث عن الانتقام. لم يكن يريد الانتقام من أحد، ولا اتهام الملك الجديد بجريمة لم يرتكبها. أراد فقط أن يعرف ما حدث، وأن يستعيد ما يمكن العثور عليه من أوراق الرجل. وبعد تردد طويل قرر أن يتحدث، وهو يعرف أنه يضع نفسه في موقف خطير.
دخل نختغال على الملك علي، الذي تولى الحكم بعد محمد شريف. لم يبدأ بالاتهام، بل قال إن لديه أخبارًا وصلته من بلاده، ثم تحدث عن المستكشف الذي مات قبل سنوات. وذكر أن هناك والدًا مسنًا في أوروبا لا يريد مالًا ولا ممتلكات، بل يتمنى أن تصل إليه أوراق ابنه. كان كلامه هادئًا ومحسوبًا، وأضاف أن الأوروبيين لا يريدون الانتقام، وأنهم يثقون في عدالة الملك. أراد أن تبدو المسألة كما هي: رجل مات، وأوراق تركها وراءه، وعائلة تريد آخر أثر له.
سأل الملك عن اسم الرجل، فقال نختغال: «إدوارد فوغل». تغيرت ملامح الملك، وبدا أنه يتذكر القصة. ثم قال إن وفاة فوغل وقعت قبل أن يتولى العرش، وإن معرفته بالتفاصيل ليست كاملة، لكنه وعد بالبحث عن الأوراق التي يمكن العثور عليها. لم يطمئن نختغال تمامًا، لكنه شعر أن حديثه لم يذهب سدى.
بعد ذلك بدأ نختغال يبحث بنفسه. لم يكن من السهل أن يتحدث الناس عن الحادثة، فما جرى لفوغل كان من أسرار الدولة، والذين عرفوا تفاصيله يخشون الكلام. لكنه أقام في المنطقة فترة، فكسب ثقة بعض الناس، ومع الوقت بدأ يسمع التفاصيل.
عرف أن فوغل وصل إلى أبشر في نهاية عام 1856، وأنه أقام في منزل العقيد جرما، وأنه كان يقضي أيامه في التجوال والكتابة والرسم. وعرف أن جرما كان أول من أثار الشكوك حوله أمام الملك، وكيف تطورت الشائعة حتى صار الرجل متهمًا بالتجسس. وأخيرًا عرف المكان الذي قُتل فيه: الصخور الجرانيتية القريبة من المدينة.
ذهب نختغال إلى ذلك المكان، ونظر إلى الصخور، وتخيل الرجل الذي وقف هنا قبل سنوات، ربما يحمل دفتره، وربما يفكر في الرحلة التالية، ويظن أن اليوم سيمضي كالأيام السابقة. لكنه لم يعرف أن هذا آخر يوم في حياته.
أكثر ما أحزن نختغال أن الأسباب التي تحدث عنها الناس لم تكن أدلة على شيء. قالوا إن فوغل لم يكن يحب استقبال الناس، وإنه لا يستطيع التحدث معهم لأنه لا يعرف العربية إلا قليلًا. وقالوا إنه كان يأكل البيض بكثرة، وإنه كان يكتب بالعود بدل الحبر. وكان نختغال يدرك عبث هذه التفاصيل: كيف تصبح عادات شخصية دليلًا على الخيانة؟ وكيف تتحول طريقة في الكتابة أو نوع من الطعام إلى سبب للموت؟ تافهة في ظاهرها، لكنها كانت ذات عواقب رهيبة، فقد مات رجل بسبب شكوك لم تثبت.
بعد أن عرف نختغال تفاصيل الحادثة عاد إلى الملك علي، يسأله هل عُثر على أوراق فوغل. أخبره الملك أنهم بحثوا عنها فلم يجدوا شيئًا. لم يحصل نختغال على الأوراق التي جاء من أجلها، لكنه لم يعتقد أن كل شيء قد ضاع. رأى أن بعض الأوراق ربما بقي في مكان ما، وربما احتفظ بها أحد، وربما تظهر يومًا ما، إذ إن المخطوطات لا تُهمل بسهولة في تلك البيئة. لكنها لم تكن أمامه في ذلك الوقت، وكان عليه أن يغادر.
في الأيام الأخيرة قبل رحيله ظل نختغال يفكر في فوغل، ورأى مفارقة مؤلمة: رجلان جاءا إلى الأرض نفسها، كلاهما مستكشف، وكلاهما جاء بحثًا عن المعرفة، لكن أحدهما لم يعرف كيف يتعامل مع الخوف المحيط به فدفع حياته ثمنًا. أما نختغال فقد تعلم من مصير من سبقه، فصار أكثر حذرًا، يسأل قبل أن يتصرف، ويختار كلماته بعناية، ويعرف أن الاستكشاف ليس عبور الصحارى والجبال فحسب، بل فهم الناس الذين يعيشون في الأماكن التي يصل إليها المسافر.
ومع ذلك لم يكن بمنأى عن الخطر. فحين علم الحاج أحمد أنه تحدث إلى الملك عن قضية فوغل، أصيب بالذهول، وقال له متعجبًا إن الأوروبيين لا يكتفون بأن يستقبلهم الملك بحفاوة، بل يبحثون بأنفسهم عن أسباب الخطر. كان الحاج أحمد يرى أن نختغال اقترب كثيرًا من قضية حساسة، لكن نختغال كان يرى أن بعض الأسئلة تستحق المخاطرة.
غادر نختغال وداي في النهاية، ومعه ذكريات الرحلة ووصف البلاد وأسماء الرجال الذين التقاهم وقصة المستكشف الذي سبقه. وبقي اسم إدوارد فوغل حاضرًا في ذاكرته، لا بوصفه رجلًا مات في أرض بعيدة فحسب، بل مثالًا على خطر أعمق.
فالخطر لا يكون دائمًا في الصحراء أو في المرض أو في العطش أو في الحيوانات المفترسة. وقد يكون في سوء الفهم، حين يرى شخص تصرفًا عاديًا فيمنحه معنى آخر. وحين تتحول الشائعة إلى حقيقة، وحين يصبح الشك أقوى من الدليل، وحين يصدر الحكم قبل أن يُمنح الإنسان فرصة للكلام.
كان فوغل يخرج كل صباح لأنه مستكشف، ويكتب لأنه جاء ليكتب، ويرسم لأنه جاء ليرسم. لكن الذين حوله لم يروا الأشياء بعينيه، بل رأوا رجلًا غريبًا يراقب بلادهم ويسجل تفاصيلها. وفي النهاية تحولت ملاحظاته إلى تهمة، وفضوله إلى شك، والشك إلى حكم بالموت.
ثلاثة عشر يومًا، هذا كل ما منحه وداي لإدوارد فوغل. ثلاثة عشر يومًا لم تكن كافية ليكمل رحلته، ولا ليكتب كل ما أراد، ولا ليعود إلى بلاده، ولا ليشرح للناس من هو ولماذا جاء.
وبعد سنوات جاء نختغال إلى المكان نفسه. لم يستطع إعادة فوغل إلى الحياة، ولم يعثر على أوراقه، لكنه فعل شيئًا مهمًا: أعاد قصته إلى الذاكرة. فبعض الرجال يموتون، لكن أسئلتهم لا تموت معهم، وبعض الرحلات تنتهي قبل أن يصل أصحابها إلى وجهتهم، وبعض القصص تبدأ بعد موت أصحابها.
جاء رجل من بلاد بعيدة يحمل دفترًا وقلمًا، يريد أن يعرف العالم ويكتب عنه، فلم يمهله العالم إلا ثلاثة عشر يومًا. ثم بقيت الصخور في مكانها، وبقي السؤال الذي لم يستطع فوغل أن يجيب عنه: ماذا يحدث حين يصبح الخوف أقوى من الحقيقة؟
ربما كانت مأساة فوغل أن الناس لم يمنحوه الوقت الكافي ليجيب، وربما كانت المأساة الأكبر أن الحقيقة وصلت متأخرة جدًا. لكن بعد سنوات وقف نختغال في المكان نفسه، واستمع إلى من عرفوا القصة، وسجل ما استطاع الوصول إليه. وهكذا، رغم أن فوغل لم يعد إلى وطنه، فإن قصته لم تختفِ تمامًا: بقي اسمه في دفاتر الرحالة، وبقي موته شاهدًا على أن الإنسان قد يعبر آلاف الأميال بحثًا عن المجهول، ثم يكتشف أن أصعب ما في رحلته ليس عبور الصحراء، بل أن يجعل الآخرين يفهمون لماذا جاء.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك

تعليقات
إرسال تعليق