قصة النداء من تحت الأرض

قصة 📅 سبتمبر 25, 2026


 الخيال العلمي والرعب النفسي الهادئ، حيث تتناول رحلة سفينة استكشافية إلى كوكب غريب جدًا يختفي فيه الرجال دون أثر، ويتصاعد الغموض مع اكتشاف أن الخطر يكمن تحت الرمال نفسها، وتبني الرعب من الصمت والانتظار.

كانت سفينة أوريون تحلق منذ ساعة كاملة على ارتفاع خمسة وعشرين ألف قدم، تدور حول الكوكب الرابع في نظام نجمي بعيد.

من الأعلى، بدا الكوكب غريبًا بصورة يصعب وصفها. مساحات هائلة من الرمال الصفراء، تتخللها بقع خضراء متناثرة، وبعض المناطق الصخرية البعيدة. لم تكن هناك مدن، ولا طرق، ولا علامات واضحة على وجود حضارة.

لكن شيئًا واحدًا كان يلفت الانتباه أكثر من كل شيء آخر.

كانت هناك سفينة أخرى راقدة على سطح الكوكب، نصفها مدفون في الرمال.

كانت تلك السفينة تُدعى إستر.

قبل وصول أوريون، أُرسلت ثلاث سفن إلى الكوكب نفسه: موريتا، هاليون، وإستر. كانت مهمتها البحث عن مستكشفين فُقد الاتصال بهما، لكن السفن الثلاث اختفت واحدة تلو الأخرى.

لم يُعثر على حطام.

لم تصل رسالة استغاثة.

ولم يعثر أحد على جثة واحدة.

جلس إيثان هاربر في غرفة الحاسوب، يسجل البيانات التي تصل من أجهزة الاستشعار. كان متخصصًا في الحواسيب، ولذلك لم يكن محبوبًا كثيرًا من القائد ويليام وارِن، الذي كان يرى أن الحاسوب مهما بلغت قدرته لا يستطيع أن يحل محل خبرة الإنسان.

دخل بعض الجنود إلى الغرفة وهم يتحدثون عن السفينة إستر.

قال جاك هول وهو يحدق في الشاشة:

«ثمانية رجال كانوا على متنها. اختفوا جميعًا.»

أجابه لوك كارتر:

«والسفينتان قبلها أيضًا.»

قال رجل آخر:

«ربما هناك شيء يعيش هنا.»

رفع إيثان عينيه عن الشاشة.

«ربما.»

ضحك جاك.

«أنت رجل حاسوب. ألا يفترض أن تعرف كل شيء؟»

ابتسم إيثان.

«الحاسوب لا يستطيع تحليل شيء لا نملك عنه بيانات.»

في تلك اللحظة جاء صوت القائد وارِن عبر مكبر الصوت:

«إيثان، هل انتهيت من البيانات؟»

«تقريبًا.»

«أريد النتيجة الآن.»

تنهد إيثان ثم أرسل البيانات إلى الحاسوب.

بعد لحظات ظهرت النتيجة:

البيانات غير كافية.

لم تعجب الإجابة القائد.

اجتمع الرجال في غرفة القيادة، ووقف وارِن أمام الشاشة الكبيرة.

قال:

«اسمعوني جيدًا. السفن الثلاث التي سبقتنا فقدت أربعة وعشرين رجلًا. مهمتنا بسيطة: نعرف ما الذي حدث، ثم نتعامل معه.»

ثم أشار إلى إيثان.

«ولدينا رجل من قسم الحواسيب ليساعدنا.»

لم يكن في نبرة القائد الكثير من الثقة.

قال إيثان:

«المعلومات التي نملكها لا تكفي لمعرفة طبيعة الخطر.»

رد وارِن:

«إذن سننزل إلى السطح ونحصل على معلومات أكثر.»

هبطت أوريون في صباح اليوم التالي.

كان الهواء صالحًا للتنفس، والجاذبية قريبة من جاذبية الأرض، ولم تكن هناك إشعاعات خطرة أو بكتيريا قاتلة.

لكن شيئًا آخر كان غريبًا.

لم يروا أي حيوان.

لا طيور.

لا حشرات.

لا آثار أقدام لكائنات حية.

فقط الرمال والنباتات القليلة.

خرجت أربع وحدات استطلاع، وانتشرت حول السفينة.

كان لكل وحدة مركبة مدرعة، وأجهزة مراقبة، وحاجز حماية، وأجهزة اتصال تعمل باستمرار مع أوريون.

مرت الساعات.

ثم اليوم الأول.

ثم الليل.

لم يحدث شيء.

في اليوم الثاني، بدأ الملل والتوتر يضغطان على الجنود.

كانت أجهزة المراقبة تدور باستمرار، وتعرض صورة متكررة للصحراء: رمال صفراء، بقع خضراء، جبل بعيد، ومنطقة أشجار في الأفق.

لا شيء يتحرك.

في صباح اليوم الثالث، أطلق أحد الجنود سلاحه النووي الصغير بعدما ظن أنه رأى شيئًا يتحرك فوق الرمال.

انفجرت المنطقة.

وعندما وصلت فرقة للتحقق، لم تجد شيئًا سوى الرمال المحترقة والمندمجة.

عاد كل شيء إلى الصمت.

لكن الصمت لم يعد مريحًا.

كان أشبه بشيء ينتظر.

وفي صباح اليوم الرابع، كان داني مورغان يراجع تقارير الاتصال عندما توقف فجأة.

قال:

«لا يوجد اتصال من الوحدة الغربية.»

رفع القائد رأسه.

«منذ متى؟»

«منذ أربعين ثانية.»

حدق الجميع في الشاشة.

كانت الكاميرا تعرض الصحراء.

لا شيء.

فتح الضابط سام كوبر الاتصال:

«الوحدة الغربية، أجيبوا.»

لا رد.

كرر النداء.

لا شيء.

أمره القائد:

«خذ رجلين واذهب إلى هناك.»

انطلقت مركبة صغيرة بسرعة عبر الصحراء، وكان إيثان أحد الرجلين الذين رافقوا سام.

عندما اقتربوا من موقع الوحدة، رأوا المركبة.

كانت في مكانها.

الحاجز يعمل.

الأسلحة موجودة.

راية الاتحاد ترفرف فوقها.

لكن…

لم يكن هناك أي رجل.

نزل سام من المركبة، وركض نحو الحاجز.

«أين الجميع؟»

دخلوا بعد تعطيل الحاجز.

وجدوا المركبة العسكرية، وأجهزة الاتصال، والطعام، والأسلحة.

كل شيء موجود.

إلا الرجال.

قال سام:

«ربما تعرضوا لهجوم.»

هز إيثان رأسه.

«لا توجد آثار قتال.»

«ربما أخذهم شيء.»

«إلى أين؟»

لم يجد سام جوابًا.

انحنى إيثان ولمس الرمال.

كانت هناك آثار أقدام قليلة، لكنها اختفت بعد عدة أمتار.

والأغرب أن الرمال داخل الحاجز كانت ناعمة جدًا، بينما بقيت آثار المركبة واضحة خارج الحاجز.

عادوا إلى السفينة ومعهم المعدات.

كان القائد غاضبًا.

«عشرة رجال اختفوا الآن. كيف يمكن أن يختفي عشرة رجال دون طلقة واحدة؟»

قال سام:

«ربما جاء الهجوم من الجو.»

سأله القائد:

«ومن الذي رأى شيئًا؟»

لم يجب.

قال إيثان:

«لو كان هجومًا جويًا، لكانت هناك حركة في الهواء، أو ظل، أو آثار على الرمال.»

قال القائد:

«إذن ماذا تقترح؟»

أجاب إيثان:

«لا أعرف.»

كان هذا أكثر ما يزعجه.

فهو يستطيع التعامل مع مشكلة لها بيانات.

لكن هنا، لم تكن المشكلة في نقص الحل.

المشكلة أن الكوكب نفسه لا يعطيهم شيئًا.

مر يوم آخر.

ثم حدث أمر أسوأ.

بدأ أحد الجنود في الوحدة الغربية يتصرف بصورة غريبة. كان يُدعى آدم برايس، وقد أصبح مقتنعًا بأن شيئًا يراقبهم.

قال عبر جهاز الاتصال:

«إنه هنا.»

رد عليه قائده:

«من؟»

«لا أعرف.»

«أين؟»

«في كل مكان.»

بدأ آدم يصرخ مطالبًا بإيقاف حاجز الحماية.

رفض الضابط.

ثم ظهر آدم على شاشة المراقبة وهو يحمل سلاحه ويهدد زملاءه.

قال القائد وارِن:

«أطلقوا النار إذا حاول الخروج.»

لكن قبل أن تصل الأوامر إلى الوحدة، انقطعت الصورة.

وانقطع الاتصال.

ساد الصمت في غرفة القيادة.

هذه المرة لم يكن هناك أي تفسير.

جلس إيثان أمام الحاسوب وبدأ بإدخال كل شيء من جديد.

درجات الحرارة.

أوقات الاختفاء.

حركة الرياح.

صور الرمال.

مواقع المركبات.

تقارير الجنود.

أي معلومة، مهما بدت تافهة.

عمل لساعات طويلة.

ثم ظهرت أمامه قائمة بالاحتمالات.

قد يكون الرجال ما زالوا في الموقع لكنهم أصبحوا غير مرئيين.

قد يكونون تعرضوا لتنويم أو تأثير عقلي.

قد يكون هناك شيء غير مرئي حملهم بعيدًا.

قد يكونون قد سقطوا داخل الرمال.

وقد يكون هناك تغير في المكان أو الزمن.

قرأ القائد القائمة ثم ضرب الطاولة بيده.

«هذه ليست إجابة! أريد شيئًا حقيقيًا.»

قال إيثان:

«الحاسوب لا يخترع الحقيقة يا سيدي. هو يعرض الاحتمالات بناءً على البيانات التي نعطيه إياها.»

«إذن احصل على بيانات أكثر.»

لكن لم يكن أحد يعرف كيف.

في اليوم السادس، كان داني مورغان يراقب الشاشة عندما لاحظ شيئًا.

قال:

«انتظروا… هناك حركة.»

اقترب الجميع.

كانت الصورة تظهر الصحراء.

لا شيء واضحًا.

ثم ظهرت المركبة.

كان أحد الجنود يقف وحده خارجها.

وفجأة رفع سلاحه.

صرخ القائد:

«من هذا؟»

أجاب داني:

«آدم برايس.»

كان آدم يصرخ مطالبًا بإيقاف الحاجز.

حاول زملاؤه تهدئته.

ثم حدث شيء مفاجئ.

انفجر سلاح آدم.

اهتزت الشاشة.

وانقطع الاتصال.

هرع رجال الإنقاذ إلى الموقع.

لكنهم لم يجدوا آدم.

ولا الرجال الآخرين.

ولا حتى آثار الانفجار سوى جزء محطم من المركبة.

بدأ القائد يدرك أن الأمر أكبر من مجرد هجوم عادي.

قال:

«لن نرسل أحدًا إلى الخارج حتى نعرف ما الذي يقتل رجالنا.»

جلس إيثان وحده أمام الشاشة.

أعاد تسجيلات الأيام السابقة.

شاهد اختفاء الوحدة الغربية مرة أخرى.

ثم لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل.

الرمال داخل الحاجز كانت تتحرك بطريقة مختلفة.

ليست الرياح.

كانت هناك حركة بطيئة تحت السطح.

أعاد التسجيل.

ثم أبطأه.

ثم أبطأه أكثر.

ظهرت تموجات صغيرة في الرمال.

كانت تتحرك في اتجاه المركبة.

ثم اختفت.

رفع إيثان رأسه فجأة.

لقد وجد شيئًا.

ليس مخلوقًا في السماء.

ولا طيورًا غير مرئية.

ولا أشباحًا.

شيء يتحرك تحت الأرض.

ركض إلى القائد.

«ويليام!»

كان القائد يقرأ التقارير.

قال إيثان:

«أعتقد أننا كنا نبحث في المكان الخطأ.»

رفع القائد عينيه.

«ماذا تقصد؟»

«نحن نراقب السماء والأفق، بينما الخطر قد يكون تحت أقدامنا.»

«هل رأيته؟»

«لا.»

«إذن لا دليل.»

«لكن كل الاختفاءات حدثت على الرمال.»

صمت القائد.

ثم قال:

«سنختبر فكرتك.»

قرروا نقل إحدى المركبات إلى منطقة مفتوحة، مع مراقبتها من السفينة.

مرت ساعة.

لا شيء.

ثم ساعتان.

وفجأة ظهرت على الشاشة تموجات صغيرة.

اقتربت من المركبة.

ثم اختفت.

قال داني:

«هل رأيتم ذلك؟»

قبل أن يجيب أحد، تحركت الرمال تحت المركبة بعنف.

اهتزت المركبة.

ثم غاص أحد أطرافها.

صرخ الجنود.

أطلقوا النار في كل الاتجاهات.

لكن شيئًا لم يظهر.

ثم ارتفعت الرمال كأن موجة ضخمة تمر تحتها.

اختفت المركبة.

عاد السطح هادئًا.

قال إيثان بصوت منخفض:

«إنه يعيش تحت الرمال.»

لكن السؤال الأصعب بقي:

ما هو؟

لم يعرفوا.

ولم يعرفوا كم عدد تلك الكائنات.

ولم يعرفوا لماذا تهاجم.

بعد دقائق، وصلت رسالة من الوحدة الأخرى.

كان صوتًا مرتجفًا:

«نحن نراها…»

سأل القائد:

«ماذا ترون؟»

جاء الرد:

«لا نستطيع رؤيتها بوضوح… لكنها تتحرك تحتنا.»

ثم صمت الاتصال.

نظر الرجال إلى بعضهم.

وفي تلك اللحظة بدأت الرمال حول أوريون تتحرك.

تموج خفيف.

ثم آخر.

ثم عشرات التموجات.

كان شيء ما يقترب.

أمر القائد بإغلاق جميع الأبواب وتشغيل الحاجز بأقصى قوة.

توقفت الرمال.

ساد الهدوء.

ثم…

ضربة واحدة تحت السفينة.

اهتزت أوريون كلها.

ضربة ثانية.

ثم ثالثة.

كان شيء ضخم يختبر الحاجز.

اقترب إيثان من الشاشة.

لم يرَ مخلوقًا.

لم يرَ شيئًا.

فقط الرمال.

لكنها كانت تتحرك.

قال القائد:

«ارفعوا السفينة.»

بدأت المحركات تعمل.

ارتفعت أوريون ببطء عن سطح الكوكب.

وعندما تجاوزت ارتفاعًا آمنًا، نظر إيثان من النافذة.

كان يرى الصحراء من الأعلى.

وفجأة أدرك الحقيقة الأكثر رعبًا.

لم تكن الحركة في مكان واحد.

كانت الصحراء كلها تتحرك.

كأن تحت سطحها محيطًا هائلًا من الكائنات.

قال إيثان:

«لقد وجدنا السبب.»

سأله القائد:

«ما هو؟»

ظل إيثان ينظر إلى الكوكب.

«لسنا على أرض ميتة.»

ثم أضاف:

«نحن فوق شيء حي.»

غادرت أوريون الكوكب، حاملة معها تسجيلات قليلة عن عالم لم يفهموه.

ومن نافذة السفينة، ظل الكوكب يبدو هادئًا وجميلًا.

لكن إيثان كان يعرف الحقيقة الآن.

الرمال لم تكن فارغة.

كانت تخفي عدوًا لا يظهر، ولا يترك وراءه جثة، ولا يحتاج إلى مطاردة فريسته.

كان ينتظر فقط أن تقترب منه.

وقبل أن تختفي أوريون خلف النجوم، التقط جهاز الاتصال إشارة قصيرة من سطح الكوكب.

صوت مشوش.

ثم همسة واحدة:

«هل ستعودون؟»

نظر إيثان إلى الشاشة.

ولم يجب أحد.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات