قصة بابي ستيوارت
قصة «بابي ستيوارت» — قصة قصيرة عن الوفاء والاختيار في لحظة واحدة، عن عجوز يترك عربته وبغاله الستة ليقود حافلة جديدة، وعن لحظة حاسمة على منحدر جبلي حين يرى بغاله القديمة أمام العربة التي تحمل ستة عشر صندوقًا من الديناميت، فيدير المقود لا لأنه يعرف ما تحمله العربة، بل لأنه رأى أرواحًا اعتاد أن يحميها.
كان صباحًا مشمسًا في بلدة غنسايت، والجبال المحيطة بها تلمع تحت ضوء الشمس. في الإسطبل الكبير التابع لشركة النقل، كان العجوز بابي ستيوارت يقف صامتًا أمام حافلة جديدة لامعة.
لم يكن بابي يحب هذه الحافلة.
كان يكره صوت محركها، ورائحة الوقود المنبعثة منها، وكل ما تمثله بالنسبة إليه.
فقد أمضى معظم حياته خلف عربات تجرها البغال، يعرف طرق الجبال ومنعطفاتها كما يعرف خطوط يده. وكان له ستة بغال سوداء اعتاد قيادتها، حتى أصبحت جزءًا من حياته اليومية.
كان يعرف طباع كل واحد منها، ويعرف متى يتعب، ومتى يخاف، ومتى يحتاج إلى قليل من الراحة. وكانت الحيوانات تعرف صوته، وتستجيب لإشاراته دون حاجة إلى كثير من الكلام.
لكن الزمن تغيّر.
بدأت الحافلات ذات المحركات تحل محل العربات القديمة، وقررت شركة النقل أن تعتمد عليها في رحلاتها بين البلدات.
لم يكن أمام بابي سوى خيارين: إما أن يتعلم قيادة الحافلة، أو أن يترك عمله.
اختار أن يتعلم.
لكن أكثر ما كان يؤلمه لم يكن الحافلة الجديدة، بل فراق بغاله الستة.
في صباح رحيله الأخير، وقف أمامها طويلًا.
مرر يده على رقبة أحدها، وربت على الآخر، ثم اقترب من البقية واحدًا تلو الآخر.
قال بصوت خافت:
— اعتنوا بأنفسكم يا أصدقاء.
لم يفهم الرجال الذين كانوا يقفون بعيدًا لماذا بدا بابي حزينًا إلى هذا الحد.
بالنسبة إليهم، كانت مجرد حيوانات.
أما بالنسبة إليه، فقد كانت رفاق عمر.
بعد أسابيع من التدريب، أصبح بابي قادرًا على قيادة الحافلة الجديدة.
وفي أحد الصباحات، جاء يوم رحلته الرسمية الأولى.
صعد بابي إلى مقعد القيادة، بينما جلس إلى جانبه مساعد المدير، جيم دافي.
كان دافي شابًا قليل الصبر، وكان يرى أن بابي ينتمي إلى زمن مضى.
قال له قبل الانطلاق:
— أتمنى ألا تقود هذه الحافلة كما كنت تقود عربتك القديمة.
نظر إليه بابي دون اهتمام وقال:
— أعرف الطريق.
ثم أدار المحرك.
انطلقت الحافلة.
كان الطريق يمر بين الجبال، يتلوى صعودًا وهبوطًا بين الأشجار والصخور. وكان بابي يقود بهدوء وحذر، يخفف السرعة عند المنعطفات ويعرف متى يضغط على المكابح.
أما دافي فكان يريد سرعة أكبر.
قال:
— يمكنك أن تقود أسرع من ذلك.
لم يجب بابي.
بعد قليل كرر:
— الطريق خالٍ. أسرع.
قال بابي:
— السرعة ليست كل شيء في هذا الطريق.
ضحك دافي:
— ربما كنت تقول ذلك عندما كنت تقود العربات.
لم يرد بابي.
كان ذهنه مشغولًا بأشياء أخرى.
كان يتذكر بغاله.
يتذكر سنواته الطويلة معها، والرحلات التي قطعها في الشتاء والصيف، والمطر والثلج، والليالي الطويلة التي لم يكن يسمع فيها سوى صوت حوافرها.
كان يشعر أن الحافلة، رغم قوتها وسرعتها، تفتقد شيئًا لا يستطيع المحرك أن يمنحه.
كانت تفتقد الروح.
وصلت الحافلة إلى طريق جبلي ضيق، ثم بدأت تهبط نحو مفترق طرق.
كان المكان معروفًا بخطورته.
طريقان يلتقيان عند أسفل المنحدر، وأي مركبة تدخل المفترق بسرعة يصعب عليها التوقف في الوقت المناسب.
كان بابي يعرف ذلك جيدًا.
خفف السرعة قليلًا.
لكن دافي قال:
— لا داعي لكل هذا الحذر. أسرع.
قال بابي:
— سنصل في الوقت المناسب.
أجاب دافي:
— لدينا موعد.
ثم أضاف:
— اضغط على الوقود.
اضطر بابي إلى زيادة السرعة.
بدأت الحافلة تهبط بسرعة أكبر.
كانت الأشجار تمر بجانبهما، والهواء يصفّر عبر النوافذ.
وفجأة…
رأى بابي شيئًا أسود يتحرك عند المفترق.
في البداية ظنه ظلًا.
ثم ظهرت إحدى البغال.
ثم أخرى.
تجمدت عيناه.
كانت هناك عربة شحن تجرها ستة بغال سوداء.
عرفها فورًا.
إنها بغاله القديمة.
وكان الرجل الذي يقودها هو ويكرز غراهام، السائق الذي تولى رعايتها بعد رحيل بابي.
في تلك اللحظة، لم يعد بابي يرى الطريق كله.
لم يرَ الحافلة.
لم يرَ المنحدر.
لم يرَ الأشجار.
رأى فقط البغال الستة.
كانت تعبر المفترق أمامه.
والحافلة تقترب منها بسرعة.
صرخ دافي:
— انتبه!
ثم نظر إلى العربة وقال:
— لا تتوقف! تابع!
لكن بابي ضغط على المكابح.
كانت الحافلة سريعة جدًا.
لم يكن هناك وقت كافٍ للتوقف.
صرخ دافي:
— مر من بينها!
كانت أمام بابي لحظة واحدة فقط.
لحظة قد تفصل بين الحياة والموت.
نظر إلى البغال.
رأى الحيوان الذي كان يعرف صوته.
وتذكر الآخر الذي كان يضرب الأرض بحافره كلما تأخر في إطعامه.
وتذكر كيف كانت هذه الحيوانات الستة ترافقه في كل رحلة.
لم يفكر في الحافلة.
لم يفكر في المال.
لم يفكر في عمله.
لم يفكر حتى في نفسه.
أدار عجلة القيادة بقوة.
انحرفت الحافلة عن الطريق.
خرجت عجلاتها إلى الأرض الوعرة، ثم اصطدمت بالشجيرات والأشجار.
دوّى صوت التحطم.
تكسرت النوافذ.
وانقلبت الحافلة على جانبها.
ساد الصمت.
كان ويكرز غراهام قد أوقف عربته.
نزل منها مسرعًا واتجه نحو الحافلة.
وجد دافي مصابًا، وساعده على الخروج.
ثم بحث عن بابي.
كان العجوز مصابًا بجروح وكدمات، لكنه كان واعيًا.
ساعده غراهام على الخروج ووضعه إلى جانب الطريق.
بعد دقائق، بدأ دافي يستعيد وعيه.
كان غاضبًا.
قال لبابي:
— لماذا فعلت ذلك؟
لم يجب بابي.
تابع دافي:
— كان بإمكانك المرور من جانب العربة!
قال بابي:
— كانت البغال في الطريق.
رد دافي بانفعال:
— إنها مجرد بغال!
رفع بابي عينيه إليه.
لكنه لم يقل شيئًا.
اقترب ويكرز غراهام منهما.
كان وجهه مختلفًا.
لم يكن غاضبًا.
بل بدا شديد القلق.
قال:
— انتظروا…
ثم نظر إلى العربة.
قال دافي:
— ماذا؟
أجاب غراهام:
— أنتما لا تعرفان ماذا كانت تحمل هذه العربة.
نظر بابي إليه.
قال غراهام:
— كانت تحمل ستة عشر صندوقًا من الديناميت.
تجمد دافي في مكانه.
— ماذا قلت؟
— ديناميت.
وأشار إلى العربة.
— لو اصطدمت الحافلة بها، لما بقي أحد منا حيًا.
ساد الصمت.
نظر دافي إلى الحافلة المحطمة.
ثم نظر إلى العربة.
ثم إلى بابي.
لقد أدرك فجأة أن الرجل الذي ظنه متهورًا قد أنقذ حياتهم جميعًا.
قال بصوت منخفض:
— كان أمامك وقت قصير جدًا…
ثم ابتسم ابتسامة مرتبكة.
— لكنك فكرت بسرعة.
رفع بابي رأسه.
قال:
— لم أفكر.
نظر إليه دافي باستغراب.
— ماذا؟
أجاب بابي:
— لم أفكر في الديناميت.
ثم نظر نحو البغال.
— رأيتهم فقط.
نهض بابي رغم الألم.
قال غراهام:
— لا تتحرك كثيرًا، أنت مصاب.
لكن بابي لم يستمع إليه.
اتجه نحو البغال الستة.
كانت تقف على مسافة قصيرة، وقد هدأت تمامًا بعد الحادث.
اقترب منها واحدة تلو الأخرى.
مد يده نحو أولها وربت على رقبته.
ثم انتقل إلى الثاني.
وبعده الثالث.
كانت الحيوانات هادئة، كأنها لم تدرك أنها كانت على بعد لحظات من الموت.
وقف بابي أمامها طويلًا.
كان دافي يراقبه من بعيد.
وفجأة فهم شيئًا لم يفهمه من قبل.
لم يكن بابي رجلًا عجوزًا متعلقًا بالماضي.
ولم يكن قد ألقى بالحافلة في جانب الطريق لأنه لا يعرف كيف يتصرف.
لقد اتخذ قراره في لحظة، لكن ذلك القرار لم يكن نتيجة حسابات طويلة.
كان نتيجة سنوات كاملة من العلاقة والوفاء.
كان يعرف بغاله كما يعرف نفسه.
وعندما رأى الخطر يقترب منها، تحرك قبل أن يبدأ عقله في حساب النتائج.
لو كانت العربة تحمل حجارة بدل الديناميت، لكان بابي اتخذ القرار نفسه.
ولو كانت الحافلة أغلى بعشرات المرات، لما تغير شيء.
ولو لم يكن هناك أحد يشاهد، لفعل الأمر نفسه.
لأنه في تلك اللحظة لم يكن يرى قيمة الأشياء.
كان يرى أرواحًا اعتاد أن يحميها.
اقترب دافي من بابي.
وقف بجانبه للحظات دون كلام.
ثم قال:
— كنت أظن أنك لم تعرف ماذا تفعل.
ابتسم بابي.
— ربما لم أعرف.
سأله دافي:
— لكنك أنقذتنا.
هز بابي رأسه.
— أنقذت البغال.
قال دافي:
— وأنقذتنا معها.
نظر بابي إلى الحافلة المحطمة، ثم إلى العربة التي تحمل الديناميت.
وقال:
— يبدو أن الأمر سار على ما يرام.
ضحك دافي للمرة الأولى.
ثم جلس على صخرة وهو لا يزال غير مصدق لما حدث.
أما بابي، فعاد إلى بغاله.
مرر يده على رأس أحدها وقال:
— هيا يا أصدقاء… لقد أخفتموني هذه المرة.
رفع البغل رأسه وكأنه يفهم كلامه.
ابتسم بابي.
وفي ذلك الصباح، تعلم دافي درسًا لن ينساه.
لقد كان يظن أن الإنسان يحتاج دائمًا إلى وقت طويل كي يتخذ القرار الصحيح.
لكن بابي أثبت له أن بعض القرارات لا تحتاج إلى دقائق من التفكير.
أحيانًا، تكون السنوات التي سبقت اللحظة هي التي تفكر بدلًا منك.
سنوات من الخبرة.
وسنوات من المحبة.
وسنوات من الوفاء.
وعندما تأتي اللحظة الحاسمة، لا يبقى أمامك سوى أن تتصرف.
كان دافي يعتقد أن الديناميت هو الذي أنقذهم.
لكن الحقيقة أن الديناميت لم يكن موجودًا في ذهن بابي لحظة اتخاذ القرار.
الذي حرّك يديه نحو عجلة القيادة كان شيء آخر.
شيء لم يحتج إلى تفسير.
كان الحب.
وهكذا، في لحظة واحدة، خرجت الحافلة عن الطريق، وتحطمت، ونجا الجميع.
لم يكن بابي يعرف أنه أنقذهم من انفجار كارثي.
ولم يكن يحتاج إلى أن يعرف.
لقد فعل فقط ما رأى أنه يجب أن يفعله.
وربما لهذا السبب كانت تلك اللحظة أقوى من أي حساب.
ففي الحياة، قد تأتي بعض المواقف التي لا تمنحنا الوقت الكافي للتفكير.
وحينها لا تظهر شخصيتنا فيما نقوله بعد انتهاء الموقف، بل فيما نفعله خلال تلك الثانية التي لا يراها أحد.
كان أمام بابي دقيقة واحدة للتفكير…
لكنه لم يحتج إليها.
لقد كان قلبه يعرف الإجابة قبل أن يجد عقله الكلمات.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك

تعليقات
إرسال تعليق