رواية امرأة ليست إيلاف
الاستيقاظ
حاولت أن أرفع يدي اليمنى.
لم ترفع.
ليس أنها مكبلة. لم أحس بأي قيد. كانت ثقيلة فقط. ثقيلة بطريقة غير طبيعية. كأن العضلات فيها نسيت كيف تعمل. كأن هناك فجوة بين أمر عقلي وحركة جسدية — الأمر يصدر، لكنه لا يصل.
مددت أصابعي ببطء. واحدة تلو الأخرى. الإبهام. السبابة. الوسطى. البنصر. الخنصر.
نظرت إليها.
أصابع طويلة. نحيفة. أظافر مصقولة بلون وردي باهت. لم أعتد هذا اللون. لم أعتد حتى طول الأصابع. شعرت أنني أنظر إلى يد امرأة أخرى.
قلبي بدأ يخفق بسرعة.
حاولت أن أتذكر.
ماذا حدث؟
أين أنا؟
من أنا؟
لا شيء. فراغ. فراغ كامل. ليس كالنسيان العادي — النسيان يكون فيه شيء يتحرك خلف الضباب. هنا لا يوجد ضباب. يوجد فراغ. كأن الصفحة محذوفة بالكامل.
سمعت صوتًا بعيدًا. امرأة تتحدث مع امرأة أخرى. لا أعرف من هما. لا أعرف لغة حديثهما — لا، أعرف اللغة. أعرف العربية. لكن الكلمات لا ترتبط بأشخاص. كأنني أسمع إذاعة في غرفة مجاورة.
ثم جاء صوت خطوات. قريبة. متزنة. حذاء طبي.
فتحت الباب. امرأة. ممرضة. ثوب أزرق فاتح. شعر مربوط بإحكام. وجه لطيف لكن مهني. عيناها زرقاوان — لون نادر في هذه المنطقة — وكانت تنظر إليّ بنوع من التعاطف المهني الذي لا يتجاوز حدود العمل.
نظرت إليّ. ابتسمت.
— الحمد لله على السلامة يا إيلاف.
توقفت.
الكلمة وصلت إليّ. فهمتها. لكن لم ترتبط بشيء.
إيلاف؟
من إيلاف؟
هل هذا اسمي؟
نظرت إليها. انتظرت تفسيرًا. لم تعطِ تفسيرًا.
— كم بقيتُ فاقدةَ الوعي؟
— ثلاثة أيام. حادث سيارة. لقيتِ في الطريق. لا توجد وثائق معكِ. لكن أحدًا اتصل بنا. قال إنه زوجك.
زوجي.
الكلمة أثقلت صدري. زوجي. كلمة تحمل تاريخًا. حملت صورًا — لا، لم تحمل صورًا. حملت إحساسًا. إحساسًا بوجود شخص يعرفني. يعرف تفاصيلي. يعرف كيف أحب قهوتي. يعرف ما أكرهه. يعرفني.
لكنني لا أعرفه.
— متى جاء؟
— أمس. بقي ساعة ثم راح.
— ماذا قال؟
— قال أنكِ بخير. وقال إنه سيرجع.
ابتسمت الممرضة. خرجت.
جلست على السرير. نظرت حولي. غرفة صغيرة. سرير واحد. طاولة جانبية. كرسي. نافذة تطل على ساحة المستشفى. أشجار قليلة. سماء رمادية.
نظرت إلى يدي مرة أخرى. الأظافر الوردية. اليد الثقيلة.
مرت ساعات. حاولت أن أنام. لم أنم. حاولت أن أتذكر شيئًا — أي شيء. اسم مدينة. اسم مدرسة. اسم حيوان أليف. رقم هاتف. لا شيء. كأنني مولودة اليوم. لكنني لست مولودة. أعرف أن هناك حياة سابقة. أعرف ذلك بجسدي. لكنني لا أعرف تفاصيلها.
جاء طبيب. شاب. وجه هادئ. سمعته يتحدث عن كدمات. عن رضوض. عن حاجة للراحة. سأله سؤالاً واحدًا:
— هل لديّ مشاكل في الذاكرة؟
نظر إليّ. فكر.
— فقدان ذاكرة مؤقت ممكن بعد حادث كهذا. لكن لا داعي للقلق. ستعود تدريجيًا.
تدريجيًا.
كلمة أعطتني أملًا. ربما سأعود. ربما سأعرف من أنا.
لكن في تلك اللحظة، لم أكن متأكدة.
خرج الطبيب.
جلست أمام النافذة. نظرت إلى السماء الرمادية. فكرت في اسم إيلاف. فكرت في زوج لا أعرفه. فكرت في حياة اختفت.
ثم فكرت في شيء آخر:
إذا كنتُ لا أعرف من أنا... فمن الذي سيقرر من يجب أن أكون؟
في المساء، جاء رجل.
دخل الغرفة بصمت. طويل. نحيل. شعر أسود مع خطوط رمادية خفيفة عند الجوانب. عينان بنيتان. هادئتان. ملامح جادة لكنها ليست قاسية. يرتدي بدلة داكنة. نظارات رفيعة. مشيته بطيئة ومتأنية، وكأنه يوزن كل خطوة قبل أن يضعها.
وقف عند باب الغرفة. لم يقترب.
الممرضة دخلت معه. نظرت إليّ.
— هذا زوجك. عمر.
نظر إليّ.
لم يبتسم. لم يقل شيئًا.
أنا أيضًا لم أقل شيئًا.
كان الصمت بينهما وبيننا ثقيلًا. ليس صمتًا عدائيًا. صمت شخص يعرف أنه يقف أمام شيء تغير. شيء لا يستطيع إصلاحه بكلمة.
جلس على الكرسي. نظر إلى الأرض. ثم نظر إليّ.
— هل تشعرين بألم؟
— لا.
— هل تحتاجين شيئًا؟
— لا.
— حسناً.
قام. مشى نحو الباب. توقف.
— سأعود غدًا.
خرج.
جلست. نظرت إلى الباب المغلق.
من هو هذا الرجل؟
زوجي.
لماذا لا أشعر بشيء تجاهه؟
لماذا لا أشعر بشيء تجاه أي شيء؟
نامت الممرضة في الغرفة المجاورة. سمعت تنفسها. حاولت أن أنام. لم أنم.
نظرت إلى سقف الغرفة البيضاء. فكرت في اسم إيلاف. فكرت في عمر. فكرت في الفراغ الذي يسكنني.
ثم تذكرت شيئًا.
ليس ذكرى. ليس صورة. كان شعورًا. شعورًا بالذنب.
لماذا أشعر بالذنب؟
لم أعرف.
أوراق الطلاق
عاد في اليوم التالي.
دخل بنفس الطريقة الهادئة. نفس النظرات. نفس الصمت.
لكن هذه المرة كان معه شيء.
ملف صغير. وضعه على الطاولة الجانبية.
— هذه أوراق الطلاق.
توقفت.
— وقعتها قبل الحادث. أمامك شهر.
ثم خرج.
لم ينتظر ردّي. لم يطلب تأكيدي. لم يسأل إذا كنتُ أفهم. وضع الورقة وذهب. كأنه أكمل مهمة.
جلست. نظرت إلى الملف.
فتحته.
صفحات بيضاء. كلمات قانونية باردة. أسماء. تواريخ. أرقام.
اسمي — اسمي الجديد — مكتوب هناك. إيلاف.
قرأت الاسم. قرأته مرة. مرتين. ثلاث مرات.
إيلاف.
الكلمة لا تشعرك بشيء. ليست جميلة بشكل خاص. ليست قبيحة. هي مجرد صوت. لكن عندما قرأتها بجانب كلمة «زوجة» ثم بجانب كلمة «طلاق»، أصبحت شيئًا مختلفًا. أصبحت شهادة. شهادة على علاقة انتهت.
قرأت السطور.
«بناءً على طلب الزوجة...»
الزوجة. أنا. إيلاف. طلبت الطلاق.
«...بسبب عدم التوافق...»
عدم التوافق. كلمة عامة. كلمة تغطي كل شيء ولا تقول شيئًا.
«...وتم الاتفاق على الشروط التالية...»
شروط. أموال. سكن. حقوق.
قرأت كل صفحة. كل كلمة. كل رقم.
لم أشعر بالغضب. لم أشعر بالألم. لم أشعر بالحزن العميق الذي تتوقعينه في موقف كهذا.
شعرت بشيء غريب. حزن خفيف. حزن على حياة لم أعشها. كأنني أقرأ قصة امرأة أخرى. امرأة عاشت مع رجل. أحبته. ثم قررت أن تتركه. ثم وقعت في حادث. ثم استيقظت وهي لا تعرف شيئًا.
هل هذا أنا؟
أم أن هناك شخصًا آخر هنا؟
بعد قراءة الأوراق، جلست على السرير. نظرت إلى الغرفة.
نافذة. سرير. طاولة. كرسي. باب.
كل شيء واضح. كل شيء في مكانه.
لكنني... أنا... لست واضحة.
حاولت أن أتخيل إيلاف. المرأة التي طلبت الطلاق. المرأة التي عاشت مع عمر. المرأة التي كانت لها حياة كاملة قبل أن تستيقظ هنا.
ما شكلها؟
كيف كانت تتحدث؟
ماذا كانت تحب؟
ماذا كانت تكره؟
لا أعرف.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أنا لستُ هي.
ليس لأنني لا أتذكر. بل لأنني أشعر بذلك. هناك فرق بين نسيان حياتك وبين ألا تكون حياتك هي حياتك. الفرق دقيق. لكنني أحسه.
عند الغروب، جاء عمر مرة أخرى.
هذه المرة لم يجلب أوراقًا. جلب طعامًا. طبق صغير. شوربة دجاج. خبز.
وضعها على الطاولة.
— تأكلي.
— شكراً.
بدأت آكل. الشوربة دافئة. طعمها جيد. لكنني أكلت وأنا أفكر.
سألته:
— لماذا طلقتني؟
نظر إليّ. لم يفاجأ بالسؤال. كأنه توقعه.
— طلبتِ أنتِ الطلاق.
— لماذا؟
— قلتِ إنك لا تستطيعين البقاء.
— لماذا لم أستطع؟
نظر إليّ. طويلًا.
— لا أعرف.
— إيلاف لم تخبرك؟
— إيلاف...
توقف. فكر.
— إيلاف كانت تختلف عني كثيرًا. لم تكن تقبل أن تسأل عنها.
— ولم تسألها؟
— سألتها. كثيرًا.
— وماذا قالت؟
— لا شيء.
صمت.
— هل كنتِ تحبينني؟
سؤال مباشر. سؤال خطير.
نظر إليّ. عيناه بنيتان. هادئتان. لكن فيهما شيء. شيء لا أستطيع تسميته.
— لا أعرف.
— لماذا لا تعرفين؟
— لأنني لا أعرف من أنا.
نظر إليّ. لم يغضب. لم يحزن. فقط... نظر.
ثم قال:
— الشهر يمر. بعدها... كل شيء ينتهي.
قام. مشى نحو الباب.
— هل ستبقين هنا؟
— في المستشفى؟
— نعم.
— لا. أريد أن أذهب للمنزل.
— المنزل؟
— منزلنا.
نظر إليّ.
— ليس منزلنا بعد.
— لكنه كان.
صمت.
— حسناً. سنرى.
خرج.
في تلك الليلة، لم أنم.
جلست على السرير. نظرت إلى أوراق الطلاق على الطاولة.
اسم إيلاف. توقيع إيلاف. قرار إيلاف.
كل شيء يخص امرأة لا أعرفها.
لكن جسدي... جسدي هو جسدها. يدي هي يدها. قلبي ينبض في صدرها.
هل أنا مسؤولة عن قراراتها؟
هل أنا مسؤولة عن حياتها؟
لم أجد لها إجابة.
لكنني وجدت سؤالًا جديدًا:
إذا كنتُ لستُ إيلاف... فمن أنا؟
وإذا كنتُ إيلاف... فلماذا أشعر أنني لستُ هي؟
نامت المدينة خارج النافذة. سمعت سيارات تمر. سمعت رياحًا خفيفة. سمعت التنفس المتقطع للممرضة في الغرفة المجاورة.
وأنا... كنت مستيقظة.
أفكر في امرأة لا أعرفها.
أعيش في جسدها.
وأبحث عن إجابة قد لا توجد.
في الصباح، جاءت الممرضة.
— جاهزة للخروج؟
— نعم.
— زوجك سيتصل بسيارة.
— متى؟
— خلال ساعة.
جلست. نظرت إلى أغراض إيلاف — لا، أغراضي. حقيبة صغيرة. ملابس. هاتف.
فتحت الهاتف.
رمز مرور. أدخلته. لا أعرف كيف عرفته. لكنني أدخلته. كأن يدي تعرف ما تفعله.
شاشة الهاتف. صور. رسائل. جهات اتصال.
نظرت إلى الصور.
امرأة. جميلة. شعر أسود طويل. عينان سوداوان. ملامح حادة. تبتسم في بعض الصور. لا تبتسم في أخرى.
هذه... هي أنا؟
نظرت إلى الرسائل.
رسائل من عمر. قصيرة. رسمية.
رسائل من امرأة تدعى فريدة. والدة عمر.
رسائل من رجل يدعى طارق.
طارق.
الاسم ظهر عدة مرات. في رسائل مختلفة. في تواريخ مختلفة.
«يجب أن نتحدث.»
«لا تتصرفي هكذا.»
«أعرف أنكِ تخفين شيئًا.»
رسائل لا أفهم سياقها. لكنني أحس بها. أحس بثقلها.
أغلقت الهاتف.
لم أعد أريد أن أعرف الآن.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
هناك أشياء في حياة إيلاف لا أعرفها.
وأيام قليلة فقط قبل أن تنتهي حياتها تمامًا.
الشهر يمر.
جاءت السيارة.
عمر في المقعد الأمامي. لم ينظر إليّ.
مشيت نحوها. حملت حقيبتي الصغيرة.
جلست في الخلف.
نظرت من النافذة. المدينة تمر. مباني. شوارع. أشخاص.
كل شيء يبدو طبيعيًا.
لكنني... لست طبيعية.
وصلنا لمنزل.
بيت كبير. هادئ. بارد.
عمر فتح الباب.
— ادخلي.
دخلت.
نظرت حولي.
لم أعرف المكان.
لكن شيئًا ما في داخلي... اعترف به.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك

تعليقات
إرسال تعليق