قصة قارئ الأفكار

قصة 📅 سبتمبر 28, 2026

دراما نفسية / خيال تقني / تشويق — طالب في شنغهاي يطوّر تطبيقًا يقرأ الأفكار والمشاعر من إشارات الدماغ، فيكتشف أسرارًا خطيرة لا ينبغي معرفتها.

البداية

كانت ليلة باردة في نوفمبر، والرياح تنعش وجه المدينة النائم. جلستُ أمام شاشة حاسوبي في غرفة صغيرة بدور سكن الطلاب بجامعة تونغجي في شنغهاي. الضوء الأزرق للشاشة كان يضيء وجهي وهو الوحيد في الغرفة. رائحة القهوة الباردة كانت عالقة في الهواء. صدى خطوات زملاء السكن في الممر الخارجي كان يذكرني أنني لست وحدي في هذا الدور — رغم أنني أشعر بذلك تمامًا.

كنتُ أتصفح صفحات بحث علمية عن تحليل تعابير الوجه باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكن ذهني كان يسير في طريق آخر تمامًا. كنتُ أفكر في أمر أكبر بكثير من تحليل الابتسامات أو تحديد الحزن في ملامح الوجه. كنتُ أسأل نفسي سؤالاُ لم أجده في أي كتاب: هل يمكن أن نصنع شيئًا يقرأ الأفكار الحقيقية؟ ليس تلك الكلمات السطحية التي ننطق بها، بل تلك الأفكار العميقة التي تختبئ خلف ابتساماتنا وتختفي وراء صمتنا الطويل.

«ابنِي، أعظم اختراع هو الذي يجعل الإنسان يشعر أنه ليس وحده.»

هذه كلمات أبي التي قالها لي قبل ثلاث سنوات حين كنتُ أصغر منه بسنوات. كان يعمل مهندسًا في مصنع إلكترونيات صغير في مدينة ووهان، وكان رجلاُ بسيطًا لا يحب الكلام كثيرًا. لكن هذه الجملة بقيت محفورة في ذهني مثل نقش على حجر.

أتذكر الليلة التي قال فيها هذه الكلمات. كنا نجلس على شرفة المنزل الصغير في ووهان. كان الجو دافئًا، والنجوم قليلة لأن ضباب المدينة يخفي معظمها. أبي كان يشرب الشاي الأسود ببطء، ويداه الكبيرتان تحملان الكوب كأنهما تحملان العالم كله. ثم نظر إليّ وقالها بهدوء، بدون أي تمهيد.

لم أقل شيئًا. فقط أومأت برأسي. لكنه لاحظ عينيّ — لاحظ كيف انفتح نظري فجأة كما لو أن بابًا أغلق منذ سنوات فتح فجأة.

بعد تلك الليلة، بدأتُ ألاحظ أمورًا لم أكن أنتبه لها من قبل. لاحظتُ أن أمي تبتسم عندما يدخل أحد الجيران لكنها تسحب وجهها فور خروجهم. لاحظتُ أن جارنا السيد لي يمشي بسرعة في الصباح وكأنه يهرب من أمر ما. لاحظتُ أن معلم الرياضيات يضحك مع طلابه لكن عينيه تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.

كل شخص حولي كان يقول شيئًا ويفكر في شيء آخر.

نظرتُ إلى الشاشة مرة أخرى. أمامي كانت نتائج بحث عن تقنية EEG — تخطيط كهربية الدماغ — وهي تقنية تستخدم أقطابًا كهربائية موضوعة على فروة الرأس لتسجيل النشاط الكهربائي للدماغ. هي تقنية طبية بحتة تُستخدم في تشخيص الصرع واضطرابات النوم. لكن فكرتي كانت مختلفة تمامًا.

ماذا لو استطيع تحويل الإشارات الكهربائية البسيطة إلى فهم حقيقي لما يفكر فيه الشخص؟ ليس ترجمة حرفية لكل كلمة، بل فهم المشاعر الأساسية: هل هذا الشخص سعيد أم حزين؟ هل يخفي خوفًا أم قلقًا؟ هل يفكر بشيء يريد قوله لكنه لا يستطيع؟

بدأتُ أكتب ملاحظات سريعة على ورقة بيضاء بجانب حاسوبي:

  • الإشارات الكهربائية للدماغ تحتوي على أنماط مرتبطة بالحالة النفسية.
  • التعلم الآلي يمكنه التعرف على الأنماط المتكررة.
  • المشكلة الأكبر: كل دماغ مختلف عن الآخر.

رسمتُ دائرة كبيرة في وسط الورقة وكتبتُ في وسطها: «قارئ الأفكار». ثم رسمتُ خطوطًا تتفرع منها نحو أربع نقاط: الاستشعار، المعالجة، التفسير، العرض. كانت خريطة بسيطة لكنها كانت بداية حلم كبير.

خرجتُ من الغرفة لأشرب كوب ماء من المطبخ المشترك في الدور. وجدتُ زميلي تشيان يجلس على المقعد الصغير في الزاوية. وجهه كان شاحبًا وعيناه حمراوان كأنه لم ينام منذ أيام.

— تشيان، أنت بخير؟ سألته وأنا أقف بجانبه.

رفع رأسه ببطء ونظر إليّ بعينين فارغتين. ابتسم ابتسامة ضعيفة وقال:

— أنا بخير يا لين. فقط... بعض الأشياء.

ثم عاد إلى هاتفه ولم يكمل كلامه. لكنني لاحظتُ أمرًا غريبًا: يده ترتجف قليلاُ، وتنفسه سريع وغير منتظم. كان يقول إنه بخير، لكن جسده يقول عكس ذلك تمامًا.

هذا بالضبط ما أردت أن أبنيه أداة تكشف عنه. ليس لأنني أريد أن أخترق خصوصية أحد، بل لأنني أريد أن أساعد الناس الذين لا يستطيعون قول ما يشعرون به. كم منا جلس بجانب شخص يعاني ولم يعرف كيف يساعد؟ كم منا سمع «أنا بخير» بينما الشخص يقصد «أنا أحترق من الداخل»؟

رجعتُ إلى غرفتي وبدأتُ أبحث أكثر. وجدتُ دراسة حديثة من جامعة ستانفورد تقول إن بعض أنماط الموجات الدماغية يمكن ربطها بحالات عاطفية محددة بدقة تصل إلى ثمانية وسبعين بالمئة. الرقم ليس مثاليًا لكنه نقطة بداية.

قضيتُ الليل كله أقرأ وأكتب وأفكر. عندما جاء الصباح، كانت عينيّ ثقيلة لكن ذهني كان مستيقظًا بالكامل. كتبتُ خطة أولية للمشروع:

المشروع: تطبيق يقرأ الحالة الذهنية والعاطفية للمستخدم من خلال تحليل إشارات الدماغ البسيطة.

الأهداف:

  1. بناء نموذج أولي يستخدم أجهزة استشعار تجارية رخيصة.
  2. تدريب خوارزمية تعلم آلي على التعرف على الحالات الأساسية: سعادة، حزن، خوف، غضب، قلق.
  3. تطوير واجهة بسيطة تعرض الحالة المكتشفة بشكل غير مباشر — كإشارة لطيفة وليس كشاشة تكشف كل شيء.

الميزانية: ميزانيتي الشخصية — حوالي ألفي يوان صيني.

المدة المتوقعة: ستة أشهر للنموذج الأولي.

أغلقتُ حاسوبي وطلعتُ إلى الشارع. كانت الشمس تشرق فوق مباني شنغهاي الزجاجية العالية، وأشعة الضوء تعكس على واجهاتها كأن المدينة كلها تبتسم. شعرتُ بأن هناك أمرًا جديدًا بدأ بداخلي. لم أعد مجرد طالب يدرس البرمجة ويحل مسائل الرياضيات. أصبحتُ شخصًا لديه مهمة.

قلتُ لنفسي وأنا أمشي: لن يكون سهلًا. لن يكون سريعًا. لكن إذا نجحتُ ولو بنسبة قليلة، سأكون فعلتُ أمرًا مهمًا حقًا.

لكنني لم أكن أعلم بعد أن المهمة لن تكون سهلة كما توقعت. لم أكن أعلم أن الأفكار التي سألتقطها لن تكون دائمًا أفكارًا تحتاج مساعدة. بعضها سيكون أفكارًا خطيرة. وبعضها سيكون أفكارًا لا ينبغي لأي إنسان أن يسمعها.

لم أكن أعلم أن التكنولوجيا التي تبنيها اليوم قد تصبح سلاحًا غدًا.

الصمت

مرت ثلاثة أسابيع على قراري، وكنتُ أعمل على المشروع في السر. لم أخبر أحدًا بما أفكر فيه باستثناء تشيان — لأنه كان الشخص الوحيد الذي لاحظ أنني بدأتُ أقضي ساعات أطول في المختبر بعد انتهاء المحاضرات.

— لين، أنت تعمل على أمر ما، أليس كذلك؟ سألني ذات مساء ونحن نجلس في المقهى الصغير قرب الجامعة. رائحة البن المحمص كانت تملأ المكان، والناس حولنا يتحدثون بصوت منخفض.

نظرتُ إليه. كان يبدو أفضل مما كان عليه قبل أسبوعين. ربما أخذ إجازة قصيرة أو تحدث مع شخص ما. لكنني لاحظتُ أن عينيه لا تزال تحمل أمرًا مخفيًا. أمر عميق جدًا لا يمكن إخفاؤه حتى بالابتسامة.

— نعم، أعمل على مشروع خاص، قلتُ بصوت منخفض.

— مشروع تخرج؟

— ليس بعد. أمر... شخصي.

ابتسم تشيان ولم يضغط أكثر. هذا كان من حسناته — يحترم حدود الآخرين ولا يجبرهم على الكلام.

في تلك الليلة، قررتُ أن أبدأ فعليًا. ذهبتُ إلى متجر إلكترونيات في حي جيادينغ واشتريتُ مجموعة من المستشعرات الرخيصة: مستشعرات حركة العين، مستشعر نبض القلب، ومستشعر بسيط للجلد يقيس التوصيلية الكهربائية — وهي تقنية تعرف باسم GSR وتستخدم في كشف الكذب.

عندما وصلتُ إلى غرفتي، فرغتُ كل شيء على الطاولة الصغيرة. كانت القطع تبدو بسيطة جدًا مقارنة بالأجهزة الطبية الاحترافية. لكنني كنتُ أعرف أن الفكرة ليست في جودة الأجهزة بل في طريقة استخدامها.

بدأتُ بكتابة كود بسيط بلغة بايثون. كان الكود يجمع البيانات من المستشعرات ويعرضها على شكل رسوم بيانية. قضيتُ خمسة أيام متواصلة في كتابة الكود واختباره على نفسي. كنتُ أضع المستشعرات على رأسي ويدّي وأحاول أن ألاحظ ما يحدث في البيانات عندما أشعر بمشاعر مختلفة.

يوم السبت، قررتُ تجربة شيء مختلف. اتصلتُ بتشيان وسألته إن كان يريد المساعدة في اختبار تجريبي.

— اختبار؟ ماذا تريد أن تختبر؟

— أريد منك الجلوس لبضع دقائق وأنا أقيس بعض المؤشرات الحيوية. لا شيء خطير.

وافق تشيان بسرعة. ربما كان يريد تشتيت ذهنه عما يمر به.

وضعتُ المستشعرات عليه برفق. نبض قلبه ارتفع فورًا — ربما من التوتر. لكن ما جذب انتباهي كان نمط التنفس: سريع ثم بطيء ثم سريع مرة أخرى. هذا النمط مرتبط عادةً بالقلق الشديد أو الاكتئاب.

نظرتُ إلى الشاشة. البيانات تتدفق أمامي: معدل ضربات القلب ٨٧ نبضة في الدقيقة، التوصيلية الجلدية مرتفعة، حركة العين سريعة ومتقطعة. كل مؤشر يشير إلى حالة ضغط نفسي عالية.

لكن فجأة حدث أمر لم أتوقعه أبدًا.

خوارزميتي كانت تحاول تفسير البيانات بطريقة جديدة — كنتُ قد أضفتُ طبقة معالجة لغوية تجريبية تستخرج أنماطًا من الإشارات العصبية وتحاول ترجمتها إلى كلمات. كان هذا الجزء من الكود غير مكتمل وغير موثوق. كنتُ أعتبره مجرد تجربة جانبية.

الشاشة بدأت تعرض كلمات.

لم تكن كلمات واضحة تمامًا. كانت مشوشة ومجزأة. لكنني استطعتُ قراءة جزء منها:

«...لا أستطيع... تحمل... المزيد...»

جمدتُ. نظرتُ لتشيان. كان جالسًا بهدوء، يحدق في الجدار المقابل. لم يقل شيئًا.

ثم ظهرت كلمات أخرى:

«...أمي... العلاج... لا يوجد مال...»

يداي بدأت ترتجف. كنتُ أقرأ أفكار شخص آخر. ليس مؤشرات عاطفية عامة — كنتُ أقرأ محتوى فعليًا لما يدور في عقله.

— تشيان، قلتُ بصوت مرتجف، هل هناك أمر تريد أن تتحدث عنه؟

نظر إلى يديه. كانتا ترتجفان.

— أبي... منذ شهر... لا يعمل.

صمت طويل.

— وأمّي تحتاج دواءً.

رفع عينيه إليّ. لم تكن فيهما دموع. كانت فيهما هزيمة.

— لا أعرف ماذا أفعل يا لين.

دموعه انزلقت على خديه دون أن يحاول إيقافها.

مسكتُ كتفه برفق وقلتُ:

— أنت لست وحدك يا تشيان. أنا هنا.

لكنني لم أقل له الحقيقة الكاملة. لم أقل له إن الجهاز كتب كلمات على الشاشة. لم أقل له إنني قرأت أفكاره قبل أن يتحدث. لأنني كنتُ أخشى أن يخاف مني. كنتُ أخشى أن يرى فيّ شخصًا يتجسس على عقول الناس بدلًا من شخص يريد مساعدتهم.

بعد أن رحل تشيان، جلستُ وحدي أمام الشاشة. البيانات لا تزال محفوظة. كلمات تشيان مكتوبة هناك. كلمات لم يقلها لي بنفسه — بل اكتشفتها التقنية قبل أن يقرر أن يثق بي.

شعرتُ برغبة غريبة في حذف البيانات. لكنني لم أفعل. لأنها كانت دليلًا على أن مشروعي يعمل — بشكل أخطر مما توقعت.

«التكنولوجيا ليست هدفًا في حد ذاتها. هي وسيلة لجعل الناس أقرب لبعضهم البعض.»

بدأتُ أفكر في اسم للتطبيق. فكرتُ في أسماء كثيرة: MindReader، ThoughtBridge، InnerVoice. لكن في النهاية اخترتُ اسمًا عربيًا لأنني أحب اللغة العربية وأعتقد أن الاسم يجب أن يعكس روح المشروع.

سميته: «نبض» — لأن كل فكرة تبدأ بنبضة في القلب قبل أن تصبح كلمة في اللسان.

لكن قبل أن أغفو تلك الليلة، نظرتُ مرة أخرى إلى البيانات المحفوظة. وفي زاوية الشاشة، بين الكلمات المشوشة، وجدتُ جملة واحدة واضحة تمامًا لم تكن تابعة لتشيان.

جملة ظهرت في البيانات رغم أن تشيان لم يكن يفكر فيها.

«...يجب أن أوقفه... قبل أن يكتشف الجميع...»

لم أفهم من أين جاءت هذه الجملة. لم تكن من تشيان. لم تكن مني.

أغلقتُ الشاشة وذهبتُ إلى النوم. لكنني لم أنم طوال الليل.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات