قصة غدًا

قصة 📅 سبتمبر 24, 2026


قصة قصيرة واقعية نفسية، ذات طابع مأساوي هادئ، تتناول قلق الفقر والاكتناز المرضي وتأجيل الحياة، بلغة عربية فصيحة مقتضبة، وسرد خطي وبنية دائرية رمزية.
 

كان يملك المال… لكنه لم يملك الحياة


كان يوسف يعدّ نقوده في الظلام.
أغلق النافذة، وأطفأ المصباح، ثم أخرج الأوراق من الصندوق الصغير الموضوع تحت الفراش.

عدّها مرة.

ثم أعاد عدّها.

توقف قليلًا، ووضع يده فوق الصندوق قبل أن يغلقه، كأنه يخشى أن تختفي النقود إذا رفعها.

في الصباح، ارتدى قميصه القديم.

كان أحد أزراره مرتخيًا. أصلحه بخيط أسود، ثم نظر إلى الحذاء عند قدميه.

كان النعل قد بدأ ينفتح من جانبه.

ظل ينظر إليه لحظة.

ثم قال لنفسه:

— ليس الآن.

خرج إلى عمله.

لم يكن يوسف ينفق إلا على ما لا يستطيع الاستغناء عنه. الطعام، الإيجار، الكهرباء.

أما ما عدا ذلك، فكان يمكن أن ينتظر.

ذات مساء، مرّ أمام متجر صغير، فتوقف.

كان هناك مذياع قديم على الرف.

أدار البائع المفتاح، فخرج صوت موسيقى خافتة.

ظل يوسف ينظر إليه.

سأل عن ثمنه.

أخبره البائع.

أخرج يوسف محفظته، عدّ ما فيها، ثم أعادها إلى جيبه.

— ربما أعود غدًا.

ابتسم البائع.

لكن يوسف لم يعد.

كان الخوف قد بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة.

كان يوسف في التاسعة حين فقد أبوه عمله.

يتذكر تلك الليلة جيدًا.

كان المطر يضرب النافذة، وأمه تقسم قطعة الخبز إلى أجزاء صغيرة.

طرق صاحب البيت الباب.

فتح الأب.

قال الرجل:

— أريد الإيجار.

خفض الأب عينيه.

— أعطني أسبوعًا آخر فقط.

ظل يوسف يسمع المطر.

وسمع الجملة.

وبقيت معه.

كبر يوسف.

عمل.

وصار يجمع المال.

كان كل مبلغ يضعه في الصندوق يمنحه شيئًا يشبه الأمان.

كلما زاد ما يملك، خاف أكثر من فقدانه.

وكانت هناك أشياء كثيرة يمكن تأجيلها.

قميص جديد.

حذاء أفضل.

مذياع.

رحلة قصيرة.

طعام أكثر.

دائمًا كان هناك غد.

في أحد الأيام، جلس يوسف مع زملائه في غرفة الاستراحة.

كانت أكواب الشاي مصطفة على الطاولة، وطرقات الطابعات تأتي من الممر.

قال أحدهم:

— سمعت أن هناك تقليصًا للموظفين.

قال آخر:

— مجرد كلام.

لم يقل يوسف شيئًا.

توقف عن تحريك ملعقته.

نظر إلى كوب الشاي أمامه.

ثم إلى الأوراق الموضوعة على الطاولة.

لم يعد يسمع بقية الحديث.

في ذلك المساء، أخرج صندوقه من تحت الفراش.

عدّ المال.

مرة.

ثم مرة أخرى.

وفي اليوم التالي، بدأ يسأل نفسه:

ماذا لو؟

ماذا لو فقد عمله؟

ماذا لو مرض؟

ماذا لو احتاج المال؟

ومنذ ذلك اليوم، صار الغد شيئًا يجب أن يكون مستعدًا له دائمًا.

مرت أسابيع.

بدأ التعب يظهر عليه تدريجيًا.

صار يأكل أقل.

يعود من العمل متعبًا.

يصعد الدرج ببطء.

يسعل أحيانًا.

وفي صباح، وجد نفسه واقفًا أمام الفراش دون أن يتذكر لماذا جاء.

ظل واقفًا لحظات.

ثم عاد وجلس.

كان الطعام أمامه.

قال لنفسه:

— بعد قليل.

وبقي الطعام أمامه.

برد.

في أحد الأيام، دخل الحمام.

فتح الصنبور.

غسل وجهه.

ثم شعر فجأة أن الأرض تميل تحته.

حاول أن يستند إلى الحائط.

لم يستطع.

سقط على البلاط البارد.

وصل صوت السقوط إلى خديجة.

طرقت الباب.

— يوسف؟

لم يجب.

فتحت الباب.

وجدته على الأرض.

ساعدته على الجلوس، ثم وضعت كوب ماء قربه.

قالت بغضب: 
— قلتَها أمس. قلتَ: بعد قليل.

نظر إليها يوسف.

— أنا بخير.

— لست بخير.

سكت.

استدعت طبيبًا.

فحصه الطبيب طويلًا، ثم قال:

— تحتاج إلى فحوصات وعلاج. ابدأ الآن.

نظر يوسف إلى الأرض.

— كم سيكلف؟

نظر الطبيب إلى خديجة، ثم عاد إليه.

— العلاج الحكومي موجود. قد تنتظر، وقد تتعب من الأوراق، لكن هذا أهون من أن تنتظر حتى لا تستطيع فعل شيء.

قال يوسف:

— لا أستطيع.

— ماذا؟

رفع يوسف عينيه.

— أن أبدأ.

قال الطبيب:

— ابدأ الآن.

لكن يوسف لم يجب.

بعد أن غادر الطبيب، بقيت علبة الدواء فوق الطاولة.

ظل يوسف ينظر إليها.

مد يده نحوها.

توقفت أصابعه قبل أن تلمسها.

سحب يده.

ثم أغلق عينيه.

في الأيام التالية، صار أضعف.

حاول أن يقف من فراشه.

وضع قدميه على الأرض.

انتظر.

ثم عاد إلى الفراش.

وضعت خديجة له الطعام.

— كل.

— أكلت.

نظرت إلى الطبق.

كان كما هو.

وضعت كوب الماء قربه، وأغلقت الباب.

في صباح آخر، قالت له:

— يا رجل، ستبقى هكذا حتى متى؟

لم يجب.

ثم قالت، بصوت أخفض:

— أنا لا أريد مالك.

رفع عينيه إليها.

— ماذا تريدين؟

— ألا أجدك ميتًا في غرفتك صباحًا.

سكت يوسف.

جلست خديجة قرب الباب.

قالت بعد لحظة:

— كان زوجي يفعل الشيء نفسه.

نظر إليها.

— كل مرة أقول له: اذهب إلى الطبيب، يقول: غدًا.

توقفت.

— مات قبل أن يأتي الغد الذي كان ينتظره.

لم يقل يوسف شيئًا.

ولم تقل خديجة شيئًا بعدها.

جاءت ليلة ممطرة.

كان يوسف مستلقيًا على فراشه.

كان المطر يضرب النافذة.

فتح عينيه.

— خديجة.

كانت جالسة في الخارج.

— نعم؟

— افتحي النافذة.

فتحتها.

دخل الهواء البارد.

ظل يوسف ينظر إلى الخارج.

قال:

— أتذكرين المذياع؟

— أي مذياع؟

— الذي قلت عنه: غدًا.

نظرت إليه.

ابتسم ابتسامة صغيرة.

— أشياء كثيرة.

سكت.

ثم قال:

— القميص.

سكت قليلًا.

— الرحلة.

ثم نظر إلى يده.

— كنت أؤجل كل شيء.

لم تجبه.

قال بصوت أضعف:

— كنت أخاف أن أموت فقيرًا.

توقّف.

— والآن سأموت غنيًا.

نظر إلى الغرفة.

إلى الفراش.

إلى علبة الدواء المغلقة فوق الطاولة.

ثم قال:

— لكنني عشت كأنني فقير.

لم تتحرك خديجة.

ظل ينظر إلى النافذة.

— كنت سأشتري لنفسي حياة.

ثم أغمض عينيه.

ولم يفتحهما ثانية.

في الصباح، دخلت خديجة الغرفة.

توقفت عند الباب.

كان يوسف ساكنًا.

اقتربت منه.

لمسته.

ثم سحبت يدها.

كانت علبة الدواء ما تزال مغلقة فوق الطاولة.

مدت يدها إلى الثوب القديم.

مررت أصابعها على القماش المهترئ.

نظرت إلى الحذاء عند طرف السرير.

كان النعل قد انفتح أكثر.

ثم فتحت الدرج.

وجدت ظرفًا.

فتحته.

كانت فيه أوراق نقدية مرتبة.

نظرت إليها طويلًا.

ثم بحثت خلف الملابس.

وجدت ظرفًا آخر.

أعادتها إلى أماكنها.

جلست على حافة السرير.

ثم أخرجت الصندوق الصغير من تحت الفراش.

فتحته.

كان ممتلئًا.

نظرت إليه.

ثم إلى يوسف.

لم تلمس الأوراق.

أعادتها إلى مكانها.

وأغلقت الصندوق.

وبقيت يدها فوقه لحظة.

كانت النافذة لا تزال مفتوحة.

أما المطر، فقد توقف.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات