عقد إيجار بلا نهاية
عقد إيجار بلا نهاية
غموض نفسي - رعب هادئ - واقعية سحرية
الفصل 1 — دفع مقدمًا ولم يسأل عن المفتاح
لم يكن سليم يخاف من البيت؛ كان يخاف من أن يبقى فيه وحده.
جلس على كرسي خشبي في الممر الطويل. سمع طقطقة الساعة القديمة في الصالة. كل دقيقة ثقيلة. نظر إلى المرآة الكبيرة في نهاية الممر. رأى انعكاسه وحيدًا. رأى الممر فارغًا خلفه. تمنى لو أن صوتًا يكسر هذا الصمت، حتى لو كان صوتًا غريبًا.
فتح باب الغرفة الخلفية. الغرفة مرتبة. لا غبار. لا رائحة. كأن أحدًا فتح النافذة صباحًا، لكن النافذة كانت مغلقة. البلاط بارد.
عدّ النقود في جيبه. تكفي ثلاثة أشهر. قال في نفسه: يكفي ألا يبقى الممر فارغًا.
انتظر.
وصل يوسف بعد العصر. طرق خفيف مهذب. فتح سليم الباب. رجل في الخامسة والثلاثين تقريبًا. حقيبة صغيرة. قميص أبيض ناصع رغم غبار الحي. لم تكن عليه آثار سفر. عينان لا تستقران على شيء، لكن وجهه هادئ.
قال: الغرفة ما زالت فارغة؟
سليم: نعم.
يوسف دخل. لم يسأل أين الغرفة. مشى إليها مباشرة. لم يسأل أين المطبخ. في طريقه نظر إلى المطبخ الصغير كأنه يعرفه.
قال سليم في نفسه: كيف؟
يوسف وضع الحقيبة على الأرض. لم يفتحها. أخرج رزمة نقود. عدّها. دفع ثلاثة أشهر مقدّمًا.
قال: لا أحتاج إيصالًا.
سليم لاحظ الجملة. كل مستأجر يريد إيصالًا.
قال سليم: المفتاح؟
يوسف نظر بسرعة خاطفة إلى البلاطة الثالثة في الممر.
قال: معي واحد يكفي. اترك الثاني.
توقف سليم. لم يعطه مفتاحًا ثانيًا أصلًا.
قال يوسف: أقصد إن كان هناك ثانٍ. لا أحتاجه. ابتسم ابتسامة لا تقول شيئًا.
سليم انتبه إلى النظرة. لم يعلق. لكن بقي السؤال في نفسه: كيف عرف؟
جلس يوسف على طرف السرير. نظر حوله. قال: الغرفة كما كانت.
سليم: كنت هنا قبل؟
يوسف: لا. تشبه غرفة قديمة سكنتها. في مكان آخر. قديم جدًا.
سكت.
سليم خرج. أغلق الباب. وقف في الممر. البيت لم يعد فارغًا. لكنه صار أهدأ.
في الليل، لم يسمع سليم وقع خطوات من الغرفة الخلفية. لا صوت باب. لا صوت ماء. البيت ساكن أكثر من اللازم.
مرة واحدة فقط، سمع صوتًا خفيفًا. كوب يوضع على خشب. خفيف كأن أحدًا لا يريد إيقاظ أحد.
بقي مستيقظًا. نظر إلى الساعة. الثالثة صباحًا. الصمت ثقيل.
في الصباح، استيقظ متأخرًا. المطبخ نظيف. السرير مرتب. الحقيبة ما زالت مغلقة.
خرج يوسف باكرًا. أو لم يخرج. الباب الخارجي لم يصدر صوتًا.
الفصل 2 — الكاميرا حفظت الجدار فقط
وصلت نور بعد الظهر يوم الجمعة. بعد ثلاثة أيام من وصول يوسف.
حقيبة صغيرة. دخلت الممر الطويل. قالت: البيت صار أنظف.
سليم: أجرت الغرفة الخلفية.
نور نظرت إلى باب الغرفة المغلق. قالت: لمن؟
سليم: رجل هادئ. اسمه يوسف.
نور: منذ متى؟
سليم: ثلاثة أيام.
وضع سليم كوبين على الطاولة. واحد له. واحد لها.
في الخامسة، فتح باب الغرفة الخلفية دون صوت. خرج يوسف. القميص الأبيض نفسه. سلّم بنبرة خافضة. جلس على حافة الكرسي البعيد.
نور ابتسمت: نصوّر صورة للذكرى؟ البيت والمستأجر الجديد.
وقف سليم بجانب يوسف أمام الجدار. خلفهما المرآة الكبيرة في الصالة تعكس الممر.
أخرجت نور هاتفها. وجهت العدسة. ضغطت الزر.
نظرت إلى الشاشة. قطعت ابتسامتها. مسحت زجاج العدسة بطرف قميصها. فتحت الكاميرا مرة أخرى. ضغطت.
قربت الشاشة. في الصورة: سليم وحده واقف بجانب كرسي فارغ. الممر وراءه في الصورة. الجدار واضح. الساعة المعلقة واضحة.
رفعت رأسها. يوسف ما زال واقفًا بجانب سليم. تراه. تبتسم له. تراه.
نظرت إلى الشاشة مرة أخرى. لا أحد بجانب سليم. الجدار فقط.
سكتت. يدها ترتجف قليلًا.
وجهت الهاتف نحو يوسف وحده. التقطت صورة سريعة.
على الشاشة: الجدار الأصفر الفارغ. الساعة. الستارة. لا يوسف.
قالت بصوت خفيض وهي تحدّق في الشاشة: الكاميرا فيها عطل...
أعادت فتح التطبيق. نفس النتيجة.
خطى يوسف خطوة نحو غرفته. قال بنبرة هادئة: ربما الضوء.
دخل الغرفة وأغلق الباب بهدوء. لم يسمع صوت قفل.
نور وضعت الهاتف في حقيبتها ببطء. نظرت إلى أبيها. لم تقل أين الرجل. قالت: بابا... الصورة لا تظهره.
سليم لم يجب. نظر إلى باب الغرفة المغلق، ثم إلى الكرسي الذي كان يوسف عليه، ثم إلى وجه نور.
قالت نور: سآتي غدًا مرة أخرى.
بقيت الصورة على هاتفها: سليم وحده. والجدار.
الفصل 3 — يد دافئة في بيت بارد
في الصباح لم ينم سليم.
نظر إلى المرآة الكبيرة في الصالة. إطار خشب متشقق. زجاجها بارد.
وقف أمامها. نظر.
رأى الممر. رأى الساعة المعلقة. رأى الباب المغلق للغرفة الخلفية. رأى نفسه وحيدًا.
سمع باب الغرفة يفتح دون صوت.
وقف يوسف خلفه في الممر. على بعد خطوتين.
سليم رأى ظل يوسف على البلاط من طرف عينه. لكن في المرآة، لا أحد خلفه. الممر فارغ في الزجاج.
سليم لم يلتفت. بقي ينظر إلى المرآة.
قال: يوسف؟
يوسف: نعم.
سليم: هل أنت هنا؟
يوسف: خلفك.
سليم نظر مرة أخرى إلى المرآة. الممر فارغ. لكنه يسمع صوته قريبًا.
مدّ يده ببطء إلى الخلف. لم يلتفت. تحركت أصابعه في الهواء حتى لامست كتف يوسف.
دافئ. قماش القميص دافئ. كتف حقيقية. الدفء بقي لحظة في كفه.
سحب يده.
قال: لماذا لا أراك؟
صمت يوسف. ثم قال بنبرة خافضة: بعض الأشياء لا تظهر إلا بعد أن نتذكرها.
سليم التفت. يوسف واقف فعلًا. يراه بعينه مباشرة. وجه هادئ. نفس القميص الأبيض.
عاد سليم ينظر إلى المرآة. في الزاوية العليا، حيث ينكسر الضوء القادم من النافذة، لمعة صغيرة. تشبه انعكاس حركة لم تحدث. كأن أحدًا كان جالسًا ثم قام قبل ثانية.
مسح سليم الزجاج بطرف كمه. ظنها انعكاس نافذة. اختفت اللمعة.
قال يوسف من خلفه: هل حدث شيء؟
سليم: لا. لا شيء.
يوسف دخل المطبخ. وضع كوبًا على الخشب. صوت خفيف.
سليم بقي أمام المرآة. لمس الزجاج. بارد.
دخل غرفته. ترك الباب مفتوحًا. المرآة ظلت في الصالة ترد الممر.
في الليل، لم يسمع خطوات. سمع صوت كوب واحد يوضع على خشب. خفيف. كأن أحدًا لا يريد إيقاظ أحد. ثم سكون.
الفصل 4 — فنجان ثانٍ
عند الثالثة صباحًا، سمع سليم الصوت مرة أخرى.
كوب يوضع على خشب. خفيف.
ثم كوب ثانٍ. خفيف أيضًا.
فتح سليم باب غرفته قليلًا. الممر مظلم. من المطبخ ضوء خافت.
يوسف واقف أمام الطاولة. فنجانان. بخار خفيف يتصاعد من الاثنين.
يوسف لم يشرب. جلس. نظر إلى الفنجان الثاني أمامه. لم يلمسه.
سليم بقي ينظر من فتحة الباب. لم يدخل.
بعد دقائق، قام يوسف. أخذ الفنجان الثاني. سكبه في الحوض. غسل الفنجانين بعناية. وضعهما بجانب بعضهما. مرتبين.
عاد إلى غرفته. أغلق الباب دون صوت.
في الصباح، المطبخ نظيف. فنجانان مغسولان موضوعان بعناية بجانب بعضهما. سليم لا يستخدم فنجانين. يستخدم واحدًا فقط منذ ماتت زوجته.
بعد يومين، جاءت نور في المساء. رأت الفنجانين.
قالت: كوبان؟
سليم: هو يضع اثنين كل ليلة.
نور لمست الفنجانين. باردين.
قالت: وحده؟
سليم: وحده.
سكتت. قالت: ينتظر أحدًا؟
سليم لم يجب. كان ينظر إلى الفنجان الثاني. فارغ. نظيف. موضوع بعناية كأنه لشخص سيأتي.
في الليل، تكرر الصوت عند الثالثة صباحًا.
كوب. ثم كوب ثانٍ.
سليم لم يفتح الباب هذه المرة. بقي في سريره. سمع صوت كرسي يتحرك قليلًا في المطبخ. لا صوت كلام. فقط صمت بين كوبين.
بعد وقت، صوت ماء. غسل. ثم سكون.
في الصباح، سأل سليم: يوسف، لمن الفنجان الثاني؟
يوسف نظر إلى الفنجانين على الطاولة. قال: تعودت.
سليم: تعودت على ماذا؟
يوسف: أن أضع اثنين.
سليم: لمن؟
يوسف صمت. ثم قال: لشخص كان يجلس هنا.
سليم: أين هو الآن؟
يوسف: لم يأت بعد.
دخل غرفته.
بقي الفنجانان على الطاولة. سليم لم يلمسهما.
الفصل 5 — كلمة الأب: غادر
لم يستطع سليم أن يبقى في المطبخ.
فتح الدرج القديم لأبيه. درج لم يفتحه منذ سنوات. خشب قديم. رائحة ورق.
أوراق قديمة. فواتير صفراء. مفاتيح صدئة.
في آخر الدرج، ورقة مطوية. خط أبيه.
فتحها.
سطر واحد:
يوسف — الغرفة الخلفية — غادر.
لا تاريخ. لا تفاصيل.
قلب الورقة. فارغة.
وضع الورقة على الطاولة. نظر إلى باب الغرفة الخلفية المغلق. يوسف في الداخل.
وضع الورقة في جيبه.
خرج إلى الشارع. ذهب إلى بيت الجار. أبو خالد. جار قديم.
طرق الباب.
فتح أبو خالد. قال: سليم؟
سليم: هل تذكر مستأجرًا قديمًا اسمه يوسف؟ الغرفة الخلفية؟
سكت أبو خالد. وجهه تغير. نظر إلى الشارع.
قال بصوت منخفض: لم يغادر. قلنا ذلك فقط.
سليم: أين هو إذن؟
هزّ أبو خالد رأسه. لم يجب. أغلق الباب ببطء.
عاد سليم إلى البيت. الورقة في جيبه. غادر.
نظر إلى الممر. البيت ساكن.
في الليل، سمع كوبًا واحدًا يوضع على خشب. خفيف. ثم سكون.
الفصل 6 — إيصال بتاريخ لا يملكه البيت
عاد سليم إلى الدرج.
رفع الأوراق. في القاع، دفتر أزرق صغير. غلافه متآكل. لم يفتحه منذ وفاة أبيه.
فتحه.
صفحات حسابات. أسماء مستأجرين. الغرفة الخلفية — فارغة. الغرفة الخلفية — مؤجرة.
توقف عند صفحة مطوية.
إيصال أصفر ملصق بشريط لاصق قديم.
13 نوفمبر 1995
الغرفة الخلفية — يوسف — مدفوع لشهر.
خط أبيه نفسه. الحبر باهت.
تحت الإيصال، بخط أبيه أيضًا، سطر صغير:
ينتظر.
لا اسم. لا وقت. فقط ينتظر.
قلب الصفحة.
صفحة فارغة.
صفحة أخرى. نفس الخط:
لم يأت.
وضع سليم الدفتر على الطاولة. الإيصال الأصفر يلمع تحت الضوء.
خرج إلى الصالة. يوسف جالس في المطبخ. فنجان واحد أمامه. لا بخار.
قال سليم: 13 نوفمبر 1995؟
يوسف رفع رأسه. نظر إلى الدفتر الأزرق في يد سليم. لم يقترب.
قال: إيصال قديم.
سليم: كنت تنتظر أحدًا؟
يوسف صمت. ثم قال: كنت أنتظر.
سليم: من؟
يوسف لم يجب. نظر إلى الفنجان الواحد أمامه.
سليم لم يسأل أكثر. وضع الدفتر الأزرق على الطاولة. بقي الإيصال ملصقًا.
في الليل، لم يسمع كوبًا. سمع صمتًا.
الفصل 7 — خرج وترك الغرفة
في الصباح، باب الغرفة الخلفية مفتوح.
سليم نظر. الغرفة فارغة.
السرير مشدود. الفنجانان مغسولان موضوعان بجانب بعضهما. لا بخار. لا رائحة.
المفتاح على الطاولة. في الداخل.
لم يسمع خطوات. لم يسمع بابًا.
قال سليم بصوت منخفض: يوسف؟
لا جواب.
دخل الغرفة. لمس السرير. بارد. لمس الطاولة. باردة.
فتح النافذة. ضوء.
ترك المفتاح كما هو. أغلق الباب ببطء. لم يقفل.
بعد يومين، عاد إلى الغرفة لينظف.
رفع هاتفه. التقط صورة للغرفة الفارغة. الممر يظهر في المرآة الكبيرة.
نظر إلى الشاشة.
الغرفة فارغة في الصورة.
وفي انعكاس المرآة داخل الصورة، في الزاوية العليا، حيث كانت اللمعة، يجلس يوسف.
على الكرسي. القميص الأبيض نفسه. ينظر إلى الفنجانين أمامه.
لم يبتسم. لم يترك رسالة.
سليم لم يعلق. لم يمسح الصورة. لم يعرضها.
وضع الهاتف في جيبه.
ترك باب الغرفة مفتوحًا. المرآة ظلت في الصالة ترد الممر.
— النهاية —
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك

تعليقات
إرسال تعليق