قصة ما بين الظن والحقيقة
دراما اجتماعية عاطفية عن الظن والبراءة. فهد يعود لبيته بعد اتهام قديم بتسريب عقد، وليان محررة ترى الناس كمخطوطات تُعدل. ورقة من أم ميتة تجمعهما. عن ثمن الصمت، ذنب العائلة، والمصالحة حين نختار أن نسترد الاسم لا الانتقام معا
البيت الذي أضاء أنواره
لا يحتاج الغائب أن يتكلم كي يعود، يكفي أن يضيء بيته، فتتحدث عنه المدينة كلها.
في أحياء الرياض القديمة، كانت الأخبار تنتقل بسرعة. من نافذة إلى نافذة، مع رائحة القهوة، تصل إلى المجالس قبل أن يعرف صاحبها نفسه.
في ذلك المساء، أضاء بيت عائلة راشد للمرة الأولى منذ سنوات. ضوء أصفر انعكس على الجدار المقابل. عمال يحملون صناديق خشبية بصمت، ثم توقفت سيارة سوداء عند الباب.
الحي لم يحتج أكثر من هذا ليعرف.
قالت أم خالد وهي تصب القهوة لجارتها: لقد عاد.
سألتها جارتها: من؟
قالت: فهد راشد. العمال في بيته منذ الأمس.
توقفت ملعقة أم ناصر في الفنجان وقالت: سمعت أنه كان في لندن... هل تزوج؟
ابتسمت أم خالد وقالت: هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
في البيت المقابل، كانت ليان تجلس قرب النافذة المفتوحة. أمامها مخطوطة وقلم رصاص قصير تعض طرفه كلما توقفت جملة. هي تعمل محررة في دار نشر صغيرة. تؤمن أن الجملة السيئة يمكن إصلاحها، أما الإنسان فلا يأتي معه هامش كافٍ للتعديل.
دخلت والدتها وقالت: صاحب البيت الكبير عاد.
قالت ليان: أهلا به.
قالت أمها: هذا كل شيء؟
قالت: لا أعرفه يا أمي.
جلست أمها بجانبها وقالت: خالتك ستجمعنا يوم الخميس. تعالي معنا، أنت بحاجة أن تبتعدي عن الكتب.
نظرت ليان إلى البيت المقابل، إلى ستارة بيضاء تتحرك مع الهواء وقالت: الكتب أرحم من البشر.
قالت أمها: لأنها لا تعترض عندما تغيرين نهايتها؟
خرجت أمها وتركت جملة بقيت في رأس ليان: سيأتي يوم تقابلين فيه شخصًا لا يسمح لك بتعديل صورته.
لم تكن جملة عابرة. قبل عامين، أرسلت صديقتها مها روايتها الأولى إلى ليان. كانت الفكرة جيدة لكن البناء ضعيف. ليان حذفت فصولًا وغيرت ترتيب النهاية وأعادت شخصية إلى الهامش، لأن هذا كان عملها. عندما نجحت الرواية، لم تشكرها مها، بل قالت لها في آخر مكالمة: أنت لم تحرري روايتي، أنت استبدلتيها بروايتك.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت ليان تثق بالنص أكثر من صاحبه.
أما فهد، فكان يعرف حقيقة خروجه أكثر من الحي كله. في آخر أسبوع له، اتهمه والده أمام العائلة أنه سرب عقدًا سريًا لمنافس، ولم يعطه فرصة ليدافع عن نفسه. غادر في نفس الليلة. مات والده بعد أشهر، وبقي الاتهام معلقًا في البيت.
لم يكن يعرف من سرب العقد، لكنه كان يعرف أن الجميع صدقوا أنه هو.
اتصل به ابن عمه مازن مساء الأربعاء وقال: عندنا عشاء غدًا. أمي عملت الكبسة ولا أريد أن أغضبها وحدي.
سأله فهد: في أي ساعة؟
قال: التاسعة.
نام الحي تلك الليلة على خبر العودة. وذهب فهد إلى فراشه وهو يظن أن أصعب شيء في الرجوع هو مواجهة البيت. لم يكن يعلم أن الأصعب كان في انتظاره، صندوق ورق قديم في مكتب محامٍ في شارع آخر، ينتظر صباح الخميس.
الورقة التي لم تصل
أحيانًا لا نرى الشخص أمامنا، لأننا مشغولون بالشخص الذي سمعنا عنه.
صباح الخميس، وصلت شحنة إلى دار النشر. صندوق كرتوني تفوح منه رائحة الورق القديم. على الغلاف مكتوب بخط محامٍ: أوراق السيدة نوال راشد - تسلم بيد المحررة ليان وحدها.
توقفت يد ليان. نوال راشد كاتبة صدرت لها رواية واحدة قبل أكثر من عشرين عامًا عن نفس الدار، ثم اختفت. وروايتها من الكتب التي تبقى في ذاكرة من قرأها.
فتحت الصندوق. وجدت مخطوطة مربوطة بخيط أزرق، وثلاثة دفاتر، وظرفًا أبيض سميكًا. على الظرف مكتوب بخط مرتجف: إلى فهد، إذا عاد.
ومع الصندوق ورقة صغيرة من المحامي: سلمت المرحومة وصيتها قبل موتها بشهرين. أوصت أن تأتي أوراقها إلى الدار التي نشرت روايتها، وأن تسلم لليان بالاسم. وقالت حرفيًا: أعرفها من نافذتي المقابلة. كنت أراها صغيرة تقرأ على نور المصباح، وكبرت فصارت تصلح الكتب. ابنتي الجارة لن تسلم الورقة لغير صاحبها.
رفعت ليان رأسها نحو النافذة. البيت الكبير أمامها بدأ يضيء نافذة وراء نافذة. المرأة التي كانت تقرأ خلف تلك الستائر كانت تراقبها هي أيضًا. لم تكن صدفة. كانت امرأة ميتة تختار من يرث ثقتها.
في الدفتر الأول وجدت إشارة لرواية لم تنشرها نوال، وفي الصفحة الأخيرة بخط مرتجف: لم يكن فهد هو من سلم العقد. أعرف ذلك. وأعرف الاسم الحقيقي.
شعرت ليان أن الغرفة ضاقت. هي لا تعرف فهد، لكنها عرفت أن هذه الورقة تخصه، وأن تخبئها خيانة لثقة ميتة.
في المساء وصلت إلى بيت خالتها متأخرة عشر دقائق. نورة كانت تنتظرها عند الباب.
قالت: تأخرتِ.
قالت ليان: عشر دقائق فقط.
قالت: بالنسبة لليلة، عشر دقائق كثيرة. سيأتي بعد قليل.
قالت ليان: لدي شيء له.
قالت نورة: شيء خطير؟
قالت: لا أعرف. وهذه أسوأ إجابة.
دخل فهد بعد العشاء بهدوء وسلم على الموجودين. لم يكن في ملامحه ما رسمه الحي. لا قسوة ولا استعراض. بدا كشخص وصل لمكان يعرفه جيدًا ولم يعد متأكدًا أنه ينتمي إليه.
خرجت ليان إلى الحديقة تحت شجرة الليمون، والظرف في حقيبتها. بعد دقائق سمعت خطوات.
قال: عذرًا، ظننت المكان خاليًا.
قالت: وأنا ظننته كذلك.
أشار إلى المقعد المقابل: هل تسمحين؟
قالت: المكان ليس ملكي.
جلس وبقيت بينهما مسافة مجاملة.
قال: أنت ليان؟
قالت: كيف عرفت؟
قال: من العائلة.
قالت: وأنا لم أسأل العائلة عنك.
رفع حاجبه وقال: يبدو أنك لا تحبين الأحكام المسبقة.
قالت: ومن يحبها؟
قال: بعض الناس يبنون حياتهم عليها.
قالت: وبعض الناس يعطونهم سببًا.
نظر إلى أصابعها الملطخة بغبار رمادي وقال: تعملين في النشر. تنظرين إلى الناس كما تنظرين إلى المخطوطات؟
لم يعجبها السؤال وقالت: وأنت تنظر إلى الشائعات؟ لا تنفيها حتى لا تعطيها قيمة؟
ظهر الانزعاج في عينيه ثم اختفى وقال: هل أعطيتك سببًا؟
قالت: لا أعرفك بما يكفي، لكنك افترضت أولًا.
صمت ثم ضحك وقال: نقطة لك.
قام ليغادر ثم توقف وقال: يبدو أنني قطعت عليك شيئًا.
قالت: لم أكن أقرأ.
قال: إذن كنت تنتظرين أحدًا؟
لم تجب. قال: تصبحين على خير، ورحل.
في السيارة سألتها نورة: ماذا حدث؟
قالت: لا شيء مهم.
مدت نورة يدها إلى الحقيبة فأبعدتها ليان.
قالت: لماذا لم تعطيه الظرف؟
نظرت ليان إلى البيت يبتعد خلف الزجاج وقالت: لأنني لم أعد أعرف، هل أريد أن أعطيه الحقيقة، أم أرى ماذا سيفعل حين يجدها وحده؟
بقيت نورة صامتة. وبقيت ليان تسأل نفسها: متى صار الظرف أثقل من أهله؟
ما تخفيه الورقة
الذي نخاف أن نعرفه عن الآخرين، يشبه أحيانًا ما نعرفه عن أنفسنا.
صباح اليوم التالي، وضعت ليان الظرف بعيدًا عن المخطوطات وحاولت أن تعمل. لم تستطع. بين صفحات المخطوطة القديمة وجدت قصاصة صحفية عن القضية، لم يذكر فيها اسم فهد، لكن الخبر يقول إن موظفًا شابًا غادر إلى لندن بعد خلاف عائلي. وفي الهامش كتبت نوال: كنت أعرف الاسم الآخر. صمتي لم يحمِ العائلة. صمتي حول ابني إلى كبش فداء.
رن الهاتف. كان فهد.
قال: قيل لي إن صندوقًا من أوراق والدتي وصل إلى الدار.
قالت: نعم.
قال: وهل وصل معه شيء باسمي؟
نظرت إلى الظرف وقالت: نعم.
قال: هل قرأتيه؟
قالت: قرأت ملاحظاتها، لا الرسالة. اسمك كان عليها.
سكت قليلًا ثم قال: سأمر.
دخل مكتبها بعد نصف ساعة. آثار تعب تحت عينيه. وضع يده على ظهر الكرسي ولم يجلس.
قال: أين الظرف؟
أخرجته له. ظل ينظر إلى الخط وقال: خط أمي. كانت تقول إنها ستشرح كل شيء. ماتت قبل أن أعود.
لم يكن في صوته غضب. كان شيء أهدأ من الغضب وأثقل.
قالت ليان بحذر: كانت تعرف أنك لم تسرب العقد.
رفع عينيه وقال: ماذا قلتِ؟
قالت: سطر واحد في دفترها. هي تعرف الاسم الحقيقي.
وضع كفه على الظرف كأنه يتأكد أنه موجود، ثم سحبه وقام.
قال: سأقرأها في البيت.
قالت: لماذا لا هنا؟
عند الباب قال دون أن يلتفت: هنا سأضطر أن أكون الرجل الذي تراه الأوراق. في البيت أستطيع أن أكون الذي بقي مني.
عاد فهد إلى البيت الكبير وحده. وضع الظرف على طاولة الصالة وعمل القهوة وترك الماء يغلي أكثر من اللازم. جلس أمام الرسالة دون أن يلمسها. كان يستطيع أن يعيدها إلى الدرج كما أعاد أشياء كثيرة.
فتحها. قرأ السطر الأول وقام. مشى إلى النافذة. البيت المقابل غارق في العتمة إلا من نافذة صغيرة في الأعلى، ضوء مصباح يسقط على رؤوس كتب. عاد إلى الرسالة.
كتبت نوال عن ليلة التسريب، وعن رجل استغل ثقة العائلة، وعن خوفها أن يدمر اعترافها ما تبقى من البيت. لم تبرئ نفسها وكتبت: اخترت الصمت، وصمتي جعلك تدفع الثمن وحدك. وفي السطر الأخير: لا تبحث عن اعتذار يعيد السنوات. ابحث عن حياة لا تحتاج فيها أن تثبت من تكون.
في صباح اليوم التالي عاد إلى الدار ومعه ملف بني، طوى الرسالة بعناية.
قال: الاسم سامي الدوسري، شريك والدي القديم. وأخرج نسخة من سجل تحويل بنكي. المبلغ انتقل إلى حساب شركته قبل التسريب بيومين واختفى من السجل بعده بأسبوع. أمي أرفقت هذا مع الرسالة.
قالت: لماذا صمتت؟
قال: لأن أبي وقع ضمانًا شخصيًا لديون سامي. لو انكشف الأمر لخسر البيت والشركة. اختارت أن تحمي ما تبقى من العائلة وأن تتركني أدفع الثمن وحدي.
بقي صامتًا طويلًا ثم قال: سأذهب إليه الليلة.
قالت: وحدك؟
قال: نعم.
قالت: سامي رجل خبيث منذ عشرين سنة. لن يعترف لأنك جئت بورقة.
نظر إليها وقال: لذلك سآخذ معي أكثر من ورقة. السجل ورسالة أمي واسم محامٍ حفظته في لندن لظروف أسوأ من هذه.
ثم أضاف: هل أستطيع أن أعود غدًا؟
قالت: من أجل الأوراق؟
قال: هذا ما أقوله.
قالت: إذن تعال من أجل الأوراق.
عند الباب التفت وقال: لو لم يعترف، لن أنشر اسمه في الصحف. لكنني لن أسمح أن يبقى الاسم الذي ضاع هو اسمي.
خرج، وليان تراقب سيارته تبتعد، والظرف مفتوح على مكتبها، تتساءل كم بابًا في حياتها هي أيضًا أغلقته وكتبت عليه لا يُفتح.
ولم يعلم سامي الدوسري وهو يطفئ مصباح مكتبه ليلة الخميس أن الضيف الذي سيرن جرسه بعد دقائق لم يعد منذ عشرين عامًا.
الباب الذي لا يُدفع
بعض الأبواب لا تُفتح لتدخل، تُفتح لتتأكد أن ما وراءها لم يعد يحكم حياتك.
فتح سامي الباب بنفسه. تراجع خطوة حين رأى من يقف.
قال: فهد؟
قال فهد: مساء الخير يا عم سامي.
دخل فهد دون دعوة ووضع الملف على مكتب الرجل.
قال سامي: ما هذا؟
قال فهد: تحويل بنكي باسم شركتك قبل تسريب العقد بيومين. ورسالة من نوال راشد تذكر اسمك.
ضحك سامي وقال: امرأة ميتة كتبت اسمي؟ هذا ما جئت به؟
قال فهد: جئت بكل شيء عندي. السجل ورسالة أمي ومحامٍ في لندن أعد ملفًا كاملًا عن تحويلاتك تلك السنة لشركات أخرى. لم أكن أعرف بهذا. اكتشفته هذا الأسبوع. يبدو أنك جعلت من عادتك ما جعلته من مصادفاتي.
تغير وجه سامي وجلس وقال: اجلس.
قال فهد: سأقف.
قال: ماذا تريد؟
قال: اعترافًا مكتوبًا أن والدي عرف بالتسريب وأخفاه حماية للشركة والضمان الذي وقعه لك، وأن اسمي بريء من أول القصة لآخرها.
ضحك سامي مرة أخرى وقال: اعتراف أدين فيه نفسي؟ لأجل ماذا؟ اذهب إلى المحامين إذن. سترى كم ستكلفك السنوات وستخسر في النهاية. الأوراق كلها تدين رجلًا ميتًا أخفى جريمته، لا تبرئ شابًا غادر.
سكت فهد. كان يعلم أن الرجل محق في هذه النقطة، وكان يعلم أيضًا لماذا جاء.
قال بهدوء: لن أنشر شيئًا. لن أرسل محاميي. لكن كل ليلة سيرن جرس بيتك، وكل مجلس تدخله عائلتي سيسألك أحد: ما صحة ما قيل عن فهد؟ وأنت ستجيب يا عم سامي. ليس اليوم، لكنك ستجيب.
بقيا صامتين. دقيقة، دقيقتان. صوت مكيف قديم يئن في السكون.
مد سامي يده إلى الملف. قرأ الرسالة كاملة مرتين. ثم فتح الدرج وأخرج ورقة وكتب بخط يعرف فهد أنه لا يعرفه، وأنه بذلك يعرفه أخيرًا: أقر بأن والد فهد راشد علم بالتسريب وأمر بإخفائه حماية للشركة والضمان الشخصي، وأن فهد راشد لم يكن طرفًا فيه بأي صورة. والله على ما أقول شهيد.
خرج فهد من الاجتماع ومعه الورقة ولم يشعر بانتصار. شعر بفراغ يشبه إفراغ بيت من أثاث قديم. تتوقع أن تفرح فتكتشف أنك كنت تعيش حول الأثاث لا معه.
اتصل بمازن وقال: اجمع العائلة في البيت القديم الليلة.
كانوا حاضرين. العمات وأبناء العم وأمهاتهم. جلسوا في مجلس طالت فيه النظرات قبل الكلام. قال فهد ما جاء من أجله ووضع اعتراف سامي على الصينية كما يوضع فنجان قهوة بارد.
ساد الصمت. ثم قالت عمته الكبرى، وهي التي قالت فيه يومها أقسى الكلام: أختك نوال عرفت وصمتت؟ عشرين سنة وعرفت؟
قال: عرفت وخافت عليكم. اختارت بيتكم عليّ، ولا أعلم إن كان هذا جريمة أم حبًا.
قام ابن عمها الأصغر غاضبًا وقال: وسامي الدوسري يمشي حرًا بعد كل هذا؟
قال فهد دون أن يرفع صوته: نعم. لأن هذه القصة لا بريء فيها كاملًا. أبي أخطأ حين أخفى، وأمي أخطأت حين صمتت، وأنا أخطأت حين غادرت وتركت الصمت يكبر حتى صار جدارًا. لن أرمي حجرًا في بيت كسرت نوافذه أهله قبل غريبهم.
ثم أضاف وقد ضاقت به الكلمات: لم آت لأسترد السنوات. جئت أسترد اسمي. اسمي فهد بن راشد، ولم يكن يومًا الموظف الذي سرب. من شاء أن يصدق ذلك فليبق خلف الجدار. ومن شاء فالباب يُفتح من الداخل.
لم تصلح الجلسة السنوات، لكنها أزالت أول حجر من الطريق، وبعضهم سلم عليه عند الباب بدمعة لم يحبسها.
وبينما كان فهد في المجلس، وصلت ليان رسالة من رقم لم تحفظه: هل ما زلت تظنين أن المحرر يعرف نهاية القصة أكثر من صاحبها؟ - م.
وقف قلبها. كتبت ردًا ومسحته. كتبت آخر وتركته دون إرسال. وفي الليل فعلت ما لم تفعله من قبل: لم تصلح شيئًا وقالت في سرها: هذه المرة صاحبة القصة تبدأ أولًا.
وصلها الرد بعد ثلاثة أيام، رسالة أقصر: روايتي الأولى موجودة عندك. أريد نسختي بأخطائها. ثم نتحدث.
ذهبت ليان بنفسها إلى بيت مها وسلمتها المخطوطة القديمة. أول ما قالته مها وهي تقلب الصفحات بأصابع ترتجف: كانت أسوأ مما تذكرت، وأحسن مما ظننت أنك رأيتها.
قالت ليان: كنت غاضبة منك يومها أكثر مما كنت محقة. وأريد أن أقرأ روايتك القادمة كما تكتبينها أنت، لا كما أظن أنها يجب أن تكون.
قالت مها: والرواية التي بيني وبينك الآن؟
نظرت ليان من نافذة مها إلى الشارع وقالت: تُروى على مهل. فصولها طالت.
عاد فهد إلى دار النشر في المساء كما وعد. يحمل قهوتين، وضع واحدة أمام ليان دون تعليق.
قالت: من أجل الأوراق؟
قال: هذه المرة لا.
قالت: وماذا عن المرة القادمة؟
قال: نقررها عندما تأتي.
لم تقل إنها كانت تنتظره، ولم يقل إنه عاد من أجلها. بقي الظرف مفتوحًا على المكتب، لكنه لم يعد يقود إلى الماضي وحده.
قبل أن يغادر قال وهو يميل على الباب: أمي كتبت: ابحث عن حياة لا تحتاج أن تثبت فيها من تكون.
قالت: وهل وجدتها؟
نظر إلى النافذة المقابلة، بيته المضاء الآن من نافذتها، وقال: لا، لكنني وجدت من يجعل البحث عنها يستحق.
انطفأ المصباح في الدار، ولم ينطفئ الضوء في النافذتين اللتين تبادلتا النظرات عشرين عامًا: واحدة كانت تقرأ خلفهما، وأخرى كانت تكتب انتظارها.
انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا
حكايات قد تعجبك
جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات
إرسال تعليق