ما بين الظن والحقيقة
ما بين الظن والحقيقة
كانت أخبار الناس في الأحياء القديمة من الرياض تصل أحيانًا أسرع من أصحابها.
ولهذا لم يحتج بيت عائلة راشد إلى إعلان حين أُضيئت أنواره بعد سنوات من الصمت؛ فقد تكفلت النوافذ المفتوحة والسيارات التي دخلت من بوابته بنشر الخبر في الحي كله.
وفي أقل من يوم، صار الجميع يعرفون أن صاحب البيت عاد.
أما التفاصيل، فقد تولى الناس اختراعها.
قالت أم خالد لجارتها أم ناصر وهي تصب القهوة:
— رجع.
— من؟
— فهد راشد.
توقفت أم ناصر عن تقليب فنجانها.
— فهد؟
أومأت أم خالد.
— البيت من أمس وهم يرتبونه. ثلاث سيارات دخلت، والعمال ما وقفوا.
قالت أم ناصر:
— سمعت إنه جلس برا سنين.
— لندن.
— ومتزوج؟
ابتسمت أم خالد.
— هنا تبدأ الأسئلة المهمة.
ضحكتا.
ثم قالت أم ناصر:
— يقولون إنه شديد ومغرور.
أجابت أم خالد:
— “يقولون” هذي كلمة تقدر تصنع إنسانًا كاملًا من غير ما تقابله مرة واحدة.
لكنها، رغم اعتراضها، كانت تعرف أن الخبر سيصل إلى كل بيت قبل نهاية الأسبوع.
في المنزل المقابل، لم تكن ليان تعرف شيئًا عن كل ذلك.
كانت تجلس قرب النافذة، وبين يديها مخطوطة رواية وصلت إلى دار النشر التي تعمل فيها. كانت تقرأ بصمت، تضع ملاحظات صغيرة على الهامش، وتعود أحيانًا إلى الجملة نفسها لتتأكد من أنها فهمتها كما أراد الكاتب.
دخلت والدتها.
— ليان.
— هلا؟
— سمعتِ عن البيت الكبير؟
لم ترفع ليان
رأسها.
— أي بيت؟
— بيت آل راشد.
توقفت عيناها عن متابعة السطور لحظة.
— وش فيه؟
— صاحبه رجع.
— الله يحييه.
جلست أمها بجانبها.
— هذا كل اللي عندك؟
رفعت ليان الكتاب قليلًا.
— وش المطلوب؟ أرحب فيه وأنا ما أعرفه؟
قالت أمها:
— يمكن تعرفينه.
— من وين؟
— الدنيا صغيرة.
ابتسمت ليان.
— والدنيا أحيانًا أكبر مما نتوقع.
سكتت أمها قليلًا، ثم قالت:
— بيكون موجود الخميس.
أغلقت ليان الكتاب.
— وين؟
— عند خالتك.
فهمت ليان فورًا.
— لا.
— ما قلت لك تعالي.
— لكنك بتقولينها بعد شوي.
ضحكت أمها.
— تعالي معنا، وبس.
— وليش؟
— لأنك بنتي.
— سبب قوي.
— ولأنك تحتاجين تطلعين من الكتب شوي.
نظرت ليان إلى المخطوطة.
— الكتب أرحم من البشر.
قالت أمها وهي تغادر:
— إلى أن تقابلين الشخص الخطأ.
ولم تعرف ليان لماذا بقيت الجملة في رأسها.
كان فهد راشد قد اعتاد أن يسمع آراء الآخرين عنه دون أن يسأل عن مصدرها.
في سنوات غيابه، وصلته قصص كثيرة: قيل إنه تغير، وإن المال جعله أكثر قسوة، وإنه لا يثق بأحد، وإنه عاد ليستولي على الشركة ويعيد ترتيب العائلة كما يريد.
لم ينف شيئًا.
كان يعرف أن محاولة تصحيح كل إشاعة تعني أنك قبلت أن تعيش داخلها.
ولهذا حين اتصل ابن عمه مازن مساء الأربعاء وقال:
— عندنا عشاء الخميس.
أجاب فهد:
— ما أقدر.
— تقدر.
— عندي شغل.
— قلها بطريقة ثانية، يمكن أصدق.
سكت فهد.
قال مازن:
— أمي بتزعل إذا ما جيت.
— هذه حجة؟
— بالنسبة لك؟ نعم.
ابتسم فهد للمرة الأولى.
— الساعة كم؟
— تسع.
— حاضر.
جاء الخميس أسرع مما توقعت ليان.
وحين وصلت إلى منزل خالتها، كان المكان مزدحمًا كما توقعت.
ضحكات في الداخل، أحاديث متداخلة، أطفال يركضون بين الغرف، وأمهات يجدن في كل خبر جديد سببًا لفتح ثلاثة أخبار قديمة.
استقبلتها نورة عند الباب.
— أخيرًا.
— تأخرت عشر دقائق.
— بالنسبة لليلة مثل هذه، عشر دقائق كثيرة.
— وش تقصدين؟
نظرت نورة حولها، ثم قالت بصوت منخفض:
— رجع.
— أعرف.
— شفته؟
— لا.
— بيجي الليلة.
— ممتاز.
حدقت نورة فيها.
— “ممتاز”؟
— وش تبيني أقول؟
— ما أدري. أي شيء يدل أنك بشر.
ضحكت ليان.
ثم دخلتا المجلس.
بعد نحو نصف ساعة، وصل فهد.
لم يأتِ بصحبة استعراض، ولم يتصرف كمن ينتظر أن يلتفت الجميع إليه. دخل بهدوء، سلم على الموجودين، وجلس مع الرجال.
كان مختلفًا عن الصورة التي رسمتها الأحاديث عنه.
لكن ليان لم تكن قد رأته بعد.
بعد العشاء، خرجت ليان إلى الحديقة.
كانت تحتاج إلى الهدوء.
جلست تحت شجرة كبيرة، وأخرجت الكتاب من حقيبتها.
لم يمض وقت طويل قبل أن تسمع خطوات خلفها.
رفعت رأسها.
كان فهد.
توقف عندما رآها.
قال:
— عذرًا، ظننت المكان خاليًا.
أجابت:
— وأنا ظننته كذلك.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— يبدو أننا الاثنين أخطأنا.
عادت إلى كتابها.
قال:
— أنتِ ليان؟
رفعت عينيها.
— كيف عرفت؟
— سمعت اسمك.
— ومن أين؟
— من العائلة.
هزت رأسها.
ثم قالت:
— أتمنى أن يكون ما سمعته جيدًا.
أجاب بهدوء:
— لم أسأل عن رأيهم.
كانت تلك الإجابة كافية لتغير ملامحها.
أغلقت الكتاب.
— وأنا أيضًا لم أسأل عن رأيهم فيك.
نظر إليها فهد.
كان يستطيع أن ينهي الحديث بكلمة.
لكن شيئًا في طريقتها دفعه إلى البقاء.
— يبدو أنك لا تحبين الأحكام المسبقة.
— ومن يحبها؟
— بعض الناس يبنون حياتهم عليها.
— وبعض الناس يعطونهم سببًا.
للمرة الأولى تغيرت ملامحه.
لم تعتذر.
ولم تتراجع.
قال:
— وهل أعطيتك سببًا؟
ترددت لحظة.
ثم قالت:
— لا أعرفك بما يكفي.
— لكنك حكمتِ.
نظرت إليه مباشرة.
— وأنت فعلت الشيء نفسه.
سأل:
— كيف؟
قالت:
— قلت إنني حكمت عليك قبل أن تعرفني.
سكت.
ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تتوقعها.
— نقطة لك.
وقفت ليان.
— تصبح على خير.
ومرت من جانبه.
قال:
— وأنتِ كذلك.
لم تلتفت.
في السيارة، كانت نورة تنتظر الإجابة منذ أن خرجت ليان.
— قابلتيه؟
— نعم.
— و؟
— عادي.
— ليان.
— ماذا؟
— لا تقولين “عادي” وأنا أعرفك.
تنهدت ليان.
— فيه شيء غريب.
— غريب كيف؟
فكرت قليلًا.
— هادئ أكثر من اللازم.
— هذه مشكلة؟
— أحيانًا الهدوء يخفي أشياء.
قالت نورة:
— أو يمكن يكون الشخص هادئًا فقط.
— ممكن.
— وعنده ابتسامة؟
التفتت ليان إليها.
— وش دخلك؟
ضحكت نورة.
— إذن لاحظتِ.
— لاحظت كل شيء. هذا عملي.
— محررة روايات، مو محققة جنائية.
ابتسمت ليان، لكنها لم تجب.
كانت قد كوّنت رأيًا عن فهد.
وكان الرأي، في داخلها، أقرب إلى حكم.
ولم تكن تعرف أن بعض الأحكام تبدأ من تفصيل صغير، ثم تنمو حتى تبدو لصاحبها حقيقة لا تقبل النقاش.
في الجهة الأخرى، كان فهد يقف مع مازن عند مدخل المنزل.
قال مازن:
— ليان كانت في الحديقة؟
— نعم.
— وش رايك؟
— سريعة الحكم.
ضحك مازن.
— وأنت؟
— ماذا عني؟
— حكمت عليها بسرعة بعد.
نظر فهد إليه.
— أنا ما حكمت.
— قلت إنها سريعة الحكم.
— هذا وصف.
— وهو حكم.
لم يجب فهد.
قال مازن:
— أعجبتك؟
— لا.
— متأكد؟
— نعم.
ابتسم مازن.
— أجل لماذا تتذكر كلامها؟
رفع فهد عينيه إليه.
— لأنها أول شخص منذ فترة طويلة تحدث معي بهذه الطريقة.
— وهذا يعني؟
— لا يعني شيئًا.
دخل فهد المنزل.
لكن الجملة الأخيرة لم تقنعه هو نفسه.
فقد ظل صوت ليان في ذاكرته:
“وأنت فعلت الشيء نفسه.”
ولم يكن يحب أن يكتشف أن شخصًا غريبًا استطاع أن يضع إصبعه على نقطة لا يحب هو نفسه الاقتراب منها.
كانت تلك بداية الحكاية.
لا حبًا.
ولا إعجابًا.
بل سوء فهم صغيرًا بين شخصين يظن كل واحد منهما أنه أذكى من أن يخدع بالانطباع الأول.
وكان هذا، تحديدًا، هو الخطر.



تعليقات
إرسال تعليق