قصة الحوت الأسود

قصة 📅 سبتمبر 05, 2026

قصة غموض وتشويق نفسي ومغامرة بحرية، تمزج الدراما الرمزية بالتأمل الفلسفي، وتستكشف الصراع مع الذات، والهروب من الماضي، وثقل الذنب، والبحث عن المغفرة، عبر رحلة غامضة يواجه فيها الأبطال مخاوفهم وأسرارهم وسط البحر.

«يقال إن البحر لا يحتفظ بأسراره، لأنه لا يملك لسانًا يتكلم به.
وأنا أقول: بل يحتفظ بها كلها، ولهذا يبتلع الرجال.»

الفصل الأول: حين ضاق البرّ بصدره

«ظننت أنني أهرب من الرجال، لكنني لم أكن أعرف أن ما تركته خلفي سيجد طريقه إليّ، حتى في عرض البحر.»
لم أكن أحب البحر.
ولم أتخيل يومًا أنني سأترك البر وأبحث عن مكان لي فوق سفينة.
كنت في السابعة والعشرين من عمري، ولا أملك سوى سبعة ريالات فضية، وسكين صدئة، ورسالة من أبي لم أجرؤ على فتحها.
كتب أبي الرسالة قبل وفاته بأيام، ووضعها في ظرف صغير ختمه بالشمع.
وفي صباح دفنه، سلّمني شيخ القرية الظرف وقال: «هذه لك. أوصاني أبوك ألا يفتحها أحد سواك».
وضعت الرسالة في حقيبتي، ولم أفتحها.
لم أكن أخشى أن أقرأ شيئًا لا أعرفه، بل كنت أخشى أن أجد فيها ما أعرفه جيدًا، وأحاول الهرب منه.
كان أبي قليل الكلام.
لم يكن يرفع صوته حين يغضب، ولا يكثر من النصائح.
كان ينظر إليّ طويلًا، ثم يمضي، ويتركني أفكر فيما لم يقله.
وكنت أكره تلك النظرات، لأنها تجعلني أشعر أنه يعرف ما أحاول إخفاءه.
أما عاصم، فقد كنت أكرهه لسبب آخر.
كان رجلًا من واحة السدر، وقد ظلمني أمام الناس.
تشاجرنا في السوق قبل وفاة أبي بأشهر.
بدأ الخلاف بكلمة قاسية، فرددت عليه بمثلها.
دفعني، فدفعته، ثم اشتبكنا أمام التجار والمارة.
لا أذكر كل ما قلناه في ذلك اليوم، لكنني أذكر جيدًا اللحظة التي سقط فيها قرب البئر.
بقي على الأرض، ولم ينهض.
كنت قريبًا منه بما يكفي لأمد يدي وأساعده، لكن الغضب كان لا يزال يملأ صدري.
نظرت إليه لحظة، ثم استدرت ومضيت.
لم أعد لأعرف ما حدث بعد ذلك.
ومنذ ذلك اليوم، وأنا أكرر لنفسي أنني لم أقتله.
لكن كلما تذكرت سقوطه، عاد إليّ سؤال لم أجد له جوابًا: لماذا لم أساعده؟
بعد أيام مات أبي.
لم يترك لي مالًا كثيرًا، ولا بيتًا أستطيع أن أبدأ فيه حياة جديدة.
ترك لي رسالته، وأشياء قليلة، وصمتًا لم أعد أحتمله.
وفي الليلة التالية لدفنه، غادرت واحة السدر.
لم أودع أحدًا.
حملت حقيبتي وسرت في الطريق المؤدي إلى الساحل، وأنا أحاول ألا ألتفت خلفي.
كنت أظن أن الابتعاد عن الواحة سيخفف ما أشعر به.
لكنني كلما ابتعدت، تذكرت عاصم وهو ملقى قرب البئر، وتذكرت وجه أبي حين كان ينظر إليّ دون كلام.
وصلت إلى ميناء المرجان عند غروب الشمس.
كانت قدماي تؤلمانني، وثوبي قد غطاه غبار الطريق.
على الرصيف، كان البحارة يحملون الصناديق، ويشدون الحبال، ويتنادون بأصوات مرتفعة.
اختلطت رائحة السمك بالملح والخشب المبلل، وكانت السفن تتحرك ببطء مع الموج.
وقفت أتأمل البحر.
كان واسعًا إلى حد جعلني أشعر بصغر المكان الذي جئت منه.
ولم يكن على سطحه ما يدل على الطريق الذي يمكن أن أسلكه.
رأيت شيخًا يجلس فوق صندوق قديم من الحبال.
كان يرتدي عمامة زرقاء، ويصلح حبلًا بين يديه.
رفع رأسه نحوي وسأل: «هل تبحث عن سفينة؟»
قلت: «ربما».
نظر إلى حقيبتي الصغيرة، ثم إلى وجهي.
قال: «يبدو أنك قطعت طريقًا طويلًا».
أجبته: «أطول مما كنت أريد».
لم يسألني من أين جئت.
أشار بيده إلى سفينة راسية عند طرف الميناء، وقال: «هل ستصعد إليها؟»
نظرت إلى السفينة.
كانت سوداء الجوانب، مرتفعة المقدمة، وأشرعتها مطوية.
لم أرَ راية فوقها، ولا اسمًا مكتوبًا على جانبها من الموضع الذي أقف فيه.
سألته: «ما اسمها؟»
قال: «الظبية».
ابتسمت وقلت: «لا تشبه الظبية».
ترك الحبل من يده، ونظر إليّ نظرة جادة.
قال: «لا تسخر من أسماء السفن يا بني. قد تحمل السفينة اسمًا جميلًا، ثم تجد فوقها رجالًا قبيحي القلوب».
ضحكت ضحكة قصيرة، مع أن كلامه لم يكن مضحكًا.
سألته: «إلى أين تذهب؟»
قال: «إلى البحر».
انتظرت أن يذكر ميناءً أو مدينة، لكنه عاد إلى إصلاح حبله.
قلت: «أقصد إلى أي مكان ستصل؟»
رفع رأسه وقال: «هذا سؤال تسأله لمن يعرف طريقه».
لم أفهم إن كان يمزح أم يحذرني.
نظرت مرة أخرى إلى السفينة.
لم أكن أعرف من يملكها، ولا من يقودها، ولا كم ستطول رحلتها.
وكنت أعرف أن ما معي من المال لن يكفيني طويلًا إذا بقيت في الميناء.
تحسست الرسالة داخل حقيبتي.
كان ظرفها لا يزال مغلقًا، وختم الشمع في مكانه.
تذكرت أبي، وفكرت في فتحها هناك، قبل أن أتخذ قرارًا قد أندم عليه.
لكنني أعدت يدي إلى جانبي.
كنت قد تركت الواحة حتى أبتعد عن كل ما يذكرني بما حدث.
ولم أكن مستعدًا لأن أسمع صوت أبي من جديد، ولو جاءني مكتوبًا على ورقة.
سألت الشيخ: «هل يحتاجون إلى رجال للعمل؟»
أجاب: «اصعد واسأل».
نظرت إلى الممر الخشبي الذي يصل الرصيف بالسفينة.
كان ضيقًا، ويتحرك قليلًا كلما ارتفع الموج.
ترددت لحظة.
ثم رفعت حقيبتي على كتفي، وتقدمت نحوه.
لم أكن أعرف إلى أين ستأخذني «الظبية».
كل ما أردته في تلك اللحظة أن أترك خلفي المكان الذي جئت منه.
وضعت قدمي على الممر، وتمسكت بالحبل الممتد إلى جانب السفينة.
ثم صعدت.

الفصل الثاني: صاحبة السفينة

«لم تكن تخشى البحر، لكنها كانت تعرف أن بعض الرحلات لا تعيد أصحابها كما كانوا.»
استقبلني عند سلم السفينة رجل بعين واحدة.
كان عريض الكتفين، شديد السمرة، يلف حول رأسه وشاحًا أحمر، ويقف بثبات رغم حركة السفينة الخفيفة.
نظر إلى حقيبتي، ثم سألني: «ما اسمك؟»
قلت: «سالم بن راشد».
«من أين جئت؟»
«من واحة السدر».
قطب حاجبيه قليلًا، وقال: «لا أعرفها».
أجبته: «وهذا أفضل».
رفع عينه الوحيدة نحوي.
«ولماذا؟»
قلت: «لأنني لا أريد أن يعرف أحد من أين جئت».
ضحك ضحكة قصيرة، ثم أشار إلى مساحة خالية قرب الصاري.
«ضع حقيبتك هناك، ولا تتركها في طريق الرجال».
لم يسألني عن سبب رغبتي في الرحيل، ولم أسأله عن اسمه.
عرفت بعد دقائق أنه مرجان، حين ناداه أحد البحارة طالبًا مساعدته في شد أحد الحبال.
كانت «الظبية» أقدم مما بدت من الرصيف.
ألواحها داكنة، وفي بعضها شقوق سُدت بقطع خشبية صغيرة.
حبالها غليظة وخشنة، وأشرعتها مرقعة في أكثر من موضع.
وكانت رائحة الملح والزيت القديم تملأ المكان.
وضعت حقيبتي قرب الصاري، ثم أخذت أنظر إلى الرجال وهم يعملون.
لم أكن أعرف شيئًا عن السفن، ولا عن الطريقة التي تُرفع بها الأشرعة أو تُثبت بها الحبال.
كل ما كنت أعرفه أنني أريد مغادرة الميناء.
وبينما كنت أراقب البحارة، سمعت خطوات تقترب من خلفي.
التفت، فرأيت امرأة في الخامسة والعشرين تقريبًا.
كانت سمراء، هادئة الملامح، ترتدي ثوبًا بسيطًا يناسب العمل، وتغطي شعرها بخمار خفيف.
حملت في يدها دفترًا جلديًا، وكانت تقلب صفحاته وهي تسير.
توقفت أمامي وسألت: «أنت الرجل الذي صعد قبل قليل؟»
قلت: «نعم».
«ما اسمك؟»
«سالم بن راشد».
نظرت إلى الدفتر، ثم سألت: «هل عملت في البحر من قبل؟»
«لا».
رفعت رأسها.
«ولا مرة؟»
«هذه أول مرة أصعد فيها إلى سفينة».
تأملتني لحظة، ثم قالت: «العمل هنا ليس سهلًا».
قلت: «لا أبحث عن عمل سهل».
أغلقت دفترها، وقالت: «أنا نورة بنت سالم».
انتظرت أن تخبرني بما تفعله على السفينة، لكنها بقيت تنظر إليّ.
فسألتها: «هل أنت من الطاقم؟»
قالت بهدوء: «هذه سفينتي».
ظننت أنني لم أسمعها جيدًا.
نظرت إليها، ثم إلى الرجال الذين كانوا يعملون حولنا.
لم تكن تتحدث كما يتحدث من يمزح، ولم تبدُ مهتمة بدهشتي.
سمعت مرجان يقول من خلفي: «لا تنظر إليها هكذا. ستعتاد».
التفت إليه، فوجدته يبتسم بعينه الوحيدة.
أما نورة، ففتحت دفترها من جديد، وسألتني: «هل تستطيع حمل الصناديق وشد الحبال؟»
قلت: «أستطيع أن أتعلم».
قالت: «إذن ابدأ مع مرجان. وإذا لم تعرف كيف تفعل شيئًا، فاسأل قبل أن تفسده».
ثم مضت نحو مؤخرة السفينة.
راقبتها وهي تتوقف عند أحد البحارة، وتراجعه في عدد الصناديق التي نُقلت إلى المخزن.
لم يبدُ أن أحدًا يستغرب أوامرها.
كان الرجال يصغون إليها، ثم يعودون إلى أعمالهم.
اقترب مني مرجان وقال: «لا تقلق. هي تعرف السفينة أكثر من معظم الرجال الذين يعملون عليها».
سألته: «منذ متى وهي تقودها؟»
قال: «هي لا تقودها. القبطان يفعل ذلك».
«إذن ماذا تفعل؟»
نظر إليّ كأن سؤالي غريب.
«تحافظ عليها».
لم أفهم قصده إلا في تلك الليلة.
كنت أساعد أحد البحارة في ترتيب الحبال حين جلس مرجان قرب الصاري، وأشار إليّ أن أستريح قليلًا.
كان الميناء قد هدأ، ولم يبقَ على الرصيف إلا بعض الرجال الذين ينهون أعمالهم قبل الليل.
قال مرجان وهو ينظر إلى مؤخرة السفينة: «كانت الظبية لأبيها».
سألته: «أبي نورة؟»
أومأ.
«اسمه سالم أيضًا. كانوا يسمونه سالم البحار. أمضى معظم عمره بين الموانئ».
نظرت إلى المقصورة التي دخلتها نورة قبل قليل.
قال مرجان: «غرق قبل عام، وترك لها السفينة وخرائطه القديمة».
سألته: «ولم يترك لها شيئًا آخر؟»
«ترك ديونًا للتجار».
سكت قليلًا، ثم تابع: «طالبوها بالسداد. كان بوسعها أن تسلمهم السفينة وتنتهي من الأمر، لكنها رفضت».
«ولماذا؟»
أجاب: «لأنها آخر ما بقي لها من أبيها».
نظرت إلى الألواح القديمة والحبال المتهالكة.
لم تكن «الظبية» سفينة تثير الإعجاب من النظرة الأولى، لكنني بدأت أفهم لماذا كانت نورة تفحص كل صندوق يدخلها، وتراجع كل حساب بنفسها.
قال مرجان: «اختارت أن تعمل السفينة حتى تسدد الدين».
سألته: «وهل تستطيع؟»
هز كتفيه.
«هذا ما سنعرفه».
في تلك الليلة رأيت نورة مرة أخرى.
كانت واقفة قرب مقدمة السفينة، تحمل خريطة قديمة وتراقب السماء.
ترددت قبل أن أقترب منها، ثم سألت: «هل تبحثين عن نجم معين؟»
قالت دون أن تلتفت: «أراقب مواقع النجوم».
نظرت إلى السماء.
لم أستطع أن أميز إلا نقاطًا مضيئة كثيرة.
قلت: «هل تعرفين الطريق منها؟»
أجابت: «تعلمت بعض ذلك من أبي».
ثم طوت الخريطة، وأعادت نظرها إلى البحر.
لم أجد ما أقوله، فتركتها وعدت إلى موضعي.
كان في هدوئها شيء مختلف عن هدوء أبي.
أبي كان يصمت حين يريدني أن أفهم ما لم يقله، أما نورة فكانت تصمت لأنها تعرف ما تريد فعله.
وفي الفجر ظهر القبطان.
كنت أقف قرب الصاري حين فُتح باب المقصورة، وخرج منه رجل طويل نحيل.
كان يمشي بساق خشبية، يصدر عنها صوت ثقيل كلما لامست ألواح السطح.
لاحظت أن الساق مصنوعة من خشب داكن، وأنها مثبتة بإحكام أسفل ركبته.
امتدت ندبة عميقة من أذنه إلى عنقه، وكان وجهه جامدًا لا يكشف عما يفكر فيه.
توقف في منتصف السطح.
سكت البحارة الذين كانوا يتحدثون، والتفت بعضهم نحوه.
نظر إلى الرجال واحدًا واحدًا، حتى وصلت عيناه إليّ.
لم يسألني عن اسمي، ولا عن سبب وجودي على السفينة.
قال بصوت هادئ: «كم واحدًا منكم رأى الحوت الأسود؟»
لم يجب أحد.
تبادلت النظرات مع رجل كان يقف بجانبي، لكنه أشاح بوجهه.
انتظر القبطان قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.
قال: «جيد».
تحرك خطوة إلى الأمام، وسمعت صوت ساقه الخشبية فوق الألواح.
ثم أضاف: «لأن من يراه مرة، لا يعود كما كان».
لم أفهم لماذا سأل عن الحوت، ولا لماذا سكت الرجال عند ذكره.
لكنني رأيت مرجان يترك الحبل الذي كان يمسكه، وينظر إلى القبطان دون أن يقول شيئًا.
وبعد أن عاد الرجال إلى أعمالهم، عرفت اسمه.
راشد بن قاسم.
كان قبطانًا استأجرته نورة لقيادة «الظبية».
لم يكن يملك السفينة، لكنه كان المسؤول عن قيادتها في البحر.
وفي ذلك الصباح، وأنا أراقبه يمشي على سطحها بساقه الخشبية، شعرت أنني صعدت إلى سفينة تحمل من الأسرار أكثر مما تحمل من البضائع.
كنت قد جئت هاربًا من أمر حدث على البر.
ولم أكن أعرف بعد لماذا كان اسم حوت واحد يكفي لإسكات رجال اعتادوا البحر.

الفصل الثالث: الحوت

«لم أرَ حيوانًا يخرج من الماء، بل رأيت ظلامًا يتحرك في وضح النهار.»
مرت الأيام الأولى على متن «الظبية» ببطء.
كنت أستيقظ قبل شروق الشمس، وأعمل مع البحارة حتى يحل المساء.
تعلمت كيف أربط الحبال، وكيف أرفع الأشرعة وأطويها، وكيف أميز اتجاه الريح من حركتها فوق الماء.
وعرفت أن العاصفة قد تقترب حتى لو بدت السماء صافية، وأن البحر الهادئ لا يعني دائمًا أننا في أمان.
كان مرجان أكثر الرجال صبرًا على جهلي.
إذا أخطأت في عقدة، فكها أمامي وأعاد ربطها، ثم طلب مني أن أجرب بنفسي.
وإذا تأخرت في تنفيذ أمر، رفع صوته قليلًا، لكنه لم يتركني أعمل وحدي حتى يتأكد أنني فهمت.
قال لي ذات صباح ونحن نشد أحد الحبال: «البحر لا ينتظر الرجل حتى يتعلم».
أجبته وأنا أحاول تثبيت العقدة: «وأنا لا أطلب منه أن ينتظر».
نظر إلى الحبل بين يدي، ثم قال: «إذن شدّه جيدًا».
مع مرور الأيام، اعتدت حركة السفينة تحت قدمي، ولم أعد أستيقظ كلما ارتطمت موجة بجانبها.
لكنني لم أتعلم كيف أحب البحر.
كنت أتعلم فقط كيف أخفي خوفي منه.
أما نورة، فكانت تقضي معظم وقتها بين الخرائط ودفتر الحسابات.
تراجع ما بقي من الطعام والماء، وتسأل البحارة عن حالة الأشرعة، وتراقب كل ما يُستهلك من مؤن.
لم تكن تتدخل في أوامر القبطان أثناء الإبحار، لكنها لم تكن تسمح لأحد بأن يهمل السفينة.
وكان راشد يقضي ساعات طويلة قرب المقدمة.
يقف مستندًا إلى الحاجز الخشبي، وينظر إلى الأفق كأنه ينتظر ظهور شيء يعرفه.
لم أره يضحك مع البحارة، ولم أسمعه يتحدث عن الموانئ التي سنصل إليها.
كان يسأل عن اتجاه الريح وعمق الماء، ثم يعود إلى صمته.
وفي اليوم الأربعين من رحلتنا، رأينا الحوت.
كان النهار صافيًا، والريح تدفع «الظبية» بسرعة هادئة.
وقفت عند المقدمة أراقب الماء، حين لاحظت اضطرابًا بعيدًا عن جانب السفينة.
ظننت في البداية أنها موجة كبيرة.
لكن سطح الماء ارتفع في موضع واحد، ثم انشق، وظهر منه ظهر أسود طويل.
تجمدت في مكاني.
لم أرَ في حياتي حيوانًا بهذا الحجم.
كان جلده داكنًا حتى بدا كأنه قطعة من الليل، وامتدت فوق ظهره ندوب بيضاء متقاطعة.
ارتفع قليلًا فوق الماء، ثم اندفع من فتحة في رأسه عمود من الهواء والرذاذ.
صرخت بأعلى صوتي: «حوت!»
ترك أحد البحارة الحبل الذي كان يشده، وأسرع آخر إلى جانب السفينة.
سمعت خطوات متتابعة فوق السطح، ثم خفتت الأصوات فجأة.
كان الجميع ينظرون إلى الحوت.
التفت أبحث عن القبطان.
وجدته واقفًا قرب الصاري، وقد توقف عن المشي.
لم يبدُ عليه الذهول الذي أصابنا.
كان ينظر إلى الحيوان بثبات، ويده ممسكة بالحاجز الخشبي.
اقتربت منه وسألته: «ألن نفعل شيئًا؟»
لم يجب.
ظننت أنه لم يسمعني، فقلت: «إنه قريب من السفينة».
ظل ينظر إلى الحوت.
كانت عيناه معلقتين به، ولم يتحرك منه سوى أصابعه التي اشتدت حول الخشب.
عاد الحوت إلى الظهور على مسافة أبعد قليلًا.
رأيت ندوبه مرة أخرى، ثم انحنى ظهره ببطء وغاص تحت الماء.
بقيت أراقب المكان الذي اختفى فيه.
مرت لحظات، ولم يظهر شيء.
سألت راشد: «هل تعرف هذا الحوت؟»
التفت إليّ أخيرًا.
نظر في وجهي طويلًا، ثم قال: «عد إلى عملك».
لم تكن نبرته مرتفعة، لكنها لم تترك مجالًا لسؤال آخر.
ابتعدت عنه، وأنا أشعر أن ما رأيناه لم يكن أمرًا عاديًا بالنسبة إليه.
وفي ذلك المساء، لاحظت أن البحارة يتحدثون بصوت منخفض.
كلما اقتربت من مجموعة منهم، سكت بعضهم أو غيّر الحديث.
حتى مرجان، الذي اعتاد المزاح أثناء العمل، بقي صامتًا معظم الوقت.
لم ينم كثير من الرجال في تلك الليلة.
جلس بعضهم قرب الصاري، وظل آخرون يراقبون الماء من جانبي السفينة.
أما أنا، فوجدت مرجان جالسًا وحده عند المؤخرة، يصلح طرف حبل قديم.
جلست إلى جواره وسألته: «هل سبق أن رأيت حوتًا مثل هذا؟»
لم يرفع رأسه.
قال: «رأيت حيتانًا كثيرة».
«لكن هذا مختلف؟»
توقف عن العمل، ونظر إلى البحر.
قال: «قبل اثني عشر عامًا، كان راشد يقود سفينة اسمها الفجر».
انتظرت أن يكمل.
أعاد الحبل إلى حجره، ثم قال: «خرجت في رحلة، ولم تعد».
سألته: «ماذا حدث لها؟»
أجاب: «عاد راشد وحده، من غير سفينة».
شعرت ببرودة خفيفة رغم دفء الليل.
قلت: «وماذا حدث للرجال؟»
سكت مرجان قليلًا، ثم قال: «نصفهم مات».
سألته: «والنصف الآخر؟»
أجاب: «لم يعد».
نظرت إليه، منتظرًا تفسيرًا.
لكنه عاد إلى الحبل الذي بين يديه.
قلت: «كيف نجا راشد؟»
هز رأسه.
«لا أعرف القصة كاملة».
ثم أضاف بعد لحظة: «لكنه يقول إنه رأى الحوت الأسود في تلك الرحلة أيضًا».
نظرت نحو مقصورة القبطان.
كان بابها مغلقًا، ولم يظهر خلف نافذتها أي ضوء.
سألت مرجان: «أتظن أنه الحوت نفسه؟»
قال: «هذا ما يظنه راشد».
«وأنت؟»
رفع عينه الوحيدة نحوي.
«أنا أعرف أن البحر واسع، وأن الحيتان ليست قليلة».
ثم نهض وهو يحمل الحبل، وتركني جالسًا.
بقيت أفكر فيما قاله.
اثنا عشر عامًا مدة طويلة.
ومع ذلك، كان راشد قد نظر إلى الحوت كأنه تعرف إليه في اللحظة الأولى.
لم أفهم كيف يستطيع رجل أن يتذكر حيوانًا رآه قبل كل تلك السنين، ولا لماذا بدا خائفًا وغاضبًا في الوقت نفسه.
عدت إلى مقصورتي بعد منتصف الليل.
كانت صغيرة، لا تتسع إلا لفراش ضيق وصندوق خشبي وضعت فيه حقيبتي.
جلست على طرف الفراش، وأخرجت رسالة أبي.
ظل الظرف معي منذ غادرت الواحة.
كنت أخرجه أحيانًا، أتأمل ختمه، ثم أعيده دون أن أفتحه.
وفي تلك الليلة فعلت الأمر نفسه، لكنني لم أستطع إعادته إلى الحقيبة.
تذكرت عاصم وهو يسقط قرب البئر.
وتذكرت أبي حين كان ينظر إليّ بصمت، كأنه ينتظر مني أن أقول شيئًا لم أجد الشجاعة لقوله.
مررت إصبعي على ختم الشمع.
كان قد تشقق قليلًا من طول بقائه في الحقيبة.
ترددت، ثم كسرته.
أخرجت الورقة المطوية وفتحتها بحذر.
عرفت خط أبي فورًا.
لم تكن الرسالة طويلة.
كتب فيها:
«يا بني، لا تجعل الظلم الذي أصابك ذريعة لتظلم، ولا تجعل الجرح الذي في قلبك سببًا لتجرح غيرك.
من هرب من وجهه، لقي وجهه في كل مكان».
قرأت الكلمات مرة.
ثم عدت إلى بدايتها وقرأتها من جديد.
لم يذكر أبي عاصمًا، ولم يسألني عما حدث قرب البئر.
لم يتهمني بشيء، ولم يطلب مني الاعتراف.
ومع ذلك، شعرت أنه يخاطبني عن ذلك اليوم تحديدًا.
وضعت الرسالة فوق ركبتي، وأسندت ظهري إلى الجدار الخشبي.
كنت قد أمضيت أربعين يومًا في البحر.
ابتعدت خلالها عن الواحة، وعن السوق، وعن البئر الذي سقط قربه عاصم.
لكنني لم أستطع أن أبعد صورته عن ذاكرتي.
طويت الرسالة وأعدتها إلى ظرفها المفتوح، ثم وضعتها تحت وسادتي.
أطفأت المصباح واستلقيت.
كانت الأمواج تضرب جانب السفينة بصوت منتظم، وسمعت فوق رأسي خطوات أحد البحارة وهو يعبر السطح.
أغمضت عيني، فرأيت عاصمًا على الأرض.
فتحت عيني من جديد.
وبقيت مستيقظًا وقتًا طويلًا، أفكر في المسافة التي قطعتها منذ غادرت الواحة.
كانت مسافة كبيرة.
لكنها لم تغير ما حدث عند البئر.

الفصل الرابع: عهد الدم

«لم يرفعوا أيديهم لأنهم أرادوا القتال، بل لأن أحدًا منهم لم يجرؤ على الرفض.»
كان بين البحارة فتى اسمه حمدان، لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره.
كان أصغرنا سنًا، وأكثرنا حديثًا، ويحمل قيثارة صغيرة يحتفظ بها في صندوق خشبي تحت فراشه.
حين تهدأ الرياح وينتهي العمل، يجلس قرب الصاري ويعزف ألحانًا تعلمها في قريته.
لم يكن صوته قويًا، لكنه كان يغني بثقة، حتى إن بعض الرجال كانوا يتركون أحاديثهم ليستمعوا إليه.
كنت أجلس معه أحيانًا.
كان يحدثني عن أمه، وعن البيت الصغير الذي تركه خلفه، وعن المال الذي يأمل أن يجمعه من رحلات البحر.
وفي إحدى الليالي، بعد أن أنهى أغنية طويلة، وضع القيثارة إلى جانبه وقال: «عندما أعود، سأبني لأمي بيتًا قريبًا من البحر».
سألته: «ولماذا قرب البحر؟»
ابتسم وهو ينظر إلى الماء.
قال: «حتى لا أشتاق إليه».
ضحكت وقلت: «أما أنا، فسأكون سعيدًا إذا لم أره مرة أخرى».
نظر إليّ مستغربًا.
«لماذا تعمل على سفينة إذن؟»
ترددت قبل أن أجيب.
قلت: «لأنني لم أجد مكانًا آخر أذهب إليه».
لم يسألني أكثر.
أخذ قيثارته وعزف لحنًا هادئًا، ثم بدأ يغني عن رجل يعود إلى بيته بعد غياب طويل.
كان البحر ساكنًا في تلك الليلة، وكانت النجوم واضحة فوقنا.
أتذكر أنني استمعت إلى الأغنية حتى نهايتها.
وبعد أيام قليلة، أصيب حمدان بالحمى.
في البداية ظننا أنه أرهق نفسه في العمل.
كان وجهه محمرًا، وجسده ساخنًا، لكنه أصر على مساعدتنا في رفع أحد الأشرعة.
أمره مرجان أن يترك الحبل ويعود إلى فراشه.
قال حمدان وهو يحاول الابتسام: «سأرتاح قليلًا، ثم أعود».
لكنه لم يعد إلى العمل.
في اليوم التالي اشتدت الحمى، ولم يعد يستطيع الوقوف دون مساعدة.
نقلناه إلى موضع أكثر هدوءًا داخل السفينة، ووضعنا قربه ماءً نظيفًا، وحاولنا تخفيف حرارته بقطع قماش مبللة.
لم يكن بيننا طبيب.
وكانت الأدوية التي نحملها قليلة، ولم نعرف إن كان شيء منها سينفعه.
كانت نورة تزوره كل يوم، وتسأل عما شربه وما استطاع أن يأكله.
وأمر مرجان الرجال بأن يتناوبوا على رعايته.
أما القبطان راشد، فكان يسأل عن حالته، ثم يعود إلى مراقبة البحر.
مر أسبوع، ثم آخر، ولم تتحسن صحته.
صار حمدان ينام ساعات طويلة، ويستيقظ أحيانًا وهو لا يعرف أين يكون.
كان ينادي أمه، ويطلب منها أن تفتح الباب، ثم يسكت كأنه ينتظر جوابها.
جلست قربه ذات ليلة، وسمعته يقول بصوت ضعيف: «أمي، لا تقلقي. سأعود قريبًا».
قلت له: «ستعود يا حمدان».
فتح عينيه ونظر إليّ، لكنني لم أعرف إن كان قد سمعني.
مد يده نحو طرف فراشه، حيث كان صندوق القيثارة.
سألته: «هل تريدها؟»
حرك رأسه حركة خفيفة.
أخرجت القيثارة ووضعتها قربه.
لم يحاول العزف.
اكتفى بأن يضع أصابعه على خشبها، ثم أغمض عينيه.
في اليوم الخامس والعشرين من مرضه، مات حمدان.
كان ذلك قبل الفجر بقليل.
كنت نائمًا حين أيقظني مرجان، وأخبرني أن الفتى توقف عن التنفس.
ذهبت معه إلى موضعه.
وجدت حمدان مستلقيًا على فراشه، وقد سكنت ملامحه بعد أيام طويلة من الألم.
كانت القيثارة داخل صندوقها، إلى جانب رأسه.
وقفت عند الباب ولم أقترب.
لم أكن أعرف كيف أنظر إلى وجه رجل كنت أسمعه يغني قبل أسابيع، ثم أراه الآن ساكنًا لا يستطيع أن يفتح عينيه.
جاءت نورة بعد قليل.
وقفت عند فراشه، وسألت مرجان عن اللحظات الأخيرة.
أجابها بصوت منخفض.
ثم أغلقت الصندوق الخشبي الذي كان يحفظ فيه حمدان قيثارته، وطلبت ألا يضيع بين أمتعة البحارة.
عند ارتفاع الشمس، حملنا جسده إلى سطح السفينة.
لففناه في قطعة قماش نظيفة، وثبتنا معها حجرًا ثقيلًا حتى يغوص في الماء.
اصطف الرجال قرب الحاجز الخشبي.
لم يتحدث أحد.
كان البحر هادئًا، والشمس تنعكس على سطحه حتى يصعب النظر إليه طويلًا.
وقف مرجان بجانبي وسألني: «هل تريد أن تقول شيئًا؟»
نظرت إلى الجسد الملفوف أمامنا.
تذكرت حمدان وهو يخبرني عن البيت الذي سيبنيه لأمه.
وتذكرت ضحكته حين قال إنه يريد السكن قرب البحر حتى لا يشتاق إليه.
فتحت فمي، لكن الكلمات لم تخرج.
هززت رأسي.
وضع مرجان يده على كتفي لحظة، ثم ابتعد.
أنزلنا حمدان إلى الماء.
رأيت القماش يلامس السطح، ثم يغوص ببطء حتى اختفى.
بقيت أنظر إلى المكان الذي غاب فيه، كأنني أنتظر أن يظهر مرة أخرى.
لم يظهر شيء.
سمعت أحد البحارة يتمتم بدعاء، ثم تبعه آخرون.
وحين انتهينا، لم يتحرك الرجال من أماكنهم.
كان راشد واقفًا قرب مقدمة السفينة.
ظل صامتًا حتى التفت الجميع نحوه.
ثم قال: «من هذا اليوم، لن نعود إلى الميناء حتى يموت».
لم يذكر اسم الحوت.
لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك.
نظر مرجان إليه وقال: «موت حمدان لا علاقة له بالحوت».
لم يرد راشد.
فتابع مرجان: «وإذا بقينا نطارده، فقد نموت قبله».
أجاب راشد بهدوء: «أعرف».
ساد صمت ثقيل.
نظرت إلى نورة، فوجدتها واقفة قرب الصاري، ودفتر حساباتها مغلق بين يديها.
كانت تراقب القبطان دون أن تتكلم.
قال مرجان: «هذه سفينة لها مؤن محدودة، ورجال ينتظرهم أهلهم. لا يمكنك أن تقرر مصيرنا جميعًا».
التفت راشد نحوه.
«كل رجل هنا يعرف أنه قد يموت في البحر».
قال مرجان: «نعرف ذلك. لكننا لم نخرج لنبحث عن الموت».
لم يجب راشد فورًا.
نظر إلى الرجال الذين وقفوا حوله، ثم قال: «رأيتم الحوت. وتعرفون الآن أننا نستطيع العثور عليه».
رفع يده أمامهم.
«من سيبقى معي حتى ننهي الأمر؟»
لم تتحرك يد واحدة في البداية.
سمعت خشب السفينة يئن تحت أقدامنا، ورأيت أحد البحارة يطأطئ رأسه.
ثم رفع رجل يده بتردد.
تبعه آخر، ثم ثالث.
وبعد لحظات، كانت معظم الأيدي مرفوعة.
لم أرَ على وجوههم حماسة، ولا رغبة حقيقية في القتال.
كان بعضهم ينظر إلى القبطان، وبعضهم يتجنب النظر إلى رفاقه.
شعرت أنهم يخشون أن يكونوا أول من يرفض، فيتهمهم الآخرون بالجبن.
أما أنا، فأبقيت يدي إلى جانبي.
لاحظ راشد ذلك.
تقدم نحوي، وتوقف على مسافة خطوة واحدة.
سألني: «وأنت يا سالم؟»
قلت: «لن أرفع يدي».
ضاقت عيناه قليلًا.
«لماذا؟»
أجبته: «لأنني لم آت إلى البحر لأنتقم من حوت».
نظر إليّ طويلًا.
كنت أشعر بخوف شديد، لكنني لم أستطع أن أرفع يدي بعدما قلت ما قلت.
قال راشد: «لا أحد يأتي إلى البحر وهو ينوي الانتقام».
ثم التفت نحو الماء، وأضاف: «لكن بعض الرجال يجدون هنا ما يدفعهم إليه».
لم أجب.
كنت أعرف أنني تركت واحة السدر لأنني لم أستطع مواجهة ما فعلته بعاصم.
ولم أكن أريد أن أهرب من ذنب قديم لأشارك في موت جديد.
قال راشد وهو يبتعد: «ستؤدي عملك ما دمت على هذه السفينة».
قلت: «سأؤدي عملي».
لم يلتفت إليّ مرة أخرى.
أمر الرجال بالعودة إلى مواقعهم، ثم اتجه إلى المقدمة.
بقيت واقفًا حتى انصرف البحارة.
اقترب مني مرجان، ونظر إلى يدي التي لم أرفعها.
قال بصوت منخفض: «كان عليك أن تختار كلماتك بحذر».
سألته: «هل أخطأت؟»
نظر نحو القبطان، ثم أجاب: «لا».
وسكت لحظة قبل أن يضيف: «لكننا ما زلنا في البحر».
تركته ومشيت إلى موضع حمدان.
كان فراشه قد طُوي، ولم يبقَ منه سوى الصندوق الذي يحمل قيثارته.
جلست إلى جواره، ووضعت يدي على الغطاء الخشبي.
فكرت في أمه التي تنتظر عودته، ولا تعرف أن ابنها لن يبني البيت الذي وعدها به.
ثم تذكرت الرجال الذين رفعوا أيديهم قبل قليل.
كان بعضهم يضحك مع حمدان ويسمع أغانيه.
والآن وافقوا على مطاردة حوت قد لا يجدونه، وقد يموتون قبل أن يصلوا إليه.
رفعت رأسي نحو البحر.
لم أرَ سوى الماء الممتد إلى الأفق.
كان الحوت قد اختفى منذ أيام، لكن راشد ظل يبحث عنه.
أما حمدان، فقد مات بعيدًا عن بيته، ولم يعد يستطيع أحد أن يعيده.
في ذلك الصباح فهمت أن خوف الرجال من البحر لم يعد أكبر ما يهددهم.
كان عليهم الآن أن يخافوا أيضًا مما قد يفعله القبطان إذا وجد الحوت.

الفصل الخامس: التي تقرأ النجوم

«حين يختفي الطريق، لا يحتاج المرء إلى عينين حادتين بقدر ما يحتاج إلى عقل يعرف أين يبحث.»
بعد أيام من موت حمدان، دخلت «الظبية» منطقة يغطيها ضباب كثيف.
ظهر الضباب مع الصباح، في البداية خفيفًا فوق سطح الماء، ثم أخذ يزداد حتى اختفت السفن البعيدة عن أنظارنا.
وبعد ساعات، لم نعد نرى إلا مسافة قصيرة أمام المقدمة.
كانت الشمس وراء الغيوم، والسماء بلون رمادي باهت، حتى إن البحر بدا كأنه امتداد لها.
خفف القبطان راشد سرعة السفينة، وأمر أحد البحارة بالوقوف عند المقدمة لمراقبة الماء.
كنا نسمع الأمواج تضرب الألواح، لكننا لم نعد نستطيع تقدير المسافة بيننا وبين أي شيء قد يظهر أمامنا.
قال مرجان وهو يشد أحد الحبال: «لا يعجبني هذا الضباب».
كنت أقف إلى جانبه، فسألته: «هل مررنا من هنا من قبل؟»
أجاب: «لا أعرف».
نظرت إليه مستغربًا.
كان مرجان يعرف البحر أكثر مني بكثير، ولم أعتد أن أسمعه يعترف بجهله.
قال وهو يراقب الماء: «إذا لم ترَ الساحل أو السماء، فقد يصعب عليك أن تعرف أين أنت».
مر الوقت ببطء.
كان راشد يتنقل بين المقدمة والدفة، ويسأل عن الاتجاه الذي تسير فيه السفينة.
ثم أمر بتعديل مسارها قليلًا.
لكن الضباب لم ينقشع، وبدأت الريح تتغير.
في المساء، اقترب مرجان من القبطان وقال: «نحن نبتعد عن المسار الذي كنا نسلكه».
أجابه راشد: «أعرف».
«وإذا استمررنا هكذا، فقد نضل الطريق».
لم يرد القبطان.
كانت نورة واقفة قرب باب المقصورة، تحمل دفترًا وخرائط مطوية.
سمعت الحديث، فتقدمت نحوهما.
سألت: «متى كان آخر قياس لموقعنا؟»
أخبرها راشد بالوقت والاتجاه الذي كنا نسير فيه.
فتحت إحدى الخرائط فوق صندوق خشبي، وثبتت أطرافها حتى لا تحركها الريح.
اقتربت منهما، لكنني لم أفهم الخطوط والأرقام التي كانت تنظر إليها.
أشارت نورة إلى موضع على الخريطة، وقالت: «إذا كنا قد انجرفنا مع التيار كما أظن، فهناك صخور إلى الشرق منا».
قال مرجان: «ولا نستطيع رؤيتها في هذا الضباب».
أجابت: «لهذا يجب ألا نستمر في الاتجاه نفسه».
نظر راشد إلى الخريطة، ثم رفع عينيه نحو الماء.
قال: «ليس لدينا موقع مؤكد».
أومأت نورة.
«أعرف. علينا أن ننتظر فرصة لرؤية السماء، وأن نراقب العمق حتى ذلك الحين».
أمر القبطان بتخفيف السرعة أكثر، وأرسل بحارًا لقياس عمق الماء بحبل ثقيل.
تكررت القياسات، ولم يظهر تغير يدعو إلى الاطمئنان.
بقينا على تلك الحال حتى الليل.
لم يكن الضباب قد اختفى، لكن السحب بدأت تتفرق فوقنا على فترات قصيرة.
خرجت نورة من مقصورتها تحمل أداة نحاسية صغيرة كانت من أدوات أبيها، ووقفت في موضع يسمح لها برؤية السماء.
رأيتها ترفع الأداة نحو نجم ظهر بين السحب، ثم تدون شيئًا في دفترها.
اختفى النجم قبل أن تنتهي، فانتظرت حتى ظهر مرة أخرى.
اقترب منها مرجان وسأل: «هل عرفتِ أين نحن؟»
قالت: «ليس بدقة، لكنني أستطيع تقدير موقعنا».
راجعت الأرقام التي كتبتها، ثم عادت إلى الخريطة.
بعد قليل، رفعت رأسها وقالت: «علينا تعديل المسار قليلًا نحو اليمين».
سألها راشد: «كم؟»
أجابت: «ثلاث درجات».
نظر مرجان إلى الضباب أمامنا.
«قد تكون هناك صخور في ذلك الاتجاه».
قالت: «هناك صخور أيضًا إذا تابعنا طريقنا الحالي».
أشار إلى الماء الذي لا نرى منه إلا مساحة ضيقة.
«وإذا أخطأنا في تقدير المسافة، فسنصطدم».
أجابت بهدوء: «لهذا لن نزيد السرعة. سنواصل قياس العمق، ونتقدم بحذر».
لم يتكلم راشد لحظات.
ثم نظر إلى الخريطة، وأمر البحار الواقف عند الدفة بتنفيذ التعديل.
تحركت «الظبية» ببطء.
كان رجلان يقفان عند المقدمة، يراقبان الماء ويحذران من أي جسم يظهر أمام السفينة.
وبقي مرجان يتابع قياسات العمق.
وقفت قرب الحاجز الخشبي، أحاول أن أرى ما وراء الضباب.
لم أسمع إلا حركة الماء وصوت الأوامر القصيرة التي يتبادلها الرجال.
ثم صاح أحد البحارة: «صخور أمامنا!»
ظهرت كتلة داكنة على جانب المقدمة.
وبعد لحظات، رأيت كتلة أخرى على الجانب المقابل.
كان بينهما ممر مائي ضيق، بالكاد استطعنا تمييز حدوده.
أمر راشد بتعديل الدفة قليلًا، ثم أعطى تعليمات متتابعة لتخفيف اندفاع السفينة.
لم يتحرك أحد من مكانه دون أمر.
مرت «الظبية» بين الصخرتين ببطء شديد.
كنت قريبًا بما يكفي لأرى الماء يتكسر عند قاعدة إحداهما.
شعرت أن المسافة بين الخشب والصخر أصغر مما ينبغي.
لكن السفينة واصلت تقدمها، حتى ابتعدنا عنهما.
لم يصفق أحد، ولم يطلق الرجال صيحات الفرح.
كان كل واحد منهم ينتظر أن نتجاوز المنطقة كاملة قبل أن يطمئن.
ومع اقتراب الفجر، بدأ الضباب يخف.
ظهرت مساحة أوسع من البحر أمامنا، ثم انكشف الأفق شيئًا فشيئًا.
عند شروق الشمس، استطعنا رؤية السماء بوضوح للمرة الأولى منذ دخولنا الضباب.
أعاد راشد تحديد موقعنا، وراجع المسار مع نورة.
ثم أمر الرجال بالعودة إلى أعمالهم المعتادة.
رأيت مرجان يقترب منها، ويقف إلى جانبها وهي تطوي الخريطة.
قال: «كان تقديرك صحيحًا».
أجابته: «كان قريبًا بما يكفي».
ابتسم بعينه الوحيدة.
«لولا أنك انتبهتِ إلى التيار، لكنا واصلنا السير في الاتجاه الخطأ».
قالت: «ولولا قياسات العمق ومراقبة الرجال، لما استطعنا المرور بأمان».
ثم حملت دفترها وعادت إلى المقصورة.
منذ ذلك اليوم، لاحظت تغيرًا في طريقة تعامل البحارة معها.
كانوا يعرفون أنها صاحبة السفينة، وينفذون أوامرها المتعلقة بالعمل والمؤن.
لكنهم صاروا يسألونها أيضًا عن الخرائط والاتجاهات، ويصغون إلى رأيها حين تتحدث عن المسار.
لم يكن أحد بحاجة إلى أن يعلن ذلك.
ظهر الأمر في أحاديثهم اليومية، وفي الطريقة التي ينتظرون بها جوابها.
أما راشد، فلم يتغير كثيرًا.
كان يستمع إلى ملاحظاتها، ثم يصدر أوامره للرجال.
ولم أسمعه يذكر الحوت خلال عبورنا الضباب.
لكنني كنت أراه كل صباح يقف عند المقدمة، ويمسح الأفق بعينيه، كأن شيئًا واحدًا لا يزال يشغل تفكيره.
بعد ليلتين، وجدت نورة جالسة قرب مقدمة السفينة.
كانت السماء صافية، والنجوم منتشرة فوق البحر.
وضعت خريطة مطوية إلى جانبها، وأخذت تتأمل السماء.
اقتربت وسألت: «هل أستطيع الجلوس؟»
أشارت إلى المكان الخالي بجوارها.
جلست، وبقينا صامتين قليلًا.
ثم قلت: «كنت أظن أنك تحبين النجوم».
التفتت إليّ.
«لماذا؟»
«لأنني أراك تنظرين إليها كل ليلة».
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
«لا أنظر إليها لأنها جميلة».
سألتها: «إذن لماذا؟»
أجابت: «لأنها تساعدني على معرفة موقعي».
ثم أشارت إلى نجم مرتفع في السماء.
«علمني أبي أن أعرف بعض النجوم، وأن أستخدمها حين لا أرى الساحل».
نظرت إلى الموضع الذي أشارت إليه، لكنني لم أستطع أن أميز النجم عن غيره.
قلت: «ألا تخافين أن تخطئي؟»
أجابت: «أخاف، ولهذا أراجع حساباتي».
سكتت لحظة، ثم أضافت: «حين نكون في البحر أيامًا طويلة، يسهل أن نشعر أننا بعيدون عن كل شيء. أما النجوم، فتذكرني بأن هناك نظامًا نستطيع أن نفهم منه أين نحن».
قلت: «حتى عندما لا نرى الأرض؟»
قالت: «حتى عندما لا نراها».
أعجبني جوابها.
كنت أظن أن من يعرف البحر جيدًا لا يخاف منه.
لكنني بدأت أفهم أن نورة لا تثق بالبحر بقدر ما تثق بما تعلمته عن التعامل معه.
بقينا نراقب السماء قليلًا.
ثم قالت فجأة: «أنت لا تريد قتل الحوت».
نظرت إليها.
«كيف عرفتِ؟»
أجابت: «لأنك لم ترفع يدك عندما طلب راشد ذلك».
قلت: «لم أجد سببًا يجعلني أريد موته».
سألتني: «حتى بعدما رأيته؟»
«رأيته يخرج من الماء، ثم يغوص. لم يؤذنا».
خفضت عينيها نحو الخريطة الموضوعة بجانبها.
قالت: «راشد لا يفكر بهذه الطريقة».
قلت: «أعرف».
ثم سألتها: «وأنتِ؟ هل تريدين أن يجد الحوت؟»
هزت رأسها.
«أريد أن تعود سفينتي إلى الميناء».
«وماذا عن راشد؟»
أجابت: «استأجرته ليقود الظبية. لم أستأجره ليطارد حوتًا».
قلت: «لكنه جعل الرجال يوافقون على البقاء».
نظرت إليّ.
«رأيت كيف رفعوا أيديهم. لا أظن أنهم جميعًا أرادوا ذلك».
لم أجب.
كانت محقة.
تذكرت وجوه الرجال يوم دفن حمدان، وكيف رفع بعضهم يده بعد أن رأى الآخرين يفعلون.
قالت نورة: «سأحاول أن أعيد السفينة إلى الميناء، لكنني لا أستطيع تجاهل ما يفعله القبطان. نحن بعيدون عن الساحل، والرجال يعتمدون عليه في القيادة».
قلت: «وهل تثقين به؟»
فكرت قليلًا قبل أن تجيب.
«أثق بخبرته في البحر. أما ما يريده من هذه الرحلة، فلم أعد واثقة منه».
نظرت نحو مؤخرة السفينة.
كان ضوء خافت يظهر من نافذة مقصورة راشد.
قلت: «أخاف من الرجل الذي يطارد الحوت أكثر مما أخاف من الحوت نفسه».
لم تجب فورًا.
ثم سألتني: «وأنت يا سالم، ما الذي جاء بك إلى البحر؟»
شعرت بضيق في صدري.
قلت: «أردت أن أبتعد عن الواحة».
«لماذا؟»
نظرت إلى يدي.
كانتا قد خشنتا من العمل بالحبال، وظهرت على أصابعي جروح صغيرة لم تكن موجودة قبل الرحلة.
قلت: «حدث أمر هناك، ولم أعد أريد البقاء».
لم تطلب مني أن أشرح.
لكنها قالت: «ظننت في البداية أنك تبحث عن عمل».
أجبت: «كنت أبحث عن مكان لا يعرفني فيه أحد».
سكتت قليلًا.
ثم قالت: «وهل وجدت ما تبحث عنه؟»
نظرت إلى البحر.
كنت قد تركت واحة السدر منذ زمن، وقطعت مسافة لم أكن أتخيل أنني سأقطعها.
ومع ذلك، لم يمر يوم واحد دون أن أتذكر عاصمًا.
قلت: «لا».
أعادت نورة نظرها إلى السماء.
قالت: «ربما لأن الابتعاد عن المكان لا يغير ما حدث فيه».
لم يكن في صوتها لوم.
ومع ذلك، شعرت أن كلماتها أصابت موضعًا أحاول إخفاءه.
تذكرت رسالة أبي، وما قرأته فيها عن الظلم والهروب.
وفكرت في عاصم وهو ملقى قرب البئر، وفي اللحظة التي أدرت فيها ظهري ومضيت.
لم أقل لنورة شيئًا من ذلك.
لم أكن مستعدًا بعد لأن أحكي لها ما حدث.
بقينا جالسين حتى بدأت الريح تبرد.
ثم نهضت نورة، وحملت خريطتها ودفترها.
قالت: «سأراجع حسابات الماء قبل أن أنام».
نهضت معها.
وقبل أن تبتعد، سألتها: «هل تظنين أننا سنعود؟»
نظرت نحو الأشرعة، ثم إلى البحر الممتد أمامنا.
قالت: «سأفعل ما أستطيع حتى نعود».
مضت إلى مقصورتها، وبقيت وحدي عند المقدمة.
رفعت رأسي إلى النجوم التي كانت تنظر إليها.
لم أكن أعرف أسماءها، ولا كيف أستدل بها على الطريق.
لكنني فهمت لماذا كانت نورة تحرص على مراقبتها.
كانت تبحث عن موضع السفينة حتى تستطيع إعادتها إلى الميناء.
أما أنا، فكنت أعرف المكان الذي تركته خلفي، ولم أكن أعرف كيف أعود إليه.
ومنذ صعودي إلى «الظبية»، لم أشعر أن المسافة بيني وبين واحة السدر كانت قصيرة كما شعرت بها في تلك الليلة.

الفصل السادس: الجزيرة المنسية

«قد ينجو الإنسان من البحر، ثم يجد على الشاطئ ما ظل يهرب منه طوال عمره.»
جاءت العاصفة بعد منتصف الليل.
كنت نائمًا حين أيقظني صوت ارتطام شديد، أعقبه صراخ فوق السطح.
فتحت عيني، وشعرت بالسفينة تميل إلى أحد جانبيها حتى كدت أسقط من فراشي.
سمعت خطوات مسرعة، ثم صوت مرجان ينادي الرجال.
ارتديت ثوبي على عجل، وخرجت من المقصورة.
ضربتني الريح في وجهي قبل أن أصل إلى السطح.
كان المطر ينهمر بقوة، والأمواج ترتفع حول «الظبية» حتى حجبت عني الأفق.
لم أرَ النجوم، ولم أستطع تمييز اتجاه الريح من شدة اضطرابها.
كانت الأشرعة تضرب الحبال بعنف، وأصوات الرجال تختلط بصوت الماء.
صرخ مرجان: «إلى الحبال! ثبتوا الأشرعة!»
أسرعت نحو الصاري مع اثنين من البحارة.
أمسكنا بحبل غليظ، وحاولنا شده حتى لا ينفلت الشراع.
كانت الريح أقوى مما توقعت.
انزلق الحبل بين أصابعي، فاحترق جلدي من شدة الاحتكاك.
صرخ الرجل الواقف بجانبي: «لا تتركه!»
شددت قبضتي، وأعدت تثبيت قدمي على الألواح المبللة.
رأيت نورة قرب باب المقصورة، تمسك بالحاجز الخشبي وتتابع حركة الرجال.
كانت تصرخ بتعليمات تتعلق بالصناديق والمؤن، وتطلب تثبيت كل ما يمكن أن يتحرك داخل السفينة.
أما راشد، فكان واقفًا قرب الدفة، يعطي أوامره بصوت مرتفع.
كانت ساقه الخشبية ثابتة على السطح، ويده ممسكة بالحاجز إلى جواره.
لم يبدُ خائفًا، لكنه كان ينظر إلى الماء أمامنا بتركيز شديد.
وفجأة، سمعنا صوت ارتطام قوي من أسفل السفينة.
اهتزت «الظبية» كلها.
سقط أحد البحارة على ركبتيه، واندفعت إلى الأمام حتى اصطدمت كتفي بالصاري.
صرخ رجل من جهة المقدمة: «صخور!»
حاول راشد تغيير اتجاه السفينة.
سمعته يأمر بتعديل الدفة، ثم يصرخ في الرجال أن يخففوا ضغط الريح على الأشرعة.
لكن السفينة لم تستجب بالسرعة التي أرادها.
كانت الأمواج تدفعها نحو موضع لا نستطيع رؤيته بوضوح.
ثم جاء صوت آخر من تحتنا.
لم يشبه صوت الارتطام الأول.
كان صوت احتكاك عميق، امتد لحظات، كأن جسمًا ضخمًا يمر بمحاذاة قاع السفينة.
توقف مرجان عن شد الحبل.
نظر إلى الماء، ثم قال بصوت لم أسمعه منه من قبل: «الحوت».
لم أستطع أن أسأله كيف عرف.
ارتفع الماء أمام مقدمة السفينة، وظهر منه جسد أسود هائل.
رأيت جزءًا من ظهره، ثم الندوب البيضاء المتقاطعة فوق جلده.
كان قريبًا إلى حد أنني استطعت رؤية الماء ينساب عن جسمه.
صرخ أحد الرجال، وتراجع آخر حتى اصطدم بالحاجز.
تحرك الحوت بمحاذاة السفينة، ثم غاص جزء من جسده تحت الماء.
وفي اللحظة التالية، ارتفع ذيله وضرب جانب «الظبية».
اهتز السطح تحت قدمي.
سمعت صوت خشب يتكسر، ثم رأيت الصاري يميل بعنف.
صرخ مرجان: «ابتعدوا!»
تركت الحبل وحاولت الركض، لكن قدمي انزلقت على الألواح المبللة.
سقطت على جانبي، ورأيت الصاري ينهار فوق السطح.
ارتطم شيء ثقيل بالقرب مني.
ثم شعرت بضربة قوية في رأسي.
واختفى كل شيء.


عندما فتحت عيني، كان أول ما سمعته صوت الماء.
لم يكن هدير العاصفة الذي أتذكره، بل صوت أمواج صغيرة تضرب الخشب بانتظام.
حاولت النهوض، فشعرت بألم حاد في رأسي وكتفي.
رفعت يدي إلى جبيني، ووجدت أثر دم جاف قرب شعري.
كنت مستلقيًا على سطح «الظبية»، وتحت رأسي قطعة قماش مطوية.
رأيت السماء صافية فوقي.
ولم يكن الصاري في مكانه.
حاولت الجلوس، فسمعت صوت نورة تقول: «لا تتحرك بسرعة».
كانت جالسة بالقرب مني، تحمل إناءً صغيرًا من الماء.
ساعدتني على رفع رأسي، ثم ناولتني الإناء.
شربت قليلًا، وسألتها: «ماذا حدث؟»
قالت: «فقدت وعيك عندما سقط الصاري».
نظرت حولي.
كان السطح مليئًا بالحبال المقطوعة وقطع الخشب.
بعض الألواح قد انكسر، وأحد جانبي السفينة يحمل آثار ضربة كبيرة.
سألتها: «هل غرقنا؟»
أجابت: «لا. لكننا كدنا نفعل».
أشارت إلى جهة المقدمة.
رأيت صخورًا سوداء ترتفع من الماء، وخلفها أرضًا صخرية تمتد نحو تل منخفض.
كانت «الظبية» راسية في خليج صغير تحميه الصخور من الأمواج.
قلت: «أين نحن؟»
قالت: «قرب جزيرة».
«أي جزيرة؟»
لم تجب فورًا.
أخرجت خريطة مطوية من حقيبتها، وفتحتها أمامي.
كانت أطراف الورق رطبة، وقد ظهرت عليها آثار الملح.
أشارت إلى موضع في البحر، ثم قالت: «بحسب آخر موقع استطعنا تقديره، نحن في هذه المنطقة».
نظرت إلى الخريطة، ولم أرَ سوى مساحة خالية من العلامات.
قلت: «لا توجد جزيرة هنا».
أجابت: «هذا ما يقلقني».
ثم أضافت: «لا تظهر في أي خريطة أملكها».
سألتها: «هل أخطأنا الطريق؟»
قالت: «العاصفة دفعتنا بعيدًا عن مسارنا، ولا أستطيع تحديد مقدار ابتعادنا بدقة».
نظرت إلى الجزيرة مرة أخرى.
كانت صخورها داكنة، وشاطئها ضيقًا، ولا تظهر عليها أشجار أو بيوت أو أي علامة تدل على وجود سكان.
سألت نورة عن الرجال.
قالت إن بعضهم أصيب بجروح، وإن مرجان وراشد يحاولان معرفة حجم الضرر الذي أصاب السفينة.
أما الحوت، فلم يره أحد بعد العاصفة.
عندما استطعت الوقوف، نزلت إلى الشاطئ مع بقية الرجال.
كانت المياه ضحلة قرب الصخور، واستطعنا نقل بعض الحبال والأدوات إلى اليابسة.
فحص مرجان جانب السفينة المتضرر، ثم أشار إلى شق طويل في أحد الألواح.
قال: «علينا إغلاق هذا قبل أن نفكر في الإبحار».
سألته: «كم سيستغرق الإصلاح؟»
أجاب: «يعتمد على ما نجده من خشب صالح، وعلى مقدار الضرر الذي لم نره بعد».
أمضينا بقية اليوم في إخراج الماء الذي تسرب إلى بعض أجزاء السفينة، وجمع قطع الخشب التي يمكن استخدامها.
كان راشد يعمل معنا، لكنه لم يتحدث عن الحوت.
لاحظت أنه ينظر إلى الجزيرة أكثر مما ينظر إلى السفينة.
وفي المساء، وقف وحده عند طرف الشاطئ، يراقب الصخور السوداء.
لم أعرف إن كان قد وصل إلى هذا المكان من قبل، لكنني تذكرت ما قاله مرجان عن سفينة «الفجر».
في اليوم التالي، استمر العمل.
كان بعض الرجال يصلحون الألواح، وآخرون يعيدون ترتيب الحبال والأشرعة التي نجت من العاصفة.
أما أنا، فخرجت أبحث بين الصخور القريبة عن قطع خشب يمكن أن تنفعنا.
كانت الجزيرة أصغر مما بدت من البحر.
امتد شاطئها على هيئة قوس ضيق، ثم ارتفعت خلفه صخور حادة يصعب السير بينها.
وجدت قطعًا من الأخشاب جرفها الماء، وبعض الحبال القديمة التي التصقت بها الأعشاب البحرية.
جمعت ما استطعت حمله، ثم تقدمت نحو جزء من الشاطئ لم نصل إليه في اليوم السابق.
هناك رأيت طرف لوح خشبي يبرز من الرمل.
كان نصفه مدفونًا، وقد تراكمت حوله الحصى والأصداف.
ظننته في البداية قطعة من حطام قديم.
انحنيت وسحبت الرمل من حوله.
كان الخشب متآكل الحواف، لكنه لا يزال متماسكًا.
وعلى أحد وجهيه ظهرت آثار حروف باهتة.
مسحت عنه الرمل والملح بيدي.
ثم قرأت الاسم المكتوب عليه.
«الفجر».
بقيت أحدق في الحروف.
قرأت الاسم مرة أخرى، خشية أن أكون قد أخطأت.
لكن الحروف كانت واضحة بما يكفي.
تذكرت مرجان وهو يخبرني عن السفينة التي قادها راشد قبل اثني عشر عامًا.
السفينة التي لم تعد.
نظرت حولي.
لم أرَ أحدًا قريبًا.
رفعت اللوح من الرمل، ثم حملته وعدت مسرعًا نحو موضع الرجال.
ناديت مرجان.
التفت إليّ وهو يحمل أداة لإصلاح الخشب.
قلت: «انظر إلى هذا».
وضعت اللوح أمامه.
توقف عن الحركة.
انحنى قليلًا، ومسح بيده موضع الكتابة.
ثم نطق الاسم بصوت منخفض: «الفجر».
سألته: «أليست هذه سفينة راشد القديمة؟»
لم يجب مباشرة.
نظر إلى الشاطئ الذي جئت منه، ثم سألني: «أين وجدته؟»
أشرت إلى الصخور البعيدة.
ترك الأداة من يده، وقال: «أرني المكان».
رافقنا اثنان من البحارة.
وعندما وصلنا، بدأنا نفتش المنطقة القريبة من موضع اللوح.
وجد أحد الرجال قطعة خشب أخرى، ثم ظهرت بقايا قارب صغير محطم بين الصخور.
كانت ألواحه متفرقة، وقد غطى الرمل جزءًا كبيرًا منها.
لم نستطع أن نعرف إن كان القارب قد تحطم هنا أو جرفته الأمواج من مكان آخر.
لكن مرجان ظل يفحص بقاياه في صمت.
وبين صخرتين، عثر أحد البحارة على صندوق حديدي صغير.
كان الصدأ يغطي سطحه، وقد انحشر غطاؤه بإحكام.
حملناه إلى موضع أكثر استواءً، وحاول مرجان فتحه.
لم ينجح في البداية.
ثم استخدم أداة حديدية حتى انكسر جزء من القفل.
رفع الغطاء بحذر.
كان داخل الصندوق دفتر جلدي صغير، ملفوف بقطعة قماش قديمة.
وصلت الرطوبة إلى بعض أطرافه، لكن معظم صفحاته الداخلية بقيت مقروءة.
أخرج مرجان الدفتر، وقلب صفحاته ببطء.
ظهرت على الصفحة الأولى كتابة باهتة.
قرأ الاسم المكتوب فيها، ثم رفع عينه نحوي.
قال: «راشد بن قاسم».
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
قلت: «هل هو دفتر القبطان؟»
أجاب: «يبدو كذلك».
سأل أحد البحارة: «كيف وصل إلى هنا؟»
لم يعرف أحد الجواب.
كان من الممكن أن يكون الصندوق قد جرفته الأمواج، أو أن أحدًا حمله إلى الجزيرة قبل سنوات.
لكن وجود اسم «الفجر» على اللوح، واسم راشد على الدفتر، جعل المصادفة صعبة التصديق.
فتحت الصفحات الأولى.
كانت بعض الكلمات قد تلاشت، ووجدت صفحات التصقت أطرافها ببعضها.
لكنني استطعت قراءة مقاطع من الكتابة.
كان الدفتر يسجل أيام رحلة قديمة.
توقفت عند صفحة تحمل عنوانًا واضحًا.
«اليوم الحادي والأربعون».
قرأت بصوت مسموع:
«البحر هائج. رأيت الحوت. أمرت الرجال بإنزال القوارب رغم تحذيرهم. كنت أريده أكثر مما أردتهم».
رفعت رأسي.
كان مرجان ينظر إليّ دون أن يتكلم.
عدت إلى الدفتر، وأكملت:
«انقلب قاربان. صرخوا باسمي. لم أعد. تركت ستة رجال في الماء لأطارد ظلًا أسود».
توقفت عن القراءة.
لم أسمع إلا صوت الموج وهو يدخل بين الصخور.
أخذ مرجان الدفتر من يدي، وقرأ السطور بنفسه.
ثم أعاده إليّ.
قال أحد البحارة: «هل كتب راشد هذا؟»
أجبته: «هذا اسمه، وهذا ما تقوله الصفحات».
قال الرجل: «لكنه أخبرنا أن الحوت كان سبب ما حدث لرجاله».
نظر مرجان نحو البحر.
«ربما كان الحوت سبب المطاردة. لكن راشد هو الذي اختار أن يتركهم».
لم أستطع أن أبعد عيني عن الكلمات.
كان راشد قد رأى رجاله في الماء، وسمعهم ينادونه، ثم واصل مطاردة الحوت.
لم تكن تلك رواية يرويها عنه رجل آخر.
كانت كلمات مكتوبة باسمه في دفتر رحلته.
أغلقت الدفتر، وأعدته إلى قطعة القماش.
تذكرت يوم دفن حمدان، حين رفع راشد يده وطلب منا ألا نعود إلى الميناء حتى يموت الحوت.
وتذكرت الرجال الذين وافقوا، بعضهم خوفًا من أن يُتهم بالجبن.
لم يكونوا يعرفون ما حدث لطاقم «الفجر».
أما الآن، فقد عرفنا جزءًا من الحقيقة.
حملت الدفتر، ووقفت أنظر نحو «الظبية» الراسية في الخليج.
كان راشد هناك، بين الرجال الذين يصلحون السفينة.
لم يكن يعلم بعد أننا وجدنا حطام «الفجر»، ولا أننا قرأنا ما كتبه عن رجاله.
قال مرجان: «علينا أن نعود».
أومأت.
سرنا فوق الصخور في طريقنا إلى الشاطئ.
كنت أفكر في الرجال الستة الذين تركهم راشد في الماء قبل اثني عشر عامًا.
لم نكن نعرف إن كان أحدهم قد نجا، ولا ماذا حدث لبقية الطاقم.
لكننا عرفنا شيئًا واحدًا.
حين احتاج أولئك الرجال إلى قبطانهم، اختار الحوت بدلًا منهم.
والآن كان القبطان نفسه يقودنا، ويطلب منا أن نشاركه المطاردة من جديد.

الفصل السابع: اعتراف القبطان

«قد يعترف الإنسان بما فعل، ثم يقضي عمره عاجزًا عن مسامحة نفسه.»
في تلك الليلة، وجدته جالسًا وحده عند مؤخرة السفينة.
كان القمر يضيء جزءًا من الخليج، وتنعكس صورته على الماء الهادئ.
انتهى الرجال من عملهم قبل قليل، وعاد معظمهم إلى أماكن نومهم.
أما راشد، فبقي على السطح، يراقب الجزيرة التي كدنا نفقد سفينتنا عند صخورها.
كان جالسًا على صندوق خشبي، وقد مد ساقه الخشبية أمامه.
اقتربت منه وأنا أحمل الدفتر الذي وجدناه بين الحطام.
رفع رأسه حين سمع خطواتي.
قال: «ماذا تريد يا سالم؟»
لم أجب.
جلست على صندوق مقابل له، ووضعت الدفتر بيننا.
نظر إليه راشد.
تغير وجهه قليلًا، لكنه لم يمد يده.
بقي يحدق في الغلاف الجلدي، ثم سأل: «أين وجدته؟»
قلت: «بين الصخور، مع بقايا قارب ولوح يحمل اسم الفجر».
ظل ينظر إلى الدفتر.
سألني: «هل فتحته؟»
أجبته: «نعم».
«وماذا قرأت؟»
قلت: «ما كتبته عن الرجال الذين تركتهم في الماء».
لم يتحرك.
سمعت صوت موجة صغيرة تضرب جانب السفينة، ثم يعود الماء إلى هدوئه.
قلت: «أخبرنا مرجان أن نصف رجال الفجر ماتوا، وأن النصف الآخر لم يعد».
رفع راشد عينيه نحوي.
تابعت: «لكنه لم يخبرني أنك رأيت ستة منهم في الماء، وسمعتهم ينادونك، ثم تركتهم».
خفض راشد رأسه.
قلت: «لم يكن الحوت هو الذي أمرك بالابتعاد عنهم».
لم يجب.
شعرت بالغضب يتصاعد في صدري.
«كانوا رجالك. وكانوا ينتظرون أن تعود إليهم».
مددت يدي إلى الدفتر، وفتحته عند الصفحة التي قرأتها في الصباح.
قلت: «كتبت هذا بنفسك».
قرأ راشد السطور دون أن يلمس الورقة.
ثم أغمض عينيه.
انتظرت أن ينكر، أو أن يخبرني أنني لم أفهم ما حدث.
لكنه بقي صامتًا.
قلت: «أنت تركتهم يا راشد».
فتح عينيه ببطء.
قال: «نعم».
كانت الكلمة هادئة إلى حد أثار غضبي أكثر.
سألته: «لماذا؟»
لم يجب فورًا.
مد يده إلى الدفتر، ووضع أصابعه على غلافه.
قال: «كنت قبطانًا شابًا، وكنت أظن أنني أعرف البحر أكثر من الرجال الذين أبحروا فيه قبلي».
نظر إلى الماء، ثم تابع: «سمعت عن الحوت الأسود من بحارة كثيرين. بعضهم قال إنه أكبر حوت رآه، وبعضهم تحدث عن الندوب التي تغطي ظهره».
سكت لحظة.
«أردت أن أجده. ظننت أن قتله سيجعل اسمي معروفًا في الموانئ».
قلت: «وهل كان ذلك يستحق حياة رجالك؟»
هز رأسه.
«لا».
سألته: «ومع ذلك تركتهم؟»
أجاب: «نعم».
لم يحاول أن يبرر ما فعل.
كان ذلك أصعب عليّ من سماع عذر كاذب.
قال: «في ذلك اليوم، اشتدت الريح وارتفع الموج. رأينا الحوت قريبًا من السفينة، وأمرت الرجال بإنزال القوارب حتى نقترب منه».
نظر إلى يديه.
«حذرني بعضهم. قالوا إن البحر لا يسمح لنا بالمطاردة، لكنني لم أستمع».
قلت: «ثم انقلب قاربان».
أومأ.
«رأيت الرجال يسقطون في الماء. سمعتهم يصرخون ويطلبون المساعدة».
توقف عن الكلام.
ثم قال: «كان الحوت يبتعد، وكنت أخشى أن أفقده».
نظرت إليه غير مصدق.
«فاخترت أن تتبعه؟»
أجاب: «أمرت بالاستمرار».
سألته: «ألم تفكر في العودة؟»
قال: «فكرت».
ثم رفع رأسه نحوي.
«وهذا أسوأ ما في الأمر. كنت أعرف أنني أستطيع محاولة إنقاذهم، لكنني أخرت العودة حتى اختفى الحوت».
شعرت بضيق في صدري.
لم أستطع أن أتخيل كيف يمكن لرجل أن يسمع رفاقه يستغيثون، ثم يواصل الابتعاد عنهم.
سألته: «وماذا حدث عندما عدت؟»
قال: «لم أجدهم».
سكت قليلًا.
«بحثنا في المنطقة، لكن البحر كان قد اشتد. لم نعثر على الرجال الستة».
نظرت إلى الدفتر.
كانت الكلمات التي قرأتها في الصباح أكثر وضوحًا الآن.
قلت: «وماذا حدث للسفينة؟»
أجاب: «لم تنج الفجر من تلك الرحلة. أصابها ضرر شديد، واضطررنا إلى تركها».
لم يذكر كيف وصل إلى البر، ولم أسأله.
كان ما حدث للرجال يشغلني أكثر من مصير السفينة.
قلت: «لماذا لم تخبرنا بالحقيقة؟»
تنفس ببطء.
«لأنني لم أستطع أن أقولها أمام الرجال».
سألته: «لكنك كتبتها».
نظر إلى الدفتر.
«كتبتها لأنني كنت أخشى أن أنساها».
لم أفهم جوابه.
قلت: «وكيف يمكن أن تنسى أمرًا كهذا؟»
أجاب: «لم أكن أخشى أن أنسى ما حدث. كنت أخشى أن أبدأ في اختراع أعذار لنفسي».
بقيت صامتًا.
كان راشد ينظر إلى الصفحة المفتوحة، كأنه يراها للمرة الأولى منذ سنوات.
ثم قال: «أمضيت اثني عشر عامًا أحاول أن أجد الحوت».
سألته: «لماذا؟»
قال: «في البداية أردت أن أقتله لأثبت أن تلك الرحلة لم تكن بلا معنى».
رفعت رأسي نحوه.
تابع: «كنت أقول لنفسي إنني إذا عدت بالحوت، فسيفهم الناس لماذا خاطرنا بكل شيء».
قلت: «لكن الرجال ماتوا».
أجاب: «أعرف».
«وقتل الحوت لن يعيدهم».
«أعرف ذلك أيضًا».
سألته: «فلماذا ما زلت تطارده؟»
أطال النظر إلى البحر.
ثم قال: «لأنني لا أعرف كيف أتوقف».
كانت تلك أول مرة أسمع في صوته شيئًا يشبه التعب.
لم يكن الرجل الذي وقف أمامنا يوم موت حمدان، ورفع يده مطالبًا بمطاردة الحوت.
كان رجلًا أكبر سنًا، يجلس أمام دفتر قديم، ولا يستطيع أن يرفع عينيه عن صفحاته.
قال: «كل ليلة أتذكر أصواتهم».
سألته: «أصوات من؟»
أجاب: «الرجال الذين تركتهم».
ثم أضاف: «أتذكر أسماءهم، ووجوههم، والطريقة التي كانوا ينادونني بها».
مرر يده على ساقه الخشبية.
قال: «خسرت ساقي بعد تلك الرحلة، لكنني كنت قد خسرت ما هو أهم منها».
لم أعلق.
نظر إليّ وقال: «حين رأيت الحوت قبل أسابيع، شعرت أن السنوات الاثنتي عشرة لم تمر».
تذكرت وقوفه قرب الصاري، وعينيه المعلقتين بالحوت.
قال: «رأيت الندوب نفسها. وعاد إليّ ذلك اليوم بكل تفاصيله».
سألته: «هل أنت متأكد أنه الحوت نفسه؟»
أجاب: «لا أستطيع أن أكون متأكدًا».
ثم قال: «لكنني تصرفت كأنني متأكد».
كانت تلك المرة الأولى التي يعترف فيها بالشك.
قلت: «وجعلتنا جميعًا نطارده».
أومأ.
«نعم».
سألته: «حتى بعد موت حمدان؟»
خفض رأسه.
«حتى بعد موته».
شعرت بالغضب يعود إليّ.
قلت: «حمدان لم يكن يعرف شيئًا عن رجالك، ولا عن الفجر. كان يريد أن يعود إلى أمه».
أغمض راشد عينيه لحظة.
ثم قال: «أعرف».
قلت: «والرجال الذين رفعوا أيديهم لا يعرفون الحقيقة كاملة».
لم يجب.
تابعت: «ليس من حقك أن تجعلهم يدفعون ثمن ما فعلته قبل اثني عشر عامًا».
رفع رأسه نحوي.
لم أرَ في عينيه الغضب الذي توقعته.
قال: «أنت محق».
لم أكن مستعدًا لسماع ذلك.
بقيت أنظر إليه، ثم سألت: «وماذا ستفعل الآن؟»
نظر نحو الشاطئ.
كانت «الظبية» لا تزال بحاجة إلى إصلاحات قبل أن تستطيع الإبحار.
قال: «لا أعرف».
قلت: «يجب أن تعرف. أنت القبطان».
لم يجب.
أغلقت الدفتر ووضعته أمامه.
قلت: «هذه المرة ما زال الرجال أحياء».
نظر إلى الدفتر، ثم إليّ.
قلت: «وما زال بوسعك أن تعود بهم».
نهضت، لكن راشد ناداني قبل أن أبتعد.
«سالم».
التفت إليه.
قال: «هل سبق أن تركت رجلًا كان يحتاج إلى مساعدتك؟»
توقفت في مكاني.
لم أتوقع السؤال.
شعرت كأنني عدت فجأة إلى سوق واحة السدر.
رأيت عاصمًا يسقط قرب البئر، وسمعت الأصوات التي ارتفعت حولنا يوم الشجار.
تذكرت أنني نظرت إليه، ثم مضيت.
لم أكن أعرف إن كان راشد قد لاحظ تغير وجهي.
قال: «لا تجب إذا كنت لا تريد».
ظللت واقفًا لحظات.
ثم قلت: «نعم».
لم يسألني عن الرجل، ولا عما حدث له.
قال فقط: «إذن تعرف أن بعض اللحظات لا تنتهي عندما نبتعد عنها».
لم أجب.
عدت إلى مقصورتي، وأنا أشعر أن الحديث لم ينتهِ.
كنت قد ذهبت إلى راشد لأواجهه بما فعله برجاله.
وقد اعترف، ولم يحاول أن ينكر.
لكن اعترافه لم يغير ما حدث قبل اثني عشر عامًا، ولم يجعل مطاردة الحوت أقل خطرًا علينا.
أخرجت رسالة أبي من تحت وسادتي.
فتحتها، وقرأت الكلمات التي صرت أعرفها جيدًا.
«لا تجعل الظلم الذي أصابك ذريعة لتظلم».
بقيت أنظر إلى السطر طويلًا.
كان عاصم قد ظلمني أمام الناس، لكن ذلك لم يكن سببًا كافيًا لأتركه على الأرض دون مساعدة.
وكما كان راشد مسؤولًا عن قراره يوم ترك رجاله، كنت مسؤولًا عن قراري يوم تركت عاصمًا.
طويت الرسالة وأعدتها إلى ظرفها.
لم أكن أعرف إن كان عاصم قد نجا من إصابته، ولا ماذا يمكن أن أقول له إذا عدت إلى الواحة.
لكنني عرفت أن الابتعاد لن يجيب عن تلك الأسئلة.
وفي الخارج، كان البحر هادئًا.
أما راشد، فقد بقي جالسًا عند مؤخرة السفينة حتى وقت متأخر من الليل.
رأيته من نافذة مقصورتي، والدفتر مفتوح فوق ركبتيه.
لم يعد ينظر إلى الأفق بحثًا عن الحوت.
كان ينظر إلى الصفحات التي كتبها بيده قبل اثني عشر عامًا.

الفصل الثامن: البحر لا ينسى

«لا يكفي أن يندم الإنسان على خطئه، إن كان لا يزال يطلب من الآخرين أن يدفعوا ثمنه.»
في صباح اليوم الثالث على الجزيرة، انتهى مرجان من فحص الأضرار التي أصابت «الظبية».
كان قد أمضى اليومين السابقين مع البحارة في سد الشقوق وتثبيت الألواح المتضررة، مستخدمين ما بقي لدينا من أدوات وخشب صالح.
استطعنا منع معظم الماء من التسرب إلى داخل السفينة، لكن الصاري المكسور لم يكن من السهل تعويضه.
وقف مرجان قرب الحاجز، ومسح العرق عن جبينه، ثم قال: «يمكننا الإبحار إذا ساعدتنا الريح، لكن علينا أن نتحرك بحذر».
سألته: «هل ستصل بنا إلى الميناء؟»
نظر إلى الأشرعة التي أعدنا تثبيت بعضها على صاري مؤقت.
«لا أستطيع أن أضمن ذلك. لكنها قد تصمد إذا لم ندخل عاصفة أخرى».
كانت تلك أفضل إجابة استطاع أن يقدمها.
ولم تكن مطمئنة.
في ذلك الصباح أيضًا، راجعت نورة ما بقي من المؤن.
وجدت أن بعض أكياس الطعام قد تلف بسبب مياه البحر، وأن أحد براميل الماء العذب انكسر أثناء العاصفة.
لم نكن على وشك الموت عطشًا، لكن الكمية الباقية لن تكفينا إذا واصلنا الإبحار بلا وجهة واضحة.
جمعت نورة الرجال قرب الصاري المكسور، وأخبرتهم بما بقي لدينا.
قالت: «سنقلل حصص الماء حتى نصل إلى الميناء، ولن نستهلك الطعام إلا بقدر حاجتنا».
سأل أحد البحارة: «وكم يومًا نستطيع البقاء بهذه المؤن؟»
أجابت: «يعتمد على سرعة عودتنا. إذا تأخرنا طويلًا، فلن تكفينا».
نظر الرجال بعضهم إلى بعض.
كان التعب ظاهرًا على وجوههم.
منذ موت حمدان، لم يعد أحد يغني في المساء، ولم نعد نجتمع للحديث كما كنا نفعل في بداية الرحلة.
صار كل رجل ينهي عمله ويبحث عن مكان يستريح فيه.
حتى مرجان، الذي كان يجد كلمة ساخرة في أصعب الأوقات، قل حديثه.
أما راشد، فكان يقضي ساعات طويلة وحده.
منذ أن واجهته بالدفتر الذي وجدناه على الجزيرة، لم يذكر أمامي شيئًا عن سفينة «الفجر».
لكنه لم يأمرنا أيضًا بالاستعداد للعودة.
وفي مساء ذلك اليوم، طلب مرجان جمع البحارة على السطح.
كان راشد واقفًا قرب الدفة، ونورة إلى جانب صندوق الخرائط.
وقفنا أمامهما، ونحن ننتظر ما سيقال.
بدأ مرجان الحديث.
قال: «أصلحنا ما استطعنا إصلاحه. لكن السفينة فقدت جزءًا من قدرتها على الإبحار، والماء العذب قليل».
نظر إلى الرجال، ثم إلى راشد.
«يجب أن نعود إلى أقرب ميناء نستطيع الوصول إليه».
لم يتردد راشد.
قال: «لن نعود».
ساد الصمت.
ظننت أنني لم أسمعه جيدًا.
لكن مرجان سأله: «ماذا قلت؟»
أجاب راشد: «سنواصل الرحلة».
قال مرجان: «بأي سفينة؟ هذه بالكاد تستطيع الإبحار».
أشار إلى الصاري المؤقت.
«إذا اشتدت الريح مرة أخرى، فقد نفقد ما بقي منها».
قال راشد: «سنتعامل مع الريح حين تأتي».
اشتد صوت مرجان.
«والماء؟ هل سننتظر حتى ينفد أيضًا؟»
لم يجب راشد عن السؤال.
قال فقط: «لن أعود قبل أن أنهي ما بدأت».
شعرت أن الرجال من حولي بدأوا يتململون.
كان بعضهم ينظر إلى مرجان، وآخرون يراقبون القبطان.
لم يرفع أحد يده هذه المرة.
قال مرجان: «لقد سمعت اعترافك، وقرأت ما كتبته عن الفجر».
تغير وجه راشد قليلًا.
تابع مرجان: «نعرف ما حدث لرجالك قبل اثني عشر عامًا».
قال راشد بصوت منخفض: «ليس هذا شأنك».
اقترب مرجان خطوة.
«بل صار شأننا منذ جعلتنا نطارد الحوت معك».
ثم أضاف: «لسنا رجالك الذين تركتهم في الماء. ولن نسمح لك بأن تكرر ما فعلته».
ارتفع صوت أحد البحارة مؤيدًا له.
ثم تكلم آخر: «نريد العودة».
قال رجل ثالث: «لم نأت إلى البحر لنموت هنا».
نظر راشد إليهم.
رأيت يده تشتد حول الحاجز الخشبي، كما فعل يوم ظهر الحوت لأول مرة.
قال: «أنتم لا تعرفون ما رأيته».
أجابه مرجان: «نعرف ما فعلته».
تقدم راشد خطوة، فظننت أنه سيصرخ أو يأمر الرجال بالعودة إلى أعمالهم.
لكن نورة وقفت بينهما.
قالت: «يكفي».
التفت إليها راشد.
كان وجهها هادئًا، لكنها أمسكت بدفتر الخرائط بقوة.
قالت: «انتهت المطاردة».
أجاب راشد: «لم تنتهِ».
قالت: «بالنسبة إليك، ربما. أما بالنسبة إلى هذه السفينة، فقد انتهت».
نظر إليها طويلًا.
ثم قال: «أنا قبطان الظبية».
أجابته: «وأنا صاحبتها».
لم يرد.
تابعت: «استأجرتك لتقود السفينة وتحافظ على سلامة من يعملون عليها».
أشارت إلى الألواح المتضررة والحبال التي لم نتمكن من إصلاحها.
«انظر إلى ما بقي منها».
قال راشد: «العاصفة هي التي فعلت هذا».
أجابته: «العاصفة أصابت السفينة، لكن قرار مواصلة المطاردة قرارك أنت».
حاول أن يتكلم، فقاطعته.
«لم أستأجرك لتقرر متى نموت».
ساد صمت طويل.
لم أسمع إلا صوت الحبال وهي تتحرك مع الريح.
قال راشد أخيرًا: «أنت لا تفهمين».
نظرت إليه نورة.
«إذن اشرح لي».
أدار وجهه نحو البحر.
قال: «أمضيت اثني عشر عامًا أحمل ما حدث. لا أستطيع أن أعود الآن كأن شيئًا لم يكن».
أجابته: «لا أحد يطلب منك أن تنسى».
قال: «إذا عدت، فسيبقى كل شيء كما كان».
سألته: «وماذا سيتغير إذا قتلت الحوت؟»
لم يجب.
تابعت: «هل سيعود رجالك؟ هل ستختفي أسماؤهم من ذاكرتك؟»
خفض رأسه.
قالت: «أنت تعرف الجواب».
كان صوتها ثابتًا، ولم تحاول رفعه على الرغم من أن الجميع يسمعها.
قال راشد: «لا تعرفين ما يعنيه أن يعيش الرجل وهو يسمع أصوات من تركهم».
أجابته: «لا أعرف شعورك. لكنني أعرف أن هؤلاء الرجال لم يتركوا أحدًا في البحر».
أشارت إلينا.
«ليس عليهم أن يموتوا حتى تستطيع أنت احتمال ما فعلته».
رفع راشد عينيه إليها.
قالت: «أظنك تريد أن تدفع ثمن خطئك، لكنك تطلب منا أن ندفعه معك».
لم يتكلم.
اقتربت منه خطوة.
«إذا كنت تريد مواجهة ماضيك، فواجهه أنت. لا تجعلنا جزءًا من عقاب اخترته لنفسك».
نظرت إلى مرجان، ثم إلى الرجال الواقفين خلفه.
«كل واحد هنا له حياة خارج هذه السفينة. هناك من ينتظره، وهناك من لا يعرف أهله أين أصبح».
تذكرت حمدان.
كان يقول إنه سيبني لأمه بيتًا قرب البحر.
لم تعرف أمه بعد أنه مات.
قالت نورة: «لقد فقدنا حمدان، وكدنا نفقد السفينة. لن أخاطر ببقية الرجال من أجل مطاردة لا أعرف متى تنتهي».
نظر راشد إلى وجهها.
قال بصوت خافت: «تظنين أن الأمر بهذه البساطة؟»
أجابته: «لا. أعرف أنه ليس بسيطًا».
ثم أضافت: «لكن صعوبته لا تعطيك الحق في تقرير مصيرنا».
بقي صامتًا.
قالت نورة: «هذه سفينتي يا راشد. وأنت قبطانها ما دمت تقودها إلى مكان آمن».
لم يرفع رأسه.
تابعت: «إذا رفضت العودة، فلن تبقى قبطانًا لها».
نظر إليها أخيرًا.
رأيت الغضب في وجهه، لكنني رأيت شيئًا آخر لم أره من قبل.
كان متعبًا.
لم يعد يقف أمامنا كالرجل الذي يملك جوابًا لكل سؤال.
نظر إلى الرجال، ثم إلى السفينة المتضررة.
وبعد لحظات، قال: «تظنون أنني أريد موتكم؟»
أجابه مرجان: «لا أعرف ما تريده. لكنني أعرف أنك مستعد للمخاطرة بحياتنا».
لم يجد راشد جوابًا.
أدار وجهه نحو البحر، وبقي واقفًا في مكانه.
قالت نورة: «سنستعد للعودة مع أول فرصة مناسبة للإبحار».
ثم نظرت إلى مرجان.
«راجع الإصلاحات مرة أخيرة، وتأكد من تثبيت المؤن والماء».
أومأ مرجان.
«سأفعل».
تفرق الرجال ببطء.
لم يكن أحد منهم سعيدًا.
كنا جميعًا نعرف أن العودة لن تكون سهلة، وأن السفينة قد لا تصمد إذا تغير الطقس.
لكننا شعرنا للمرة الأولى منذ ظهور الحوت أن هناك قرارًا واضحًا نسير نحوه.
بقيت قرب الصاري، أراقب راشد.
كان لا يزال واقفًا عند الحاجز الخشبي.
اقتربت منه، لكنني لم أعرف ماذا أقول.
التفت إليّ قبل أن أتكلم.
قال: «هل أخبرت نورة بما قرأته في الدفتر؟»
أجبته: «نعم».
سأل: «والرجال؟»
قلت: «عرفوا ما حدث».
نظر إلى البحر.
«كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي».
قلت: «ومع ذلك لم تخبرهم بنفسك».
أجاب: «كنت أخشى أن يفقدوا ثقتهم بي».
نظرت إلى السفينة المتضررة.
قلت: «لقد فقدوا ثقتهم عندما رفضت العودة».
لم يرد.
بقيت واقفًا إلى جواره قليلًا.
ثم سألته: «هل ستساعدنا؟»
نظر إليّ.
قلت: «نحتاج إلى خبرتك حتى نصل إلى الميناء».
ظل صامتًا لحظة.
ثم قال: «سأفحص الدفة قبل الإبحار».
لم يكن ذلك اعتذارًا، ولم يكن وعدًا بأنه تخلى عن الحوت.
لكنه كان أول حديث منه عن العودة.
تركته ومضيت إلى نورة.
كانت تجلس قرب صندوق المؤن، تراجع الكميات المتبقية مع أحد البحارة.
انتظرت حتى انتهت، ثم قلت: «هل تظنين أنه سيقبل؟»
أغلقت دفترها.
قالت: «لا أعرف».
سألتها: «وماذا لو رفض؟»
أجابت: «سنجد طريقة للعودة».
نظرت نحو راشد.
كان قد انحنى قرب الدفة، يفحص أحد أجزائها الخشبية.
قلت: «ما زلت أخشاه».
قالت نورة: «وأنا أيضًا».
استغربت اعترافها.
كانت قد وقفت أمامه منذ قليل دون أن يرتجف صوتها.
سألتها: «كيف استطعت مواجهته؟»
نظرت إلى السفينة، ثم قالت: «لأنني خفت على الرجال أكثر مما خفت منه».
لم أجد ما أقوله.
تذكرت نفسي يوم تركت عاصمًا قرب البئر.
كنت قد خفت من عواقب الشجار، ومن مواجهة أبي وأهل الواحة.
وكان خوفي سببًا في أن أبتعد بدلًا من أن أساعده.
أما نورة، فقد خافت أيضًا، لكنها لم تترك خوفها يقرر عنها.
في تلك الليلة، عدنا إلى العمل حتى تأخر الوقت.
ثبتنا الحبال، ونقلنا الماء العذب إلى موضع أكثر أمانًا، وفحصنا الألواح التي أصلحناها.
لم يكن أحد يتحدث عن قتل الحوت.
كنا نتحدث عن الريح، والمسافة إلى الميناء، وما يمكن أن نفعله إذا عاد الماء إلى التسرب.
وقبل أن أذهب للنوم، مررت قرب مؤخرة السفينة.
وجدت راشد جالسًا وحده، والدفتر القديم إلى جانبه.
لم يكن مفتوحًا هذه المرة.
كان يضع يده فوق غلافه، وينظر إلى الماء.
توقفت لحظة، ثم واصلت طريقي.
لم أكن أعرف إن كان قد اقتنع بالعودة، أو أنه وافق فقط لأنه لم يعد يستطيع فرض رأيه.
لكنني كنت أعرف أن الندم وحده لا يكفي.
فقد اعترف راشد بأنه ترك رجاله قبل اثني عشر عامًا، ومع ذلك كاد يقود رجالًا آخرين إلى المصير نفسه.
ولأول مرة فهمت أن مواجهة الخطأ لا تبدأ بالاعتراف به فقط، بل بالامتناع عن تكراره.
أما البحر، فلم يكن يعنيه شيء من ذلك.
ظل هادئًا حول الجزيرة، كما لو أنه لم يشهد موت حمدان، ولا غرق «الفجر»، ولا ما حدث لنا في العاصفة.
كان البحر لا ينسى في نظر راشد.
لكنني بدأت أظن أن الرجال هم الذين يحملون ما حدث فوقه، أينما ذهبوا.

الفصل التاسع: المطاردة الأخيرة

«مد يده نحو ما طارده عمرًا كاملًا، وحين اقترب منه، لم يعد يعرف ماذا يريد.»
ظهر الحوت عند الفجر.
كنا قد أمضينا الليل في تثبيت ما بقي من الأشرعة، وتجهيز «الظبية» للعودة إلى الميناء.
كانت الريح خفيفة، والبحر أكثر هدوءًا مما توقعنا بعد العاصفة.
وقف مرجان عند المقدمة يراقب الماء، بينما كان بعض الرجال ينقلون آخر الأدوات من الشاطئ إلى السفينة.
أما نورة، فكانت تراجع اتجاه الريح مع أحد البحارة، وتنتظر أن يكتمل استعدادنا للإبحار.
كنت قرب الصاري المؤقت حين رأيت مرجان يتوقف عن الحركة.
رفع رأسه، وحدق في نقطة بعيدة عن السفينة.
ثم نادى بصوت مرتفع: «هناك شيء في الماء!»
اتجهت الأنظار إلى الموضع الذي أشار إليه.
في البداية لم أرَ سوى اضطراب خفيف على سطح البحر.
ثم ظهر ظهر أسود طويل، وارتفع فوقه رذاذ أبيض.
عرفته قبل أن أرى الندوب.
كان الحوت نفسه.
تحرك ببطء على مسافة من السفينة، ثم اختفى جزء من جسده تحت الماء.
لم يكن يقترب منا، ولم تظهر عليه علامة تدل على أنه يستعد للهجوم.
لكنه كان قريبًا بما يكفي ليراه الجميع.
سمعت أحد البحارة يتمتم: «عاد».
التفت إلى راشد.
كان واقفًا قرب الدفة، وقد توقف عن فحص الحبال.
نظر إلى الحوت طويلًا، ثم تقدم نحو الحاجز الخشبي.
رأيت وجهه يتغير.
اختفى التعب الذي كان ظاهرًا عليه في الليلة السابقة، وحل محله ذلك التركيز الحاد الذي عرفته يوم رأينا الحوت أول مرة.
قال راشد: «جهزوا القوارب».
لم يتحرك أحد.
ظننت أنه لم ينتبه إلى صمت الرجال.
لكنه كرر الأمر بصوت أعلى: «أنزلوا القوارب».
اقتربت نورة منه بسرعة.
قالت: «لا».
التفت إليها.
«الحوت أمامنا».
أجابت: «أراه. ولن نطارده».
قال: «قد لا تتكرر هذه الفرصة».
وقفت أمامه.
«اتفقنا على العودة».
لم يجب.
نظر إلى البحر مرة أخرى، ثم صاح في أحد البحارة: «فك الحبل!»
تردد الرجل.
قالت نورة: «لا تنفذ الأمر».
توقف البحار بينهما، لا يعرف إلى من ينظر.
تقدم مرجان وقال: «راشد، انتهى الأمر. السفينة بالكاد تصلح للإبحار».
لكن راشد لم يستمع.
أمسك بنفسه أحد الحبال التي تثبت القارب الصغير إلى جانب السفينة، وبدأ يفك عقدته.
صرخت نورة: «اتركه!»
قال راشد دون أن ينظر إليها: «لن أتركه يذهب مرة أخرى».
اقتربت منه.
«وإذا ذهبت خلفه، فماذا ستفعل عندما تصل إليه؟»
لم يجب.
كان يشد الحبل بيديه، وقد وضع ساقه الخشبية على الحافة ليحافظ على توازنه.
حاول مرجان أن يمسك بذراعه.
لكن راشد دفع يده بعيدًا.
قال: «ابتعد عني».
نظر مرجان إليه لحظة، ثم قال: «لن أتركك تنزل وحدك».
لم يكن في صوته موافقة على المطاردة.
كان يعرف أن راشد قد يفقد توازنه في القارب، وأن البحر لا يزال مضطربًا قرب الصخور.
أمسك مرجان بحبل آخر، وساعد على تثبيت القارب حتى لا ينقلب أثناء النزول.
كنت واقفًا بالقرب منهما.
قلت: «لا تفعل هذا يا راشد».
نظر إليّ.
«لقد أنقذتني من الغرق مرة، أليس كذلك؟»
استغربت سؤاله.
قال: «إذن دعني أذهب».
أجبته: «لم أنقذك. ولم يطلب منك أحد أن تموت».
لم يرد.
نزل إلى القارب، وتبعه مرجان وهو يطلب منه أن يجلس حتى يستقر القارب على الماء.
لكن راشد كان قد أمسك بالمجداف، وبدأ يدفعه بعيدًا عن السفينة.
صرخت نورة: «مرجان، أعده!»
رفع مرجان رأسه نحوها.
«سأحاول».
تحرك القارب مبتعدًا ببطء.
كان الحوت لا يزال ظاهرًا على مسافة أبعد، يتحرك بمحاذاة سطح الماء.
لم أستطع أن أبقى واقفًا أراقبهما.
رأيت راشد ينهض في القارب رغم تحذير مرجان، فخشيت أن يسقط.
أمسكت بحبل متدل من جانب السفينة، ونزلت إلى قارب آخر كان مربوطًا بالقرب منه.
لحق بي أحد البحارة ليساعدني على تثبيته، ثم دفعناه إلى الماء.
سمعت نورة تناديني: «سالم! عد إلى السفينة!»
رفعت رأسي نحوها.
قلت: «سأحاول إعادتهما».
لم تنتظر جوابي.
أمرت البحار بإعادة ربط الحبال، ثم صاحت: «لا تقترب من الحوت!»
بدأت أجدف نحو القارب الأول.
كان مرجان يحاول أن يعيد راشد إلى مقعده.
سمعته يقول: «اجلس قبل أن نقلب القارب!»
لكن راشد ظل واقفًا، ممسكًا بحافة القارب، وعيناه معلقتان بالحوت.
كان الحيوان قد اقترب من منطقة أعمق، وبدأ يغوص ببطء.
صرخ راشد: «أسرع!»
أجابه مرجان: «لن أسرع. أنت لا ترى ما يحدث حولك».
وفي تلك اللحظة، ارتفعت موجة أكبر من سابقاتها.
مال القارب الأول بشدة.
حاول مرجان تثبيته بالمجداف، لكن راشد فقد توازنه.
رأيته يسقط نحو أحد الجانبين، ثم ينقلب القارب فوق الماء.
صرخت باسميهما، وتركت المجداف.
ظهر مرجان على السطح قريبًا من القارب المقلوب، ثم اختفى خلف موجة أخرى.
أما راشد، فلم أره.
قفزت من قاربي إلى الماء.
كانت برودته أشد مما توقعت، واندفع الماء إلى فمي قبل أن أتمكن من رفع رأسي.
سبحت نحو الموضع الذي سقط فيه راشد.
رأيت يده تظهر للحظة، ثم تغوص.
أخذت نفسًا عميقًا، ونزلت تحت الماء.
كان الضوء ضعيفًا، لكنني استطعت تمييز جسده قرب القارب المقلوب.
كانت ساقه الخشبية عالقة في حبل التف حول طرف القارب.
كان يحاول تحريرها، لكن كل حركة تزيد التفاف الحبل.
اقتربت منه، وأمسكت بذراعه.
فتح عينيه ونظر إليّ.
رأيت الخوف في وجهه للمرة الأولى.
أشرت إليه أن يتوقف عن الحركة، ثم أخرجت السكين الصدئة التي كنت أحملها منذ غادرت الواحة.
حاولت قطع الحبل.
لم يكن حادًا بما يكفي، واضطررت إلى تمرير النصل عليه مرات متتابعة.
شعرت بأن الهواء ينفد من صدري.
شد راشد الحبل مرة أخرى، فدفعته بيدي حتى يتركه.
ثم ضغطت السكين بقوة.
انقطع الحبل أخيرًا.
أمسكت براشد، ودفعته نحو السطح.
خرجنا من الماء ونحن نلهث.
كان القارب المقلوب يطفو بالقرب منا، فتشبثت بحافته.
أمسكت بذراع راشد حتى استطاع رفع رأسه.
سعل طويلًا، ثم تنفس بصعوبة.
قلت: «تمسك بالقارب!»
لم يجب.
كان ينظر إلى شيء خلفي.
التفت.
ورأيت الحوت.
كان قريبًا إلى حد أنني استطعت تمييز الندوب البيضاء على رأسه وظهره.
ارتفع جزء من جسده فوق الماء، ثم استقر بالقرب منا.
لم يكن بيننا وبينه سوى مسافة قصيرة.
تجمدت في مكاني.
كنت أعرف أن حركة واحدة منه قد تقلب القارب المقلوب فوقنا، أو تدفعنا بعيدًا في الماء.
أما راشد، فقد توقف عن السعال.
ظل ينظر إلى الحوت دون أن يتحرك.
قلت له: «لا تترك القارب».
لكنه لم يلتفت إليّ.
كان وجهه شاحبًا، ويده ترتجف فوق الخشب.
ثم قال بصوت بالكاد سمعته: «أنت هنا».
لم أعرف إن كان يخاطبني أم يخاطب الحوت.
رفع يده ببطء.
ظننت أنه سيحاول الإمساك بشيء، لكنه مدها نحو الحيوان.
لم يكن يحمل سلاحًا.
لم يحاول الاقتراب منه ليؤذيه.
كانت يده ممدودة فوق الماء، ترتجف مع حركة الأمواج.
قال بصوت خافت: «سامحوني».
نظرت إليه.
لم يكن ينظر إلى الحوت وحده.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع، وشفته السفلى ترتجف.
قال مرة أخرى: «سامحوني».
فهمت أنه لا يخاطب الحيوان.
كان يخاطب الرجال الذين تركهم قبل اثني عشر عامًا، أولئك الذين ظل يسمع أصواتهم في نومه.
لكنهم لم يكونوا هناك.
لم يكن أمامه سوى الحوت.
بقي الحيوان قريبًا منا لحظات.
ثم تحرك ببطء، وبدأ يدير جسده بعيدًا عن القارب.
ارتفع ذيله فوق الماء.
صرخت: «تمسك جيدًا!»
ضرب الذيل سطح البحر بقوة.
اندفعت موجة كبيرة نحونا، وارتفع القارب المقلوب ثم مال.
فقدت قبضتي على الخشب.
دخل الماء إلى فمي، وغصت تحته دون أن أستطيع المقاومة.
حاولت الصعود، لكن موجة أخرى دفعتني بعيدًا.
حين رفعت رأسي أخيرًا، كان القارب على مسافة مني.
بحثت عن راشد.
لم أره.
صرخت باسمه، لكن صوتي ضاع بين الأمواج.
رأيت قطعة خشب تطفو بالقرب مني.
كانت جزءًا من ساقه الخشبية، وقد انفصلت عنها قطعة من الحزام الجلدي.
مددت يدي نحوها، لكن موجة صغيرة دفعتها بعيدًا.
دارت فوق الماء لحظات، ثم غاصت.
نظرت حولي.
كان الحوت قد ابتعد، ولم يبقَ من ظهره الأسود سوى جزء صغير ظهر فوق الماء قبل أن يختفي.
لم يعد نحونا.
لم أستطع أن أعرف إن كان قد أدرك وجودنا أصلًا.
كل ما عرفته أنه غاص، وترك وراءه ماءً مضطربًا وقاربًا مقلوبًا ورجلًا لم أعد أراه.
صرخت: «مرجان!»
لم يجب أحد.
رأيت رأسًا يظهر بعيدًا، فسبحت نحوه.
لكن موجة مرت بيننا، وحين ارتفعت من جديد لم أرَ شيئًا.
ناديت مرة أخرى.
«مرجان!»
لم يصلني جواب.
كنت ألهث، وذراعاي تؤلمانني من السباحة.
حاولت العودة إلى القارب المقلوب، لكن التيار كان يدفعني بعيدًا عنه.
التفت نحو «الظبية».
كانت السفينة تتحرك بعنف قرب الصخور، وقد انحنى الصاري المؤقت تحت ضغط الريح التي بدأت تشتد.
رأيت رجالًا يركضون فوق السطح، ثم سمعت صوت خشب يتكسر.
ارتفع جانب السفينة فوق موجة كبيرة، ثم هبط بعنف.
لم أستطع أن أحدد ما إذا كانت قد اصطدمت بصخرة أو أن الألواح المتضررة قد انفتحت من جديد.
لكنني رأيت الماء يندفع إلى أحد جانبيها، ورأيت الرجال يحاولون إنزال قارب آخر.
صرخت بأعلى صوتي، لكن المسافة كانت كبيرة.
ثم انكسر الصاري المؤقت.
سقط فوق السطح، وارتفعت معه الأشرعة والحبال.
مالت «الظبية» بشدة.
رأيت نورة قرب الحاجز، تحاول الإمساك بحبل، ثم اختفت عن نظري خلف الأشرعة الساقطة.
حاولت السباحة نحو السفينة.
كانت الأمواج تدفعني بعيدًا، وكلما تقدمت قليلًا فقدت المسافة التي قطعتها.
رأيت أحد جوانب «الظبية» يغوص أكثر في الماء.
ثم انقلب جزء من السطح، وانفصلت ألواح خشبية أخذت تطفو حولها.
لم أرَ السفينة تغرق دفعة واحدة.
رأيتها تفقد توازنها شيئًا فشيئًا، حتى اختفت مقدمتها تحت الماء.
بقي جزء من مؤخرتها ظاهرًا للحظات، ثم غاص هو الآخر.
لم أستطع أن أصرخ.
كنت منهكًا، وأشعر أن أطرافي لم تعد تحملني.
بحثت عن أي قطعة خشب قريبة.
وجدت لوحًا عريضًا يطفو على مسافة قصيرة، فسبحت نحوه وتشبثت به.
وضعت صدري فوقه، وتركت ساقي في الماء.
حاولت أن أتنفس ببطء.
كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، لكن البحر حولي ظل مضطربًا.
رأيت قطعًا من الحبال والخشب تطفو على السطح.
ولم أرَ راشدًا.
ولا مرجان.
نظرت إلى الموضع الذي اختفى فيه الحوت.
كان الماء هناك هادئًا من جديد.
تذكرت يد راشد الممدودة، وصوته وهو يطلب المغفرة من رجال لن يسمعوه.
لم أعرف إن كان قد مات، أو إن كانت الأمواج قد حملته إلى مكان آخر.
لكنني عرفت أن مطاردته انتهت.
لم يقتل الحوت.
ولم يستطع أن يعيد الرجال الذين تركهم.
أما أنا، فكنت أتشبث بلوح خشبي وسط البحر، وأحاول أن أبقى حيًا.
ثم سمعت صوتًا ضعيفًا يناديني.
«سالم!»
رفعت رأسي.
جاء الصوت مرة أخرى، متقطعًا بين الأمواج.
«سالم!»
نظرت إلى الجهة التي جاء منها.
رأيت نورة تتشبث بقطعة كبيرة من حطام السفينة، وقد ابتعدت عنها بعض الألواح.
كانت تحاول رفع رأسها فوق الماء.
جمعت ما بقي في جسدي من قوة، ودفعت اللوح الذي أتشبث به نحوها.
لم أكن أعرف إن كنت سأصل.
لكنني بدأت أسبح.
وخلفنا، لم يبقَ من «الظبية» سوى حطام متناثر فوق البحر.

الفصل العاشر: الناجي

«ليس كل من يعود من البحر قد نجا مما حدث فيه.»
وصلت إلى نورة بعد محاولات أنهكت ما بقي في جسدي من قوة.
كانت تتشبث بلوح عريض انفصل عن جانب «الظبية»، وتحاول إبقاء رأسها فوق الماء.
رأيت جرحًا عند حاجبها، وكان الدم قد جف على جانب وجهها.
ناديتها، فرفعت رأسها بصعوبة.
قالت: «ظننت أنك غرقت».
أجبت وأنا أتشبث بحافة اللوح: «وأنا أيضًا».
حاولت الابتسام، لكن شفتي كانتا ترتجفان من البرد.
ساعدتها على تثبيت ذراعها فوق الخشب، ثم دفعت اللوح الذي وصلت عليه حتى أصبح قريبًا منها.
ربطنا القطعتين بحبل عالق بإحداهما، وأخذنا نتشبث بهما معًا.
كان البحر لا يزال مضطربًا، لكن الأمواج بدأت تخف مع مرور الوقت.
نظرنا حولنا بحثًا عن أحد.
لم نرَ سوى حطام متناثر، يبتعد بعضه عن بعض مع حركة الماء.
ناديت مرجانًا.
ثم ناديت راشدًا.
انتظرت جوابًا، ولم أسمع إلا صوت الريح.
سألتني نورة: «هل رأيتهما؟»
أجبت: «رأيت راشدًا في الماء. حاولت مساعدته، ثم فرقتنا موجة».
سكت قليلًا، وأضفت: «أما مرجان، فلا أعرف أين ذهب».
أغمضت نورة عينيها لحظة.
ثم نظرت إلى الموضع الذي غرقت فيه السفينة.
قالت: «والرجال؟»
هززت رأسي.
لم أكن أعرف مصيرهم.
رأيت بعضهم فوق السطح قبل أن تغرق «الظبية»، لكنني لم أستطع أن أحدد من قفز إلى الماء، ومن استطاع الإمساك بالحطام.
بقينا ننادي حتى تعبت أصواتنا.
ثم سكتنا.
لم يكن الصمت اختيارًا.
لم يعد لدينا ما نقوله.
مع حلول المساء، برد الهواء وبدأ جسدي يرتجف.
كانت ملابسنا مبللة، ولم نجد شيئًا نغطي به أنفسنا.
حاولنا رفع صدورنا فوق الخشب قدر المستطاع، لكن الماء ظل يصل إلينا مع كل موجة.
قالت نورة: «علينا أن نبقى متماسكين حتى الصباح».
أومأت.
سألتها: «هل تعرفين أين نحن؟»
نظرت إلى السماء، ثم إلى الماء الممتد حولنا.
قالت: «أعرف الاتجاهات تقريبًا، لكنني لا أعرف إلى أين يحملنا التيار».
لم تكن معها خرائطها ولا أدواتها.
لم يبقَ من كل ما ورثته عن أبيها سوى ما تحفظه في ذاكرتها.
رفعت رأسها نحو النجوم، وحاولت أن تحدد موضعنا.
راقبتها قليلًا، ثم سألت: «هل ترين طريقًا؟»
أجابت: «أرى السماء».
لم تضف شيئًا.
وفهمت أنها لا تريد أن تعطيني أملًا لا تستطيع أن تضمنه.
في تلك الليلة، لم ننم إلا لحظات قصيرة.
كلما أغمضت عيني، أفزعتني حركة اللوح تحت جسدي.
كنت أخشى أن أفلت الحبل وأنا نائم، أو أن تستيقظ نورة فلا تجدني إلى جانبها.
وحين كانت تغفو، أناديها بصوت منخفض حتى أتأكد أنها تسمعني.
كانت تفعل الشيء نفسه معي.
مع شروق الشمس، هدأ البحر قليلًا.
ظهرت قطع صغيرة من الحطام حولنا، لكننا لم نرَ أي سفينة.
كان العطش قد بدأ يؤلم حلقي، وشعرت بملح البحر على شفتي ووجهي.
حاولت نورة أن تبلل فمها بماء البحر، ثم توقفت.
قالت: «لا تشرب منه».
أجبت: «أعرف».
لكنني كنت أفكر في الماء طوال الوقت.
لم نكن نملك طعامًا أو شرابًا، ولم نعرف كم سنبقى على تلك الحال.
مر النهار بطيئًا.
كانت الشمس فوقنا، ولا شيء يحجب حرارتها.
أخذت أشعر بصداع شديد، وصارت الكلمات تخرج من فمي بصعوبة.
سألت نورة عن جرحها.
قالت إنه يؤلمها، لكنها تستطيع تحمله.
ثم سألتني عن رأسي، حيث أصبت أثناء العاصفة الأولى.
قلت: «يؤلمني قليلًا».
لم أخبرها أن الألم عاد أشد من قبل.
لم أكن أريد أن أقلقها، ولم تكن لدينا وسيلة لعلاج أي منا.
في وقت متأخر من النهار، قالت نورة: «كان أبي يقول إن أسوأ ما في البحر أنك لا تستطيع أن تطلب منه شيئًا».
نظرت إليها.
تابعت: «يمكنك أن تعرف الريح، وأن تحسب المسافة، وأن تصلح سفينتك. لكنك لا تستطيع أن تأمر البحر بأن يتركك تعود».
قلت: «هل كان يحب البحر؟»
أجابت: «كان يحترمه».
سكتت قليلًا.
«وكنت أظن أنني إذا تعلمت كل ما يعرفه، فلن أخاف منه».
سألتها: «وهل تخافين الآن؟»
نظرت إليّ.
«نعم».
كانت المرة الأولى التي أسمعها تعترف بخوفها بهذه البساطة.
قلت: «وأنا أيضًا».
لم تبتسم.
لكنها مدت يدها وأمسكت بالحبل الذي يربط لوحينا، ثم شدته لتتأكد أنه ثابت.
قالت: «إذن علينا ألا نتركه».
مع اقتراب الليل الثاني، بدأت أفقد الإحساس بالوقت.
لم أعد أعرف كم ساعة مرت منذ غرق السفينة.
كانت الصور تتداخل في رأسي.
رأيت حمدان جالسًا قرب الصاري، يعزف قيثارته الصغيرة.
وتذكرت مرجان وهو يعلمني ربط الحبال، ويغضب كلما أخطأت في عقدة.
ثم رأيت راشدًا يمد يده نحو الحوت، ويطلب المغفرة من رجال غابوا منذ اثني عشر عامًا.
حاولت أن أبعد تلك الصور عن ذهني.
لكنها ظلت تعود.
سألتني نورة فجأة: «هل أنت مستيقظ؟»
فتحت عيني.
قلت: «نعم».
قالت: «كنت تنادي أحدًا».
سألتها: «من؟»
أجابت: «عاصم».
شعرت بضيق في صدري.
لم أكن أعلم أنني نطقت اسمه.
نظرت إلى السماء، ثم قلت: «رجل من الواحة».
لم تسألني عن المزيد.
لكنني وجدت نفسي أتكلم.
قلت: «تشاجرت معه قرب البئر».
انتظرت قليلًا، ثم أضفت: «سقط وأصيب. كنت غاضبًا منه، فتركته ومضيت».
لم تنظر إليّ.
بقيت عيناها على الماء.
قلت: «لم أعرف بعد ذلك إن كان قد تعافى».
سألتني: «ألم تعد لتطمئن عليه؟»
أجبت: «لا».
خرجت الكلمة بصعوبة.
قلت: «خفت مما سيقوله الناس، ومن مواجهة أبي. ثم مات أبي بعد أيام، ولم أعد أحتمل البقاء».
سكتت نورة طويلًا.
ثم سألتني: «هل تريد العودة إلى الواحة؟»
كنت قد أمضيت الرحلة كلها أرفض التفكير في هذا السؤال.
لكنني لم أعد أملك مكانًا أهرب إليه.
قلت: «أريد أن أعرف ماذا حدث لعاصم».
سألت: «وبعد ذلك؟»
أجبت: «لا أعرف».
قالت: «يكفي أن تبدأ بذلك».
أغمضت عيني.
تذكرت رسالة أبي، وقد تركتها في مقصورتي على متن «الظبية».
لم أكن أعرف إن كانت قد غرقت مع السفينة، لكن كلماتها بقيت في ذاكرتي.
كنت قد قرأتها مرات كثيرة، ولم أفهم لماذا ظل أبي يتحدث عن الظلم بدلًا من أن يسألني عما حدث.
أما الآن، فقد بدأت أفهم أنه لم يكن يطلب مني أن أنسى ما أصابني.
كان يريدني ألا أجعل ألمي عذرًا لما فعلته بغيري.
لم أخبر نورة بذلك.
لم أكن أملك القوة لأقول أكثر.
بقينا صامتين حتى بدأ الليل يخف.
ومع أول ضوء في صباح اليوم الثالث، سمعت صوتًا بعيدًا.
ظننته في البداية صوت موجة تضرب قطعة من الخشب.
ثم تكرر.
رفعت رأسي بصعوبة، وحاولت أن أنظر نحو الأفق.
رأيت شكلًا داكنًا يتحرك فوق الماء.
لم أستطع أن أصدق ما أراه.
قلت لنورة: «هناك شيء».
فتحت عينيها، ورفعت رأسها.
حدقت في الاتجاه الذي أشرت إليه.
ثم قالت: «سفينة».
كانت سفينة تجارية، تسير على مسافة بعيدة نسبيًا عنا.
حاولت الصراخ، لكن صوتي خرج ضعيفًا.
رفعت ذراعي ولوحت بها، ثم شعرت بدوار شديد واضطررت إلى الإمساك بالخشب من جديد.
نزعت نورة قطعة من قماش ثوبها، وربطتها بطرف خشبة صغيرة كانت عالقة بالحطام.
رفعتها فوق رأسها، وأخذت تحركها قدر ما تستطيع.
راقبنا السفينة وهي تواصل سيرها.
مرت لحظات ظننت خلالها أنها لن ترانا.
ثم لاحظت تغير اتجاهها.
قلت: «إنها تقترب».
لم تجب نورة.
كانت تراقبها بعينين متعبتين.
اقتربت السفينة أكثر، وسمعنا أصوات رجال ينادوننا.
لم أميز الكلمات، لكنني عرفت أنهم رأونا.
أنزلوا قاربًا صغيرًا، واتجه نحونا ثلاثة بحارة.
حين وصلوا، أمسك أحدهم بذراعي وساعدني على الصعود.
لم أستطع الوقوف.
سقطت على أرض القارب، وسمعت رجلًا يقول: «أحضروا الماء، لكن أعطوه قليلًا في البداية».
التفت أبحث عن نورة.
كانت بين يدي بحار آخر، يساعدها على الصعود.
لم أطمئن حتى رأيتها تجلس إلى جانبي.
نظرت إليّ، ثم أغمضت عينيها من شدة التعب.
نقلونا إلى السفينة التجارية.
أعطونا الماء على دفعات صغيرة، وغطونا بأقمشة جافة، ونظف أحد البحارة جرح نورة.
كنت أشرب ببطء، وأشعر بالماء يخفف الألم في حلقي.
بعد قليل، اقترب منا رجل يبدو أنه المسؤول عن السفينة.
سألنا عن أسمائنا، وعن السفينة التي كنا على متنها.
أخبرته نورة باسم «الظبية»، وأنها غرقت قرب جزيرة صخرية لا تظهر في خرائطها.
سأل الرجل: «كم كان عددكم؟»
أجبناه بما نعرفه عن الطاقم، وأخبرناه أننا لم نرَ أحدًا آخر بعد الغرق.
أمر رجاله بمراقبة البحر والبحث عن أي ناجين في المنطقة.
ثم التفت إليّ وسأل: «وأين قبطانكم؟»
نظرت إلى الماء وراءه.
كانت الأمواج تتحرك بهدوء، ولم أرَ فيها شيئًا يدل على ما حدث لنا.
تذكرت راشدًا وهو يحاول تحرير ساقه من الحبل، ثم يرفع يده نحو الحوت.
وتذكرت صوته وهو يقول: «سامحوني».
قلت: «لا أعرف».
سأل الرجل: «هل رأيته يغرق؟»
أجبت: «رأيته في الماء. ثم فرقتنا الأمواج».
أومأ، ولم يسألني أكثر.
بقيت أنظر إلى البحر.
لم أكن أعرف إن كان راشد قد مات، أو إن كان استطاع التشبث بحطام حمله بعيدًا عنا.
ولم أكن أعرف أين ذهب مرجان، ولا ما حدث لبقية الرجال.
كان كل ما أعرفه أنني نجوت مع نورة، وأن «الظبية» لم تعد موجودة.
أخذنا البحارة إلى موضع نستطيع الاستلقاء فيه.
نامت نورة بعد وقت قصير.
أما أنا، فبقيت مستيقظًا أراقب الضوء الداخل من نافذة صغيرة.
كنت قد صعدت إلى «الظبية» لأنني أردت الابتعاد عن الواحة.
ولم أكن أتوقع أن أعود من البحر بلا سفينة، وبأسماء رجال لا أعرف مصيرهم.
فكرت في حمدان، الذي لن يعود إلى أمه.
وفي مرجان، الذي لم أسمع صوته بعد انقلاب القارب.
وفي راشد، الذي أمضى اثني عشر عامًا يطارد حوتًا ظن أنه سيخلصه من ذنبه.
لم أعرف إن كان قد وجد المغفرة التي طلبها.
لكنني عرفت أنني لا أريد أن أقضي عمري كما قضاه.
كنت لا أزال أخاف العودة إلى الواحة، وإلى البئر الذي سقط قربه عاصم.
غير أن الخوف لم يعد سببًا كافيًا لأهرب مرة أخرى.
أغمضت عيني، وتركت حركة السفينة التجارية تهدئ جسدي المتعب.
وللمرة الأولى منذ غادرت واحة السدر، بدأت أفكر في الطريق الذي يعيدني إليها.

الخاتمة: الحوت الذي بقي

«بعض الحكايات لا تنتهي حين نعود منها، بل حين نتوقف عن الهرب مما تركته فينا.»
مرت سنوات منذ غرقت «الظبية».
عدت خلالها إلى ميناء المرجان مرات كثيرة، لكنني لم أعد أنظر إليه كما فعلت يوم وصلت إليه أول مرة.
كانت الأرصفة نفسها، والقوارب تتمايل في أماكنها، والبحارة ينادون بعضهم فوق أكوام الحبال والصناديق.
غير أنني لم أعد الرجل الذي وقف عند الرصيف وفي جيبه سبعة ريالات فضية ورسالة يخشى فتحها.
كنت قد عدت إلى واحة السدر بعد نجاتي من البحر.
لم تكن العودة سهلة، ولم أجد فيها الراحة التي تخيلتها.
لكنني ذهبت إلى الأماكن التي ظللت أتجنب التفكير فيها، وسألت عن الأشخاص الذين تركتهم خلفي.
عرفت أن عاصمًا نجا من إصابته، وأنه عاش بعدها أيامًا صعبة لم أكن حاضرًا فيها.
وحين التقيته، لم أجد الكلمات التي تدربت على قولها طوال الطريق.
اعتذرت منه.
لم يسامحني في ذلك اليوم، ولم أطلب منه أن يفعل.
كنت قد تعلمت أن الاعتراف بالخطأ لا يمنح صاحبه الحق في أن يُغفر له.
عدت إلى الواحة مرة أخرى، ثم مرات أخرى.
لم نعد أنا وعاصم صديقين، لكننا استطعنا مع الوقت أن نتحدث دون أن نعود إلى شجارنا القديم.
كان ذلك أكثر مما توقعت، وأقل مما كنت أتمناه.
أما أبي، فلم أستطع أن أعتذر إليه.
كنت أقف أحيانًا عند قبره، وأتذكر الأيام الأخيرة قبل موته، حين كنت غاضبًا إلى حد أنني لم أعد أسمع ما يحاول قوله.
ظللت أحمل رسالته معي.
طويتها مرات كثيرة، حتى اهترأت حوافها، وصارت بعض ثنياتها تكاد تتمزق.
لم أكن أقرأها كل يوم كما فعلت بعد نجاتي.
لكنني كنت أعرف أنها هناك.
وفي ميناء المرجان، وجدت نورة قد بدأت حياة جديدة.
استأجرت دكانًا صغيرًا قرب الرصيف، وملأته بالخرائط وأدوات الملاحة والحبال والبوصَلات.
كانت تصلح بعض الأدوات بنفسها، وتساعد البحارة على قراءة الخرائط التي يصعب عليهم فهمها.
وعلقت على الجدار خريطة قديمة ورثتها عن أبيها.
لم تكن خريطة الجزيرة التي تحطمت قربها «الظبية».
قالت إنها لم تعد تريد الاحتفاظ بما يذكرها بالمكان الذي فقدت فيه سفينتها.
لكنها لم تتخلَّ عن البحر.
كانت تسدد من دخل الدكان ما بقي من ديون أبيها، وتدخر القليل لتوسيع عملها.
سألتها مرة إن كانت تفكر في امتلاك سفينة أخرى.
نظرت إليّ، ثم قالت: «ربما يومًا ما. لكنني لا أريد أن أشتري سفينة لأثبت أنني لم أخسر الأولى».
فهمت ما تعنيه.
كانت «الظبية» سفينة أبيها قبل أن تصبح سفينتها، وقد حاولت طوال الرحلة أن تحافظ عليها كما لو أن بقاءها سيحفظ شيئًا من وجوده.
أما الآن، فقد تعلمت أن ما تركه لها لم يكن الخشب والأشرعة وحدها.
كانت تعرف البحر، وتقرأ النجوم، وتملك القدرة على أن تبدأ من جديد.
كنا نلتقي أحيانًا عند الرصيف بعد أن تغلق دكانها.
نجلس على الحافة الحجرية، ونراقب السفن وهي تعود مع المساء.
لم نكن نتحدث كثيرًا عن رحلتنا.
لكن أسماء الرجال الذين فقدناهم لم تختفِ من أحاديثنا.
كانت نورة تسأل أحيانًا إن كنت قد سمعت خبرًا عن مرجان أو راشد.
ولم يكن لدي جواب.
لم نعثر على أثر مؤكد لأي منهما، رغم ما سألنا عنه في الموانئ.
أما بقية الرجال، فقد وصلت أخبار بعضهم بعد نجاتنا، وبقي مصير آخرين مجهولًا.
لم نعد نعرف أين انتهت رحلة كل واحد منهم.
وكان أصعب ما في الأمر أن نعيش ونحن لا نستطيع أن نخبر من ينتظرونهم بما حدث على وجه اليقين.
في إحدى الأمسيات، دخلت دكان نورة قبل الغروب بقليل.
كانت تصلح بوصلة قديمة، وقد وضعت أمامها عدسة صغيرة وأدوات دقيقة.
رفعت رأسها عندما رأتني.
قالت: «جئت مبكرًا اليوم».
أجبت: «انتهيت من عملي».
أشارت إلى كرسي قرب الباب.
«انتظرني قليلًا».
جلست أراقبها وهي تعيد تثبيت إبرة البوصلة.
كانت تعمل بصبر، وتعيد المحاولة كلما لم تستقر الإبرة كما ينبغي.
قلت: «ما زلت تحبين هذه الأشياء».
ابتسمت دون أن ترفع رأسها.
«هذه الأشياء تساعد الناس على العودة».
لم أعلق.
بعد قليل، أغلقت الدكان، وسرنا نحو الرصيف.
كان البحر هادئًا، والسماء صافية إلا من سحب قليلة عند الأفق.
جلسنا في المكان الذي اعتدنا الجلوس فيه.
كانت سفينة تجارية تستعد للمغادرة، ورأينا رجالًا يرفعون الأشرعة على مهل.
قالت نورة: «أتذكر أول يوم صعدت فيه إلى الظبية؟»
ابتسمت.
«كنت أظن أنني سأعمل فيها أيامًا قليلة، ثم أجد مكانًا أذهب إليه».
سألتني: «وهل وجدته؟»
نظرت إلى البحر.
«لم أجده في الرحلة».
ثم أضفت: «لكنني عرفت أين يجب أن أعود».
سكتت نورة، وبقينا نراقب حركة الماء.
وبعد قليل، ظهر اضطراب بعيد عند الأفق.
ارتفع فوقه رذاذ أبيض، ثم بان جزء من ظهر أسود كبير.
توقفنا عن الكلام.
لم يكن قريبًا بما يكفي لنرى تفاصيله، ولم نستطع تمييز أي ندوب على جسده.
لكنه ذكرني فورًا بالحوت الذي رأيناه على متن «الظبية».
ظهر للحظات، ثم غاص.
بقيت أنظر إلى المكان الذي اختفى فيه.
سألت نورة: «أتظنين أنه الحوت نفسه؟»
أجابت: «لا أعرف».
قلت: «ربما».
لم تكن هناك طريقة لنتأكد.
كان البحر واسعًا، ولم نكن نعرف كم حوتًا يشبهه يعيش فيه.
بعد لحظة سألتها: «هل كان وحشًا حقًا؟»
نظرت إليّ.
«الحوت؟»
أومأت.
قالت: «لا أعرف إن كان الحوت الذي رأيناه هو نفسه الذي طارده راشد قبل اثني عشر عامًا».
ثم أشارت إلى الماء.
«لكنني أعرف أنه لم يطلب من راشد أن يترك رجاله».
بقيت صامتًا.
تابعت: «ولم يطلب منا أن نطارده».
تذكرت راشدًا وهو يمد يده نحو الحوت، وصوته المرتجف وهو يطلب المغفرة.
قلت: «أظنه كان يريد أن يجد شيئًا يلومه على ما حدث».
قالت نورة: «ربما».
ثم التفتت إليّ وسألت: «وأنت؟»
نظرت إليها.
«ماذا عني؟»
قالت: «هل كنت تظن أن عاصمًا هو المسؤول عن كل ما حدث لك؟»
لم أجب فورًا.
كنت قد تحدثت معها عن عاصم أكثر من مرة، وأخبرتها بما جرى حين عدت إلى الواحة.
قلت: «في البداية، نعم».
سألت: «والآن؟»
نظرت إلى يدي.
«أعرف أنه أخطأ في حقي. لكنني أخطأت حين تركته مصابًا».
قالت: «وهل سامحك؟»
أجبت: «لا أعرف إن كان قد سامحني تمامًا».
سكت قليلًا.
«لكنه لم يعد يرفض الحديث معي».
قالت نورة: «ربما يحتاج إلى وقت».
أومأت.
«وربما لن يسامحني أبدًا».
لم أعد أخاف هذه الفكرة كما كنت أخافها من قبل.
كنت أتمنى أن يسامحني عاصم، لكنني لم أعد أرى في مسامحته شرطًا لكي أعترف بما فعلت.
بقيت نورة تنظر إلى البحر.
ثم قالت: «أتعرف ما الذي كان يخيفني في راشد؟»
سألتها: «ماذا؟»
أجابت: «أنه كان يعرف أنه أخطأ، ومع ذلك ظل يكرر الخطأ نفسه».
تذكرت الرجال الذين رفعوا أيديهم خوفًا منه، وحمدان الذي مات قبل أن يعرف مصير الرحلة.
قلت: «كان يظن أن قتل الحوت سيصلح كل شيء».
قالت: «وربما لم يكن يعرف كيف يعيش إذا لم يعد لديه حوت يطارده».
ظللت أفكر في كلامها.
كنت أعرف الآن أن الهرب قد يأخذ أشكالًا كثيرة.
بعض الناس يبتعدون عن المكان الذي أخطأوا فيه، وبعضهم يظل يعود إليه، باحثًا عن شيء يغير ما حدث.
أما الماضي، فلا يتغير بأي منهما.
مددت يدي إلى جيبي، وأخرجت رسالة أبي.
كانت الورقة قديمة، وظهرت عليها آثار طي متكرر.
فتحتها بحذر، وقرأت الكلمات التي حفظتها منذ سنوات:
«يا بني، لا تجعل الظلم الذي أصابك ذريعة لتظلم، ولا تجعل الجرح الذي في قلبك سببًا لتجرح غيرك. من هرب من وجهه، لقي وجهه في كل مكان».
نظرت إلى السطر الأخير طويلًا.
سألتني نورة: «ما زلت تحملها؟»
أجبت: «نعم».
قالت: «ظننت أنك ستتركها في الواحة».
قلت: «لم أستطع».
ثم أخرجت قلمًا صغيرًا من جيبي.
وضعت الورقة على ركبتي، وكتبت أسفل كلمات أبي كلمة واحدة:
«سامحت».
تأملت الكلمة.
لم أعرف على وجه اليقين من كنت أقصد بها.
ربما كنت أقصد أبي، لأنني غضبت منه حين لم يفهمني كما أردت.
وربما قصدت عاصمًا، لأنني حملت ما حدث بيننا سنوات أطول مما ينبغي.
وربما كنت أحاول أخيرًا أن أسامح نفسي، دون أن أنكر ما فعلته.
سألتني نورة: «هل انتهى الأمر؟»
أجبت: «لا أظن أن كل شيء ينتهي بهذه السهولة».
ثم نظرت إلى الكلمة التي كتبتها.
«لكنني لم أعد أريد أن أحمل الغضب معي».
طويت الرسالة مرة أخيرة.
كانت قد رافقتني من واحة السدر إلى ميناء المرجان، ثم إلى «الظبية»، ونجت معي في ذاكرتي حتى بعد أن ابتلع البحر السفينة.
أخرجت علبة صغيرة كنت أحتفظ فيها بأعواد الثقاب، وأشعلت طرف الورقة.
راقبت النار وهي تأكل الحروف ببطء.
وحين اقترب اللهب من أصابعي، وضعت ما بقي منها في إناء معدني صغير كان بجوارنا، حتى انطفأت.
انتظرت قليلًا، ثم حملت الرماد إلى حافة الرصيف وتركته يتناثر فوق الماء.
لم أشعر بأن الماضي اختفى.
كان أبي لا يزال ميتًا، وعاصم لا يزال يحمل أثر ما حدث بيننا، وحمدان لن يعود إلى أمه.
ولم أعرف مصير راشد ومرجان.
لم تغير النار شيئًا من ذلك.
لكنني لم أعد أحتاج إلى الاحتفاظ بالرسالة كي أتذكر ما قاله أبي.
كانت كلماته قد أصبحت جزءًا من الطريقة التي أنظر بها إلى نفسي.
جلست إلى جانب نورة مرة أخرى.
كان الحوت قد اختفى منذ وقت طويل، ولم يبقَ على سطح البحر ما يدل على مروره.
قالت نورة: «هل ستعود إلى الواحة غدًا؟»
أجبت: «بعد غد. وعدت عاصمًا أن أساعده في إصلاح سقف بيته».
نظرت إليّ، ثم ابتسمت.
«هذا أفضل من مطاردة الحيتان».
ضحكت للمرة الأولى منذ بداية حديثنا.
قلت: «وأقل خطرًا».
قالت: «لا تكن واثقًا. قد يسقط السقف فوق رأسك».
ضحكنا معًا.
ثم سكتنا، وبقينا نراقب السفن العائدة إلى الميناء.
كانت الأضواء تشتعل واحدًا بعد آخر على الأرصفة، والرجال ينادون من فوق القوارب.
سمعت صوت طفل يسأل أباه عن سفينة بعيدة، ورأيت امرأة تلوح لرجل عاد من البحر.
كانت الحياة تمضي كما كانت تفعل دائمًا.
نهضت نورة أولًا.
قالت: «سأغلق الدكان جيدًا قبل أن أعود إلى البيت».
وقفت إلى جانبها.
سرنا معًا حتى وصلنا إلى الباب، ثم ودعتها.
واصلت طريقي نحو آخر الرصيف، وتوقفت لحظة أنظر إلى البحر.
لم أرَ الحوت.
ولم أحاول البحث عنه.
كنت قد ظننت يومًا أن النجاة تعني أن أبتعد بما يكفي عن كل ما يؤلمني.
لكن البحر علمني أن المسافة لا تصلح ما نتركه خلفنا، وأن الاعتراف لا يمحو الخطأ، وأن المغفرة لا يمكن انتزاعها بالقوة.
أما العودة، فكانت قرارًا عليّ أن أتخذه بنفسي.
تركت الرصيف ومضيت نحو المدينة.
كان أمامي طريق أعرفه، وبيت ينتظر إصلاحه، ورجل وعدته أن أعود.
ولم أعد أريد الهرب.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات