سِفْرُ الحوت الأسود
سِفْرُ الحوت الأسود
وأنا أقول: بل يحتفظ بها كلها، ولهذا يبتلع الرجال.
الفصل الأول
حين ضاق البرّ بصدره
لم أكن أحب البحر.
وهذه، في حد ذاتها، كانت بداية سيئة لرجل انتهى به الأمر إلى أن يقضي أعوامًا فوقه.
كنت يومها في السابعة والعشرين، وقد فرغت من آخر ما تركه أبي لي من مال، ولم يبق في جيبي سوى سبع ريالات فضية، وسكين صدئة، ورسالة لم أجرؤ على فتحها.
كان ذلك في ميناء المرجان، في آخر موسم الرياح الشمالية، حين كانت السفن القادمة من الهند واليمن وشرق أفريقيا تملأ الخليج بالأشرعة، ويختلط في الأزقة دخان القهوة برائحة السمك والقطران والملح.
كنت أقف عند طرف الرصيف، أحدق في الماء.
كان البحر هادئًا ذلك الصباح.
هادئًا إلى الحد الذي يجعل الرجل يشك في نواياه.
قال الشيخ الواقف إلى جواري:
— ستصعد إليها؟
التفتُّ إليه.
كان شيخًا نحيلًا، أبيض اللحية، يضع عمامة زرقاء باهتة، وفي وجهه آثار شمس خمسين عامًا.
قلت:
— إلى أين؟
أشار بعصاه إلى سفينة بعيدة.
كانت سوداء الجوانب، مرتفعة المقدمة، ذات ثلاثة صوارٍ ضخمة. لم يكن على شراعها راية، ولم يكن على مؤخرتها اسم.
قلت:
— لا اسم لها؟
قال:
— لها اسم.
— وما هو؟
رفع الشيخ عينيه إليّ.
— الظبية.
ضحكت.
— سفينة بهذا الحجم واسمها الظبية؟
لم يضحك.
قال:
— لا تسخر من أسماء السفن يا بني. السفينة التي تحمل اسمًا جميلًا قد تحمل رجالًا قبيحي القلوب.
ثم مضى.
راقبته حتى اختفى بين الناس.
وبقيت أنظر إلى السفينة.
لم أكن أعرف يومها أن الرجل العاقل كان ينبغي له أن يبتعد عنها.
لكني لم أكن عاقلًا.
كنت رجلًا يريد الهرب.
والهاربون لا يسألون كثيرًا عن وجهتهم.
الفصل الثاني
الرجل الذي كان يطارد الظل
صعدت إلى الظبية قبل غروب الشمس.
استقبلني عند السلم رجل أسمر عريض المنكبين، له عين واحدة.
نظر إلى ثيابي، ثم إلى يدي.
قال:
— تعرف العمل؟
قلت:
— أعرف ما يكفي كي لا أموت في أول أسبوع.
قال:
— هذا جواب جيد.
ثم أخذ كيسي وألقاه على سطح السفينة.
— ما اسمك؟
— سالم بن راشد.
— من أين؟
— من واحة السدر.
هز رأسه.
— لا أعرفها.
— ولا أنا أعرف مدينتك.
نظر إليّ طويلًا.
ثم ابتسم.
— إذن لن نتعب أنفسنا.
كان اسمه مرجان، وكان من رجال السفينة القدماء.
في تلك الليلة عرفت أن الظبية لا تحمل البضائع.
كانت سفينة صيد.
لكن ليس أي صيد.
كان رجالها يطاردون الحيتان التي تأتي إلى المياه الدافئة قرب سواحل بحر العرب في نهاية الشتاء.
وحين سألت عن القبطان، خفض مرجان صوته.
— ستراه غدًا.
— هل هو مخيف؟
قال:
— لا.
ثم سكت.
— وهذا أسوأ.
ظهر القبطان بعد الفجر.
خرج من مقصورته وحده.
كان طويلًا، نحيلًا، في الخمسين تقريبًا. شعره أسود رغم الشيب الذي بدأ يغزو صدغيه. كان يمشي ببطء، مستندًا إلى ساق خشبية منحوتة من خشب الساج.
لكنه لم يكن يلفت النظر بسبب ساقه.
بل بسبب وجهه.
كانت هناك ندبة عميقة تبدأ من خلف أذنه اليمنى، وتهبط على عنقه، ثم تختفي تحت ثوبه.
توقف وسط السفينة.
نظر إلى الرجال.
ثم قال:
— كم واحدًا منكم رأى الحوت الأسود؟
لم يجب أحد.
عاد يسأل:
— لا أحد؟
رفع رأسه نحو الأفق.
— جيد.
ثم التفت إلينا.
— لأن الذي يراه مرة، لا يعود كما كان.
عرفت اسمه.
راشد بن قاسم.
وكانت تلك أول مرة أراه فيها.
ولم أعرف يومها أنني سأكرهه.
ولا أنني سأشفق عليه.
ولا أنني سأدافع عنه أمام رجل يريد قتله.
ولم أعرف، قبل كل شيء، أنني سأقف بعد عامين في عرض البحر، وسط عاصفة لا يرى فيها الرجل يده، وأنا أصرخ في وجهه:
— كفى يا راشد!
لكنه لن يسمعني.
لأن الرجل الذي يطارد وحشًا طويلًا، ينتهي به الأمر إلى أن يصبح وحشًا مثله.
الفصل الثالث
الحوت
لم أرَ الحوت الأسود إلا بعد أربعين يومًا.
وفي اليوم الأربعين فهمت كلام القبطان.
كنا قد ابتعدنا عن الساحل حتى لم تعد اليابسة تظهر إلا كخط رمادي في الصباح.
كان البحر ساكنًا.
ساكنًا أكثر مما ينبغي.
كنت فوق الصاري أراقب الأفق حين رأيت شيئًا يخرج من الماء.
في البداية ظننته صخرة.
ثم تحرك.
خرج ظهر أسود طويل، لامع تحت الشمس.
توقف الزمن.
ثم ارتفع رأسه.
كان ضخمًا إلى درجة أنني نسيت كيف أتنفس.
لم يكن أبيض كالحوت الذي تصفه حكايات البحارة.
كان أسود.
أسود كليل بلا نجوم.
وفوق ظهره ندوب قديمة، بيضاء متقاطعة، كأن البحر نفسه حاول قتله وفشل.
صرخت:
— حوت!
انقلبت السفينة في لحظة.
خرج الرجال من كل ناحية.
لكن القبطان لم يتحرك.
كان واقفًا عند المقدمة.
يحدق فيه.
ثم رأيت شيئًا لم أفهمه إلا بعد زمن.
رأيت الخوف.
لم يكن في عيني القبطان خوف رجل يرى حيوانًا هائلًا.
كان خوف رجل يرى عدوه القديم.
صرخ:
— القوارب!
تحرك الجميع.
لكن الحوت غاص.
واختفى.
سألته:
— أين ذهب؟
لم يجب.
ظل ينظر إلى الماء.
ثم قال:
— إلى حيث يريد.
— وهل سنلاحقه؟
التفت إليّ.
— لن نلاحقه.
سكت.
ثم أضاف:
— هو الذي سيعود إلينا.
الفصل الرابع
ساق القبطان
في الليلة نفسها سألت مرجانًا عن الندبة.
كان جالسًا قرب المخزن، يصلح حبلًا.
قلت:
— ماذا حدث لساق القبطان؟
رفع عينيه.
— الحوت.
— والحوت الأسود؟
أومأ.
— قبل اثني عشر عامًا.
— قتله؟
ضحك مرجان ضحكة قصيرة بلا فرح.
— لو كان قتله، لانتهت الحكاية.
— ماذا حدث إذن؟
شد الحبل بين يديه.
— كان راشد قبطانًا لسفينة أخرى. خرج في رحلة لصيد الحيتان، وعاد بعد سبعة أشهر بلا سفينته، وبلا نصف رجاله، وبلا ساق.
قلت:
— والحوت؟
— قال إنه رأى حوتًا أسود.
— فقط؟
— لا.
نظر إلى البحر من فتحة صغيرة.
— قال إنه رأى شيئًا لا يشبه الحيتان.
سكتُّ.
قلت:
— ماذا يعني؟
— قال إن عينيه كانتا تعرفانه.
ضحكت.
— حوت بعينين تعرفان رجلًا؟
لم يضحك.
قال:
— بعض الرجال يضحكون حين يخافون.
ثم عاد إلى حبله.
الفصل الخامس
عهد الدم
بعد ثلاثة أشهر، ظهر الحوت مرة أخرى.
هذه المرة هاجم.
ضرب أحد القوارب من جانبه، فقلبه كما تقلب الريح ورقة.
كان فيه أربعة رجال.
نجا اثنان.
ومات اثنان.
وفي اليوم التالي دفنا الرجلين في البحر.
وقف القبطان فوقهما.
لم يصلِّ.
لم يقرأ شيئًا.
فقط قال:
— من هذا اليوم، لن نعود إلى الميناء حتى يموت.
نظر إليه كبير البحارة.
— من؟
— الحوت.
— يا قبطان، البحر واسع…
قاطعه:
— أعرف.
— وقد نموت جميعًا.
— أعرف.
— وقد نضيع.
— أعرف.
ثم وضع يده على خشب السفينة.
— لكنه لن يعود إلى البحر بعدنا.
ساد الصمت.
كنت أنظر إلى الرجال.
كان بعضهم خائفًا.
بعضهم مترددًا.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
رفع رجل شاب يده.
ثم آخر.
ثم ثالث.
وأخيرًا، وقف الجميع.
أما أنا، فلم أرفع يدي.
نظر إليّ القبطان.
قال:
— وأنت؟
قلت:
— لم آتِ إلى البحر لأنتقم.
اقترب مني.
كان وجهه هادئًا.
— لا أحد يأتي إلى البحر لينتقم.
ثم تجاوزني.
— حتى يبدأ.
الفصل السادس
الرجل الذي أحب البحر
كانت معنا على السفينة امرأة واحدة.
اسمها نورة بنت سالم.
ولم تكن من طاقم البحارة، بل كانت ابنة تاجر مات في رحلة سابقة، وتركت له سفينة صغيرة ودينًا كبيرًا وسمعة لا تكفي لسداد شيء.
كانت تجيد الحساب، وتعرف النجوم، وتقرأ الخرائط.
وكان الرجال يهابون ذكاءها أكثر مما يهابون البحر.
كانت تقول:
— البحر لا يقتل الرجل لأنه أحمق.
ثم تبتسم.
— البحر يقتله لأنه ظن نفسه أذكى منه.
كانت الوحيدة التي تجرؤ على مخالفة القبطان.
وذات ليلة وجدتها وحدها عند المؤخرة.
قالت:
— أنت لا تريد قتل الحوت.
قلت:
— وماذا أريد؟
— تريد أن تعرف لماذا نجا منك.
لم أفهم.
قالت:
— هناك فرق بين رجل يقتل عدوه، ورجل يريد أن يفهم لماذا لم يستطع عدوه قتله.
نظرت إليها.
— ومن قال لك هذا؟
— القبطان.
— تكلم معك؟
— لا.
ابتسمت.
— لكنه يتكلم كثيرًا حين يصمت.
ثم أعطتني قطعة من الورق.
كانت خريطة.
في منتصفها دائرة حمراء.
سألت:
— ما هذا؟
قالت:
— المكان الذي فقد فيه راشد ساقه.
— ولماذا لا نعود إلى الميناء؟
قالت:
— لأن هذا هو المكان الذي يريد أن يأخذنا إليه.
شعرت بشيء بارد في صدري.
قلت:
— هل تعتقدين أنه يعرف أين الحوت؟
أجابت:
— لا.
ثم رفعت عينيها إلى السماء.
— أعتقد أن الحوت يعرف أين نحن.
الفصل السابع
الجزيرة التي لا تظهر على الخرائط
مر شهر آخر.
ثم جاءت العاصفة.
بدأت برياح خفيفة.
ثم تغير لون السماء.
ثم اختفى القمر.
ثم لم يعد البحر بحرًا.
كان شيئًا آخر.
شيئًا هائلًا أسود ينهض ويسقط، يحمل السفينة فوق ظهره ثم يقذفها في حفرة.
كنا نصرخ.
والأشرعة تتمزق.
والخشب يئن.
صرخت نورة:
— صخور!
لكن لم يكن هناك وقت.
ضربت السفينة شيئًا.
اهتزت حتى ظننت أن عظامي ستخرج من جسدي.
ثم سمعنا صوتًا عميقًا.
ليس صوت خشب.
ولا صوت موج.
كان صوتًا يأتي من تحتنا.
قال مرجان:
— الحوت.
ضحكت.
لا أعرف لماذا.
ربما لأن الرجل حين يبلغ أقصى الخوف، يصبح الضحك والدموع شيئًا واحدًا.
ظهر أمامنا.
كان قريبًا.
قريبًا جدًا.
ارتفع جسده من الماء، فحجب السماء.
وفي لحظة البرق رأيت عينه.
كانت سوداء.
لكن خلف سوادها شيء يشبه الضوء.
ثم ضرب السفينة.
انكسر الصاري الرئيسي.
سقط الرجال.
وسقط القبطان.
وعندما نهض، كان يضحك.
صرخ:
— أخيرًا!
قلت:
— ماذا تقول؟!
رفع ساقه الخشبية.
— وجدنا الجزيرة.
نظرت حولي.
لم أرَ جزيرة.
رأيت البحر فقط.
قال:
— ليست كل الجزر فوق الماء يا سالم.
ثم أشار إلى الحوت.
— بعضها يعيش تحته.
الفصل الثامن
اعتراف القبطان
في صباح اليوم التالي هدأت العاصفة.
كانت السفينة نصف محطمة.
فقدنا ثلاثة رجال.
لكننا بقينا أحياء.
وجدنا أنفسنا قرب جزيرة صخرية صغيرة لا تظهر في خرائطنا.
نزلنا إليها.
وفي الليل جلس القبطان وحده.
اقتربت منه.
قلت:
— ماذا حدث هنا قبل اثني عشر عامًا؟
ظل صامتًا.
ثم قال:
— لم يكن الحوت هو الذي قتل رجالي.
نظرت إليه.
— ماذا؟
— أنا قتلتهم.
لم أفهم.
قال:
— كنت أطارد الحوت، كما أفعل الآن.
ثم أطرق رأسه.
— لكنه هرب.
— فطاردته.
— نعم.
— وحدثت العاصفة؟
— لا.
رفع عينيه.
— حدث شيء أسوأ.
كان صوته مكسورًا لأول مرة.
— رأيت رجالي في الماء.
— والحوت؟
— كان قريبًا.
— ماذا فعل؟
— لا شيء.
— لا شيء؟
قال:
— كان يستطيع مهاجمة السفينة.
لكنه لم يفعل.
— إذن كيف ماتوا؟
أغمض عينيه.
— لأنني أمرت الرجال بإنزال القوارب في وقت لم يكن ينبغي فيه إنزالها.
صمت طويل.
ثم قال:
— كنت أعرف أن البحر خطير.
— لكنك فعلت؟
— كنت أريده.
— ماذا؟
— كنت أريد الحوت أكثر مما أردت رجالي.
لم أجد ما أقوله.
قال:
— منذ ذلك اليوم وأنا لا أطارده لأنه قتلهم.
ثم نظر إلى البحر.
— أطارد نفسي التي كانت هناك.
الفصل التاسع
البحر لا ينسى
في الأيام التالية بدأت السفينة تغرق ببطء.
لم يكن فيها ما يكفي من الخشب لإصلاحها.
وكان الطعام ينفد.
وكان الرجال ينظرون إلى القبطان.
وفي اليوم الخامس، قال مرجان:
— يجب أن نعود.
لم يجبه أحد.
كرر:
— يجب أن نعود.
رفع القبطان رأسه.
— إلى أين؟
— إلى البر.
— لا.
— السفينة لن تصمد.
— ستصمد.
— والرجال؟
— سيصمدون.
صرخ مرجان:
— وأنت؟!
ساد الصمت.
ثم قال:
— أنت لا تريد النجاة يا راشد.
نظر إليه القبطان.
— أعرف.
— إذن لماذا تأخذنا معك؟
للمرة الأولى لم يجد القبطان جوابًا.
ثم قالت نورة:
— لأنه يعتقد أن ذنبه يحتاج إلى شهود.
التفت الجميع إليها.
قالت:
— يريد أن نموت معه حتى يصدق أنه دفع الثمن.
نهض مرجان.
— ونحن لسنا ثمنك.
قالت نورة:
— ولا أنت إله يا راشد.
لم يجب.
لكنني رأيت شيئًا في وجهه.
شيئًا يشبه الرجل الذي كان عليه قبل سنوات.
الفصل العاشر
المطاردة الأخيرة
ظهر الحوت عند الفجر.
هذه المرة لم يهرب.
كان ينتظر.
أمر القبطان بإنزال القوارب.
صرخت:
— لا!
لكنه لم يسمع.
نزلنا.
كنت في القارب مع القبطان ونورة ومرجان.
كان البحر ساكنًا.
ساكنًا بصورة مخيفة.
قال القبطان:
— هناك.
ظهر ظهر الحوت.
ثم غاص.
ثم ظهر على الجهة الأخرى.
ثم اختفى.
قال مرجان:
— إنه يحيط بنا.
قال القبطان:
— لا.
نظر إلى الماء.
— إنه يختار.
وفجأة خرج الحوت تحت القارب.
ارتفع بنا.
انقلب القارب.
سقطنا.
دخل الماء في أذني وفمي.
لم أعد أعرف أين السماء وأين القاع.
ثم رأيت القبطان.
كان يغرق.
كانت ساقه الخشبية قد تشابكت بالحبل.
سبحت نحوه.
وحاولت قطع الحبل بسكيني.
صرخ:
— اتركني!
لم أسمعه.
قطعته.
صعد إلى السطح.
وعندما ظهر، كان الحوت أمامه.
لم يرمح.
لم يهرب.
ظل ينظر إليه.
والحوت ينظر إليه.
ثم حدث شيء لم أستطع تفسيره.
مد القبطان يده.
لا أعرف لماذا.
ربما أراد لمس الماء.
ربما أراد وداعه.
وربما أراد الاعتذار.
ضرب الحوت البحر بذيله.
ارتفعت موجة هائلة.
ثم اختفى القبطان.
واختفت معه الحبال.
واختفت السفينة.
واختفى الحوت.
وبقي البحر.
الفصل الحادي عشر
الناجي
وجدت نفسي فوق قطعة من الخشب.
لا أعرف كم مر من الوقت.
حين فتحت عيني، كانت الشمس فوق رأسي.
وكان البحر هادئًا.
لم يكن هناك شيء.
لا سفينة.
لا قوارب.
لا رجال.
لا قبطان.
كنت وحدي.
حتى سمعت صوتًا.
— سالم!
كانت نورة.
كانت متشبثة ببرميل مكسور.
سبحت نحوها.
أنقذنا بعضنا.
ثم بقينا يومين في البحر.
في اليوم الثالث مرت سفينة تجارية.
رأتنا.
أنزلت قاربًا.
حين صعدت، سألني رجل:
— أين سفينتكم؟
قلت:
— غرقت.
— ومن كان قبطانها؟
نظرت إلى البحر.
قلت:
— رجل اسمه راشد.
— هل مات؟
لم أجب.
لأنني، إلى الآن، لا أعرف.
الخاتمة
الحوت الذي بقي
بعد سنوات، عدت إلى ميناء المرجان.
كان كل شيء أصغر مما أذكر.
الأزقة.
السوق.
المسجد.
حتى البحر بدا أصغر.
ذهبت إلى الشيخ العجوز الذي رأيته يوم صعدت إلى السفينة.
وجدته عند الرصيف.
كان قد ازداد انحناءً.
نظر إليّ.
ثم قال:
— عدت؟
قلت:
— نعم.
— والقبطان؟
— لم يعد.
هز رأسه كأنه كان يعرف.
قلت:
— هل كنت تعرف؟
قال:
— ماذا؟
— أن السفينة لن تعود.
ابتسم.
— السفن لا تخبر الرجال إلى أين تأخذهم.
جلست بجواره.
ظل الصمت بيننا طويلًا.
ثم رأيت شيئًا في البحر.
ظهر أسود بعيد.
قلت:
— حوت.
نظر الشيخ.
ثم قال:
— لا.
— ماذا؟
— هذه سفينة.
حدقت طويلًا.
كانت بعيدة جدًا.
بلا راية.
بلا اسم.
وبينما كنت أحاول تمييزها، رأيت شيئًا أسود يخرج من الماء إلى جوارها.
ظل طويل.
ثم غاص.
نهض الشيخ.
قال:
— بعض الحكايات لا تنتهي يا سالم.
قلت:
— وماذا تفعل إذن؟
أجاب:
— تتغير فقط.
ثم مضى.
أما أنا فبقيت عند البحر.
ومنذ ذلك اليوم لم أركب سفينة قط.
لكنني كلما سمعت في الليل صوت الموج وهو يضرب الصخور، تذكرت عينًا سوداء رأيتها تحت الماء.
وأتساءل:
هل كان الحوت وحشًا حقًا؟
أم أن الوحش كان الرجل الذي أراد أن يقتله؟
وربما كان البحر، وحده، يعرف الجواب.
فالبحر لا يتكلم.
لكنه يتذكر.

تعليقات
إرسال تعليق