ظلُّ البخور
ظلُّ البخور
لم يكن أهل الحيّ يختلفون على شيء كما اختلفوا على باب بيت عبدالرحمن العتيبي.
بابٌ خشبي قديم، مطليّ باللون الأخضر الداكن، تعلوه مسمارية نحاسية على شكل هلال. لم يكن في الباب ما يثير الريبة، إلا أن عبدالرحمن كان يقفله كل ليلة بثلاثة أقفال، ثم يتفقده قبل النوم كأن خلفه شيئًا أثمن من المال.
وفي ليلة الخميس، قبل منتصف الليل بقليل، سمع الجيران صوت سقوط شيء ثقيل داخل البيت.
ثم ساد الصمت.
في الصباح، وجدوا عبدالرحمن جالسًا في مجلسه، ميتًا على كرسيه.
لم يكن هناك جرح.
لم تُسرق الخزنة.
النوافذ مغلقة.
والباب مقفل من الداخل.
لكن فوق الطاولة كانت هناك مبخرة مشتعلة، وبجانبها ورقة صغيرة كُتب عليها:
“الذي يبحث عن الحقيقة، لا ينظر إلى الباب.”
وصل الملازم سالم الحربي بعد ساعة.
دخل المجلس، نظر إلى الجثة، ثم إلى الورقة، وقال:
— من الذي وجد الجثمان؟
أجاب ابن أخيه، ماجد:
— أنا.
— ومتى؟
— السادسة والنصف صباحًا.
— ولماذا جئت؟
تردد ماجد.
— عمي اتصل بي البارحة وقال لي: “تعال الصباح، عندي شيء مهم لك.”
سالم لم يعلّق.
اقترب من المبخرة.
شمّ البخور.
ثم سأل:
— من أشعلها؟
قالت الخادمة:
— العم عبدالرحمن كان يفعل ذلك كل ليلة.
رفع سالم عينيه إليها.
— نفس البخور؟
— نعم.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— لا. ليس نفس البخور.
نظر الجميع إليه باستغراب.
أخرج سالم من جيبه كيسًا صغيرًا، والتقط شيئًا أسود من قاع المبخرة.
كان عود بخور محترقًا، وفي داخله شيء معدني صغير.
قال سالم:
— هذا ليس بخورًا.
في المساء، كان سالم يجلس وحده في مجلس عبدالرحمن.
أعاد قراءة الورقة.
“الذي يبحث عن الحقيقة، لا ينظر إلى الباب.”
نظر إلى الباب.
ثم أطفأ الأنوار.
لم يبقَ في الغرفة إلا ضوء المدينة المتسلل من الستارة.
وبعد دقائق، بدأ دخان المبخرة يصعد.
كان يتجه إلى جهة واحدة.
إلى الجدار.
اقترب سالم.
كان هناك إطار قديم لصورة عائلية.
نزعه.
خلفه تجويف صغير.
وفي التجويف صندوق حديدي.
فتح الصندوق فوجد دفترًا أسود.
لم يكن دفتر حسابات.
كان سجلًا لأسماء.
أسماء رجال ونساء من الحي.
وبجانب كل اسم تاريخ ومبلغ من المال.
وفي الصفحة الأخيرة اسم واحد:
ماجد.
وبجواره:
“يعرف أين المفتاح.”
سمع سالم صوتًا خلفه.
استدار.
كان ماجد واقفًا عند الباب.
قال بهدوء:
— عمي كان يعرف أنني سأقتله؟
لم يجب سالم.
قال ماجد:
— أنت ذكي يا ملازم.
ابتسم سالم.
— لا.
ثم أشار إلى المبخرة.
— أنت فقط كنت تتوقع أن أكون غبيًا.
تغير وجه ماجد.
قال سالم:
— عبدالرحمن لم يمت مسمومًا.
— إذن كيف مات؟
— مات اختناقًا بغازٍ عديم اللون، دخل المجلس من فتحة صغيرة خلف المبخرة.
صمت ماجد.
تابع سالم:
— وأنت رتبت كل شيء ليبدو كأن الرجل مات وحده. لكنك ارتكبت خطأً واحدًا.
نظر إلى المبخرة.
— استخدمت بخورًا جديدًا لإخفاء رائحة الغاز.
ثم أخرج سالم القطعة المعدنية الصغيرة.
— وهذا كان جزءًا من الجهاز الذي فتحته من الخارج.
تراجع ماجد خطوة.
— لا تستطيع إثبات شيء.
رفع سالم الدفتر.
— بل عمي هو الذي أثبت.
صمت طويل.
ثم قال ماجد:
— لماذا كتب اسمي؟
أجاب سالم:
— لأنه لم يكن يخاف منك.
اقترب منه وقال:
— كان ينتظرك.
تجمد ماجد.
— ينتظرني؟
فتح سالم الصفحة الأخيرة.
تحت اسم ماجد كانت جملة أخرى لم يرها أحد:
“إذا وصلتَ إلى هنا يا سالم، فاعلم أن قاتلي ليس ماجد.”
رفع سالم عينيه ببطء.
في تلك اللحظة…
انطفأت أنوار البيت.
وسُمعت من خارج المجلس ضربة قوية على الباب الأخضر.
ثم صوت امرأة تصرخ:
— عبدالرحمن لم يمت الليلة الماضية!
نظر سالم إلى ماجد.
ثم إلى الباب.
وللمرة الأولى فهم معنى الجملة المكتوبة:
“الذي يبحث عن الحقيقة، لا ينظر إلى الباب.”
لأن الحقيقة…
كانت تقف خلفه.

تعليقات
إرسال تعليق