قصة ظلُّ البخور

قصة 📅 سبتمبر 06, 2026

قصة قصيرة بوليسية تدور حول وفاة غامضة في بيت مغلق، حيث يقود البخور والدفتر الأسود الملازم سالم إلى أسرار وشبهات متشابكة. وبين الأقفال الثلاثة ورسالة غامضة، تتغير الحقائق حتى تصبح النهاية لغزًا أشد غموضًا من الجريمة نفسها!

القسم الأول: الباب الأخضر

«الأبواب لا تحرس ما وراءها، بل تحرس ما نخشى أن نعرفه».
لم يكن أهل الحي القديم يتفقون على شيء كما اتفقوا على غرابة الباب الأخضر في آخر الزقاق.
كان بابًا خشبيًا ثقيلًا، تعلوه قطعة نحاسية على هيئة هلال، وتثبته ثلاثة أقفال اعتاد صاحبه أن يغلقها كل ليلة.
لم يكن أحد يعرف لماذا يحتاج رجل يعيش وحده إلى كل تلك الأقفال، لكنهم اعتادوا أن يروا فهد يقف أمام بابه بعد صلاة العشاء، يتأكد من إغلاقه، ثم يختفي خلفه حتى الصباح.
كان فهد رجلًا تجاوز الستين، قليل الكلام، دقيق المواعيد، لا يغادر منزله إلا لحاجة يعرفها مسبقًا.
امتلك مالًا يكفيه ليعيش في حي أحدث، لكنه بقي في البيت الذي ورثه عن أبيه.
وكان يقول لمن يسأله عن سبب بقائه: «البيوت القديمة تعرف أصحابها».
لم يفهم أحد ما يعنيه، ولم يكن فهد يحب أن يشرح كلامه.
في ليلة الخميس، سمع بعض الجيران صوت ارتطام ثقيل يأتي من داخل المنزل.
لم يكن الصوت صرخة ولا استغاثة، بل أشبه بسقوط قطعة أثاث على الأرض.
توقف رجل كان يمر في الزقاق، ونظر إلى الباب الأخضر، ثم أكمل طريقه حين لم يسمع شيئًا آخر.
في ذلك الحي، اعتاد الناس احترام الأبواب المغلقة، حتى عندما تأتي الأصوات الغريبة من خلفها.
عند السادسة والنصف صباحًا، اتصل ياسر بالشرطة.
قال إن عمه لا يجيبه، وإنه عثر عليه جالسًا في مجلسه دون حراك.
وحين سأله الموظف عن حالته، أجاب بصوت مرتبك: «أظنه مات».
لم يستطع أن يقول أكثر من ذلك.
وصل الملازم نواف بعد وقت قصير.
كان في منتصف الثلاثينيات، هادئ الوجه، لا يتعجل الأسئلة قبل أن يرى المكان بعينيه.
وجد ياسر ينتظره عند المدخل، شاحبًا، يفرك كفيه كأنهما لا تعرفان أين تستقران.
نظر نواف إلى الباب الأخضر.
كانت أقفاله الثلاثة ظاهرة، لكن أحدها يحمل خدشًا حديثًا قرب موضع المفتاح.
انحنى قليلًا ليتأمله، ثم سأل: «كيف دخلت؟»
أشار ياسر إلى حلقة مفاتيح في يده.
«عندي نسخة من مفتاح الباب الخارجي.
لكن القفل الداخلي كان مغلقًا.
ناديت عمي أكثر من مرة، ثم استعنت بحارس الحي لفتح الباب بالقوة».
التفت نواف إلى الإطار الخشبي.
كان موضع المزلاج مكسورًا بالفعل، وتناثرت شظايا صغيرة على الأرض.
سجل هذه الملاحظة، ثم دخل دون تعليق.
كان المجلس واسعًا، مفروشًا بسجاد قديم حافظ على ألوانه رغم مرور السنوات.
على الجدار المقابل للباب علقت صورة عائلية داخل إطار خشبي داكن، وتحتها خزانة صغيرة تعلوها ساعة متوقفة.
لم تكن هناك آثار عراك.
الكراسي في أماكنها، والطاولة مرتبة، والنوافذ مغلقة من الداخل.
جلس فهد في مقعده المعتاد قرب النافذة.
كان رأسه مائلًا قليلًا إلى اليمين، ويداه تستقران فوق مسندي الكرسي.
لم تظهر على وجهه إصابة واضحة، ولم يكن على ثيابه دم.
بدا كأنه توقف عن الكلام في منتصف جملة لم يسمعها أحد.
اقترب نواف، ثم توقف عند الطاولة.
كانت هناك مبخرة نحاسية، وفي جوفها بقايا جمر خافتة تغطيها طبقة من الرماد.
تصاعد منها خيط رفيع من الدخان، ثم انقطع قبل أن يبلغ السقف.
كانت رائحة البخور واضحة، لكنها حملت أثرًا آخر لم يستطع نواف تحديده.
سأل ياسر: «هل كان عمك يستخدم هذا البخور دائمًا؟»
«كل ليلة تقريبًا.
كان يحب العود القديم، ويقول إن رائحته تذكره بأبي».
«وهل تعرف من أشعله هذه المرة؟»
هز ياسر رأسه.
«لا.
حين دخلنا، كانت الرائحة تملأ المجلس».
اقترب نواف من المبخرة دون أن يلمسها.
لاحظ بين الرماد قطعة صغيرة داكنة، لا تشبه بقايا الخشب المحترق.
أشار إلى أحد أفراد فريق الأدلة الجنائية لتوثيقها وفحصها، ثم رفع نظره نحو الجدار.
كانت الصورة العائلية معلقة فوق موضع خالٍ من الغبار، بينما امتد الغبار على بقية الجدار.
لم تكن هذه ملاحظة كافية لتفسير شيء، لكنها استوقفت نواف لحظة.
دوّنها في دفتره، ثم عاد إلى الطاولة.
هناك وجد الورقة.
كانت مطوية مرة واحدة، وموضوعة إلى جوار فنجان قهوة لم يُشرب منه إلا القليل.
فتحها بحذر، وقرأ ما كُتب بخط واضح: «الذي يبحث عن الحقيقة، لا ينظر إلى الباب».
قرأ العبارة مرة ثانية.
لم تكن توقيعًا ولا وصية، ولم تحمل اسمًا أو تاريخًا.
وضعها في غلاف الأدلة، ثم التفت إلى ياسر.
«هل تعرف خط عمك؟»
«نعم».
«هل هذه كتابته؟»
اقترب ياسر ونظر إلى الورقة دون أن يلمسها.
طال صمته قبل أن يقول: «تشبه خطه، لكنني لا أستطيع الجزم».
راقبه نواف.
لم يكن ارتباكه دليلًا على شيء، لكن الرجل بدا خائفًا من الورقة أكثر من خوفه من وجود الشرطة.
سأله: «متى تحدثت مع عمك آخر مرة؟»
«البارحة، بعد المغرب.
اتصل بي وقال: تعال الصباح، عندي شيء مهم لك».
«ولم يخبرك ما هو؟»
«لا.
سألته، فقال إنه لا يريد الحديث عبر الهاتف».
«هل بدا قلقًا؟»
فكر ياسر قليلًا.
«كان صوته عاديًا، لكنه قال شيئًا غريبًا قبل أن يغلق الخط».
انتظر نواف.
«قال: إذا وجدت الباب مغلقًا، فلا تفترض أنني لا أريدك أن تدخل».
رفع نواف عينيه عن دفتره.
«هل قال ذلك حرفيًا؟»
«نعم.
ظننت أنه يمزح، لكنه لم يضحك».
ساد الصمت.
في الخارج، بدأت أصوات الباعة تتسلل إلى الزقاق، وعادت الحياة إلى الحي كأن شيئًا لم يحدث.
أما داخل المجلس، فبدا كل شيء ثابتًا عند لحظة لا يعرف أحد متى بدأت.
دخل أحد أفراد الأدلة الجنائية، وأخبر نواف أن الفحص الأولي لا يكفي لتحديد سبب الوفاة أو وقتها.
أومأ الملازم، وطلب استكمال الإجراءات اللازمة قبل إصدار أي استنتاج.
ثم عاد إلى المبخرة.
كان الرماد قد برد تقريبًا.
وبين بقاياه ظهرت القطعة الداكنة بوضوح أكبر، قطعة معدنية صغيرة ذات طرف مثقوب، لا تشبه أي جزء مألوف من المبخرة.
قال ياسر من خلفه: «عمي كان يحتفظ بأشياء قديمة كثيرة.
ربما سقطت فيها مصادفة».
لم يلتفت نواف.
كان ينظر إلى موضع القطعة بين الرماد، ثم إلى الفتحة الضيقة في الجدار خلف الطاولة، حيث يلتقي الخشب بالجص.
قال بهدوء: «ربما».
ثم سأل: «من كان يدخل هذا المجلس غير عمك؟»
«أنا أحيانًا.
والخادمة تأتي في الصباح للتنظيف».
«هل حضرت اليوم؟»
«لا.
اتصلت بها وطلبت منها ألا تأتي حتى تنتهي الشرطة».
أغلق نواف دفتره.
«أريد التحدث إليها».
تحرك ياسر نحو الباب، لكنه توقف عندما سمع الملازم يناديه.
«ياسر».
استدار.
«قلت إن عمك طلب منك الحضور هذا الصباح.
هل أخبر أحدًا غيرك؟»
«لا أعرف».
«وهل يعرف أحد غيرك أنك تملك مفتاحًا للبيت؟»
نظر ياسر إلى حلقة المفاتيح في يده.
للمرة الأولى منذ وصول الشرطة، بدا أنه يبحث عن إجابة لا عن كلمات.
«لا أظن».
لم يعلّق نواف.
اقترب من الطاولة، ونظر إلى الفنجان والورقة والمبخرة، ثم إلى الباب الأخضر المفتوح عند نهاية الممر.
كان الجميع يسأل كيف دخل الموت إلى منزل أغلق صاحبه أبوابه بثلاثة أقفال.
أما نواف، فبدأ يشك في أن السؤال نفسه يقودهم إلى الاتجاه الخطأ.
وفي دفتره، أسفل ملاحظات الصباح، كتب جملة واحدة: «لا نعرف بعد ما الذي حدث خلف الباب، ولا متى بدأ».

القسم الثاني: أثر الدخان

«ليست كل الأسرار مخبأة في الظلام؛ بعضها ينتظر من يلاحظ ما تغيّر في الضوء».
حين غادر ياسر المنزل، بقي نواف أمام الباب الأخضر دقائق، يتأمل موضع المزلاج المكسور.
كان حارس الحي قد أكد رواية ياسر: سمعه ينادي عمه، ثم ساعده على دفع الباب حتى انكسر موضع القفل الداخلي.
لكن الحارس لم يرَ الجثمان؛ فقد بقي عند المدخل، بينما دخل ياسر وحده.
سجل نواف ذلك في دفتره، ثم طلب من أفراد الفريق تصوير الأقفال الثلاثة من الداخل والخارج قبل نقل أي شيء.
لم يكن الباب وحده ما يشغله.
كان يريد أن يعرف لماذا ترك فهد لابن أخيه رسالة هاتفية غريبة، ثم جلس في مجلسه كأنه ينتظر ضيفًا لن يصل.
عند الظهيرة، حضرت الخادمة إلى مركز الشرطة.
كان اسمها مريم، وقد عملت في المنزل سبع سنوات.
جلست أمام نواف ووضعت حقيبتها على ركبتيها، ثم قالت قبل أن يسألها: «أنا لم أدخل البيت اليوم».
أجابها: «أعرف.
أريد أن أسألك عن الأمس».
قالت إنها غادرت بعد العصر، وإن فهد كان يومها أكثر انشغالًا من المعتاد.
طلب منها تنظيف المجلس وحده، وأخرج من الخزانة مبخرة نحاسية لم تره يستخدمها منذ أشهر.
سألها نواف: «هل أشعلها أمامك؟»
«لا.
وضعها على الطاولة، وقال إنه سيتولى ذلك بنفسه».
«هل لاحظت شيئًا مختلفًا؟»
ترددت مريم.
«كان يرفع الصورة المعلقة على الجدار، ثم يعيدها إلى مكانها.
فعل ذلك مرتين وأنا أنظف».
«هل أخبرك لماذا؟»
«قال إن الإطار مائل».
«وهل كان مائلًا؟»
خفضت عينيها.
«لا أظن».
سألها عن زوار فهد.
قالت إن ياسر يأتي أحيانًا، وإن رجلًا آخر كان يزوره في الأشهر الماضية، لكنها لم تعرف اسمه.
كان يدخل بعد المغرب ويغادر سريعًا، ولم يكن فهد يسمح لها بالبقاء في المجلس أثناء وجوده.
«هل تستطيعين وصفه؟»
«طويل قليلًا، وصوته منخفض.
لم أرَ وجهه جيدًا؛ كان يأتي غالبًا بعد أن أستعد للمغادرة».
لم يطلب منها نواف أن تخمّن.
دوّن ما تعرفه، ثم سأل عن مفاتيح المنزل.
قالت إن معها مفتاح باب الخدمة، لكنه لا يفتح الباب الأخضر، وإن فهد كان يحتفظ بمفتاح صغير مربوط بخيط أسود في درج مكتبه.
«مفتاح ماذا؟»
«لا أعرف.
كان يقول إنه لا يخص أي باب في البيت».
توقف قلم نواف.
«ومتى رأيته آخر مرة؟»
«أمس.
كان في يده عندما طلب مني تنظيف المجلس».
عاد نواف إلى المنزل قبيل المساء.
كان الجثمان قد نُقل للفحص، وأُغلقت الغرف غير المرتبطة بالتحقيق.
استقبله أحد أفراد الأدلة بتقرير أولي عن المكان.
لم يُعثر على آثار اقتحام سابقة للكسر الذي أحدثه ياسر والحارس، ولم يظهر ما يدل على عراك.
أما سبب الوفاة، فلم يكن قد حُسم بعد.
قال نواف: «وماذا عن القطعة المعدنية؟»
أخرج الرجل صورة مكبرة لها.
«قطعة صغيرة مجوفة، وفي أحد طرفيها ثقب منتظم.
لا نستطيع تحديد وظيفتها من شكلها وحده.
أرسلناها للفحص».
«والمبخرة؟»
«احتفظنا بمحتوياتها للفحص أيضًا.
لم نجد ما يسمح لنا بالقول إنها سبب الوفاة».
أومأ نواف.
كان يعرف أن التشابه بين الأشياء لا يجعلها أدلة، وأن الشك في شيء لا يعني إثبات دوره في الجريمة.
طلب صور المجلس التي التقطت صباحًا، ثم دخل الغرفة وحده بعد التأكد من خلوها من أي خطر معروف.
كانت المبخرة قد رُفعت من الطاولة، وبقي أثر دائري خفيف في موضعها.
وقف عند الكرسي الذي جلس فيه فهد، ثم نظر إلى الجدار المقابل.
الصورة العائلية كانت لا تزال معلقة، لكن أحد جانبي إطارها بدا أكثر نظافة من الآخر.
تذكر كلام مريم عن محاولة فهد تعديلها.
اقترب، وفحص حافتها دون أن يحركها.
وجد خدشًا حديثًا في الطلاء قرب المسمار العلوي، وآثار أصابع خفيفة على الخشب.
استدعى المصور الجنائي لتوثيق الموضع، ثم طلب رفع الإطار بحذر.
ظهر خلفه تجويف صغير في الجدار، أغلق بغطاء خشبي رقيق يكاد يندمج مع الطلاء.
لم يكن الغطاء محكمًا.
وعندما أزاحه نواف، وجد صندوقًا حديديًا أسود، لا يتجاوز حجم كتاب كبير.
كان للصندوق قفل صغير، وفي واجهته خدش قديم على هيئة نصف دائرة.
قال أحد أفراد الفريق: «نفتحه؟»
أجاب نواف: «بعد تصويره وتوثيق موضعه».
وقف ينتظر انتهاء التصوير.
لم يكن العثور على الصندوق دليلًا على جريمة، لكنه فسّر لماذا كان فهد يرفع الصورة ويعيدها.
وعندما حاول الفريق فحص القفل، تبين أنه مغلق.
تذكر نواف المفتاح الذي وصفته مريم، المربوط بخيط أسود.
طلب تفتيش درج المكتب ضمن إجراءات التحقيق المصرح بها، لكن المفتاح لم يكن هناك.
وجدوا الخيط الأسود وحده، مقطوعًا من طرفه، في زاوية الدرج.
قال نواف: «إذن المفتاح كان هنا».
أجابه زميله: «أو كان مربوطًا بهذا الخيط في وقت سابق».
نظر إليه نواف.
«صحيح.
لا نستبق النتيجة».
نُقل الصندوق إلى غرفة الأدلة، وفتح هناك بأداة مناسبة بعد توثيق حالته.
لم يكن بداخله مال ولا مجوهرات.
وجدوا دفترًا أسود صغيرًا، ونسخًا من إيصالات قديمة، وصورة لرجل يقف إلى جوار فهد أمام محل تجاري لا تظهر لافتته كاملة.
فتح نواف الدفتر بحذر.
كانت صفحاته مليئة بأسماء وتواريخ ومبالغ مالية.
بعض الأسماء تكرر أكثر من مرة، وبعضها شُطب بخط ثقيل.
لم تكن هناك عناوين تفسر طبيعة تلك المبالغ، لكن انتظامها أوحى بأنها سجل معاملات لم يرغب فهد في تركه ظاهرًا.
قلب نواف الصفحات حتى وصل إلى آخر اسم.
كان الاسم مكتوبًا وحده: «ياسر».
وتحته جملة قصيرة: «يعرف أين المفتاح».
بقي ينظر إلى العبارة.
كان ياسر قد أراه صباحًا حلقة مفاتيح البيت، لكنه لم يذكر مفتاحًا صغيرًا مربوطًا بخيط أسود.
هل قصد فهد مفتاح الصندوق، أم شيئًا آخر؟
لم يكن نواف يعرف.
وفي الصفحة التالية وجد سطرًا كُتب بحبر مختلف عن بقية الصفحات.
قرأه مرة، ثم أغلق الدفتر دون أن يتحدث.
سأله زميله: «ماذا وجدت؟»
قال نواف: «رسالة.
لكنني أريد التحقق ممن كتبها ومتى».
أعاد الدفتر إلى غلاف الأدلة، وطلب مقارنة الخط بما توفر من أوراق فهد، وفحص الحبر دون افتراض أن اختلافه يثبت زمن الكتابة.
ثم أخرج هاتفه واتصل بياسر.
أجابه بعد رنات طويلة.
«نعم يا ملازم؟»
«أحتاج أن تعود إلى البيت».
«الآن؟»
«نعم.
هناك شيء أريد أن أسألك عنه».
ساد صمت قصير.
ثم قال ياسر: «وجدت الدفتر، أليس كذلك؟»
لم يجب نواف فورًا.
نظر إلى الصندوق الحديدي المفتوح أمامه، ثم إلى اسم ياسر في الصفحة الأخيرة.
«كيف عرفت أنني أبحث عن دفتر؟»
سمع نواف نفسًا مضطربًا على الطرف الآخر.
قال ياسر أخيرًا: «لأن عمي أخبرني أنه إذا حدث له شيء، فلا أسمح لأحد بفتحه».
«ومن قال لك إنه فُتح؟»
لم تأتِ إجابة.
ثم انقطع الاتصال.
وقف نواف لحظة والهاتف في يده.
كان قد عثر على دفتر مخبأ، ومفتاح مفقود، ورسالة لا يعرف متى كُتبت.
لكن السؤال الذي أصبح أكثر إلحاحًا لم يكن متعلقًا بالصندوق.
كان متعلقًا بياسر، الذي عرف بوجود الدفتر قبل أن يخبره أحد بالعثور عليه.
وفي الخارج، بدأ الضوء ينحسر عن الزقاق القديم.
أما الباب الأخضر، فبقي مفتوحًا للمرة الأولى منذ سنوات، كأن البيت تخلى أخيرًا عن أقفاله، واحتفظ بأسراره.

القسم الثالث: الشاهد الأخير

«أخطر الأسرار ليس ما نخفيه عن الآخرين، بل ما نتركهم يصدقونه عنا».
لم يعد ياسر إلى البيت تلك الليلة.
أعاد نواف الاتصال به مرتين، ثم تلقى منه رسالة قصيرة: «سآتي صباحًا. أحتاج أن أفهم ما الذي حدث لعمي».
لم يرد الملازم.
كان يعرف أن الخوف قد يدفع الإنسان إلى الصمت، لكنه لا يحدد وحده إن كان ذلك الإنسان مذنبًا.
وضع الهاتف جانبًا، وفتح صورة الصفحة الأخيرة من الدفتر الأسود.
قرأ اسم ياسر والجملة المكتوبة تحته: «يعرف أين المفتاح».
ثم انتقل إلى الصفحة التالية، حيث السطر الذي لم يخبر به أحدًا بعد.
كان مكتوبًا: «إذا وصلت إلى هنا يا نواف، فاعلم أن قاتلي ليس ياسر».
أعاد قراءة العبارة ببطء.
لم يكن يعرف فهد معرفة شخصية، ولم يجد في سجلات اتصالاته ما يشير إلى لقاء سابق بينهما.
فلماذا كتب الرجل اسمه؟
والأهم، كيف استطاع أن يتحدث عن قاتله كما لو كان يعلم مسبقًا أنه سيموت؟
في صباح الجمعة، وصل تقرير أولي من الطبيب الشرعي.
لم تظهر على الجثمان إصابات تفسر الوفاة، ولم يكن الفحص قد أثبت تعرض فهد لمادة سامة.
احتاج المختبر إلى وقت إضافي لاستكمال التحاليل.
أما الصوت الذي سمعه الجيران قبل منتصف الليل، فلم يكن دليلًا على ساعة الوفاة.
قال نواف لزميله: «لن نبني القضية على صوت لم يرَ أحد مصدره».
أجابه: «ولا على مبخرة لا نعرف علاقتها بما حدث».
«بالضبط».
ثم طلب مراجعة التسجيلات المتاحة في الشوارع المؤدية إلى الزقاق، والتحقق من الرجل الذي اعتاد زيارة فهد بعد المغرب.
عند التاسعة، حضر ياسر إلى المركز.
لم ينم جيدًا؛ كان ذلك ظاهرًا في عينيه وفي الطريقة التي جلس بها على حافة الكرسي.
وضع نواف أمامه صورة الصندوق الحديدي.
«هل رأيت هذا من قبل؟»
نظر ياسر إليها طويلًا.
«نعم».
«أين؟»
«في مجلس عمي، قبل سنوات. ظننت أنه تخلص منه».
«وماذا كان بداخله؟»
«لا أعرف».
أخرج نواف صورة الصفحة الأخيرة من الدفتر.
قرأ ياسر اسمه، ثم انقبض وجهه عند الجملة التالية.
«يعرف أين المفتاح».
قال بصوت منخفض: «إذن لم ينسَ».
«ماذا لم ينسَ؟»
أطرق ياسر.
«قبل ثلاثة أشهر، طلب مني عمي أن أحتفظ بمفتاح صغير. كان مربوطًا بخيط أسود. قال إنه لا يريد أن يجده أحد في البيت».
«وأين وضعته؟»
«في صندوق أدوات قديم داخل مستودعي».
«هل لا يزال هناك؟»
«أظن ذلك».
سأله نواف: «لماذا لم تخبرني صباح أمس؟»
«لأنني لم أتذكر المفتاح عندما سألتني عن مفاتيح البيت. ثم رأيت صورة الدفتر، وفهمت ما كنت تبحث عنه».
«لكنك عرفت بوجود الدفتر قبل أن أذكره».
تنهد ياسر.
«عمي أخبرني أنه يسجل فيه أسماء أشخاص أخذوا أموالًا من آخرين ولم يعيدوها. قال إن بعضهم سيؤذيه إن عرف أنه احتفظ بالأدلة».
«وهل كان عمك أحد المتضررين؟»
«لم يكن بريئًا تمامًا».
انتظر نواف.
«كان شريكًا في تجارة قديمة. لم يخبرني بتفاصيلها، لكنه قال إنه استفاد من أموال لم تكن له، وإنه يريد ردها قبل موته».
سأل نواف: «هل طلب منك مساعدته؟»
«نعم. لكنني رفضت أن أكون وسيطًا بينه وبين أناس لا أعرفهم».
صمت قليلًا، ثم قال: «كنت غاضبًا منه. ظننت أنه يريد تحميلني أخطاءه».
لم يعلق نواف.
أخرج صورة الرجل الواقف إلى جوار فهد أمام المحل القديم.
تغير وجه ياسر فورًا.
«تعرفه؟»
«اسمه جابر».
«ما علاقته بعمك؟»
«كان شريكه».
«هل ما زال حيًا؟»
«نعم، على حد علمي».
«وأين نجده؟»
هز ياسر رأسه.
«لا أعرف عنوانه. لكن عمي كان يخاف منه».
رفع نواف عينيه.
«هل قال ذلك صراحة؟»
«قال مرة: جابر لا يخاف خسارة المال، بل يخاف أن يعرف الناس كيف كسبه».
سجل نواف العبارة بوصفها شهادة ياسر، لا حقيقة ثابتة.
ثم سأله عن المكالمة الأخيرة.
«لماذا طلب منك عمك الحضور صباحًا؟»
«قال إنه قرر أن يخبرني بكل شيء. وإن المفتاح الذي أعطاني إياه سيصبح مهمًا».
«وهل أخبرته أنك ستأتي؟»
«نعم».
«هل قلت لأحد غيره؟»
تردد ياسر.
«لزوجتي فقط».
لم يكن ذلك جوابًا يثبت براءته أو يدينه.
طلب نواف التحقق من مكان المفتاح، ثم عاد إلى المكتب بعد انتهاء المقابلة.
كانت صورة جابر على الشاشة أمامه.
وصلته نتيجة أولية لمراجعة بعض التسجيلات.
ظهرت سيارة تقف عند مدخل الزقاق مساء الخميس، ثم تغادر بعد نحو نصف ساعة.
لم تكن الكاميرا تواجه الباب الأخضر، ولم يظهر وجه السائق.
لكن رقم اللوحة كان مقروءًا جزئيًا.
قال زميله: «قد تكون السيارة بلا علاقة».
أجابه نواف: «لهذا سنعرف صاحبها قبل أن نستنتج شيئًا».
في الظهيرة، عاد أحد أفراد الفريق من مستودع ياسر.
عُثر على مفتاح صغير داخل صندوق أدوات، مربوط بخيط أسود يشبه الخيط الذي وجد في درج فهد.
أُرسل المفتاح للفحص والمقارنة بقفل الصندوق الحديدي.
وبعد التحقق من ملاءمته، ثبت أنه يفتح القفل.
نظر نواف إلى النتيجة دون ارتياح.
كان تفسير عبارة «يعرف أين المفتاح» قد أصبح واضحًا، لكن ذلك لم يفسر الرسالة الموجهة إليه باسمه.
ولم يفسر لماذا احتفظ فهد بنسخة من الخيط في مكتبه بعد أن سلم المفتاح لابن أخيه.
في المساء، وصلته معلومة أخرى.
الساعة المتوقفة في المجلس لم تكن معطلة.
كانت بطاريتها قد أُزيلت، ووُضعت داخل درج الطاولة.
لم يجد الفريق دليلًا يحدد من فعل ذلك أو متى.
ومع ذلك، أعاد نواف النظر في صور المجلس.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة وسبع دقائق.
سأل نفسه إن كان أحدهم قد أراد تثبيت وقت معين في أذهان من سيدخلون المنزل، أم أن الساعة توقفت قبل أيام لسبب لا علاقة له بالوفاة.
لم يسمح لنفسه باختيار الإجابة التي تبدو أكثر إثارة.
وقبل مغادرته المركز، طلب من زميله إعادة فحص أوراق فهد القديمة بحثًا عن اسم نواف.
لم تمضِ ساعة حتى وجدوا ظرفًا بين مستندات محفوظة في درج آخر.
كان عليه اسم الملازم كاملًا، بخط يشبه خط الرسالة.
لم يكن الظرف مختومًا.
فتحه نواف بعد توثيقه، فوجد ورقة واحدة.
قرأها واقفًا.
«إلى نواف: لم نلتقِ، لكنني أعرف أنك ابن الرجل الذي حاول إيقاف ما فعلناه قبل خمسة وعشرين عامًا. إن وصلت إليك هذه الأوراق، فلا تجعل القرابة تحجب عنك الحقيقة».
تجمدت عيناه عند كلمة «ابن».
كان والده قد توفي منذ سنوات، ولم يحدثه قط عن فهد أو جابر.
لم يعرف نواف إن كانت الرسالة صادقة، ولا كيف حصل فهد على اسمه.
لكنه أدرك أن التحقيق تجاوز حدود منزل لم يكن يعرف صاحبه.
أعاد الورقة إلى غلافها، واتصل بزميله.
«أريد الملف القديم الذي يخص جابر وفهد، إن كان له وجود في الأرشيف».
«عن أي قضية نبحث؟»
نظر نواف إلى الرسالة مرة أخرى.
«لا أعرف بعد».
في تلك اللحظة، رن هاتفه.
كان المتصل أحد أفراد الدورية المكلفة بحراسة البيت.
قال بصوت متوتر: «يا ملازم، هناك امرأة أمام الباب الأخضر. تصر على الدخول».
«من هي؟»
«ترفض ذكر اسمها. لكنها تقول إنها تعرف فهد».
«اطلب منها الانتظار. أنا قادم».
تردد الشرطي، ثم أضاف: «هناك شيء آخر».
«ما هو؟»
«تقول إننا نحقق في وفاة حدثت في الوقت الخطأ».
انقبض حاجبا نواف.
«ماذا تقصد؟»
جاءه صوت المرأة من بعيد، مرتفعًا بما يكفي ليلتقطه الهاتف:
«فهد لم يمت الليلة الماضية!»
سكت نواف لحظة.
ثم سأل: «هل تقول إنها رأته حيًا بعد ذلك؟»
لم يجبه الشرطي مباشرة.
سمع حركة مضطربة، وصوت باب سيارة يُفتح، ثم عاد صوت الرجل:
«تقول إنها رأته ميتًا قبل ثلاثة أيام».
خرج نواف من مكتبه مسرعًا، لكنه لم ينهِ المكالمة.
«لا تسمح لها بالمغادرة. ولا تسألها عن التفاصيل قبل وصولي».
وحين وصل إلى الزقاق، كانت المرأة تقف أمام الباب الأخضر، تمسك حقيبة جلدية قديمة بكلتا يديها.
بدت في أواخر الخمسينيات، متعبة، لكن عينيها ثابتتان.
توقفت عن الكلام عندما رأته.
قال نواف: «أنا الملازم نواف. أريد أن أفهم ما قلتِه للدورية».
نظرت إلى الباب المفتوح خلفه.
«هل وجدتم الدفتر؟»
لم يجبها.
سألها: «من أنتِ؟»
قالت: «اسمي هدى. كنت زوجة جابر».
«وكيف تعرفين أن فهد مات قبل ثلاثة أيام؟»
أخرجت من حقيبتها هاتفًا قديمًا، وفتحت صورة محفوظة فيه.
ناولته الجهاز دون أن تقترب منه.
ظهرت في الصورة غرفة ذات جدران بيضاء، وعلى سرير ضيق رجل ممدد، لم يظهر من وجهه إلا جانبه الأيسر.
كان يشبه فهد.
وفي أسفل الصورة تاريخ يعود إلى ثلاثة أيام.
قالت هدى: «التقطت هذه الصورة عندما طلب مني جابر أن أشهد على وفاته».
نظر نواف إليها.
«صورة الهاتف لا تثبت وقت التقاطها، ولا تثبت أن الرجل كان ميتًا».
«أعرف».
«إذن لماذا جئتِ؟»
رفعت رأسها إلى النافذة المطلة على الزقاق.
«لأن الرجل الذي وجدتموه في المجلس قد يكون فهد. لكنني لا أعرف من الذي كان على ذلك السرير».
ساد صمت قصير.
ثم أضافت: «وجابر يعرف».
لم يكن نواف قد عرف بعد إن كانت المرأة تقول الحقيقة، أو إن كانت الصورة جزءًا من خدعة.
لكنه أدرك أن عليه إعادة التحقق من هوية الجثمان، ومن كل شهادة افترضت أن الرجل الجالس في المجلس هو صاحب البيت.
نظر إلى الباب الأخضر.
كانت الأقفال الثلاثة معلقة في مواضعها، عاجزة عن حماية أي تفسير.
وللمرة الأولى، لم يسأل نواف كيف دخل القاتل.
سأل نفسه سؤالًا آخر: «من الذي مات فعلًا؟»

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات