رواية جبل مَضَاء

رواية 📅 سبتمبر 06, 2026


رواية غموض ورعب نفسي تدور حول راكان الذي يصل إلى قرية نائية بحثًا عن بيت جده، حاملًا مفتاحًا وخريطة وصورة قديمة. عند سفح جبل مَضَاء، تتوالى التحذيرات والظواهر الغامضة، ويقوده اتصال مستحيل إلى سر عائلي دفين ينتظر من يكشفه.

الفصل الأول: الطريق الذي لا يعود منه أحد

«أحيانًا لا يكون الطريق إلى الماضي طويلًا، بل يكون الرجوع منه مستحيلًا.»

لم يكن أهل القرية يذكرون اسم الجبل بعد غروب الشمس. كانوا يشيرون إليه فقط، كأن التلفظ باسمه قد يستدعي شيئًا لا يريدون رؤيته. وفي النهار، حين يسأل غريب عن الجبل الذي يرتفع خلف البيوت الحجرية، يجيبونه باسمه المعروف: جبل مَضَاء. أما كبار السن فكانوا يعرفون له اسمًا آخر، لا يُقال أمام الأطفال: جبل النائمين.
وصل آسر إلى القرية قبل المغرب بساعة. كان يقود سيارته وحيدًا، وقد أمضى منذ الصباح في الطريق أكثر مما توقع. امتدت أمامه الصحراء بلونها الأصفر الباهت، وتفرقت الصخور على جانبي الطريق كأنها بقايا جدران انهارت منذ زمن بعيد. لم تظهر القرية إلا بعد المنعطف الأخير، ببيوتها القليلة المتباعدة ومسجدها الصغير ودكانها القديم، وخلفها الجبل.
أوقف السيارة قرب الدكان. لم يرَ أحدًا في الشارع. كانت هناك دراجة صدئة مسندة إلى جدار، وستارة تتحرك خلف نافذة منخفضة. دخل الدكان، فرفع الرجل الجالس خلف المنضدة عينيه عن دفتر مفتوح أمامه. كان في أواخر الخمسينيات، عريض الكتفين، وعلى وجهه تجاعيد رجل اعتاد النظر إلى الأشياء قبل أن يتحدث عنها.
قال آسر: «السلام عليكم.»
أجابه الرجل: «وعليكم السلام.»
قال آسر: «أبحث عن بيت قديم في طرف القرية.»
لم يرد الرجل فورًا. أغلق الدفتر ووضع كفه عليه، ثم سأله: «بيت من؟»
أجابه آسر: «كنان.»
تغير وجه الرجل. لم يكن تغيرًا كبيرًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي. نظر نحو الباب المفتوح، ثم عاد إلى آسر وسأله: «وش تبي فيه؟»
قال آسر: «كان بيت جدي.»
سكت الرجل. وفي الخارج مرت هبة ريح قصيرة، حركت كيسًا فارغًا على عتبة الدكان. ثم سأله: «أنت ولد مازن؟»
أجابه: «نعم.»
خفض الرجل عينيه وقال: «الله يرحمه.»
قال آسر: «آمين.»
لم يسأله آسر كيف عرف والده. كان يتوقع أن يعرفه أحد هنا، لكنه لم يتوقع أن يُعرف بهذه السرعة. نظر إلى الرجل وسأله: «أنت يزن؟»
رفع الرجل رأسه وقال: «من قال لك اسمي؟»
أجابه آسر: «أبي ذكره من قبل.»
نظر يزن إليه طويلًا، ثم قال: «والدك كان يعرف أفضل من أن يأتي إلى هنا.»
قال آسر: «ولهذا جئت أنا.»
سأله يزن: «من أرسلك؟»
أجابه: «ما أحد أرسلني.»
قال يزن: «إذن ارجع.»
قالها بهدوء، كأنه ينصحه بتجنب طريق مقطوع، لا بالعودة من قرية وصل إليها بعد ساعات من القيادة. لم يتحرك آسر من مكانه، وقال: «أحتاج أشوف البيت فقط.»
قال يزن: «لا تسأل عنه.»
سأله آسر: «لماذا؟»
تحرك يزن خلف المنضدة، وأدار مفتاحًا صغيرًا في درج خشبي، ثم قال: «لأن بعض الأسئلة إذا عرفت جوابها، ما عاد ينفعك أنك عرفت.»
لم يجد آسر ما يقوله. انتظر لحظة، ثم أخرج من جيبه صورة قديمة ووضعها على المنضدة. سأل يزن: «هل تعرف هؤلاء؟»
لم يمد يزن يده. نظر إلى الصورة من مكانه. ظهر فيها رجال يقفون أمام بيت حجري، وكانت ملامحهم باهتة بفعل الزمن. أشار آسر إلى الرجل الواقف في الوسط وسأله: «هذا جدي كنان، صحيح؟»
هز يزن رأسه ببطء، ثم سأل: «متى التُقطت؟»
أجابه آسر: «قبل اثنتين وأربعين سنة.»
انتقلت عينا يزن إلى أقصى طرف الصورة. هناك، خلف الرجال، كان طفل صغير يقف ملاصقًا للجدار. وجهه شاحب، وعيناه متجهتان نحو العدسة.
سأل آسر: «من هذا الطفل؟»
رفع يزن نظره إليه وسأله: «من وين جبت الصورة؟»
قال آسر: «كانت في ظرف تركه أبي.»
سأله يزن: «وش كان معه؟»
تردد آسر. لم يكن يعرف لماذا شعر فجأة أن عليه ألا يذكر كل شيء، فاكتفى بقوله: «خريطة.»
أعاد يزن النظر إلى الصورة، ثم دفعها نحوه بطرف إصبعه وقال: «خذها.»
سأله آسر: «أنت تعرف الطفل؟»
قال يزن: «قلت لك ارجع.»
نهض يزن وأغلق الدفتر مرة أخرى، مع أنه كان مغلقًا بالفعل. ثم تحرك نحو باب الدكان. فهم آسر أن الحديث انتهى، فأخذ الصورة وخرج.
كانت الشمس قد بدأت تنخفض خلف البيوت، وامتد ظل الجبل فوق الجزء البعيد من القرية. وقف آسر قرب سيارته وأخرج الظرف من الحقيبة. كان ورقه أصفر عند الحواف، وقد انثنى أحد أركانه من كثرة ما فُتح وأُغلق. وجده بين أغراض والده مازن بعد وفاته. لم يكن عليه اسم مرسل، ولا تاريخ.
في داخل الظرف مفتاح صدئ، وخريطة صغيرة مرسومة بخط اليد، والصورة التي عرضها على يزن. لم يكن آسر يعرف لماذا احتفظ والده بهذه الأشياء. كل ما عرفه عن البيت أنه قديم، وأن العائلة تركته منذ أكثر من خمسين عامًا بعد حادثة لم يرغب أحد في الحديث عنها.
كان والده يغيّر الموضوع كلما سُئل عن القرية. وحين كان آسر طفلًا، ظن أن الأمر مجرد خلاف عائلي. ثم كبر، وتعلم أن بعض الصمت لا يشبه الخصام.
فرد الخريطة على غطاء السيارة. كان الطريق الرئيسي مرسومًا بخط مستقيم، والدكان مربعًا صغيرًا، أما البيت فظهر في أقصى طرف القرية، عند بداية السفح. وتحت رسم البيت خط قصير يشير إلى جزء لم يفهمه. قلب الورقة، فوجد جملة مكتوبة بخط مختلف: «لا تفتح الباب السفلي.»
قرأها مرتين. لم تكن وصية تشرح شيئًا، ولا تحذيرًا يحدد خطرًا. كانت أمرًا مباشرًا، تركه شخص يعرف أن هناك بابًا يجب ألا يُفتح.
رفع رأسه نحو الجبل، فرأى الضوء هناك. نقطة بيضاء قرب السفح العلوي. لم تكن تتحرك، ولم يكن حولها بيت أو طريق ظاهر. ضوء. ضوء واحد. أبيض. ثابت.
أخرج هاتفه ووجه الكاميرا نحوه. ظهر الجبل على الشاشة معتمًا، ولم تظهر النقطة البيضاء. خفض الهاتف، فعادت أمام عينيه واضحة. نظر مرة أخرى إلى الشاشة، فلم يرَ شيئًا.
سمع وقع خطوات خلفه، فاستدار. كان الشارع خاليًا. باب الدكان مغلق، والستارة التي رآها عند وصوله لم تعد تتحرك.
نادى: «يزن؟»
لم يجبه أحد.
عاد إلى السيارة، لكنه توقف حين رأى ورقة صغيرة تحت ماسحة الزجاج الأمامي. لم تكن هناك قبل دخوله الدكان. سحبها وقرأ ما كُتب عليها: «لقد تأخرت.»
نظر حوله. لم يرَ أحدًا عند النوافذ أو خلف الجدران. كانت العبارة مكتوبة بقلم أسود، بخط واضح لا يشبه خط التحذير على الخريطة.
أخرج هاتفه. لا إشارة. حاول الاتصال. لا شيء.
وقف لحظة يفكر في العودة. كان يستطيع أن يقود سيارته إلى الطريق الرئيسي، وأن يترك الجبل والبيت والصورة خلفه. لن يمنعه أحد. لكن شيئًا في نظرة يزن إلى الطفل جعله غير قادر على المغادرة.
أعاد الظرف إلى الحقيبة، ثم جلس خلف المقود. تتبع الطريق المرسوم على الخريطة. كان عليه أن يعبر القرية، وينعطف عند جدار حجري طويل، ثم يتقدم نحو البيت الأخير.
شغّل المحرك، وفي اللحظة نفسها رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. لم يكن هناك رقم، بل كلمة واحدة فقط: «الجد».
تجمدت يده فوق المقود. لم يسجل هذا الاسم في هاتفه، ولم يكن لجده رقم يعرفه. نظر إلى أعلى الشاشة. لا إشارة. ومع ذلك استمر الرنين.
ضغط زر الرد وقال: «ألو؟»
لم يسمع جوابًا. كان هناك تشويش خفيف، وصوت تنفس بعيد. أعاد السؤال: «من معي؟»
طال الصمت، ثم جاء الصوت: «آسر.»
شعر بأن أصابعه بردت. لم يسمع هذا الصوت إلا في تسجيل قديم احتفظ به والده. كان التسجيل قصيرًا، يتحدث فيه كنان عن يوم عادي، وعن مطر تأخر عن القرية. استمع إليه آسر مرات كثيرة بعد وفاة مازن، حتى حفظ نبرته. والآن كان الصوت نفسه يأتيه من الهاتف.
قال بصعوبة: «جدي؟»
سمع نفسًا بطيئًا، ثم قال الصوت: «اسمعني زين.»
أغمض آسر عينيه لحظة، ثم فتحهما وسأل: «أين أنت؟»
لم يجبه الصوت عن سؤاله، بل قال: «لا تفتح الباب السفلي.»
سأل آسر: «أي باب؟ ماذا حدث لكم؟»
تداخل التشويش مع الكلمات. اقترب آسر من الهاتف كأن ذلك سيجعله يسمع أفضل، ثم قال: «جدي، انتظر.»
انقطع الاتصال. ظل ينظر إلى الشاشة. اختفت كلمة «الجد»، وعاد الهاتف إلى حالته العادية. لا مكالمة في السجل، ولا إشارة.
أدار رأسه نحو البيت الذي رسمته الخريطة. كان بعيدًا بما يكفي ليبدو مجرد كتلة داكنة عند السفح. وفي مكان بعيد، داخل الجبل، دق جرس.
مرة واحدة. ثم مرة ثانية.
لم يكن الصوت عاليًا، لكنه وصل واضحًا، كأنه خرج من تجويف عميق تحت الصخور. رفع آسر رأسه. اختفى الضوء الأبيض من موضعه على الجبل.
ثم بدأت القرية كلها تظلم بيتًا بعد بيت. انطفأت نافذة قرب المسجد، ثم نافذتان خلف الدكان، ثم الضوء الصغير عند نهاية الشارع. لم يسمع صراخًا، ولم يخرج أحد من البيوت.
حتى لم يبقَ مضاءً سوى نافذة واحدة. نافذة البيت القديم عند سفح الجبل. بيت جده.
وكان خلفها… رجل يقف وينتظر.

الفصل الثاني: بيت كنان

«ليس أكثر رعبًا من بيتٍ تعرف أنه مهجور، ثم تجد من ينتظرك داخله.»

ظل آسر يحدق في النافذة المضاءة عند سفح الجبل. كان الرجل واقفًا خلف الزجاج، لا يتحرك ولا يقترب. لم يستطع تمييز ملامحه، لكن وقفته كانت واضحة بما يكفي ليدرك أنه يواجه الشارع، كأنه يراقب السيارة منذ وصولها. رفع آسر هاتفه وصوّر النافذة، فظهرت في الصورة بقعة صفراء صغيرة وسط العتمة، لكن الرجل لم يظهر.
قرّب الصورة بأصابعه، فلم يجد سوى انعكاس باهت على الزجاج. رفع رأسه، فرأى الرجل كما كان. أنزل الهاتف ببطء ووضعه على المقعد المجاور. لم يكن أمامه سوى طريق ضيق يمر بين البيوت الحجرية ثم يصعد قليلًا نحو السفح. وضع السيارة في وضع القيادة وتحرك، محاولًا إبقاء عينيه على الطريق.
كانت الأزقة أضيق مما بدت من الشارع الرئيسي. جدران مرتفعة، وأبواب خشبية مغلقة، ونوافذ صغيرة لا يصدر منها ضوء. مر بجانب بئر قديمة غُطيت فوهتها بألواح خشبية، ثم وصل إلى ساحة ترابية تنتهي عندها الطريق. هناك ظهر البيت أمامه كاملًا.
كان أكبر من بقية بيوت القرية. يتألف من طابقين، بُني من حجارة داكنة تتخللها خطوط بيضاء من ملاط قديم. في واجهته باب خشبي عريض، وفوقه نافذتان. إحداهما هي التي رآها من بعيد، لكنها كانت الآن مظلمة.
أوقف السيارة قرب جدار منخفض، وأبقى المصابيح الأمامية مضاءة. خرج حاملًا حقيبته الصغيرة والظرف. كانت رائحة التراب البارد تملأ المكان، ومعها رائحة أخرى تشبه الخشب الذي ابتل ثم جف مرات كثيرة. رفع رأسه نحو النافذة، فلم يكن خلفها أحد.
قال بصوت مسموع: «فيه أحد؟»
لم يجبه سوى صوت الريح وهي تمر بين حجارة الجدار. اقترب من الباب الرئيسي، فرأى أن الخشب متشقق عند الأطراف، وفي وسطه حلقة حديدية كبيرة. وجد إلى جانب الباب أثرًا مستطيلًا بلون أفتح من بقية الحجارة، كأن لوحة كانت معلقة هناك ثم أُزيلت. مرر أصابعه على الموضع، فشعر بخشونة الحجر.
طرق الباب ثلاث مرات وانتظر. لم يسمع حركة في الداخل. طرق مرة أخرى، ثم أمسك الحلقة الحديدية وسحبها. لم يتحرك الباب. دفعه بكتفه، فصدر منه صوت احتكاك قصير، لكنه بقي مغلقًا.
تذكر المفتاح. أخرج الظرف وفتح طرفه بحذر. كان المفتاح ثقيلًا على غير ما توقع، وسنه طويلًا ومتآكلًا. نظر إلى القفل المثبت في الباب، ثم أدخل المفتاح فيه. استقر بسهولة، لكنه لم يستدر من المحاولة الأولى.
ضغط قليلًا، فسمع طقطقة معدنية. استدار المفتاح، وتراجع آسر خطوة. لم يكن متأكدًا مما أخافه أكثر: أن يجد الباب مغلقًا، أم أن يكتشف أن المفتاح الذي تركه والده يصلح لفتحه بعد كل هذه السنوات.
دفع الباب ببطء. تحرك مسافة قصيرة، ثم توقف عند شيء خلفه. دفعه مرة أخرى، فسمع احتكاكًا ثقيلًا بالأرض. انفتح فراغ يكفي لمروره، فتسلل إلى الداخل وأضاء مصباح هاتفه.
كان أول ما رآه كرسيًا خشبيًا مقلوبًا خلف الباب. انحنى وأزاحه، ثم أغلق الباب دون أن يقفله. امتد أمامه ممر قصير ينتهي بساحة داخلية مكشوفة، تحيط بها غرف ذات أبواب مرتفعة. غطى الغبار الأرض، لكن المكان لم يكن مهجورًا تمامًا كما توقع.
كانت هناك آثار أقدام.
انحنى ليتفحصها. لم تكن واضحة بما يكفي لمعرفة شكل الحذاء، لكنها بدت أحدث من الغبار المحيط بها. امتدت من الباب نحو الساحة، ثم اختفت عند عتبة إحدى الغرف. رفع آسر المصباح وتتبعها بعينيه.
قال: «من هنا؟»
لم يجبه أحد. تقدم حتى وصل إلى الساحة. كان في وسطها حوض حجري جاف، وعلى حافته إناء معدني مقلوب. فوقه امتدت فتحة السماء، وظهر جزء من الجبل ككتلة سوداء تحجب النجوم.
التفت نحو الغرفة التي انتهت عندها الآثار. كان بابها مواربًا، ومن داخله انبعثت رائحة ورق قديم. دفعه بأطراف أصابعه، فظهر مجلس واسع تتوزع فيه وسائد باهتة. على الجدار المقابل ساعة متوقفة، وتحتها رف خشبي يحمل مصباحًا زيتيًا وعلبة معدنية.
اقترب من الساعة. كانت عقاربها تشير إلى التاسعة وسبع عشرة دقيقة. لم يكن يعرف متى توقفت، لكنه شعر برغبة غريبة في حفظ الوقت. أخرج هاتفه لالتقاط صورة، ثم لاحظ شيئًا على الأرض قرب الرف.
كانت قطعة قماش صغيرة مطوية بعناية.
رفعها بطرف إصبعه. لم يغطها الغبار مثل بقية الأشياء. كان لونها أزرق داكنًا، وعلى أحد أطرافها خيط أبيض مفكوك. لم يعرف لمن تعود، فوضعها مكانها.
انتقل إلى الرف وفتح العلبة المعدنية. وجد داخلها أعواد ثقاب قديمة، وورقة مطوية، وصورة صغيرة التُقطت أمام البيت نفسه. أمسك الصورة وقربها من الضوء.
كان جده كنان واقفًا قرب الباب، وإلى جانبه رجل لم يتعرف إليه. خلفهما ظهر جزء من الجدار الحجري، وفي أقصى الصورة طفل صغير ينظر نحو العدسة.
تسارعت أنفاس آسر. أخرج الصورة التي أحضرها من الظرف، ووضع الصورتين جنبًا إلى جنب. كان الطفل في الصورتين يرتدي قميصًا فاتح اللون، ويقف بالطريقة نفسها تقريبًا. لكن الصورتين لم تُلتقطا في اللحظة ذاتها؛ فقد اختلفت مواقع الرجال وظلالهم.
قلب الصورة الجديدة، فوجد تاريخًا قديمًا مكتوبًا بقلم رصاص. حاول قراءة الأرقام، لكن الرطوبة محَت بعضها. وتحت التاريخ ظهرت كلمة واحدة، كُتبت بخط صغير: «انتظر».
أعاد النظر إلى الطفل. كان وجهه ضبابيًا قليلًا، لكن عينيه بدتا واضحتين على نحو غير مألوف. تذكر نظرة يزن إلى الصورة في الدكان، وطريقته في تجنب السؤال. وضع الصورتين داخل الظرف، وفتح الورقة المطوية التي وجدها في العلبة.
لم تكن رسالة كاملة. كانت قائمة قصيرة بأسماء وأرقام، شُطبت معظمها بخطوط متقاطعة. وفي أسفل الصفحة عبارة بخط مختلف: «لا تعدّ من خرجوا. عدّ من بقوا.»
قرأ آسر العبارة بصوت منخفض. لم يفهم المقصود، لكنه شعر أن الورقة ليست مجرد ملاحظة قديمة. التقط لها صورة، ثم أعادها إلى العلبة. وبينما كان يغلق الغطاء، سمع صوت احتكاك فوق رأسه.
رفع المصباح نحو السقف.
تكرر الصوت.
كان أشبه بقدم تُسحب ببطء فوق أرض خشبية.
خرج إلى الساحة ونظر إلى الطابق العلوي. امتد ممر ضيق خلف حاجز حجري منخفض، وانتهى عند النافذة التي رآها مضاءة من الخارج. لم يكن هناك أحد، لكن أحد الأبواب في الأعلى كان مفتوحًا.
وجد السلم في زاوية الساحة. كانت درجاته الحجرية متآكلة عند الوسط، وعلى الجدار المجاور آثار خطوط سوداء تشبه الدخان. صعد بحذر، متجنبًا الأجزاء المتشققة. وعند الدرجة الأخيرة توقف.
كانت هناك رائحة دخان خفيفة.
نظر إلى الممر. لم يرَ مصدرًا لها. تحرك نحو النافذة، فوجد الغرفة التي تطل منها مفتوحة. أضاء داخلها قبل أن يدخل.
احتوت الغرفة على سرير حديدي ضيق، وخزانة خشبية، وطاولة صغيرة قرب النافذة. كان الغبار يغطي كل شيء باستثناء مساحة مستطيلة على الطاولة. بدت نظيفة نسبيًا، كأن شيئًا كان موضوعًا فوقها ثم رُفع حديثًا.
اقترب من النافذة. من هذا الموضع استطاع رؤية الساحة الترابية التي أوقف فيها سيارته. كانت المصابيح الأمامية لا تزال مضاءة، وتنعكس على الحجارة المقابلة. وقف في المكان الذي رأى فيه الرجل، ثم التفت نحو الغرفة.
لم يجد ما يدل على وجود شخص.
فتح الخزانة. كانت فارغة إلا من معطف قديم معلّق على مسمار، وصندوق خشبي صغير في الأسفل. حاول رفع الصندوق، فوجده مقفلًا. تفحص قفله، ثم أخرج المفتاح الذي فتح به الباب الرئيسي. لم يناسبه.
أعاد الصندوق إلى مكانه. وحين استقام، لاحظ انعكاسًا خافتًا على زجاج النافذة. التفت بسرعة، فرأى وجهه وحده. بقي واقفًا لحظة، ثم اقترب من الزجاج.
كانت هناك بصمة كف على سطحه الداخلي.
رفع يده وقارن حجمها بحجم كفه. بدت أصغر قليلًا. مرر إصبعه قربها دون أن يلمسها، ولاحظ أن الغبار قد أُزيح عن موضع الأصابع.
لم تكن بصمة قديمة.
أطفأ مصباح الهاتف.
غمر الظلام الغرفة، ولم يبقَ سوى ضوء بعيد من مصابيح السيارة. انتظر حتى اعتادت عيناه العتمة. عندها رأى أن النافذة تعكس جزءًا من الغرفة خلفه، والباب المفتوح، وحافة السرير.
ثم سمع صوتًا في الممر.
لم يكن وقع خطوات هذه المرة، بل صوت شيء صغير يسقط على الحجر.
أعاد تشغيل المصباح وخرج. وجد قرب عتبة الغرفة قطعة معدنية مستديرة، بحجم عملة صغيرة. انحنى والتقطها، فتبين أنها زر قديم من النحاس، محفور على وجهه شكل يشبه الهلال.
رفع رأسه نحو نهاية الممر.
كان الباب الذي رآه مفتوحًا عند صعوده قد أُغلق.
تقدم نحوه ببطء. أمسك المقبض وحاول فتحه، فلم يتحرك. طرق الباب وانتظر. لم يسمع شيئًا. ثم وضع أذنه قرب الخشب.
جاءه صوت خافت من الداخل.
لم يستطع تمييز الكلمات. بدا كأن شخصًا يهمس من مسافة بعيدة، ثم ساد الصمت. تراجع آسر وطرق الباب مرة أخرى.
قال: «أنا آسر. إذا فيه أحد بالداخل، رد عليّ.»
لم يأته جواب.
عاد إلى السلم ونزل مسرعًا. كان يريد الخروج والعودة إلى الدكان، لكنه توقف في منتصف الساحة حين رأى الباب الرئيسي.
كان مفتوحًا.
تذكر جيدًا أنه أغلقه خلفه عند الدخول. لم يكن مقفلًا، لكنه تركه مستقرًا في موضعه. الآن كان مفتوحًا إلى الداخل بمقدار ذراع، والكرسي الذي أزاحه قد عاد إلى مكانه قرب العتبة.
اقترب من الباب ونظر إلى الخارج. كانت سيارته في موضعها، والشارع خاليًا. لم يرَ أحدًا بين الجدران.
ثم لاحظ شيئًا على الأرض.
كانت آثار الأقدام التي رآها عند دخوله تمتد الآن في اتجاه مختلف. تبدأ من الساحة وتتجه نحو الباب، وتتوقف عند العتبة. لم يستطع تحديد إن كانت آثارًا جديدة أم أنه لم ينتبه إليها سابقًا.
انحنى ليتفحصها، فسمع صوتًا خلفه.
«آسر.»
استدار بعنف.
لم يكن هناك أحد.
جاء الصوت مرة أخرى، أكثر خفوتًا، من جهة الغرفة التي وجد فيها الصور. تقدم نحوها وأضاء الداخل. بقي المجلس كما تركه، والساعة معلقة على الجدار، والعلبة المعدنية فوق الرف.
لكن شيئًا تغير.
كانت الساعة تعمل.
سمع دقاتها المنتظمة قبل أن يقترب. نظر إلى العقارب، فوجدها تتحرك ببطء. كانت تشير الآن إلى التاسعة وثماني عشرة دقيقة.
تراجع خطوة، ثم رفع هاتفه ليتأكد من الوقت. أظهرت الشاشة الثامنة وإحدى عشرة دقيقة مساءً.
نظر إلى الساعة مرة أخرى. استمرت عقاربها في الحركة.
لم يلمسها أحد أمامه، ولم يسمع صوت آلية تُدار. ومع ذلك كانت تعمل بعد أن رآها متوقفة. مد يده نحوها، ثم تراجع قبل أن يصل إليها.
في تلك اللحظة، سمع رنينًا بعيدًا.
الجرس نفسه الذي سمعه من داخل الجبل.
دقة واحدة، ثم صمت.
اهتز زجاج النافذة الصغيرة في المجلس اهتزازًا خفيفًا. سقطت حبيبات من الغبار عن إطارها، ثم استقر كل شيء.
خرج آسر إلى الساحة. رفع رأسه نحو الجبل، لكنه لم يرَ سوى العتمة. شعر أن البيت صار أضيق مما كان عند دخوله، وأن الهواء لم يعد يتحرك بين جدرانه.
تذكر العبارة المكتوبة على الخريطة: «لا تفتح الباب السفلي.»
نظر حوله. لم يرَ بابًا يؤدي إلى الأسفل. كان البيت يتألف من غرف أرضية وطابق علوي، ولم يلاحظ سلمًا آخر أو مدخلًا تحت الأرض.
عاد إلى الخريطة وأضاءها بهاتفه. تتبع الرسم الصغير أسفل البيت. لم يكن خطًا عشوائيًا كما ظن في البداية، بل بدا أقرب إلى ممر قصير ينتهي بمربع.
رفع رأسه نحو الجدار الخلفي للساحة.
كانت هناك غرفة صغيرة لم يدخلها بعد.
تقدم نحوها. كان بابها منخفضًا، وتغطيه طبقة سميكة من الغبار. وجد المقبض باردًا على نحو لافت. دفع الباب، فانفتح بصعوبة، وظهرت خلفه غرفة تخزين ضيقة.
تراكمت فيها جرار فخارية مكسورة، وألواح خشبية، وأكياس قماش بالية. أضاء الزوايا واحدة تلو الأخرى، ثم لاحظ أن أحد الألواح يستند إلى الجدار بزاوية غير طبيعية.
أزاحه.
ظهر خلفه تجويف مستطيل في الحائط، وفي داخله حلقة حديدية مثبتة في لوح خشبي منخفض. لم يكن بابًا بالمعنى المعتاد، بل غطاءً ثقيلًا يغلق فتحة في الأرض.
جلس آسر على ركبتيه وحدق فيه.
كان القفل جديدًا نسبيًا مقارنة بما حوله، وعلى الخشب خدوش متوازية قرب الحلقة. وضع يده على الغطاء، فشعر ببرودة تتسلل إلى أصابعه.
لم يحاول رفعه.
أعاد قراءة التحذير في ذهنه. كان واضحًا منذ البداية، لكنه لم يفهم سبب إصرار والده على تركه مع المفتاح والخريطة. إذا كان يريد إبعاده عن هذا الباب، فلماذا ترك له ما يقوده إليه؟
مد يده نحو الحلقة، ثم توقف.
سمع صوتًا من تحت الخشب.
ثلاث طرقات بطيئة.
رفع يده فورًا.
انتظر.
جاءت ثلاث طرقات أخرى، متباعدة بالقدر نفسه.
تراجع حتى اصطدم بالجرار المكسورة خلفه. لم يكن الصوت مرتفعًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليعرف أنه لم يأتِ من الجبل أو من الطابق العلوي.
كان يأتي من تحت قدميه.
نهض بصعوبة وأعاد اللوح الخشبي إلى مكانه. خرج من غرفة التخزين وأغلق الباب. بقي واقفًا في الساحة، يحاول أن يسمع أي حركة أخرى.
ساد الصمت.
أخرج هاتفه وفتح الصور التي التقطها داخل البيت. انتقل بينها سريعًا حتى وصل إلى صورة النافذة من الخارج. كانت البقعة الصفراء لا تزال ظاهرة، لكن شيئًا آخر لفت انتباهه هذه المرة.
في الزاوية السفلية من الصورة، قرب مدخل البيت، ظهر ظل طويل على الأرض.
لم يره حين التقط الصورة.
قرّبها بأصابعه. كان الظل يشبه ظل رجل واقف، لكن مصدر الضوء لم يكن واضحًا. حاول تتبع اتجاهه، فاكتشف أنه يمتد نحو السيارة، لا نحو البيت.
رفع رأسه نحو الباب الرئيسي.
كان لا يزال مفتوحًا.
تحرك نحوه ببطء. وعندما وصل إلى العتبة، وجد ورقة صغيرة موضوعة فوق الكرسي الخشبي. لم تكن موجودة قبل دقائق.
التقطها.
كانت مطوية مرة واحدة، وعلى وجهها الخارجي اسمه مكتوبًا بخط أسود: «آسر».
فتحها.
وجد في داخلها جملة قصيرة: «الصورة ليست كما تظن.»
قلب الورقة، فلم يجد شيئًا آخر.
أخرج الصورتين من الظرف ووضعهما تحت ضوء الهاتف. نظر إلى الوجوه واحدًا واحدًا، ثم إلى الطفل الواقف قرب الجدار. لم يعرف ما الذي ينبغي أن يلاحظه، ولا لماذا بدا وجود الطفل أهم من وجود بقية الرجال.
اقترب من مصباح السيارة ليرى التفاصيل بوضوح أكبر.
عندها انتبه إلى شيء لم يلاحظه من قبل.
كان الطفل في الصورة الأولى يقف خلف الرجال، بينما ظهر في الصورة الثانية قرب الباب. لكن على الرغم من اختلاف المكان والوقت، كانت يداه في الوضع نفسه تمامًا، وكانت عيناه متجهتين إلى النقطة نفسها.
إلى المصور.
شعر آسر بانقباض في صدره. رفع الصورة الثانية وقربها من عينيه، ثم أعاد النظر إلى الأولى. لم يكن يعرف إن كان التشابه مصادفة، لكنه فهم الآن سبب ارتباك يزن حين رأى الطفل.
أعاد الصورتين إلى الظرف.
ثم سمع من داخل البيت صوت ارتطام قوي.
استدار.
انغلق الباب الرئيسي بعنف، وارتجت الحلقة الحديدية في وسطه.
بقي آسر واقفًا في الساحة الترابية، يحدق في الباب المغلق. كانت سيارته خلفه، والطريق إلى القرية مفتوحًا، لكنه لم يتحرك.
فمن داخل البيت، خلف الخشب الثقيل، جاءه صوت رجل.
لم يكن مرتفعًا، ولم يكن غاضبًا.
قال بهدوء: «كان يجب أن تأتي وحدك.»
نظر آسر حوله.
لم يكن معه أحد.
ثم سمع صوتًا آخر، هذه المرة من داخل سيارته.
صوت طفل يضحك.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات