مَضَاء
مَضَاء
الفصل الأول: الطريق الذي لا يعود منه أحد
لم يكن أهل القرية يذكرون اسم الجبل بعد غروب الشمس.
كانوا يشيرون إليه فقط.
يرفع أحدهم سبابته نحو الأفق، ثم يخفضها سريعًا، كأنه يخشى أن تراه العين التي تسكن هناك.
أما الجبل نفسه، فكان يبدو من بعيد مثل ظهر حيوان ضخم رابض فوق الصحراء.
اسمه في الخرائط: جبل مَضَاء.
لكن كبار السن كانوا يسمونه اسمًا آخر لا يُقال أمام الأطفال.
جبل النائمين.
وصل راكان إلى القرية قبل المغرب بساعة.
كان يقود سيارته وحيدًا، وقد أمضى منذ الصباح في الطريق أكثر مما توقع. امتدت أمامه الصحراء بلونها الأصفر الباهت، وانقطعت إشارة الهاتف قبل نحو أربعين دقيقة.
لم يهتم.
كان قد جاء بحثًا عن بيت جده حمدان.
بيت قديم تركته العائلة منذ أكثر من خمسين عامًا، بعد حادثة لم يكن أحد يرغب في الحديث عنها.
كان راكان قد ظن طوال حياته أن جده مات في حادث سيارة.
لكن قبل ثلاثة أيام، وبينما كان يرتب أوراق والده ناصر المتوفى، وجد ظرفًا بنيًا مخبأً خلف درج خشبي قديم.
لم يكن عليه اسم مرسل.
ولا عنوان.
فقط جملة واحدة مكتوبة بقلم أسود:
«إذا أردت أن تعرف لماذا لم يعد جدك، فاذهب إلى مَضَاء.»
كان داخل الظرف مفتاح صدئ.
وخريطة صغيرة.
وصورة بالأبيض والأسود لثلاثة رجال يقفون أمام بيت حجري.
في ظهر الصورة كتب جده:
«لا تفتح الباب السفلي.»
أعاد راكان الصورة إلى جيبه.
ثم ظهرت القرية.
بيوت قليلة متباعدة، مسجد صغير تعلوه مئذنة قصيرة، بقالة وحيدة، وبئر قديمة تحيط بها شجرة سدر ضخمة.
أوقف السيارة أمام الدكان.
خرج رجل مسن من الداخل.
كان اسمه مطلق.
ظل ينظر إلى راكان دون أن يتكلم.
قال راكان:
— السلام عليكم.
لم يجب الرجل فورًا.
ثم قال:
— وعليكم السلام.
تقدم راكان.
— تعرف بيت آل راشد؟
تغير وجه مطلق.
لم يسأل: أي راشد؟
فقط قال:
— من أرسلك؟
— ما أحد أرسلني.
— إذن ارجع.
ابتسم راكان ظنًا منه أن الرجل يمزح.
— أنا حفيد حمدان راشد.
سقط الصمت بينهما.
رفع مطلق عينيه إلى راكان.
هذه المرة كان الخوف واضحًا.
قال:
— أنت ابن ناصر؟
— نعم.
أغلق مطلق باب الدكان نصف إغلاق.
— والدك كان يعرف أفضل من أن يأتي إلى هنا.
— أبي مات قبل سنوات.
سكت الرجل.
ثم قال بصوت أخفض:
— الله يرحمه.
كان راكان على وشك أن يسأله عن البيت، لكنه لاحظ شيئًا خلف الرجل.
على جدار الدكان علقت عشرات الصور القديمة.
صور رجال.
شيوخ.
أطفال.
حفلات زواج.
جنائز.
ثم رأى صورة جعلت قلبه يتوقف للحظة.
كان جده فيها.
اقترب راكان من الصورة.
— هذه الصورة متى التقطت؟
لم يجب مطلق.
أشار راكان إلى جده.
— هذا حمدان راشد.
قال مطلق:
— أعرف.
— متى كانت الصورة؟
ظل الرجل صامتًا.
ثم قال:
— قبل اثنتين وأربعين سنة.
نظر راكان إلى الصورة مرة أخرى.
في أقصى طرفها، خلف الرجال، كان هناك طفل صغير.
طفل نحيل يقف تحت شجرة.
وجهه شاحب.
وعيناه تحدقان مباشرة في الكاميرا.
قال راكان:
— من هذا؟
أغلق مطلق باب الدكان بالكامل.
— لا تسأل.
— لماذا؟
جاء صوت الرجل من خلف الباب:
— لأن بعض الأسئلة إذا عرفت جوابها، ما عاد ينفعك أنك عرفت.
ثم سمع راكان صوت المزلاج.
بقي واقفًا أمام الباب للحظات.
كانت الشمس قد بدأت تختفي.
وعلى الجبل البعيد، ظهر شيء لم يكن موجودًا قبل دقائق.
ضوء.
ضوء واحد.
أبيض.
ثابت.
في أعلى الجبل.
أخرج راكان هاتفه.
لا إشارة.
حاول الاتصال.
لا شيء.
ثم سمع خلفه صوتًا.
خطوة.
التفت.
لم يكن هناك أحد.
خطوة أخرى.
هذه المرة من الجهة الأخرى.
التفت بسرعة.
لا أحد.
عاد إلى السيارة.
شغّل المحرك.
وقبل أن يتحرك، رأى شيئًا على زجاج السيارة الأمامي.
ورقة.
لم تكن موجودة عندما نزل.
مد يده وأخذها.
فتحها.
كانت خريطة للقرية.
وقد رسم أحدهم دائرة حمراء حول بيت جده.
وفي أسفلها جملة قصيرة:
«لقد تأخرت.»
نظر راكان إلى الجبل.
كان الضوء الأبيض لا يزال هناك.
ثم انطفأ.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
لم يكن هناك رقم.
فقط كلمة واحدة:
الجد.
تردد قبل أن يجيب.
ثم ضغط زر الاتصال.
سمع أولًا تشويشًا.
ثم صوت تنفس بطيء.
ثم صوت رجل عجوز قال:
— راكان؟
تجمد الدم في عروقه.
كان يعرف الصوت.
لم يسمعه إلا في تسجيل قديم احتفظ به والده.
صوت جده.
قال راكان بصوت مرتجف:
— من أنت؟
ضحك الرجل ضحكة خافتة.
ثم قال:
— قلت لك يا ولدي…
وتوقف.
— لا تفتح الباب السفلي.
انقطع الاتصال.
وفي مكان بعيد، داخل الجبل، دق جرس.
مرة واحدة.
ثم مرة ثانية.
ثم بدأت القرية كلها تظلم بيتًا بعد بيت.
حتى لم يبقَ مضاءً سوى نافذة واحدة.
نافذة بيت جده.
وكان خلفها…
رجل يقف وينتظر.

تعليقات
إرسال تعليق