قصة ظل الزوايا التسع

قصة 📅 سبتمبر 05, 2026

قصص التشويق النفسي والغموض التقني، حيث تتداخل الأسرار الرقمية مع هشاشة الإدراك البشري. أحداث مشوقة وشخصيات غامضة وألغاز تتصاعد بين الواقع والوهم، لتأخذ القارئ في رحلة مليئة بالتوتر والمفاجآت والأسئلة التي لا تنتهي.

الفصل الأول — الباب

«بعض الأبواب لا تحتاج إلى مفتاح، بل إلى شخص يجرؤ على فتحها.»

كان المطر يضرب نافذة شقة نيكسوس في لندن كأنه يحاول الدخول.
اقتربت الساعة من الحادية عشرة ليلًا، وكان يجلس أمام ثلاث شاشات تضيء الغرفة بلون أزرق خافت، بينما امتزج طنين جهاز التبريد بصوت المطر المتواصل.
أخذ يفتح طبقات الملفات واحدة بعد أخرى، حتى ظهرت أمامه نافذة سوداء تحمل كلمة «البدء»، وتحتها اسم «آدم هـ».
توقف إصبعه فوق لوحة المفاتيح لحظة، ثم فتح الملف.
ظهرت صورة قديمة لآدم يقف أمام باب معدني رمادي، وإلى جواره دائرة سوداء تحيط بها ثماني نقاط فقط.
انتقل نيكسوس إلى مجلد آخر يحمل اسم «الإدراك والتردد».
فتح أحد ملفاته، فظهرت في منتصف الشاشة عبارة: «قد يؤدي التعرض لأصوات لا ترتبط بمصدر واضح إلى تغيير الإدراك قبل أن يتعرف المراقب إلى مصدرها».
وتحتها ملاحظة أقصر: «أفاد بعض المشاركين بأنهم سمعوا أصواتًا مجهولة المصدر بعد التعرض لها لفترات طويلة».
قرأ نيكسوس العبارتين بتركيز، ثم عاد إلى الأولى وقرأها مرة أخرى.
قال بصوت منخفض: «إذًا ما زالوا يستخدمونها.»
قبل أن يغلق الملف، ظهرت نافذة جديدة تحمل تحذيرًا واضحًا: «لا تفتح الباب التاسع».
ابتسم ابتسامة خالية من الفرح، ثم فتح محادثة مشفرة وكتب إلى ميرا: «سأرسلها إليك.»
تردد قليلًا قبل أن يضيف: «إن كنتِ ما زلتِ ترين ما لا يراه الآخرون.»
ضغط زر الإرسال وانتظر.
ظهرت دائرة صغيرة أسفل الشاشة، تتوزع حولها ثماني نقاط سوداء.
ظل ينظر إليها حتى ظهرت نقطة تاسعة للحظة واحدة فوق اسم «ميرا»، ثم اختفت.
تغير وجه نيكسوس، وتمتم: «متأخر.»
أغلق الشاشة.

الفصل الثاني — آدم

«أحيانًا لا يعود الغائب، لكنه يترك وراءه ما يمنعنا من نسيانه.»
وصل الملف إلى هاتف ميرا بعد دقائق من إرساله.
كانت وحدها في شقتها بلندن، تجلس قرب النافذة، وأمامها فنجان قهوة فقد حرارته منذ وقت طويل.
كان المطر ينساب على الزجاج، بينما أضاء إشعار جديد شاشة هاتفها.
نظرت إلى اسم المرسل، فوجدت «نيكسوس».
لم تكن تثق به، لكن اسم الملف المرفق، «التسجيل الصوتي الأخير لآدم»، جعلها تتوقف قبل أن تفتح الرسالة.
أعاد الاسم إليها ذكرى لم تستطع التخلص منها طوال الأشهر الماضية.
كان آدم يعمل على مجموعة من الملفات المشفرة داخل المختبر، وقد أخبرها ذات ليلة أنه اكتشف خللًا غريبًا في أحد البرامج.
لم يستطع أحد رؤية ذلك الخلل سواها.
كانت قد لاحظت أن جزءًا من الشيفرة يتغير من تلقاء نفسه، دون أن يظهر أي أثر للتعديل في سجل النظام.
وبعد فترة قصيرة، اختفى آدم.
قالت الشرطة إنه غادر بمحض إرادته، لكنها لم تقتنع تمامًا بروايتهم.
ضغطت ميرا زر التشغيل، فسمعت صوت آدم منخفضًا ومشوشًا: «ميرا... إذا وصل إليك هذا الملف، فلا تبحثي عني».
ساد صمت قصير قبل أن يعود صوته قائلًا: «هم يراقبون من يبحث».
انتهى التسجيل، ثم سمعت ثلاث نقرات متتابعة، تفصل بينها لحظات قصيرة.
وبعد النقرة الأخيرة، ظهرت على الشاشة إحداثيات تشير إلى مدينة مانشستر.
كانت ميرا على وشك إعادة تشغيل التسجيل حين ظهرت صورة لآدم يقف أمام الباب المعدني الرمادي نفسه الذي رأته في الملفات القديمة.
وتحت الصورة كُتبت عبارتان: «لم يكن آدم ضحية. كان شاهدًا».
ظلت تحدق في الصورة، تحاول فهم العلاقة بين التسجيل والإحداثيات، حتى ظهر إشعار جديد من نيكسوس يقول: «لا تبحثي عن الاسم».
كتبت تسأله: «من أنت؟».
تأخر الرد قليلًا، ثم ظهرت رسالة قصيرة: «أنت تعرفينني».
رفعت ميرا رأسها عن الهاتف.
كان في طريقة كتابة الرسالة شيء مألوف؛ ترتيب الكلمات، وموضع الفاصلة، وحتى ذلك التوقف الذي تخيلته قبل الكلمة الأخيرة.
ذكّرها كل ذلك بآدم، لكنها استبعدت الفكرة فورًا.
عادت إلى المحادثة وكتبت: «لماذا أنا؟».
جاء الرد: «لأنك لاحظتِ الشيفرة التي لم يرها أحد».
وبعد لحظة وصلت رسالة ثانية: «وآدم قال إنك لن تتركيه».
وضعت ميرا الهاتف على الطاولة، وشعرت بقلق لم تستطع تفسيره.
لم يكن ما أخافها مجرد ذكر اسم آدم، بل معرفة شخص غريب بتفاصيل لم تتحدث عنها إلا معه.
أمسكت هاتفها مرة أخرى وفتحت رقم الطوارئ، لكنها توقفت قبل الضغط على زر الاتصال.
تخيلت الأسئلة التي ستواجهها، والملفات التي سيطلبون منها تسليمها، والوقت الذي ستقضيه في شرح مصدرها.
ثم تخيلت أن ينتهي الأمر باعتبار اختفاء آدم قضية قديمة لا تستحق إعادة التحقيق.
نظرت إلى صورته وتذكرت ما قاله لها ذات مرة في المختبر: «إذا وجدتِ شيئًا لا أفهمه، فلا تثقي بأول تفسير».
أغلقت شاشة الاتصال وهمست: «ليس الآن».
عادت إلى حاسوبها الرئيسي وحفظت الملفات في نسخة مشفرة، ثم نقلت نسخة منها إلى وحدة تخزين خارجية صغيرة، حتى تتمكن من فحصها على جهاز آخر عند الحاجة.
أخرجت الوحدة من الحاسوب ووضعتها بجوار لوحة المفاتيح، قبل أن تبدأ بعزل الجهاز عن الشبكة.
فصلت كابل الاتصال، وعطلت الشبكة اللاسلكية والبلوتوث، وتأكدت من إيقاف جميع وسائل الاتصال الخارجي.
أما هاتفها، فأبقته بعيدًا عن الحاسوب، خارج نطاق العزل.
نظرت إلى الشاشة بعد أن انتهت، وحاولت إقناع نفسها بأنها اتخذت الاحتياطات اللازمة.
كان أمامها الآن حاسوب معزول، وهاتف منفصل، ونسخة محفوظة من الملفات يمكنها العودة إليها.
لكنها لم تنتبه إلى الحاسوب المحمول الاحتياطي الموضوع فوق الرف.
كان الجهاز مفتوحًا، ولم تكن قد فصلته عن الشبكة.
ظل متصلًا بالإنترنت بينما عادت ميرا إلى فحص الملفات، دون أن تدرك أن في الغرفة جهازًا آخر لم يشمله العزل.

الفصل الثالث — النقطة

«أحيانًا تكون المسافة بين الأمان والخطر أقصر مما نظن.»

كانت الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة صباحًا، ولم تنم ميرا منذ أكثر من عشرين ساعة.
شعرت بثقل في جفنيها وجفاف في عينيها، بينما أخذ طنين جهاز التبريد يختلط بصوت المطر حتى صار من الصعب عليها التمييز بينهما.
كانت تعرف أنها بحاجة إلى النوم، لكن الملفات التي وصلت إليها لم تترك لها فرصة للراحة.
فتحت مجلدًا يحمل اسم «أحداث 2026»، فظهرت أمامها خريطة لمدينة لندن.
توقفت عندما رأت الإحداثيات المحددة عليها.
لم تكن هذه الإحداثيات هي التي ظهرت في تسجيل آدم وأشارت إلى مانشستر، بل كانت تشير إلى موقع آخر داخل لندن، قريب جدًا من شقتها.
أغلقت الملف وأبعدت يدها عن الفأرة، ثم بقيت ساكنة لثوانٍ تحاول استيعاب ما رأته.
كان عليها أن تتوقف عن البحث، لكنها لم تستطع تجاهل سؤال واحد: كم تبعد تلك النقطة عن منزلها؟
فتحت الخريطة مرة أخرى وهمست: «أريد فقط أن أعرف المسافة».
كانت تدرك أن الفضول ليس السبب الوحيد الذي يدفعها إلى الاستمرار.
فقد شعرت بشيء غريب، كأن الموقع المحدد على الخريطة لا ينتظر وصولها إليه، بل ينتظر أن تنظر إليه.
ظهرت النقطة بوضوح، وكانت أقرب مما توقعت.
أخذت ميرا تحدق فيها، ثم التقطت صورة للخريطة بهاتفها لتحتفظ بالإحداثيات بعيدًا عن الحاسوب الرئيسي المعزول.
وضعت الهاتف على الطاولة وعادت إلى الشاشة.
في تلك اللحظة، لاحظت أن كوب القهوة تحرك قليلًا من مكانه، مسافة لا تتجاوز سنتيمترًا واحدًا.
تجمدت في مقعدها وظلت تنظر إليه، ثم مدت يدها ولمست الكوب.
كان باردًا، ولم تجد على سطح المكتب ما يفسر حركته.
تفحصت الطاولة والأرض والنافذة، لكنها لم تشعر بأي اهتزاز، ولم تلاحظ شيئًا غير مألوف.
أعادت الكوب إلى مكانه وأبعدته عن الحافة، ثم قالت بصوت مسموع: «ربما دفعته بيدي دون أن أشعر».
حاولت الاقتناع بهذا التفسير، لكنها لم تستطع التخلص من شعورها بأن شيئًا ما حدث أمام عينيها دون أن تفهمه.
اهتز هاتفها فجأة، وظهرت رسالة من نيكسوس: «أغلقي الملف».
وبعد لحظة وصلت رسالة ثانية: «الآن».
أمسكت الهاتف وكتبت: «لماذا؟».
جاءها الرد: «أنت تعرفينني».
توقفت أصابعها فوق الشاشة.
لم يكن ما أثار قلقها تشابه الكلمات وحده، بل الطريقة التي كُتبت بها الرسائل.
كان آدم يكتب بهذه الطريقة؛ جملة قصيرة يتبعها صمت، ثم جملة أخرى تبدو كأنها تكمل فكرة لم يفصح عنها.
أعادت الهاتف إلى الطاولة، وفتحت ملفًا آخر داخل مجلد «أحداث 2026» يحمل اسم «أزير».
ظهرت أمامها وثائق تتناول المراقبة والعزل والحرمان من النوم وتأثير هذه الظروف في الإدراك البشري.
وفي أسفل إحدى الصفحات قرأت ملاحظة تقول: «أفاد بعض المشاركين بأنهم سمعوا أصواتًا مجهولة المصدر بعد التعرض لها لفترات طويلة».
أعادت قراءة العبارة، ثم رفعت رأسها نحو جهاز التبريد.
كان الطنين لا يزال مستمرًا، والمطر يضرب النافذة بالإيقاع نفسه، لكنها شعرت بأن الأصوات أصبحت أقرب وأكثر وضوحًا.
حاولت التركيز على الوثائق، وانتقلت إلى الملف التالي.
وقبل أن تلمس الفأرة، لاحظت أن المؤشر يتحرك وحده على الشاشة.
تابعته بعينيها وهو يتجه ببطء نحو مجلد يحمل اسم «ميرا».
سحبت يدها عن الفأرة، وراقبت المؤشر حتى توقف فوق المجلد.
ظهر في منتصف الشاشة سطر واحد: «تم التعرف على الشخص المستهدف».
شعرت ميرا بضيق في صدرها، وتسارعت دقات قلبها.
ارتجفت أصابعها قليلًا، ثم أبعدت يدها عن المكتب كأنها تخشى لمس شيء لا تستطيع رؤيته.
التفتت نحو باب الشقة.
كان مغلقًا، ولم يكن يفصلها عنه سوى بضعة أمتار.
لكنها وجدت نفسها تحسب المسافة إليه، وتتساءل إن كانت ستتمكن من الوصول إليه بسرعة إذا اضطرت إلى الهرب.
عادت بنظرها إلى الحاسوب.
لم يتحرك المؤشر مرة أخرى، ولم تظهر أي رسالة جديدة.
ظل اسمها وحده على الشاشة.
تراجعت في مقعدها ببطء، وأبقت عينيها على المجلد.
لم تعد تنتظر ما سيحدث.
كانت تستعد له.

الفصل الرابع — الأزير

«أخطر ما يفعله الخوف أنه يجعلنا نشك فيما نراه بأعيننا.»

أغلقت ميرا الملف وابتعدت عن الحاسوب. كانت بحاجة إلى الماء وإلى بضع دقائق تستعيد فيها هدوءها، فذهبت إلى المطبخ وشربت نصف كوب من الماء، ثم غسلت وجهها وعادت إلى الغرفة. كان المطر لا يزال يتساقط خلف النافذة، ولم يتغير شيء في المكان، لكن شعورها بالأمان لم يعد كما كان. جلست أمام الحاسوب وفتحت ملف «أزير» الذي أغلقته قبل دقائق. هذه المرة لم تنظر إليه بوصفه وثيقة تقنية فحسب، بل دليلًا قد يساعدها على فهم ما يحدث حولها. ظهرت أمامها رسومات تضم تسع وحدات موزعة على تسع زوايا، وتحتها عبارة: «الإدراك جزء من النظام». توقفت عند الكلمات وأعادت قراءتها. إذا كان النظام لا يكتفي بمراقبة الأجهزة، بل يستطيع التأثير فيما يراه الإنسان ويسمعه، فربما لم تكن الأحداث الغريبة التي شهدتها مجرد أعطال. ربما كانت جزءًا من اختبار صُمم لدفعها إلى الشك في حواسها.

تذكرت كوب القهوة الذي بدا لها أنه تحرك، والمؤشر الذي انتقل على الشاشة دون أن تلمسه، والأصوات التي عجزت عن تحديد مصدرها. لم تكن تملك دليلًا يثبت أن كل ما شاهدته حدث بالفعل، لكنها لم تستطع أيضًا أن تنسبه كله إلى الإرهاق. شعرت بأن الغرفة أبرد من قبل، رغم أن درجة الحرارة لم تتغير فيما يبدو، فضمت ذراعيها إلى صدرها وأعادت النظر إلى الملف. ظهر سطر جديد أسفل الرسومات: «المراقب يكمل الدائرة». ثم ظهرت تحته العبارة التي قرأتها قبل قليل: «الإدراك جزء من النظام». استوقفها تكرارها. كانت تعرف أنها قرأتها بالفعل، لكن ظهورها مرة أخرى، في هذا الموضع تحديدًا، جعلها تشعر كأن الملف يوجه الكلام إليها. حاولت إقناع نفسها بأن العبارتين جزء من وثيقة معدة مسبقًا، لا رسالة شخصية. ومع ذلك، لم تستطع التخلص من الإحساس بأن شيئًا ما يتوقع رد فعلها.

أحست بثقل في رأسها. لم تعد تعرف أين ينتهي الاختراق التقني وأين يبدأ تأثير الخوف وقلة النوم في إدراكها. فجأة، انغلقت إحدى نوافذ العرض على الحاسوب، ثم عادت الشاشة إلى وضعها المعتاد. نظرت ميرا إلى الساعة في زاويتها، فوجدتها تشير إلى الثانية عشرة تمامًا. حدقت في الأرقام بدهشة؛ فقد كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحًا قبل دقائق، ولم يمض وقت يكفي لتفسير هذا التغير. التفتت إلى هاتفها لتتحقق من الوقت، ثم أعادت النظر إلى الحاسوب. لم تعرف إن كانت ساعة الجهاز قد تغيرت بفعل برنامج يعمل داخله، أم أن هناك خللًا آخر لم تنتبه إليه. لكنها أصبحت متأكدة من أمر واحد: لم يعد بوسعها الاعتماد على ما تعرضه الشاشة دون التحقق منه.

قبل أن تتمكن من متابعة فحص الساعة، ظهرت صورة آدم على الحاسوب. كان يقف أمام الباب المعدني الرمادي، وإلى جواره الدائرة السوداء ذات النقاط الثماني، بينما بقي موضع النقطة التاسعة فارغًا. وتحت الصورة ظهرت العبارة نفسها: «المراقب يكمل الدائرة». تراجعت ميرا في مقعدها، ثم تذكرت الحاسوب المحمول الاحتياطي الذي تركته فوق الرف. التفتت نحوه، فرأت شاشته مضاءة ومؤشر الاتصال بالشبكة ظاهرًا في زاويتها. نهضت واقتربت منه وهي تتمتم: «كيف نسيت هذا؟». تفحصت الشاشة ولاحظت نشاطًا في الاتصال، ثم ظهرت نافذة صغيرة واختفت قبل أن تتمكن من قراءة محتواها. كانت قد فصلت الحاسوب الرئيسي عن الشبكة بعناية، لكنها تركت الجهاز الاحتياطي متصلًا بالإنترنت. أما هاتفها، فقد أبقته متصلًا عمدًا حتى تتمكن من الرجوع إلى المعلومات المحفوظة عليه ومقارنتها بما يظهر أمامها.

تذكرت وحدة التخزين الخارجية التي أعدتها لحفظ نسخة من الملفات. كانت قد نقلت الملفات إلى الحاسوب الرئيسي قبل عزله، ثم حفظت نسخة منها على وحدة التخزين. وبعد ذلك، فتحت النسخة المحفوظة على الحاسوب المحمول الاحتياطي لفحص محتواها، دون أن تنتبه إلى أنه لا يزال متصلًا بالشبكة. بدأت ترى احتمالًا لم تفكر فيه من قبل. ربما لم تكن الوثائق وحدها ما انتقل بين الأجهزة؛ فقد تكون الملفات نفسها تضمنت حمولة برمجية مخفية، تعمل بمجرد فتحها أو تشغيل أحد مكوناتها. وإذا صح ذلك، فقد أصبح الحاسوبان معرضين للتأثير بطريقتين مختلفتين: الرئيسي من خلال الملفات التي وصلت إليه قبل العزل، والاحتياطي من خلال الملفات التي فتحتها عليه بينما كان متصلًا بالإنترنت. لم يكن هذا دليلًا على أن أحدًا يراقبها في تلك اللحظة، لكنه كشف لها أن فصل الشبكة وحده لا يكفي لحماية جهاز سبق أن استقبل ملفات غير موثوقة.

عادت إلى الحاسوب الرئيسي، فوجدت رسالة تحذيرية على الشاشة: «تم رصد وصول عن بُعد». تجمدت للحظة، ثم تذكرت أنها فصلت وسائل الاتصال عنه. لم تكن الرسالة دليلًا على حدوث اتصال خارجي بالفعل. كان من الممكن أن تكون الحمولة الموجودة داخل الجهاز قد حاكت إشعارات الأمان في نظام التشغيل، وأظهرت تحذيرًا يوحي بأن شخصًا تمكن من الوصول إليه. فحصت ما استطاعت من حالة الاتصال، لكنها لم تجد ما يؤكد أن الجهاز استعاد اتصاله بالشبكة. ومع ذلك، لم تشعر بالاطمئنان؛ فالمشكلة لم تعد مقتصرة على احتمال سرقة ملفاتها، بل امتدت إلى قدرتها على الوثوق بما يخبرها به الحاسوب.

فتحت أحد الملفات، فوجدت أن محتواه قد تغير. انتقلت إلى ملف ثانٍ ثم ثالث، واكتشفت أن الوثائق التي كانت تقرؤها لم تعد تظهر كما كانت. لم تكن الملفات قد اختفت، لكن محتوياتها استُبدلت بصورة سوداء واحدة تتوسطها دائرة تحيط بها ثماني نقاط، مع فراغ واضح في موضع النقطة التاسعة. قالت بصوت منخفض: «ليس حذفًا... بل استبدال». واصلت فحص الملفات واحدًا بعد آخر، حتى تأكدت أن الصورة نفسها حلت محل الوثائق التي حاولت العودة إليها. كان الأمر أشبه بأن أحدًا لم يرد حرمانها من المعلومات فقط، بل أراد أن يترك لها رمزًا محددًا بدلًا منها. لكنها لم تعرف إن كان هذا الاستبدال قد حدث للتو، أم أن الملفات كانت مهيأة لإظهار الصورة عند تحقق شرط معين.

تذكرت صورة الخريطة التي التقطتها بهاتفها قبل أن تبدأ هذه التغيرات. أمسكت الهاتف وفتحت الصورة المحفوظة، فوجدتها كما تركتها، بإحداثياتها الأصلية وتفاصيلها الثابتة. ثم فتحت الخريطة المباشرة وقارنت الموضع الظاهر فيها بالموقع المسجل في الصورة. لاحظت أن العلامة التي كانت تتابعها لم تعد في مكانها السابق، بل ظهرت أقرب إلى شقتها. انتظرت قليلًا وهي تحدق في الشاشة، فرأت موضع العلامة يتغير مرة أخرى. أعادت فتح الصورة الثابتة للتأكد من أنها لم تخطئ في تذكر الإحداثيات، ثم رجعت إلى الخريطة. لم تتغير البيانات المحفوظة، لكن العلامة في العرض المباشر واصلت الاقتراب.

وضعت الهاتف على المكتب وظلت تراقب الخريطة. كانت الصورة المحفوظة المرجع الوحيد الذي بقي لديها للمقارنة، لكنها لم تستطع الجزم بأن العرض المباشر يعكس حركة حقيقية على الأرض. ربما كانت هناك إشارة تنتقل فعلًا نحو شقتها، وربما كان البرنامج يعرض حركة مصطنعة ليجعلها تعتقد أن الخطر يقترب. نظرت إلى الحاسوب الرئيسي، ثم إلى الجهاز الاحتياطي الذي تركته متصلًا بالشبكة، وأدركت أن عزل الأجهزة لم يمنحها اليقين الذي كانت تبحث عنه. كانت تستطيع فصل الأسلاك وإغلاق البرامج، لكنها لم تعد تعرف أي صورة على الشاشات تستحق التصديق. عادت عيناها إلى الهاتف. كانت العلامة أقرب من ذي قبل، ولم يبقَ بينها وبين شقتها على الخريطة سوى مسافة قصيرة. ظلت تحدق فيها، وقد استقر في ذهنها سؤال واحد: هل كان هناك شيء يقترب منها حقًا، أم أن أحدًا يريدها أن تنتظر وصوله؟

الفصل الخامس — النقطة التاسعة

«قد يكون أخطر ما نراه هو ما لا نستطيع التأكد من وجوده.»

بعد أن انتهت ميرا من فحص الملفات التي استُبدلت محتوياتها، لاحظت أن ملفًا واحدًا احتفظ باسمه ولم يتحول إلى الصورة السوداء التي ظهرت في بقية الملفات. كان يحمل اسمها: «ميرا». ترددت قبل أن تفتحه، ثم اكتشفت أنه يحتوي على تسجيل صوتي. ضغطت زر التشغيل، فسمعت صوت آدم يقول بوضوح: «لا تفتحي الباب». تجمدت في مقعدها. التفتت نحو السماعات الموضوعة بجوار الحاسوب، فوجدتها مفصولة عنه كما تركتها. ومع ذلك، كان الصوت قد وصل إليها واضحًا وقريبًا، كأن آدم نطق بالكلمات داخل الغرفة نفسها. نظرت إلى الحاسوب المحمول الاحتياطي، ثم إلى هاتفها الموضوع على المكتب. ربما صدر الصوت من أحدهما، لكنها لم تستطع تحديد مصدره. أعادت النظر إلى الملف المفتوح، وأبقت إصبعها فوق زر التشغيل دون أن تضغطه مرة أخرى. لم تكن مستعدة لسماع التحذير ثانية.

حاولت أن تجد تفسيرًا لما حدث. ربما احتوى التسجيل على مؤثر صوتي جعل الكلمات تبدو أقرب مما هي عليه، أو كانت إحدى وسائل إخراج الصوت لا تزال تعمل دون أن تنتبه إليها. وربما كان الإرهاق وقلة النوم قد أثّرا في إدراكها، حتى باتت تسمع ما تتوقع سماعه. كانت الاحتمالات كلها واردة، ولم تملك ما يرجح أحدها. لكن صوت آدم أعاد إليها صورة الباب المعدني الرمادي، والدائرة السوداء المرسومة إلى جواره، والتحذير الذي وصلها منه في التسجيل السابق. هذه المرة لم يقل لها ألّا تبحث عنه. قال فقط: «لا تفتحي الباب». رفعت رأسها ببطء ونظرت إلى باب الغرفة. كان مغلقًا، ولم تسمع من خلفه حركة. راودتها رغبة في النهوض والتأكد من أنه موصد، لكنها لم تتحرك. لم تكن تعرف إن كان آدم يحذرها من ذلك الباب تحديدًا، أم من باب آخر لم تصل إليه بعد.

انتقلت عيناها إلى زجاج النافذة. كان الظلام في الخارج يجعل سطح الزجاج يعكس الغرفة، بضوء الحاسوب الخافت وما يظهر خلف مقعدها من أثاث. رأت الباب المغلق في الانعكاس، ثم لاحظت بقربه شكلًا داكنًا لم تتبين حدوده. مالت قليلًا إلى الأمام، محاولة أن تعرف إن كان ظل قطعة أثاث أو انعكاس شيء خارج النافذة. بقي الشكل في موضعه. كان بوسعها أن تستدير وتنظر إلى الباب مباشرة، لكنها ترددت. تذكرت ما قرأته في ملفات «أزير» عن الإدراك والمراقبة، وعن العبارة التي تكررت أمامها: «المراقب يكمل الدائرة». تساءلت إن كان التفاتها جزءًا مما يُنتظر منها، وإن كان النظام قادرًا على معرفة اللحظة التي تستجيب فيها لما تراه. ثم خطر لها احتمال أبسط وأكثر إزعاجًا: ربما لم يكن هناك شيء خلفها أصلًا، وربما كان خوفها هو الذي يمنح ذلك الظل معنى.

أضاءت شاشة الحاسوب بضوء أشد، فالتفتت إليها. ظهرت في وسطها عبارة: «لقد اخترتِ أن تري». وبعد لحظة، اختفت الكلمات لتحل محلها عبارة أخرى: «والآن... أنتِ مرئية». شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لم تلمس لوحة المفاتيح، ولم تحاول إغلاق النافذة التي ظهرت فيها الرسالة. كانت تنظر إلى الكلمات وتفكر في معناها. هل كانت الرسالة ردًا على مراقبتها للانعكاس، أم أنها ظهرت في توقيت أُعد مسبقًا ليبدو كذلك؟ لم تجد سبيلًا لمعرفة الفرق. رفعت عينيها إلى النافذة مرة أخرى. كان الشكل الداكن لا يزال ظاهرًا، لكنه بدا أقرب إلى مقعدها. حدقت فيه طويلًا، ثم حركت رأسها قليلًا لتغير زاوية الرؤية. تبدلت انعكاسات الأثاث على الزجاج، لكن الشكل لم يختفِ. بل خُيّل إليها أنه اقترب خطوة أخرى.

حبست أنفاسها. لم تعد المسافة بين الظل ومقعدها، كما تراها في الانعكاس، تتجاوز بضعة أقدام. أحست برغبة مفاجئة في الاستدارة، إلا أن جسدها ظل ساكنًا. كانت تخشى أن ترى شيئًا لا تستطيع تفسيره، وتخشى بالقدر نفسه أن تستدير فلا تجد شيئًا. أخيرًا، رفعت عينيها عن الزجاج وأدارت رأسها ببطء نحو الغرفة. كان الباب مغلقًا. لم تر أحدًا بالقرب منه، ولم تجد خلف مقعدها سوى الأشياء التي تعرف أماكنها. انتظرت لحظات، مصغية إلى أي حركة، لكن الطنين المنتظم لجهاز التبريد كان الصوت الوحيد الذي تسمعه. عادت إلى النافذة. اختفى الشكل الداكن.

شعرت بشيء من الارتياح، لكنه لم يدم. في الموضع الذي كان يظهر فيه الظل، رأت دائرة سوداء تحيط بها ثماني نقاط. كانت تشبه الرمز الذي حل محل الملفات، والرمز المرسوم بجوار آدم في الصورة. لكن الدائرة لم تكن مطابقة لما رأته من قبل. ففي الفراغ الذي ظل خاليًا طوال الوقت، ظهرت نقطة صغيرة مضيئة. اقتربت ميرا من حافة مقعدها وحدقت في الزجاج. لم تعرف إن كانت الدائرة انعكاسًا لصورة ظهرت على إحدى الشاشات، أم أن الضوء جاء من مكان آخر. التفتت بعينيها نحو الحاسوب دون أن تحرك رأسها كثيرًا، ثم أعادت النظر إلى النافذة. كانت النقطة التاسعة لا تزال مضيئة.

حاولت تحديد موضعها بالنسبة إلى الأشياء المنعكسة. ظهر الضوء خلف مكان جلوسها مباشرة، في الموضع نفسه الذي بدا لها أن الظل قد وصل إليه قبل اختفائه. أدركت أنها لو استدارت مرة أخرى، فستكون تنظر إلى المكان الذي تشير إليه النقطة. لكنها لم تعرف ما الذي تتوقع رؤيته هناك. لم تكن واثقة حتى من أن الدائرة موجودة خارج إدراكها، أو أن الزجاج يعكس شيئًا حقيقيًا. تذكرت صوت آدم وهو يقول: «لا تفتحي الباب». كان الباب لا يزال مغلقًا، ولم تقترب منه. ومع ذلك، راودها إحساس بأنها استجابت لشيء آخر دون أن تدرك ذلك. ربما لم يكن المطلوب منها أن تفتح بابًا بيدها. وربما كان كل ما حدث مجرد سلسلة من الصور والأصوات التي جعلتها تصل إلى هذا الاستنتاج بنفسها.

ظلت عيناها معلقتين بالنقطة المضيئة. لم تتحرك، ولم تحاول لمس الهاتف أو الحاسوب. كانت تنتظر تغيرًا جديدًا في الصورة، أو صوتًا يفسر ما تراه. لكن شيئًا لم يظهر. ثم توقف جهاز التبريد فجأة. انقطع الطنين الذي رافقها طوال الليل، واختفى معه آخر صوت مألوف في الغرفة. بقيت ميرا في مقعدها، تحدق في النقطة التاسعة المضيئة خلف صورتها على الزجاج. ولم يبقَ في الغرفة سوى الصمت.

انتهت الحكاية… لكن القراءة لا تنتهي هنا

حكايات قد تعجبك

جاري اختيار حكايات مناسبة لك…

تعليقات

التصنيفات